داعش والجهاديوندراسات

أوجه الصراع بين القاعدة في بلاد المغرب وداعش. بقلم حلمي مليان

اعداد :  حلمي مليان خبير شؤون الأمن والمخابرات التونسي

المركز الاوروبي لدراسات مكافحة الارهاب والاستخبارات

في ماهية أوجه الصراع بين القاعدة في بلاد المغرب وداعش هل هو صراع جيوستراتيجي أم صراع عقائدي؟

قد يذهب الظن بالبعض إلى أن تنظيم القاعدة قد إنتهى بذلك الموت الهوليودي لأسامة بن لادن على يد القوات الخاصة الأمريكية وشق من المخابرات الباكستانية أو ان القاعدة قد إختفت من جبال أفغانستان والمنطقة القبلية بوزيرستان بين الجارين باكستان وأفغانستان.كما يظن بعضهم أن القاعدة قد إنتهت في العراق أو المثلث السني ،القاعدة كتنظيم وكفكر لاتزال موجودة في الشرق الأوسط في اليمن وفي سوريا ممثلة في بعض الفصائل المقاتلة على الميدان تحت أسماء وعناوين مختلفة.

وبعيدا عن الشرق الأوسط وجدت القاعدة موطئ قدم لها في شمال إفريقيا وجنوب الصحراء والساحل منذ 2005 وكذلك 2006 في أحداث مدينة سليمان المفاجئة والصادمة بتونس إبان حكم بن علي . وكذلك وجدت فروع للتنظيم في دول إفريقية منذ 2002 مثل جماعة أهل السنة للدعوة والجهاد الولاية الإسلامية غرب إفريقيا عرف لاحقا ببوكو حرام وينشط في مجال جغرافي واسع في شمال شرق نيجيريا وتشاد والنيجر وشمال الكامرون.

وبداية من مارس 2015 أعلن بوكو حرام ولائه إلى داعش في العراق والشام .ولإن يميل الكثيرون إلى تناول ودراسة داعش كظاهرة سياسية أو إرهابية أو أمنية فإنني أرى من الضروري تأصيل الظاهرة في بعديها الزماني والمكاني أي تأصيلها تاريخا وجغرافية لدراستها .فداعش ولدت من رحم القاعدة ولادة قيسرية والدها هو أحد أمراء القاعدة ،أبو مصعب الزرقاوي الأمير الشاذ في سياساته ومنهجه المختلف دوما مع رموز هرم السلطة في القاعدة وصولا إلى الجفاء وحدوث فجوة في التواصل بين الطرفين ،أمير ترك تراثا وأدبيات وحشية دموية عاشت بعد مقتله في صيف 2006 بالعراق .

تراث وأدبيات أعيد إحيائه في 2011/12 على يد أطراف دولية لينطلق تنظيم داعش حاملا لواء تأسيس دولة إسلامية بالعراق والشام على منهاج النبوة على أن تتمدد وتتوسع لاحقا في أراضي جديدة تتعدى الحدود الوطنية للبلدان .

وترتب عن ذلك إنحسار للقاعدة أحيانا وأفول نجم أحيانا أخرى وكذلك إعادة إنتشار تكتيكي حسب معطيات الميدان ومسرح العمليات ،ففي المشرق العربي تغيرت موازين القوى بالعراق لصالح أجهزة الدولة نوعا ما وتقلب مسار العملية السياسية مما جعل القاعدة تغيب نوعا ما عن المشهد العراقي لسنوات ماقبل 2011…وفي اليمن حافظت على وجود فاعل ودموي في ساحة الصراع برغم إمتلاء وإزدحام ساحة المعركة عن أخرها بميليشيات عديدة ومنشقين وموالين ومتمردين ومدعومين وتدخل جار إقليمي وتحالف دولي…

رغم كل هذا تمكنت القاعدة من البقاء ونفذت عمليات نوعية مثل خطف رهائن والمطالبة بالفدية .أما في سوريا فقد بادرت إلى مواجهة النظام على الميدان تحت مسميات عديدة وصولا إلى هيمنة داعش بصفة شبه مطلقة على الجبهة السورية وإحتكارها لمقارعة النظام عسكريا.

أما في شمال إفريقيا فيختلف الوضع من ناحية مدى إنتشار القاعدة داعش وماهية هذا الإنتشار وأوجهه ،ففي الجزائر المتعافية حديثا من العشرية الدموية السوداء 1990/2000 إنحسر الإرهاب في الجبال النائية وأعتبر من رفضو مبدأ المصالحة والعفو مع الدولة في 2001/02 من الأفغان العرب وجبهة الإنقاذ الإسلامي والجماعة الإسلامية المسلحة وغيرهم وكلاء شرعيين للقاعدة وممثلين لها ولنياباتها العالمية.

ووصولا إلى إعلان تنظيم القاعدة في بلاد المغرب والعمليات الإرهابية المتفرقة طيلة العشر سنوات الماضية داخل التراب الجزائري مع رغبة جامحة في تجاوز الحدود نحو تونس وتصدير الجهاد القاعدي إليها ،رغبة لم تتحقق امام حكومة بن علي من جهة ومن جهة أخرى سقط الفضاء التونسي بأكمله بعد 2011 في يد الخلايا الداعشية والسلفية والتي بدورها أرادت تصدير الظاهرة الداعشية إلى الجزائر.

حيث أن كلا الطرفين كان يريد الإستثمار في الأخر وصولا إلى التنافس والصراع وختاما بإشتباك خفيف على الحدود في سنوات الثورة الأولى. فعندما رحل الرئيس بن علي وأفرج عن ألاف الإسلاميين وعاد ألاف أخرين من أوروبا ومعتقلات قوانتنامو رأت القاعدة بالجزائر فرصة للقاء رفاق دربها القدامى الأفغان التونسيين وغيرهم من القيادات التونسية ذائعة الصيت لإشعال فتيل الإرهاب بتونس على أن يكون الأمراء والقادة الميدانيون تحت إمرتها الأمر الذي رفضه الجانب التونسي.

وفي المقابل رأت قيادات داعش التونسية وأمراء السلفية الجهادية أهليتهم وأحقيتهم بتصدير داعش إلى الجزائر وإحلالها محل القاعدة أو ماتبقى منها تحت إسم القاعدة في بلاد المغرب وعلى أن يحافظو على التسيير والتخطيط والمشاركة إحياء لماضي قديم إبان العشرية السوداء الدموية بالجزائر حيث شارك الإسلاميون التونسيون فيها وكان زعيم حركة النهضة الغنوشي بنفسه يشرف على غرفة عمليات الجزائر أنذاك.

إذا فبالمحصلة تصادمت رؤى ومصالح الطرفين التونسي ممثلا في داعش والجزائري ممثلا في القاعدة ،تصادم على ربح المزيد من الجغرافيا لدى الطرفين إلا أنه مطعم ببهارات الإستراتيجيا الدولية الجديدة بالمنطقة مع رغبة من الطرف الجزائري في البقاء في ثوب الحرس القديم لأفكار اسامة بن لادن والظواهري وتراث العرب الأفغان قابله من الجهة التونسية رغبة في التجديد وإعجاب بالأمير العاق أبو مصعب الزرقاوي وسيرته الدموية .

كان من نتائج هذا الصراع إستقرار كتيبة عقبة إبن نافع القاعدية والمختلطة الجنسيات المغاربية بسلسلة جبل الشعانبي بولاية القصرين التونسية والحدودية مع الجزائر وخوضها لحرب إستنزاف منذ 2011 مع الجيش التونسي والحرس الوطني وإمتد نشاط كتيبة عقبة بن نافع إلى ولايات الكاف وجندوبة الحدوديتين مع الجزائر وكذلك ولايات قفصة وسيدي بوزيد.فيما نجحت الخلايا الداعشية أكثر في الميدان الحضري في كافة أرجاء البلاد فيما فشلت الكتيبة في إيجاد موطئ قدم لها في العمق التونسي .

وكان أن تطور الصراع مخابراتيا بعد مقتل أمير كتيبة عقبة بن نافع خالد الشايب شهر لقمان أبو صخر على يد قوات الأمن التونسي وإتهام قاعدة الجزائر لداعش تونس ببيعه لأجهزة الأمن ،إتهام لم يرق لخلية جند الخلافة الداعشية التونسية وبادرت إلى الإشتباك بضراوة ضد القاعديين الجزائريين بغية طردهم من الجبال ودحرهم إلي ماوراء الحدود.

 

فالأجندة الجغرافية لقاعدة الجزائر لطالما عطلها نظام زين العابدين بن علي أما اليوم فتعطلها أيضا داعش تونس وهي حلم جغرافي قديم /جديد إسمه القوس القاعدي يبتدأ من تونس إلى جنوب الجزائر مرورا بشمال مالي والنيجر ويقف عند شمال نيجيريا أدواته ووكلائه تنظيمات جهادية تهيمن عليها القاعدة مثل تنظيم أنصار الدين وجبهة تحرير المسانا في شمال مالي وجماعة عبد الله الشيكاوي الزعيم السابق لبوكو حرام والمنشق عنها والمبايع لداعش في مارس 2015.

إلا أن المفاجأة كانت أكبر عندما جنحت قاعدة الجزائر ممثلة في كتيبة عقبة بن نافع إلى ممارسة أساليب أكثر ديبلوماسية في إستمالة داعش مقاتلي تونس إليها عن طريق غض النظر عن الإختلاف العقائدي وإعتباره حرية شخصية في قراءة مجمل التراث الإسلامي وهو تنازل براقماتي نفعي لأجل كسب المزيد من الموارد البشرية النوعية ولمزيد كسب الموارد المالية لمزيد إنجاح الحلم الجغرافي في التوسع .

أما على الساحة الليبية فتختلف المعطيات بإختلاف واقع المجتمع القبلي والمناطقي وشساعة المجال الجغرافي إذ لم تدخل القاعدة في حرب مواقع أو مصالح مع داعش بالرغم من وجود نواة من الجماعة الليبية المقاتلة في أفغانستان في التسعينات وإستقرت القاعدة في جنوب ليبيا والحدود مع تشاد والنيجر وتعاطت إلى حد ما في تجارة السلاح وتهريب البشر إلى جانب معارك متفرقة في شرقي البلاد مع ماتبقى من الجيش الليبي.

وبالمحصلة فإن العلاقة بين القاعدة في بلاد المغرب نيابة عن القاعدة الأم وداعش هي صراع على الميدان والجغرافيا بالنسبة للقاعدة إنطلاقا من مرجعيتها الفكرية المتمثلة في خلافة عالمية كونية تتعدى الحدود والقارات في حين ترى داعش وجوب بسط خلافة مرحلية لا تهتم بالمساحة الجغرافية بقدر إهتمامها بقولبة المجتمع والسير على منهاج النبوة حسب تعبيرهم وبسط الشريعة كهدف .

تبقى داعش في صراعها مع القاعدة حبيسة الطرح الجيوستراتيجي في منطقة الشرق الأوسط إلا أنها تعتبر نفسها قد أنجزت في ظرف 5 سنوات أنموذج دولة الخلافة المصغر في الرقة بسوريا والموصل بالعراق وتتهم القاعدة بالبطئ في الإنجاز والعجز فيه طيلة 15 عاما من تاريخ ضرب الأبراج في أمريكا وأنها أي القاعدة قد خسرت عالميا في حين نجحت داعش حسب مقاييسها إقليميا .

وصولا إلى هذا المستوى وإقرارا به أعود إلى تأصيل داعش في التاريخ القريب مرة ثانية أي تراث أبو مصعب الزرقاوي وأدبياته حيث كان يستعجل النتائج والأهداف بأبشع الطرق وأكثرها دموية ورعبا وإزهاقا للأرواح .

في حين كانت الزعامات القاعدية بن لادن والظواهري يعارضون نهجه وينتقدون دمويته فالصراع والتضارب بين داعش والقاعدة هو الإختلاف بين مدرسة بن لادن والظواهري وبين مدرسة الزرقاوي فلئن قسم بن لادن العالم والبلدان إلى دار سلم ودار حرب فلقد أسهم الزرقاوي في كيفية إدارة شؤون التوحش داخل حي بعينه وبلدة ما بمحدوديتها المكانيةوالبشرية إلى درجة عالية من الدقة والإحكام .

*حقوق النشر محفوظة للمركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والاستخبارات

tunisia.strategic.consulting@gmail.com

الكاتب حلمي مليان

 

 

 

الوسوم

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى