الإشتراك في نشرتنا الإخبارية المجانية

 

تابعنا على تويتر

تابعنا على فيسبوك

آخر المشاركات التلفزيونية

استطلاع رأي

هل المركز مصدر موثوق في البحث ؟

جاري التحميل ... جاري التحميل ...

أوروبا بين تغيّر الحدود وتغيّر الدور ـ قراءة تاريخية، استراتيجية في تحولات القارة ومستقبلها.

يناير 27, 2026

المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والاستخبارات ـ ألمانيا وهولندا

بقلم : الدكتورة سماء سليمان، متخصصة في الإنذار المبكر وإدارة الأزمات الدولية

أوروبا بين تغيّر الحدود وتغيّر الدور ـ قراءة تاريخية، استراتيجية في تحولات القارة ومستقبلها

أريد أن أوضح لك بداية أن هناك العديد من الكتابات التي تتناول مستقبل القارة الأوروبية، والتي وصلت إلى توقع اختفاء دولها وتغيّر حدودها ودورها. ولكي نصل سويًا إلى أي من التوقعات سوف يحدث، ولنَفهم حاضر القارة، فإن علينا استحضار تاريخها الطويل من التحولات، حتى قال الفيلسوف الإسباني خوسيه أورتيغا إي جاسيت: “إن أوروبا ليست مكانًا بقدر ما هي تاريخ”. فمنذ بداياتها لم تكن القارة كيانًا ثابتًا، بل مسرحًا لتبدّل الخرائط وتصارع الأفكار، حيث كانت الحدود تتغيّر كلما تغيّر ميزان القوة أو ظهرت رؤية جديدة لتنظيم المجتمع والسياسة.

فلو تتبعنا تاريخ القارة سنجد أنها تشكّلت في ظل الإمبراطوريات في العصور القديمة، وعلى رأسها الإمبراطورية الرومانية، التي جسّدت ما وصفه بوليبيوس بفكرة “الوحدة التي تصنعها القوة”. بالتالي أصبحت الحدود تعبيرًا عن قدرة الدولة على السيطرة العسكرية والإدارية، وليس عن هوية شعب. وعندما انهارت روما، تحقق ما حذّر منه إدوارد غيبون لاحقًا في دراسته الشهيرة عن سقوط الإمبراطوريات، حين رأى أن التوسع المفرط والفساد الداخلي يمهّدان لانهيار أعظم الكيانات. فلم تتغير خريطة سياسية فحسب بسقوط روما، بل انكسر نموذج كامل لتنظيم أوروبا.

ودعني أكمل لك، فقد دخلت القارة مرحلة السيولة السياسية خلال العصور الوسطى، حيث تداخل الدين بالسياسة، وتحوّلت أوروبا إلى فسيفساء من الممالك والإقطاعيات. في هذا السياق، بدت مقولة القديس أوغسطين عن “مدينتين تتصارعان، مدينة الله ومدينة الإنسان” معبّرة عن واقع أوروبي اختلط فيه المقدّس بالدنيوي. وهذا أدى إلى تحرّك الحدود مع الجيوش، أو تبدّلها بفعل التحالفات والزيجات. ولم يكن الاستقرار سمة عامة، بل استثناء نادرًا.

وبدأت أوروبا تتحول جذريًا مع نشوء الدولة القومية في العصر الحديث، حيث لم يكن صلح وستفاليا مجرد اتفاق سلام، بل لحظة تأسيسية لما سماه ماكس فيبر لاحقًا “احتكار الدولة للعنف المشروع”. هنا بدأت الحدود تكتسب طابعًا قانونيًا وسياديًا، وبدأت الخريطة الأوروبية تميل إلى الثبات النسبي، وإن ظلّت خاضعة لصراعات القوى الكبرى. وقد أدرك توماس هوبز مبكرًا “أن الدولة القوية وحدها قادرة على كبح الفوضى”، وهو ما سعت إليه الدول الأوروبية عبر بناء جيوش مركزية وحدود معترف بها. دور الإنذار المبكر في منع الصراعات في الدول الإفريقية. بقلم د. سماء سليمان

جاءت الحروب النابليونية لتعيد التأكيد على أن الخريطة ليست سوى انعكاس للقوة. فنابليون لم يكتفِ بتغيير الأنظمة، بل أعاد تشكيل أوروبا وفق رؤيته، مجسّدًا مقولة هيغل الشهيرة حين وصفه بأنه “روح العالم يمتطي جوادًا”. لكن ما إن سقط نابليون حتى سارعت القوى الأوروبية إلى إعادة رسم الخريطة في مؤتمر فيينا (1815-1914)، في تجسيد عملي لفكرة توازن القوى التي اعتبرها ديفيد هيوم “شرطًا للاستقرار الدولي”.

ومن المراحل المهمة في تاريخ أوروبا دخولها مرحلة التحولات الكبرى في القرن العشرين، حيث أسقطت الحرب العالمية الأولى الإمبراطوريات القديمة وفتحت الباب أمام القومية، تلك الفكرة التي رأى فيها إرنست رينان “استفتاءً يوميًا على العيش المشترك”. إلا أن الحدود الجديدة التي نشأت بعد 1918 حملت في داخلها بذور أزمات مستقبلية، وهو ما ينسجم مع تحذير ريمون آرون من “أن السلام المفروض دون توافق حقيقي لا يكون سوى هدنة مؤقتة”. ثم جاءت الحرب العالمية الثانية لتعيد رسم الخريطة مرة أخرى، ولكن هذه المرة في ظل صراع أيديولوجي شامل جعل من أوروبا قارة منقسمة بين الشرق والغرب.

شهدت أوروبا عند نهاية الحرب الباردة تحولًا غير مسبوق، حيث أعاد تفكك الاتحاد السوفيتي ويوغوسلافيا تشكيل الخريطة دون حرب أوروبية شاملة، في لحظة بدت وكأنها تحقق ما أشار إليه إيمانويل كانط في حلمه عن “السلام الدائم”. غير أن هذا السلام لم يكن نهاية التاريخ، كما تصوّر فرانسيس فوكوياما في لحظة التفاؤل الليبرالي، بل مرحلة جديدة من الأسئلة حول هوية أوروبا ودورها.

ورغم التوقعات بتغيير خريطة أوروبا، تبدو حدودها أكثر ثباتًا من أي وقت مضى، لكن دورها العالمي موضع نقاش عميق. فالقارة التي كانت مركز العالم، كما وصفها هيغل، تجد نفسها أمام عالم متعدد الأقطاب. يشير يورغن هابرماس إلى أن مشروع الاتحاد الأوروبي هو “محاولة لتحويل القوة إلى قانون”. ومع ذلك، فإن صعود القومية والشعبوية يعيد إلى الأذهان تحذير كارل بوبر من “المجتمعات المنغلقة” التي تخشى الآخر وتغلق أبوابها.

ومن أهم السيناريوهات التي تطرحها مراكز الأبحاث والمفكرون لمستقبل أوروبا تتمثل في استمرار التكيف التدريجي، إلى السعي نحو استقلال استراتيجي، وصولًا إلى احتمالات الانقسام الداخلي. وفي كل هذه السيناريوهات، يظل التغيير المتوقع أقل ارتباطًا بالحدود الجغرافية وأكثر تعلقًا بالدور السياسي والاقتصادي، حيث أصبح العالم سائلًا، وأوروبا ليست استثناءً من هذه السيولة، لكنها تحاول إدارتها بدل الاستسلام لها.

الخلاصة، إن تاريخ أوروبا كان تاريخ تغيّر في الخرائط، أما حاضرها ومستقبلها فهو تاريخ تغيّر في الوظيفة والمعنى. فالحدود اليوم أكثر ثباتًا، لكن الإشكالية الجوهرية تتمثل في إعادة أوروبا تعريف نفسها في عالم متحوّل. وربما تختصر مقولة جان مونيه، أحد مؤسسي الاتحاد الأوروبي، جوهر هذا التحدي حين قال: “نحن لا نوحّد الدول، بل نوحّد البشر”. وبين تغيّر الحدود وتغيّر الدور، يبقى مستقبل أوروبا معلّقًا بقدرتها على تحويل دروس تاريخها المضطرب إلى مشروع سياسي وإنساني قابل للاستمرار.  أمن دولي ـ حين لا تكون الحرب هي الهدف

رابط مختصر..  https://www.europarabct.com/?p=114229

 

الإشتراك في نشرتنا الإخبارية المجانية

 

تابعنا على تويتر

تابعنا على فيسبوك

استطلاع رأي

هل المركز مصدر موثوق في البحث ؟

جاري التحميل ... جاري التحميل ...