المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والاستخبارات ـ ألمانيا وهولندا ـ ECCI
بقلم : د .عبد الرؤوف سنّو، مؤرّخ وباحث
أميركا وإيران… حرب كسر الإرادات؟
مقدمة
يمكن قراءة الصراع الممتد بين الولايات المتحدة الأميركية وجمهورية إيران الإسلامية في ضوء التمييز الذي أقامه المنظّر الأميركي توماس شيلينغ في كتابه (Arms and Influence, 1966) بين نمطين من استخدام القوة: الأول هو “الإكراه” (Coercion)، الذي يقوم على التهديد بإيقاع ألم مستقبلي لإجبار الطرف المستهدف على تغيير سلوكه؛ إذ يجد هذا الطرف نفسه أمام معادلة تحتم عليه الموازنة بين كلفة المقاومة وكلفة الامتثال. وهو المنطق الذي عبّر عنه الرئيس الأميركي دونالد ترامب في تهديداته الأخيرة تجاه إيران، حين ربط تجنب التصعيد باستجابتها لشروط واشنطن. أما النمط الثاني فهو “القوة الغاشمة” (Brute Force)، التي تُستخدم مباشرة لإضعاف قدرات الخصم أو القضاء عليها دون انتظار قراره أو محاولة التأثير في حساباته.
وضمن هذا الإطار، ميّز شيلينغ أيضًا بين “الردع” (Deterrence)، الذي يهدف إلى منع الخصم من القيام بفعل معين، وبين “الإرغام” (Compellence)، وهو المصطلح الذي صاغه بنفسه للدلالة على محاولة دفع الخصم إلى القيام بفعل محدد أو التوقف عن فعل قائم، بما ينقل زمام المبادرة إلى الطرف الذي يمارس الضغط.
غير أن هذا الإطار الكلاسيكي، الذي صيغ في سياق الحرب الباردة وثنائية القطبية والردع النووي المتبادل بين واشنطن وموسكو، خضع لمراجعات لاحقة. فقد رأى دانيال بايمان وماثيو واكسمان (Daniel Byman and Matthew Waxman) في كتابهما The Dynamics of Coercion (2002) أن التفوق العسكري الساحق لا يكفي وحده لضمان نجاح الإكراه وفرض الإرادة. فالولايات المتحدة أخفقت في إكراه فيتنام الشمالية، وواجهت روسيا صعوبات في إخضاع المقاتلين الشيشان، كما انسحبت إسرائيل من لبنان عام 2000 دون أن تنجح في فرض تسوية سياسية على خصومها. وتكشف هذه الحالات أهمية عوامل غير مادية، مثل الإرادة السياسية والمصداقية والقدرة على تحمّل الكُلفة، وهي عوامل قد تتجاوز في أثرها ميزان القوى العسكري المجرد.
وفي مقاربة أكثر حداثة، يذهب برانتلي ووماك (Brantly Womack) في مقاله “Contra Schelling” (2005) إلى أن فرضيات شيلينغ حول الإكراه الهيمني أصبحت أقل ملاءمة لعالم ما بعد الحرب الباردة؛ إذ لم يعد النظام الدولي يقوم على انقسام حاد بين معسكرات أيديولوجية واضحة، بل بات أكثر تعقيدًا بفعل تعدد مراكز القوة وتشابك المصالح بين الفاعلين الدوليين.
وقد أنتج صعود الصين حالة من التوازن غير المتماثل مع الولايات المتحدة؛ فالصين لم تصبح قوة مساوية لواشنطن في جميع المجالات، لكنها باتت قادرة على الحد من حرية الحركة الأميركية في نظام دولي أكثر تعقيدًا. كما أن الترابطات الاقتصادية والتجارية المتشابكة حالت دون عودة نموذج المعسكرات المغلقة الذي طبع الحرب الباردة. ولم يعد الفرز الدولي يقوم على انقسام أيديولوجي صارم، بل على شبكة من المصالح المتداخلة تجعل من “كسر الإرادة” هدفًا أكثر صعوبة وأقل وضوحًا من الناحية النظرية.
وفي هذا السياق، يمكن قراءة عدد من الملفات الدولية، من الرسوم الجمركية على أوروبا وكندا ودول أخرى، إلى استنزاف روسيا في أوكرانيا، والضغط الأميركي في فنزويلا، وصولًا إلى الصراع مع إيران، بوصفها تجليات مختلفة لاستخدام أدوات الإكراه بحسب طبيعة كل خصم ودرجة مقاومته. فالفارق بين هذه الحالات لا يكمن في غياب هدف فرض الإرادة، بل في اختلاف الأدوات المستخدمة، وفي قدرة الطرف الآخر على المقاومة والتكيف.
ويمثل هذا التحول النظري انتقالًا من تصور الهيمنة الحاسمة الذي ساد في واشنطن بعد سقوط الاتحاد السوفياتي وتفرد الولايات المتحدة باللحظة الأحادية، إلى واقع جديد من الإكراه المتبادل غير الحاسم. ومن هنا يمكن فهم العلاقة الأميركية–الإيرانية باعتبارها صراعًا لا يقتصر على البعد العسكري أو الاقتصادي، بل يمتد إلى أبعاد استراتيجية ونووية وإقليمية وأيديولوجية متشابكة، جعلت منه أقرب إلى حرب إرادات طويلة الأمد.
يسعى هذا المقال إلى تحليل بنية هذا الصراع من خلال رصد محاوره الأساسية، ومساءلة الافتراض القائل بإمكانية “كسر” إرادة أحد الطرفين بصورة نهائية، والخروج من المواجهة منتصرًا في صراع لا تحدده القوة وحدها، بل تحدده أيضًا القدرة على الصمود، وإدارة الزمن، وتحمل كلفة المواجهة.
أولًا: جدلية الزعامة العالمية والإقليمية
يقوم التصور الاستراتيجي الأميركي على الحفاظ على موقع القيادة العالمية، ومنع ظهور قوى قادرة على تحدي النظام الأمني الذي تقوده واشنطن، وضمان التفوق الاستراتيجي لإسرائيل في الشرق الأوسط بوصفه ركيزة أساسية في البنية الأمنية الإقليمية التي ترعاها الولايات المتحدة. في المقابل، تتبنى طهران خطابًا يقوم على مفهوم “الزعامة الإقليمية” المرتكز إلى “محور المقاومة”، بما يتجاوز حدودها الجغرافية إلى عمق المشرق العربي، من صنعاء إلى بلدان الخليج العربي والعراق ولبنان. ويجعل هذا التعارض بين مشروعين متنافسين حول النفوذ الإقليمي الصراعَ بين الطرفين صدامًا بنيويًا يجعل التسويات الجزئية شديدة الصعوبة؛ إذ يرى كل طرف أن التراجع عن موقعه قد يمثل تهديدًا لمكانته الاستراتيجية، لا مجرد خسارة تكتيكية عابرة.
وتكمن عوامل القوة الأميركية في حرب الإرادات في قدرتها على السيطرة على نقاط الاختناق المالية والتقنية، والتفوق التكنولوجي والعسكري النوعي، وامتلاك شبكة واسعة من التحالفات والقواعد العسكرية المنتشرة عالميًا، فضلًا عن قدرة النظام السياسي الأميركي على امتصاص الكلفة الداخلية للمواجهات الخارجية، وإعادة إنتاج شرعيته عبر آليات سياسية وانتخابية مرنة.
وفي المقابل، يلفت الأميرال التركي المتقاعد جَم غوردنيز (Cem Gürdeniz)، في مقاله الصادر أخيرًا بعنوان “من سايغون إلى هرمز: ثقافة المقاومة في مواجهة الهيمنة”، إلى أن كسر الإرادة الأميركية في حرب فيتنام الشمالية لم يكن نتيجة الأيديولوجيا الشيوعية وحدها، بل ارتبط بمرونة المجتمع الفلاحي، والقومية المناهضة للاستعمار، وثقافة التضحية، والتمسك بفكرة الاستقلال الوطني. ويضيف إلى أن إيران تمتلك عناصر مشابهة من حيث الوظيفة السياسية، تتمثل في الذاكرة التاريخية للمقاومة الشيعية، والمكانة الثقافية للاستشهاد، وإرث “الدفاع المقدس” خلال الحرب العراقية–الإيرانية في ثمانينيات القرن العشرين، فضلًا عن عقود من الخبرة في مواجهة العقوبات والضغوط الخارجية، وإحساس قوي بالكرامة الوطنية في مواجهة التدخل الخارجي.
كما يميز الكاتب بين النظام السياسي والدولة، مشيرًا إلى أن استعداد المقاتلين الفيتناميين لتحمل أقصى درجات التضحية في سبيل الاستقلال الوطني يجد، في الحالة الإيرانية، ما يقابله في خطاب الاستشهاد والدفاع عن القضية لدى النظام الإيراني وحلفائه الإقليميين. وتتمثل الفكرة المحورية لدى غوردنيز في أن الحالتين الفيتنامية الشمالية والإيرانية تكشفان أن الحرب لا تُفهم بوصفها صراعًا عسكريًا محضًا بين قوتين غير متكافئتين، بل باعتبارها صراعًا تحدده عوامل الزمن والجغرافيا والمرونة الاجتماعية والقدرة على تحميل الخصم كلفة مستمرة.
ثانيًا: من تغيير نظام الملالي إلى إضعافه
بدأت الحرب الأميركية الجديدة على إيران في 28 فبراير 2026 برهان استراتيجي واضح: خطة أعدّها الموساد الإسرائيلي لإسقاط الجمهورية الإسلامية عبر استهداف القيادة السياسية من جهة، وحشد المعارضة الداخلية من جهة أخرى، بهدف تفجير انتفاضة شاملة، تبناها رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو وأقرّتها إدارة ترامب. ومنذ الساعات الأولى، دعا ترامب الشعب الإيراني إلى الإطاحة بالنظام القائم منذ العام 1979، واصفًا اللحظة بأنها “ربما فرصة الشعب الإيراني الوحيدة لأجيال”، في حين أسفرت الضربة الأميركية–الإسرائيلية عن مقتل المرشد الأعلى علي خامنئي في اليوم الأول من بدء الحرب الراهنة.
غير أن رهان “الحسم الثوري” لم يتحقق؛ فبعد أسبوعين لم تظهر علامات الانهيار السياسي على طهران الذي تصوّرته واشنطن وتل أبيب، وبقي الجهاز الأمني والإداري للجمهورية الإسلامية متماسكًا وداعمًا للنظام. كما تحول الحرس الثوري من قوة مدافعة عن ولاية الفقيه إلى قوة أكثر استماتة في حماية النظام ومؤسساته ومنجزاته، بالرغم من الدعوات المتكررة إلى الانتفاض. بل أن النظام الإيراني نجح في إعادة إنتاج شرعيته سريعًا عبر تنصيب مجتبى خامنئي مرشدًا أعلى خلفًا لوالده، بما أكد أن الأنظمة الشمولية لا تقوم فقط على شخصية القائد، بل على بنية مؤسساتية وأمنية قادرة على الاستمرار بعد غياب الأفراد.
وأمام هذا الفشل، تحوّل الخطاب الأميركي تدريجيًا من أهداف معلنة تتعلق بإسقاط الحكومة الإيرانية إلى التركيز على إضعاف قدراتها العسكرية والنووية ونفوذها الإقليمي. وهو انتقال من هدف حاسم ومباشر إلى استراتيجية تراكمية أكثر مرونة، تعتمد استنزاف الخصم وتقليص قدرته على المبادرة بدل انتظار انهياره الفوري.
وفي المقابل، تراهن طهران بدورها على عامل الزمن بوصفه عنصرًا أساسيًا في معادلة الصراع؛ إذ تعتقد أن استمرار المواجهة قد يؤدي إلى ارتفاع الكلفة السياسية والاقتصادية داخل الولايات المتحدة، ولا سيما مع تراجع شعبية الرئيس ترامب وتقلبات الرأي العام الأميركي تجاه الحروب الخارجية. ومن ثم، فإن الاستراتيجية الإيرانية لا تقوم فقط على امتصاص الضربات والحفاظ على تماسك النظام، بل على انتظار تحولات سياسية قد تحد من قدرة واشنطن على مواصلة الضغط بالوتيرة نفسها.
وبذلك انتقلت المواجهة من محاولة كسر النظام إلى محاولة إضعاف قدرته على الصمود؛ أي من السعي إلى تحقيق انتصار سريع إلى خوض حرب إرادات طويلة الأمد يكون فيها الزمن نفسه أحد ميادين الصراع.
ثالثًا: الملف النووي والصواريخ الباليستية
يبقى الملفان الأكثر حساسية، اللذان كان يُفترض أن يحسما مصير الحرب، هما البرنامج النووي والصواريخ الباليستية. وانضمت إليهما مؤخرًا مسألة حرية الملاحة في مضيق هرمز بوصفه ممرًا دوليًا.” وبقي الملفان الأولان معلّقين، ولم تُحسم قضاياهما في الهدنة. فصعّدت فيهما طهران كتعبير عن سيادة وطنية. وكان الطرفان الأميركي والإيراني قد وقعا على مذكرة تفاهم في 17 يونيو 2026 تفتح نافذة قابلة للتمديد مدتها 60 يوما لمناقشة برنامج إيران النووي والصاروخي والعقوبات وحرية الملاحة في مضيق هرمز. إلا أن الخلافات الجوهرية ظهرت فورا في ثلاثة محاور: أولا، مصير مخزون اليورانيوم المخصّب بنسبة 60%، حيث طالبت واشنطن بتسليمه أو تدميره، بينما رفضت طهران إخراجه من البلاد نهائيا بأمر من المرشد الأعلى الجديد مجتبى خامنئي، مكتفية بعرض خفض مستوى التخصيب محليًا إلى 3.67%،” أو نقله لطرف ثالث. ثانيا، برنامج الصواريخ الباليستية، الذي كان أحد المطالب الأميركية الأساسية، ومن ورائه إسرائيل عند بدء الحرب، ثم تراجع عمليًا في سلم أولويات التفاوض، بعدما صرّح ترامب بأن “الصواريخ ليست هي المشكلة” وأنها ستُناقَش لاحقا مع حلفاء الخليج العربية بمعزل عن الملف النووي. ثالثاً، مضيق هرمز، حيث طالبت إيران بنظام إداري جديد للمضيق يتضمن رسوم عبور، بينما رفضت عُمان وواشنطن أي فرض لرسوم.
وقد فاقم هذه الخلافات نزاع حول التسلسل التفاوضي نفسه (من يقدّم التنازل أولا)، إذ أعلن نائب الرئيس الأميركي أنّ المفتشين النوويين سيُسمح لهم بالعودة إلى إيران للمساعدة في تدمير المخزون المخصَّب بوصف ذلك جزءا أساسيا من الاتفاق، بينما أكد الإيرانيون أن مفاوضات البرنامج النووي لن تبدأ إلا بعد توقيع الاتفاق الأولي، دون أي إشارة إلى المفتشين أو مصير المخزون. ونتيجة هذا الفراغ التنفيذي، لم يصمد الاتفاق: ومع بلوغ منتصف مهلة الستين يومًا، كانت الضربات الأميركية على إيران والهجمات على السفن التجارية في مضيق هرمز قد طبعت الأيام الثلاثين الأولى من محادثات السلام. وهكذا عادت الحرب قبل استكمال أي تفاوض جوهري حول الملفين النووي والصاروخي؛ في تكرار حرفي للنمط ذاته: تأجيل الحسم لا تحقيقه.
وقد تجاوز هذا التنازع حدود الخلاف الفني ليتحول إلى تحدٍّ سياسي وكسر إرادات متبادل يعكس هشاشة الثقة بين الطرفين: فبينما لوّح ترامب علنا بأن العمل العسكري قد يُستأنف إذا فشلت المفاوضات على الاتفاق النووي النهائي، ردّت طهران بلغة مماثلة من الحزم، إذ أصدر المرشد الأعلى الجديد مجتبى خامنئي توجيها قاطعا برفض إخراج اليورانيوم المخصّب من البلاد نهائيا، وهو ما يُقرأ كرسالة تحدٍّ مباشرة لواشنطن أكثر منه موقفا تفاوضيا قابلا للمساومة.
وهكذا وجد كل طرف نفسه يتحدث بلغة موازية للأخرى لا تلتقي معها: فواشنطن تصوغ مطالبها باعتبارها شروطًا لا تراجع عنها، وتجعل التهديد بالعودة إلى الحرب أداة ضغط تفاوضية؛ بينما تصوغ طهران رفضها باعتباره خطًا سياديًا أحمر، وتجعل عدم تقديم التنازلات الكبرى أداة صمود. لذلك، تحولت مهلة الستين يومًا من فرصة لبناء اتفاق إلى ساحة لاختبار الإرادات، حيث أصبح كل طرف يقيس “النصر” بقدرته على الصمود ومنع الآخر من تحقيق أهدافه، لا بمدى اقترابه من تسوية نهائية.
رابعا: صراع الممرات الدولية الحيوية والجبهات الخليجية
تولي إدارة ترامب أهمية استثنائية لتأمين شبكة الممرات البحرية والتجارية الحيوية، من الأطلسي والقطب الشمالي إلى قناة بنما ومضيق ملقا، ومن البحر الأحمر وباب المندب إلى الخليج العربي ومضيق هرمز، بوصفها امتدادًا لمفهوم الأمن القومي الأميركي في حقبة التنافس الدولي. وفي مواجهة هذا التوجه، ترفض إيران التخلي عن دورها في تشكيل بيئة المنطقة، معتبرة نفسها فاعلًا إقليميًا أصيلًا لا يمكن تجاوزه، ولا سيما بعد خسارتها سورية والإزعاج الذي تتعرض له في العراق. وتسعى إلى فرض معادلة ردع موازية عبر جيشها والحرس الثوري، ومن خلال استراتيجيتين إقليميتين: توظيف الحوثيين في باب المندب (تهديد السعودية مؤخراً)، والقدرة على التأثير في أمن مضيق هرمز، إضافة إلى دور حزب الله في مواجهة إسرائيل، رغم تراجع قدراته القتالية مقارنة بالسابق. ويمنح هذا التمركز الجغرافي إيران أوراق ضغط تفاوضية مهمة، ويحوّل الممرات المائية إلى ساحة اختبار مباشرة لمصداقية الإرادتين المتصارعتين. وفي المقابل، تسعى واشنطن إلى إعادة رسم خريطة النفوذ الإقليمي بما يخدم مصالحها ومصالح حلفائها.
وفي هذا السياق، توظف واشنطن علاقاتها بدول الخليج العربية لترسيخ حضورها العسكري الدائم هناك، بوصفه جزءًا من منظومة الدفاع عن حلفائها وضمان أمن الممرات الحيوية، مستفيدة من شبكة قواعدها الإقليمية، ولا سيما الأسطول الخامس في البحرين والقواعد العسكرية في قطر والإمارات، للحفاظ على موقعها الاستراتيجي في المنطقة بصرف النظر عن نتائج مواجهتها مع طهران. وفي المقابل، تنتهج إيران سياسة مزدوجة تجمع بين الضغط العسكري والخطاب السياسي؛ فمنذ بدء الحرب في 28 فبراير 2026، استهدف الحرس الثوري مواقع أمريكية في الخليج بالصواريخ والمسيّرات، وامتدت المواجهة إلى مواقع ومصالح في عدد من الدول العربية، بما فيها استهداف ميناء الفجيرة الإماراتي، الذي يمثل أحد المراكز المهمة لتصدير النفط، ثم استمر التصعيد لاحقًا باستهداف موقع عسكري أمريكي في قطر في يوليو 2026.
ويجعل هذا التوظيف المتبادل للموقع العسكري والجغرافي من الخليج ساحة مركزية للصراع: فواشنطن تحول وجودها العسكري إلى عنصر دائم في معادلة الأمن الإقليمي، بينما تنظر إيران إلى القواعد الأميركية وحلفاء واشنطن باعتبارهم أدوات ضغط يمكن استهدافها عند تصاعد المواجهة. وتجد دول الخليج نفسها، نتيجة لذلك، في موقع الطرف الذي يتحمل كلفة الصراع من خلال اضطراب الملاحة والطاقة وإغلاق الأجواء، من دون امتلاك القدرة الكاملة على التحكم بمساره. ولهذا تميل معظم هذه الدول إلى خطاب التهدئة والدعوة إلى الحوار بدل الانخراط المباشر في مواجهة مجهولة النتائج، قد تهدد استقرارها السياسي وما حققته من إنجازات اقتصادية وتنموية.
خامسًا: أذرع إيران الإقليمية كخطٍ دفاع أول
تشترط واشنطن لأي تسوية محتملة أن تنهي إيران انخراطها في المواجهات الإقليمية، وأن تتخلى عن شبكة أتباعها الممتدة من العراق إلى اليمن ولبنان، باعتبار ذلك شرطًا أساسيًا لتفكيك أدوات النفوذ الإيراني التي اخترقت تلك البلدان ومجتمعاتها. وفي المقابل، تتمسك طهران بهذه الشبكة باعتبارها خط دفاعها الأول ووسيلتها لموازنة التفوق العسكري الأميركي–الإسرائيلي، كما تستمر في توظيفها كأداة ضغط تفاوضي، مع تفاوت درجة انخراط كل طرف من هذه الأطراف بحسب ظروفه المحلية وحساباته الخاصة.
في لبنان، أصبح حزب الله منذ حرب الإسناد لإيران طرفًا أكثر ارتباطًا بالمشروع الإقليمي الإيراني، وفق ما ظهر في مواقفه خلال الحرب على غزة وما أعقبها. فقد جدد أمينه العام نعيم قاسم رفضه لأي مسار تفاوضي مباشر مع إسرائيل، معتبرًا استمرار الحكومة اللبنانية في هذا النهج تهديدًا للاستقرار الداخلي. كما ذهب النائب حسن فضل الله إلى التأكيد أن الحزب يمتلك القدرة على التأثير في مسار المفاوضات المباشرة بين لبنان وإسرائيل، وهو ما يعكس استمرار التوتر بين منطق الدولة اللبنانية ومنطق القوة المسلحة المستقلة عنها. ويتمسك الحزب بأن الانسحاب الإسرائيلي الكامل وغير المشروط يمثل الشرط الأساسي لأي تسوية يمكن اعتبارها “انتصارًا”.
وفي اليمن، استعاد الحوثيون، أتباع إيران، دورهم كأداة ضغط إقليمية مرتبطة بالصراع الأوسع، إذ أعلنوا انخراطهم في المواجهة عبر استهداف إسرائيل وتهديد حركة الملاحة في البحر الأحمر للضغط على السعودية، وبالتالي تحويل موقعهم الجغرافي إلى أداة مؤثرة في الصراع الإقليمي. وهكذا، تحولت ورقة باب المندب إلى عنصر ضغط جيوسياسي مهم، بنقل الصراع من الساحة اليمنية المحلية إلى الساحة الإقليمية، باعتبار الموقع الاستراتيجي للممر وتأثيره على التجارة والطاقة العالميتين.
أما بالنسبة إلى السعودية، فالمشكلة ليست فقط عسكرية، بل استراتيجية أيضًا؛ فهي تريد الحفاظ على أمن حدودها وممراتها التجارية، وفي الوقت نفسه تجنب العودة إلى حرب يمنية واسعة بعد سنوات من محاولات التهدئة. وتذهب بعض القراءات إلى أن توظيف هذه الورقة يهدف إلى تخفيف الضغط عن إيران في مواجهة الضغوط الأميركية، وهذا لا يجعل الملاحة في مضيق هرمز ورقة ضغط سيادية إيرانية فحسب، بل كذلك باب المندب.
وفي العراق، فما يزال الملف مفتوحًا على احتمالات متعددة؛ فقد طالبت الحكومة العراقية الفصائل المسلحة بالاندماج الكامل في مؤسسات الدولة أو تسليم سلاحها، بينما أبدت بعض الفصائل استعدادًا للتجاوب مع هذا المسار، في حين تمسكت فصائل أخرى بسلاحها وباستقلالية قرارها العسكري. ويعكس الموقف الإيراني تجاه هذا الملف حرصًا على الحفاظ على نفوذها، مع تجنب صدام مباشر قد يؤدي إلى تقويض شبكة العلاقات التي بنتها خلال العقود الماضية.
ويكشف هذا التفاوت بين الأذرع الثلاثة: حزب الله بوصفه الأكثر ارتباطًا بالمشروع الإيراني، والحوثيين باعتبارهم ورقة ضغط جغرافية مرتبطة بموقع اليمن في البحر الأحمر، والفصائل العراقية التي تتحرك ضمن بيئة سياسية أكثر تعقيدًا؛ أن “محور المقاومة” ليس كتلة متجانسة بالكامل، بل شبكة من القوى ذات درجات متفاوتة من الاستقلال والارتباط. وهذا يمنح طهران مرونة تكتيكية في تفعيل ورقة دون أخرى بحسب تطورات الصراع، لكنه يكشف في الوقت نفسه حدود قدرتها على فرض انضباط موحد على جميع مكونات هذا المحور.
سادسًا: لماذا توقف ترامب عن مخاطبة الشعب الإيراني ودعوته إلى الثورة؟
هذا التحول ليس صدفة لغوية، بل نتيجة تناقض بنيوي بين مسارين لا يجتمعان: الدعوة للثورة على النظام عشية الحرب الراهنة، والتفاوض معه. فبعد فشل رهان “الحسم الثوري” وتماسك جهاز الدولة الإيراني، وجدت واشنطن نفسها أمام معضلة في عدم القدرة على كسر إرادة النظام الإيراني. وهنا جاء التصريح اللافت لترامب في قمة مجموعة السبع (حزيران/يونيو 2026)، حين أجاب عن سؤال بشأن استمرار قمع النظام لمعارضيه بأن أعمال القتل الأشد وحشية حدثت في “النظام الأول والثاني” أكثر بكثير مما يحدث الآن، وهي عبارة تُلمّح ضمنيا إلى أن الحكومة الحالية “نظام جديد”، رغم استمرارية القيادات والأجهزة نفسها فعليا، وأن لا ضرورة لإسقاطها، انعكاسا للعجز عن تنفيذ ما وعد به ترامب مطلع الحرب.
بعبارة أخرى: حين تتحول أولوية واشنطن من “إسقاط النظام” إلى “انتزاع تنازلات نووية وصاروخية وهرمزية منه أيضا، يصبح خطاب “قوموا أيها الإيرانيون وأطيحوا به” عبئاً لا ميزة، لأنه يقوّض شرعية أي اتفاق قد تعقده مع الجهة ذاتها. فالتفاوض يفترض الاعتراف بالطرف الآخر كشريك، بينما الثورة تفترض نزع الشرعية عنه كليا، وهذا تناقض لا يمكن تسويقه طويلا. كما أنه امتداد لنفس النمط السابق: تراجع في الوسيلة المُعلنة مع بقاء خيار العودة إليها احتياطيا، بينما ينتقل ثقل الصراع من الشارع الإيراني إلى طاولة تفاوض تُدار مع النظام “الصامد” ذاته الذي استهدفته الحرب أصلا؟
سابعًا: حسابات التفاوض تحت مظلة حرب الإرادات
رغم حدة التصعيد، يبقى الباب التفاوضي مفتوحا بدرجة ما؛ فترامب يسعى إلى اتفاق يُترجم ضغط العقوبات إلى مكاسب سياسية عشية الانتخابات النصفية الأميركية. فهو تحتاج إلى نصر سياسي يترجمه في الانتخابات المقبلة مطلع تشرين الثاني/نوفمير القادم، بينما تصمد إيران في وجه، وتسعى إلى إلحاق الهزيمة به على أيدي الناخبين الأميركيين، وإلى تحرير أموالها المجمدة واستعادة حرية تصدير نفطها، من دون أن ننسى إصرارها على تخصيب اليورانيوم، والاحتفاظ بالصواريخ الباليستية. لكن يلاحظ أن هذا المسار التفاوضي بات أكثر تعقيدا في ظل عدم وضوح مركز القرار الفعلي في طهران كما كان قبل الحرب، وضغوط نتنياهو على ترامب لتوسيع نطاق الحرب على إيران.
ومع غياب مجتبى خامنئي عن الظهور العلني منذ توليه الولاية، وهو بات عبئا على النظام، مرتبطا باعتماده الوثيق على علاقته بالحرس الثوري ومشاركته في القرار من خلف الستار، بات الحرس الثوري هو من يمسك فعليا بخيوط اللعبة السياسية لا العسكرية فقط: فهو من يُعلن العمليات والردود على واشنطن والدول العربية، وهو من يقرر متى تنتهي الحرب، وهو من يضع قواعد الردع والخطوط الحمراء، بل هو من يوجّه الرسائل مباشرة إلى واشنطن ودول الخليج العربية عبر القصف والتهديد.
وهذا التماهي بين المؤسسة العسكرية والقرار السياسي يعني أن أي تفاوض مع “طهران” هو عمليا تفاوض مع الحرس نفسه، الذي أبدى حتى الآن رفضا واضحا لأي تنازل جوهري يمس مخزون اليورانيوم أو البرنامج الصاروخي، ما يجعل معضلة “من تفاوض؟” التي أشرنا إليها أكثر حدّة مما تبدو وتحدٍ لإرادة واشنطن: فالمفاوض الأميركي لا يواجه مؤسسة الولي الفقيه التقليدية بقدر ما يواجه جهازا عسكريا-أمنياً لا تُلزمه بالضرورة اعتبارات الشرعية الدينية أو الحسابات السياسية التي كانت تحكم تصرف المرشد التقليدي، بل تحكمه حسابات البقاء المؤسسي للحرس ذاته كقوة مهيمنة داخل الدولة، وهو ما يفسّر جزئيا صلابة الموقف الإيراني في رفض تصدير اليورانيوم رغم استمرار الحرب واستنزاف الاقتصاد.
ثامنًا: الاستنتاج: من غياب الحسم السريع… إلى الاستنزاف الممتدّ
حين يُنظر إلى عجز الولايات المتحدة عن تحقيق “كسر” شامل لإرادة طهران، فإنّ أول ما ينبغي تفاديه هو الوقوع في فخ التفسير الخصوصي الذي يرد هذا العجز إلى طبيعة النظام الإيراني وحده أو إلى مهارة تفاوضية استثنائية تنفرد بها طهران. فالمقارنة المنهجية مع حالتين مختلفتين جوهرياً: أوروبا وكندا بوصفهما حليفين تقليديين في نزاع الرسوم الجمركية، وروسيا بوصفها خصما استراتيجيا مباشرا في مواجهة العقوبات، تكشف عن نمط متكرر يتجاوز خصوصية أي حالة بعينها: عجز بنيوي تواجهه القوة الأميركية في فرض حسم كامل على أي طرف دولي، بصرف النظر عن موقعه من واشنطن أو طبيعة نظامه السياسي.
وإذا صحّ هذا الاستنتاج، فإنه يفرض بالضرورة إعادة النظر في الأدوات المفاهيمية المستخدمة لتحليل هذه الصراعات؛ ذلك أن مفهوم “حرب الإرادات”، بصيغته الكلاسيكية الموروثة من الحرب الباردة، القائم على افتراض معسكرين متمايزين بحدود واضحة يمكن من خلالها تحقيق استنزاف حاسم لأحد الطرفين، يفقد جزءا كبيرا من قدرته التفسيرية في بيئة يتداخل فيها الاقتصاد العالمي إلى درجة تجعل حتى الخصوم الأشد عداء لواشنطن، وحتى حلفاءها التقليديين، أطرافا مرتبطة بشبكات مصالح يصعب قطعها كليا من دون كلفة متبادلة. من هنا تنشأ الحاجة إلى أطر تحليلية أكثر مرونة، تقيس النتائج بمعايير تراكمية وجزئية بدلا من معيار الحسم الثنائي الناجز.
وانطلاقا من هذه الخلفية النظرية، يصبح من الممكن قراءة التحول الملحوظ في الخطاب الأميركي تجاه إيران، من الحديث عن “تغيير النظام” إلى الاكتفاء بـ”إضعافه”، لا بوصفه تراجعا عن الأهداف الاستراتيجية العميقة، بل بوصفه مراجعة واقعية لسقف الأدوات المتاحة لتحقيق تلك الأهداف. فالفارق بين الهدفين ليس في الجوهر بقدر ما هو فارق في الأفق الزمني والوسيلة: الهدف الاستراتيجي (تحييد التهديد أو إخضاع الخصم) يبقى قائما، لكن وسيلة تحقيقه تنتقل من منطق الحسم السريع إلى منطق الاستنزاف الممتد، ما يشير إلى أنّ ما يجري ليس استجابة مخصوصة للحالة الإيرانية، بل تكيّف استراتيجي عام مع حدود القوة الأميركية في مواجهة خصوم متعددين في آن واحد، كالصين وروسيا وإيران.
وفي المقابل، لا ينبغي أن يُفهم صمود الطرف الإيراني على أنه انتصار استراتيجي، بل هو أقرب إلى ما يمكن تسميته “الصمود التكيفي”: قدرة على امتصاص الضربات المتتالية والاستمرار دون انهيار، من دون أن يعني ذلك بالضرورة تحقيق مكاسب صافية أو تحسّن فعلي في الموقع التفاوضي. فتراهن طهران على القدرة على الاستمرار أكثر من رهانها على تحقيق نصر مباشر، معوّلة على عامل الزمن وتآكل الإجماع الغربي الداخلي بقدر تعويلها على أي مكسب تفاوضي فوري.
وفي ظل محدودية الأداة الاقتصادية في تحقيق حسم كامل (العقوبات التي تتعامل معها إيران وأذرعها بطرق مختلفة)، وميل واشنطن إلى مراجعة سقف أهدافها التكتيكية دون التخلي عن جوهرها الاستراتيجي، فإن المسار الأرجح لمستقبل الملف الإيراني، ليس الحسم العسكري الكامل ولا الانهيار الشامل لأحد الأطراف، بل سيناريو التفاهمات المرحلية أو “التهدئة المُدارة”. وبهذا المعنى، فإن السؤال الأدق تحليليا لم يعد “من يربح هذه الحرب؟”، بل “كيف تُدار حالة اللاحسم بأقل الخسائر الممكنة لكل طرف؟”، وهو نمط تفاوضي متكرر البنية، وإن اختلفت تفاصيله وسقوفه الزمنية من حالة إلى أخرى.
رابط مختصر.. https://www.europarabct.com/?p=121604
*حقوق النشر محفوظة إلى المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والاستخبارات
المراجع للإطار النظري
- Art, Robert J., and Patrick M. Cronin (eds.). The United States and Coercive Diplomacy. Washington, DC: United States Institute of Peace Press, 2003.
- Byman, Daniel, and Matthew Waxman. The Dynamics of Coercion: American Foreign Policy and the Limits of Military Might. Cambridge, UK: Cambridge University Press, 2002.
- Freedman, Lawrence. The Evolution of Nuclear Strategy. New York: St. Martin’s Press, 1981.
- Schelling, Thomas C. Arms and Influence. New Haven: Yale University Press, 1966.
- Schelling, Thomas C. The Strategy of Conflict. Cambridge, MA: Harvard University Press, 1960.
- Sechser, Todd S., and Matthew Fuhrmann. Nuclear Weapons and Coercive Diplomacy. Cambridge: Cambridge University Press, 2017.
- Womack, Brantly. “Contra Schelling: The Trap of Coercive Strategy in a Multinodal Era.” Perspectives on Politics (2025), Cambridge University Press.

