المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والاستخبارات، ألمانيا وهولندا ECCI
بقلم د. سماء سليمان الدكتورة سماء سليمان
في تطور سياسي لافت، خرج الاتحاد الأوروبي يوم 23 فبراير 2026 ببيان شديد اللهجة بشأن تطورات الشرق الأوسط، محذرًا من أن أي مواجهة إقليمية واسعة ستكون لها تداعيات خطيرة على الأمن والاستقرار الدوليين.
غير أن أهمية البيان لا تكمن فقط في التحذير من انفجار إقليمي محتمل، بل في الرسائل السياسية العميقة التي حملها، والتي تعكس توجّهًا أوروبيًا متصاعدًا نحو تبني سياسات تختلف صراحة عن الرؤية الأمريكية، ورفضًا واضحًا ل”مجلس السلام العالمي” الذي طرح لإدارة قطاع غزة برئاسة دونالد ترامب.أوروبا بين تغيّر الحدود وتغيّر الدور ـ قراءة تاريخية، استراتيجية في تحولات القارة ومستقبلها. بقلم د. سماء سليمان
التحذير الأوروبي من مخاطر التصعيد بين واشنطن وطهران لم يكن مجرد تعبير دبلوماسي تقليدي، بل إعلانًا عن مخاوف استراتيجية حقيقية. أوروبا تدرك أن أي انفجار عسكري واسع في المنطقة سيؤدي إلى موجات ارتفاع حادة في أسعار الطاقة، وتدفقات لجوء غير مسبوقة، واهتزاز مباشر لأمن البحر المتوسط. هذه الحسابات ترتبط مباشرة بالأمن القومي الأوروبي، وهو ما يفسر لهجة البيان الحازمة.
غير أن الجزء الأكثر دلالة في الموقف الأوروبي تمثل في التأكيد الصريح على أن مستقبل الأمن في غزة يجب أن يكون بقيادة فلسطينية. هذا التشديد جاء بمثابة رد رسمي على أي ترتيبات تضع القطاع تحت وصاية دولية أو إقليمية، وعلى رأسها مجلس السلام العالمي لإدارة غزة بقيادة ترامب. فالتكتل الأوروبي، من خلال صياغته الواضحة، قطع الطريق على سيناريو إدارة خارجية مفروضة، وأعاد التأكيد على مبدأ تمكين المؤسسات الفلسطينية باعتباره المسار الوحيد المقبول أوروبيًا. حسابات جديدة لأوروبا بعيدا عن أمريكا، مزيد من الاستقلالية واستراتيجيات جديدة. بقلم د. سماء سليمان
إعلان الاتحاد الأوروبي استعداده الكامل لدعم بناء القدرات الأمنية والمؤسسات الفلسطينية يمثل ترجمة عملية لهذا الرفض. فبدلًا من القبول بمجلس السلام العالمي برئاسة ترامب، يراهن الأوروبيون على تعزيز دور السلطة الفلسطينية وإعادة تأهيل أجهزتها لتولي زمام الأمور فورًا بعد انتهاء العمليات العسكرية. هذا التوجه يعكس قناعة أوروبية بأن الاستقرار الدائم لا يتحقق عبر ترتيبات فوقية أو إدارات انتقالية ذات طابع سياسي خارجي، بل من خلال شرعية محلية ومؤسسات وطنية.
الموقف الأوروبي يأتي أيضًا في سياق أوسع من إعادة التموضع الاستراتيجي. خلال السنوات الماضية، تزايد الحديث داخل العواصم الأوروبية عن ضرورة تحقيق “الاستقلال الاستراتيجي” في السياسة الخارجية والأمنية، بحيث لا تبقى القارة رهينة لخيارات واشنطن في الملفات الحساسة. بيان الاتحاد بشأن غزة والتصعيد الإقليمي يجسد هذا التوجه عمليًا، ويؤكد أن المصالح الأوروبية قد تقتضي أحيانًا مسارًا مختلفًا عن الطرح الأمريكي. مؤتمر ميونخ 2026 انطلاقة أوروبا نحو توازن القوة في النظام العالم
حضور معظم الدول الاوروبية بصفة مراقب في اجتماع مجلس السلام العالمي في 19 فبراير 2026 – فيما عدا المجر وبلغاريا اللتان انضمتا كاعضاء- يقرأ كنوع من الاهتمام بمتابعة التطورات، رغم تحفظات بعض العواصم الأوروبية على مضمون وأهداف المجلس، ويقرأ أيضا باعتباره تمسكًا أوروبيًا بمبدأ التعددية الدولية ورفضًا لهيمنة صيغة أحادية على إدارة ملف بالغ الحساسية. “نيو ستارت” بين إدارة الصعود الصيني والحرية لإكمال القدرة الرادعة
كما أنه يعكس تخوفًا أوروبيًا من أن أي إدارة خارج الإطار الفلسطيني قد تُعمّق الانقسام الداخلي، وتُفجّر موجات جديدة من التوتر، وتفتح الباب أمام سيناريوهات تهجير أو فوضى أمنية تمتد آثارها إلى الضفة الأخرى من المتوسط.بهذا البيان، يضع الاتحاد الأوروبي نفسه في موقع سياسي مغاير، يؤكد فيه أن الحلول المستدامة تمر عبر تمكين الفلسطينيين من إدارة شؤونهم الأمنية والسياسية، لا عبر مجالس دولية ذات طابع سياسي تقوده شخصيات أمريكية. إنها خطوة تعكس رغبة أوروبية في كسر نمط الاصطفاف التقليدي خلف واشنطن، وصياغة سياسة خارجية أكثر اتساقًا مع أولويات القارة ومصالحها المباشرة، خصوصًا في منطقة تمثل عمقها الاستراتيجي الجنوبي.
رابط مختصر .. https://www.europarabct.com/?p=115491
*حقوق النشر محفوظة إلى المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الارهاب والاستخبارات ـ ألمانيا وهولندا ECCI
