بون ـ المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والاستخبارات ECCI ـ وحدة الدراسات (27)
أوروبا بين الاستقلال الاستراتيجي والاعتماد على الولايات المتحدة
أعادت الحرب الأخيرة المرتبطة بإيران تشكيل معادلات الأمن الدولي، ووضعت العلاقات عبر الأطلسي أمام اختبار حقيقي يتعلق بمدى تماسكها واستدامتها. فبينما تحركت الولايات المتحدة بسرعة ضمن منطق الردع وإدارة التصعيد، بدت أوروبا أكثر حذرًا وترددًا، الأمر الذي أعاد إلى الواجهة النقاش حول “الاستقلال الاستراتيجي الأوروبي” وحدوده الفعلية. كذلك تكشف هذه الحرب عن فجوة متزايدة بين الطموحات الأوروبية لبناء سياسة دفاعية مستقلة، وبين الواقع العملي الذي لا يزال يعتمد بدرجة كبيرة على القدرات الأمريكية، سواء في المجال العسكري أو الاستخباراتي.
مفهوم الاستقلال الاستراتيجي الأوروبي
برز مفهوم “الاستقلال الاستراتيجي الأوروبي” خلال العقد الأخير، خصوصًا بعد أزمات مثل خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، والتوترات في العلاقات مع الولايات المتحدة خلال فترات سابقة، إضافة إلى الحرب الروسية الأوكرانية. ويقوم هذا المفهوم على قدرة أوروبا على اتخاذ قراراتها الأمنية والدفاعية بشكل مستقل، دون الاعتماد الكامل على الولايات المتحدة. على المستوى النظري، يسعى الاتحاد الأوروبي إلى: تطوير قدرات عسكرية مشتركة، تعزيز الصناعات الدفاعية الأوروبية، تقوية آليات اتخاذ القرار الأمني الجماعي، تقليل الاعتماد على حلف شمال الأطلسي. لكن على أرض الواقع، تواجه هذه الطموحات تحديات بنيوية عميقة، أبرزها: غياب جيش أوروبي موحد، تباين التهديدات بين دول الشرق والغرب الأوروبي، الاعتماد على المظلة النووية الأمريكية، ضعف التنسيق العملياتي بين الجيوش الأوروبية.
ويعني هذا المفهوم قدرة أوروبا على اتخاذ قراراتها الأمنية والعسكرية بشكل مستقل، وتطوير أدواتها الدفاعية دون الاعتماد الحاسم على الولايات المتحدة. إلا أن هذا الطموح يصطدم بواقع معقد، حيث لا تزال البنية الدفاعية الأوروبية تعاني من التشتت، سواء على مستوى القدرات أو على مستوى الإرادة السياسية. ففي حين تسعى دول كبرى مثل فرنسا إلى تعزيز فكرة الاستقلال الدفاعي، ترى دول أخرى، خصوصًا في شرق أوروبا مثل بولندا، أن الضمانة الأمنية الحقيقية لا تزال مرتبطة بالولايات المتحدة، خاصة في ظل التهديدات القادمة من روسيا.
هذا الانقسام يحدّ من قدرة الاتحاد الأوروبي على بلورة سياسة دفاعية موحدة، ويجعل من فكرة “الجيش الأوروبي” أقرب إلى الطموح السياسي منها إلى الواقع العملي. كذلك الاعتماد الأوروبي على القدرات الأمريكية لا يقتصر على الجانب العسكري التقليدي، بل يمتد إلى مجالات حيوية مثل الاستخبارات والإنذار المبكر والدعم اللوجستي، ما يعمّق فجوة الاعتماد ويجعل من الاستقلال الكامل هدفًا بعيد المنال في المدى القريب.حرب إيران ـ مضيق هرمز كنقطة ارتكاز في صراع الطاقة بين ألمانيا وروسيا
الحرب الإيرانية كإختبار أوروبي: حدود الدور والقدرة
شكّلت الحرب المرتبطة بإيران إختبارًا عمليًا لقدرة أوروبا على التحرك كفاعل أمني مستقل خارج المظلة الأمريكية، إلا أنها كشفت بوضوح عن فجوة قائمة بين الطموح السياسي والقدرة التنفيذية. فعلى الرغم من المصالح الأوروبية المباشرة في استقرار الشرق الأوسط، سواء فيما يتعلق بأمن الطاقة أو الهجرة أو مكافحة الإرهاب، فإن الاستجابة الأوروبية ظلت محصورة في الإطار الدبلوماسي، عبر الدعوة إلى التهدئة وتفعيل قنوات الوساطة، دون ترجمة ذلك إلى انخراط عسكري أو أمني مباشر.
هذا التردد الأوروبي لا يمكن فهمه بمعزل عن الانقسامات الداخلية داخل الاتحاد الأوروبي. فقد عكست الأزمة تباينًا واضحًا في تقييم التهديد الإيراني، حيث تميل دول مثل فرنسا إلى تبني مقاربة أكثر استقلالية نسبيًا، بينما تفضل دول أخرى، خصوصًا في شرق أوروبا، الاصطفاف ضمن الرؤية الأمريكية، انطلاقًا من أولوياتها الأمنية المرتبطة بروسيا. هذا الانقسام أضعف القدرة على إنتاج موقف أوروبي موحد، وجعل أي تحرك جماعي عرضة للتعطيل أو التأجيل.حرب إيران ـ هل تنجح الدبلوماسية الألمانية في كسر الجمود بين واشنطن وطهران؟
حدود القوة العسكرية والسياسية
كشفت الحرب عن حدود القوة العسكرية الأوروبية، خاصة فيما يتعلق بقدرات الانتشار السريع والاعتماد الكبير على البنية التحتية العسكرية الأمريكية. فوفق تقديرات مراكز أبحاث أوروبية مثل “المجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية”، فإن الاتحاد الأوروبي لا يزال يفتقر إلى منظومة عملياتية متكاملة تسمح له بإدارة تدخلات عسكرية واسعة دون دعم أمريكي مباشر، سواء في مجالات النقل الاستراتيجي أو الاستخبارات أو القيادة والسيطرة. كما أظهرت الأزمة أن مشاريع مثل “قوة التدخل السريع الأوروبية” لا تزال في مراحلها الأولية، ولم تُختبر فعليًا في نزاعات عالية الكثافة.
لعبت الحرب في أوكرانيا، كذلك، دورًا حاسمًا في تحديد أولويات أوروبا الاستراتيجية، حيث استنزفت هذه الحرب جزءًا كبيرًا من الموارد العسكرية والمالية، وفرضت على الدول الأوروبية تركيزًا شبه كامل على الجبهة الشرقية. وقد أقر عدد من المسؤولين الأوروبيين، ضمنيًا، بأن فتح جبهة إضافية في الشرق الأوسط كان سيشكل عبئًا يفوق القدرة الحالية للاتحاد، خاصة في ظل التزامات مستمرة تجاه دعم كييف.
برزت من جخة أخرى مقاربة أوروبية واضحة تفضل “إدارة الأزمات” بدلًا من “حسمها عسكريًا”، وهو ما عبّر عنه عدد من القادة الأوروبيين الذين شددوا على ضرورة تجنب الانزلاق إلى مواجهة إقليمية واسعة. هذا التوجه يعكس ثقافة استراتيجية أوروبية تميل إلى تقليل المخاطر، وتعطي أولوية للاستقرار طويل الأمد على حساب التحرك العسكري السريع، بخلاف المقاربة الأمريكية التي تعتمد بشكل أكبر على الردع بالقوة.
ورغم امتلاك أوروبا أدوات تأثير مهمة، مثل العقوبات الاقتصادية والقدرة على الوساطة الدبلوماسية، فإن الأزمة أظهرت محدودية هذه الأدوات عندما لا تكون مدعومة بقدرة عسكرية رادعة. فحتى الدول التي تمتلك قدرات عسكرية متقدمة، مثل فرنسا، واجهت صعوبة في تحويل هذه القدرات إلى مبادرة أوروبية جماعية، بسبب غياب آليات قرار سريعة وموحدة داخل الاتحاد. يرى عدد من الباحثين الأوروبيين أن الأزمة تمثل “لحظة كاشفة” لما يمكن وصفه بـ“الاعتماد الاستراتيجي المقنّع”، حيث تبدو أوروبا سياسيًا مستقلة، لكنها عمليًا لا تزال تعتمد على الولايات المتحدة في إدارة الأزمات الكبرى. كما تزايدت الدعوات داخل دوائر صنع القرار الأوروبية إلى إعادة تقييم هذا الوضع، ليس بالضرورة لفك الارتباط مع واشنطن، بل لإعادة توزيع الأدوار بشكل يمنح أوروبا قدرة أكبر على التحرك الذاتي.
أزمة الثقة عبر الأطلسي: تباين الرؤى وتأثير السياسات الأمريكية
تعكس الحرب تباينًا واضحًا في الرؤية الاستراتيجية بين أوروبا والولايات المتحدة، حيث تميل واشنطن إلى تبني مقاربة قائمة على الردع واستخدام القوة لفرض التوازنات، بينما تفضل أوروبا نهجًا أكثر حذرًا يقوم على إدارة الأزمات ومنع التصعيد. هذا الاختلاف في الأولويات لا يعني بالضرورة قطيعة، لكنه يخلق فجوات في التنسيق، ويؤثر على مستوى الثقة المتبادلة.
وقد ساهمت السياسات الأمريكية خلال السنوات الماضية في تعميق هذه الفجوة، خاصة مع تزايد النزعة الأحادية في بعض الملفات، والتركيز الاستراتيجي المتنامي على منطقة آسيا-المحيط الهادئ. هذا التحول دفع العديد من الدول الأوروبية إلى إعادة التفكير في مدى موثوقية الاعتماد الكامل على الولايات المتحدة، خصوصًا في ظل تغير الإدارات الأمريكية وتباين توجهاتها. ورغم هذه التحديات، لا تزال العلاقة المؤسسية عبر الأطلسي قوية، خاصة من خلال حلف شمال الأطلسي، الذي يظل الإطار الرئيسي للتعاون الدفاعي بين الطرفين. إلا أن هذه العلاقة لم تعد بنفس الصلابة السابقة، بل أصبحت أكثر خضوعًا للحسابات السياسية والاختلافات الاستراتيجية.
سيناريوهات المستقبل: بين التبعية وإعادة التوازن
تتجه أوروبا في المرحلة المقبلة إلى مفترق طرق استراتيجي، حيث تتعدد السيناريوهات المحتملة لمستقبل علاقتها بالولايات المتحدة. فمن جهة، يبدو استمرار الاعتماد على واشنطن خيارًا واقعيًا في المدى القصير، خاصة في ظل استمرار التهديدات الأمنية في الجوار الأوروبي، وارتفاع كلفة بناء منظومة دفاعية مستقلة. هذا السيناريو يعزز من دور حلف شمال الأطلسي كحجر الزاوية في الأمن الأوروبي، ويكرّس بقاء الولايات المتحدة كفاعل رئيسي في الدفاع عن القارة.
في المقابل، يظل خيار بناء قوة دفاع أوروبية مستقلة قائمًا، لكنه يتطلب تحولات عميقة على مستوى الإرادة السياسية والإنفاق الدفاعي والتكامل العسكري. كما يستلزم إعادة تعريف العلاقة مع الولايات المتحدة، ليس كبديل، بل كشريك ضمن إطار أكثر توازنًا.
أما السيناريو الأكثر ترجيحًا، فيتمثل فيما يمكن تسميته بـ“الشراكة الانتقائية”، حيث تسعى أوروبا إلى تحقيق قدر من الاستقلال في إدارة الأزمات الإقليمية القريبة، مع الحفاظ على الاعتماد على الولايات المتحدة في القضايا الاستراتيجية الكبرى، مثل الردع النووي. هذا النموذج يعكس محاولة للتوفيق بين الطموح الاستقلالي والواقع العملي، ويتيح لأوروبا هامشًا أكبر من المناورة دون المخاطرة بفقدان الضمانات الأمنية.أمن دولي ـ القطب الشمالي بين التنافس الروسي الأطلسي والتصدعات داخل الناتو. ملف
تقييم وقراءة مستقبلية
– تؤكد الحرب المرتبطة بإيران أن أوروبا ستظل، في المدى المنظور، عالقة في مرحلة انتقالية بين الاعتماد البنيوي على الولايات المتحدة والطموح لبناء استقلال استراتيجي فعلي، ما يعني أن أي تحول جذري في هذا الاتجاه سيكون تدريجيًا وليس قفزة مفاجئة.
– يشير الواقع العملي إلى أن فجوة القدرات العسكرية والاستخباراتية، إلى جانب استمرار الانقسامات السياسية داخل الاتحاد الأوروبي، ستبقى من أبرز العوائق أمام تحقيق استقلال دفاعي كامل، رغم تصاعد الخطاب السياسي الداعم له.
– تعكس التطورات الأخيرة أن العلاقات عبر الأطلسي مرشحة لإعادة التوازن بدلًا من القطيعة، حيث ستسعى أوروبا إلى توسيع هامش حركتها الاستراتيجية دون المخاطرة بفقدان المظلة الأمنية الأمريكية.
– يُرجح أن يشهد الدور الأوروبي تطورًا نوعيًا في إدارة الأزمات الإقليمية القريبة، خاصة في الجوار الأوروبي والشرق الأوسط، مقابل استمرار الاعتماد على الولايات المتحدة في القضايا الكبرى المرتبطة بالردع الاستراتيجي.
– يبدو أن نموذج “الشراكة الانتقائية” سيكون الإطار الأكثر واقعية في المرحلة المقبلة، إذ يسمح لأوروبا بالجمع بين الطموح الاستقلالي ومتطلبات الأمن، في ظل نظام دولي يتجه نحو مزيد من التعقيد وتعدد مراكز القوة.
رابط مختصر..https://www.europarabct.com/?p=117142
*حقوق النشر محفوظة إلى المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والاستخبارات
هوامش
Iran exposes Europe’s strategic dependency on the US
How will the war in Iran impact U.S.-Europe relations?
Europe begins its slow retreat from US dependence
The Illusion of European Autonomy: How U.S. Foreign Policy Shaped EU Dependence
