داعش والجهاديوندراسات

مدينة إدلب .. إستقطاب “جهادي” ومواجهات مفتوحة. بقلم صفوان داؤد

إعداد : صفوان داؤد*،باحث مختص بالشأن السوري ـ سوريا
المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والإستخبارات ـ المانيا وهولندا

أدى تشكيل «تحرير سوريا» في محافظة ادلب وريف حلب الغربي الى زيادة في حالة الاستقطاب الجهادي مع حصول انزياح عام للعناصر الراديكالية والمهاجرة (غير السورية) نحو هذا التشكيل على حساب «تحرير الشام» التي خسرت معظم المهاجرين في صفوفها على رأسهم الكتلة المغاربية بقيادة عبد الرحمن المغربي.

ومنذ نهاية عام 2017 تقريبا لم يعد القياديي تحرير الشام على رأسهم ابو محمد الجولاني تأثير كبير على المهاجرين في صفوف هيئتهم, ولايمكن تفسير ذلك الا من منظور تنافس تركي-اقليمي على ادارة القوى الاسلاموية في الشمال السوري. ونعتقد ان المتحكم اتجاه انزياح المهاجرين تحديدا في الشمال السوري هو التمويل من قبل اطراف اقليمية وهذا يفسر خسارة «تحرير الشام» المدعوم من انقرة لمعظم عناصره من المهاجرين لصالح «تحرير سوريا» المدعوم من المنافسين للانقرة.

لمحة عن  اطراف الصراع

«جبهة تحرير الشام»: في 28 يناير 2017 اندمج عدد من المجموعات الاسلامية المسلحة في سوريا بكيان جديد اطلق على نفسه «جبهة فتح الشام السورية المسلحة» المعروفة بـ «هيئة تحرير الشام» وعين هاشم الشيخ ابو جابر(1) زعيماً عليها فيما عين ابو محمد الجولاني قائداً عسكريا عاماً. وزكى هذا الكيان ستة من اهم شرعيي الصف الاول في محافظة ادلب(2).

ومنذ تأسيسها رفضت «حركة احرار الشام» الانضمام الى هذا الكيان نتيجة خلافات عميقة على مناطق النفوذ والمعابر في محافظة ادلب. تتكون «جبهة تحرير الشام» من: «جبهة فتح الشام» (جبهة النصرة سابقا, فرع القاعدة في بلاد الشام), حركة «نور الدين زنكي» (انشقت عن تحرير الشام في 20 يوليو تموز 2017), «جبهة أنصار الدين», «الحزب الإسلامي التركستاني» (المقرب من حركة طالبان), و«جيش السنة», و«لواء الحق», «كتيبة البخارى»(3), «مجاهدي أشداء».

«جبهة تحرير سوريا»: في 18 فبراير أُعلن في محافظة ادلب عن تأسيس «جبهة تحرير سوريا» من قبل حركتي «أحرار الشام” و«نور الدين زنكي». وبايع قادة التشكيل الجديد حسن صوفان أبو البراء قائداً عامّاً للجبهة، وهو قائد العام سابق لحركة «أحرار الشام الإسلاميّة»، بينما بويع توفيق شهاب الدين نائباً له، وهو القائد العامّ السابق لحركة «نور الدين زنكي».

كما عُين خالد أبو اليمان قائداً عسكريّاً للجبهة, وزكى هذا الكيان العسكري الجديد مجموعة من شرعيي الصف الاول المنشقين عن تنظيم القاعدة على رأسهم الشيخ السعودي ماجد الراشد والشيخ الكويتي علي العرجاني. تتكون «جبهة تحرير سوريا» من: «حركة احرار الشام» (المقرب من التيار السلفي العربي), «حركة نور الدين زنكي», «صقور الشام», «كتائب ثوار الشام», و«جيش الإسلام» (فرع الشمال)، «الجبهة الشامية»، «جيش العزة», «تجمع فاستقم كما أمرت», «جيش الثوار» وبقايا «جيش المجاهدين». مع ملاحظة أن طبيعة التشكيل في هذه الجبهة تحرير سوريا هو التحالف الواسع دون عتبة الاندماج الكامل.


الميدان

بعد يومين على اعلان تشكيل الكيان العسكري الجديد «جبهة تحرير سوريا» في 20 فبراير 2018 شنّ «تحرير الشام» هجوماً على مواقعه عند أطراف مدينة دارة عزة في ريف حلب الغربي, لتتوسع المعارك بسرعة نحو محافظة ادلب. وشملت مناطق القتال محيط الفوج 111 وأطراف بلدات باتبو أورم الكبرى وكفر ناصح.

سيطرت خلالها «تحرير الشام» على بلدة كفرنبل وقريتي الرويحة وحاس، في حين تمكّنت «تحرير سوريا» من السيطرة على مدينتي أريحا ومعرّة النعمان ووادي الضيف وقرى ترملا ومعرشورين وبابيلا في ريف إدلب. وقالت صحيفة المونيتور أن اندلاع هذه المواجهات جاء نتيجة “قيام «تحرير الشام» بمحاربة فصائل الجيش السوري الحر, وبعدم جديتها في مواجهة الحملة العسكرية التي شنتها قوات النظام السوري على ريف إدلب منذ مطلع العام الجاري”(4) وهذا تفسير سطحي نوعا ما لما يحصل في شمال غرب سوريا.

وبحسب وكالة «إباء» التابعة لتحرير الشام, وفي تسجيل مصور توعد أبو اليقظان المصري القائد الشرعي في «تحرير الشام» بأن مجموعته قد “يمنّ الله عليها الآن بقتال البغاة (تحرير سوريا) واقتراب نهايتهم”, وحذا حذوه القائد الشرعي الثاني في تحرير الشام عبدالرحيم عطون استنفار عناصره لقتال المرتدين.لم تنجح اي وساطة لوقف القتال واستمرت المعارك المتقطعة في مناطق عدة من ريفي ادلب. ونتيجة خلافات على الانسحاب من مناطق السيطرة, انقطعت المفاوضات مرة أخرى.

خلال مارس اذار حصل انقلاب عسكري هام, إذ وعلى الرغم من بقاء المدن الرئيسية أريحا ومعرة النعمان وسراقب في محافظة إدلب تحت سيطرة «تحرير سوريا»، استعادت «تحرير الشام» السيطرة على مناطق واسعة من ارياف ادلب كانت قد خسرتها خلال فبراير, وذلك بعد سحب عناصرها من ريف حلب الغربي وانضمام كل من كتيبة «البخارى» و«الحزب الإسلامي التركستاني» الى جانبها.

وتركزت عملياً استراتيجية «تحرير الشام» السيطرة على الطرقات الرئيسية، لضمان اتصال خطوط الإمداد من المناطق الشمالية الخاضعة لسيطرتها في كل من إدلب وحارم، مع المناطق الغربية الخاضعة لسيطرة «التركستاني» في جسر الشغور.

مع بداية ابريل نشطت جهود قامت بها مجموعة من وجهاء وشرعيي ادلب لحل الخلاف المستعصي, غير ان الخلافات طغت على الحلول. وبحسب عمر حذيفة الوسيط الممثل لتحرير سوريا على قناته على تلغرام قال ان النقاط التي اتفق عليها هي “تحييد مقرات خربة حاس, الشيخ بحر, والإيكاردا, ومعبر مورك, على أن يعود بعدها مبنى إيكاردا لـ «تحرير سوريا», بينما يبقى مقر خربة حاس مع «تحرير الشام» أما معبر مورك، فتتم إدارته الى «تحرير الشام»، على أن يكون لـ «تحرير سوريا» نسبة 25% من دخله”.

غير ان «تحرير الشام», رفضت هذا العرض لتعود وتندلع اوسع واعنف المعارك مجددا منذ منتصف شهر ابريل 2018على طول محافظة ادلب وأجزاء من ريف حماة الشمالي. واستطاعت «تحرير الشام» طرد «تحرير سوريا» من مدينة خان شيخون وقرى الشيخ مصطفى وتل عاس وموقة والشيخ دامس وكفرعين وصهيان جنوبي إدلب, ومن مدينة مورك بريف حماة الشمالي, فيما استطاعت «تحرير سوريا» طرد «تحرير الشام» من مدينة معرة النعمان التي احتلتها هذه الاخيرة لفترة قصيرة. اضافة الى سيطرتها بداية مارس على قرى أرنبة والفطيرة وعين لاروز.

ووثقت تنسيقيات المعارضة والمرصد السوري لحقوق الانسان مقتل 132 عنصراً من «تحرير الشام» و91 من «تحرير سوريا» بداية ابريل ليرتفع العدد الى 766 عنصر من «تحرير الشام» و 236 من «تحرير سوريا» في اليوم الـ60 على بدء النزاع المسلح بينهما.

لا يمكن التقليل من صعوبة المواجهة بين الطرفين والتي تأخذ على نحو متسارع طبيعة المعركة الوجودية، ونعتقد أنها معركة ستكون طويلة ولها فصول عديدة والف ليلة ولية من القتال, ولايمكن التكهن ابدا في الوقت الحاضر من سينتصر بها.

الهوامش

(1): نتيجة تزايد الخلافات بين قياديي الصف الاول في حركة «احرار الشام» ومسألة الانضمام الى جبهة «تحرير سوريا» انسحب كل من القياديان أبو يوسف المهاجر وهاشم الشيخ ابو جابر, وهذا الاخير كان قائداً عاماً لحركة «احرار الشام» وهو من رفاق ابو مصعب الزرقاوي.
(2): وهم الشيخ أبو الحارث المصري، الشيخ أبو يوسف الحموي، الشيخ أبو الطاهر الحموي, الشيخ عبد الرزاق المهدي، الشيخ مصلح العلياني، الشيخ عبداللة المحيسني مع ملاحظة ان الثلاثة الاخيرين قد زكوا لاحقاً «هيئة تحرير سوريا».
(3): دخلت هذه الكتيبة التي تضم غالبية من المجاهدين الاوزبك ضمن قائمة المنظمات الارهابية المدرجة على قوائم وزارة الخارجية الاميركية.
(4): أنظر:
“Syrian Islamist factions join forces against Hayat Tahrir al-Sham”, al-monitor. 24 Feb. 2018.

رابط مختصر  https://wp.me/p8HDP0-bLd

*حقوق النشر محفوظة إلى المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والإستخبارات

الكاتب صفوان داؤد

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق