بون ـ المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والاستخبارات ECCI ـ وحدة الدراسات (3)
أمن قومي ـ عندما تصبح البنى التحتية جزءًا من ميدان الحرب
أصبحت البنى التحتية الحيوية جزءًا بالغ الأهمية من ميدان الصراع، مع انتقال الحروب الحديثة من استهداف القوات والجبهات إلى ضرب شبكات الطاقة والاتصالات والنقل والإمداد والمنشآت الرقمية. يكشف ذلك عن تحول استراتيجي يجعل العمق الاقتصادي والمدني للدول جزءًا من معادلة الردع والحرب. وبينما توفر هذه الاستراتيجية مكاسب عسكرية محتملة، فإنها تثير مخاطر إنسانية وقانونية واقتصادية متزايدة.
لماذا أصبحت البنى التحتية جزءًا من ميدان الحرب؟
ـ التحول في طبيعة الحروب الحديثة: تشهد طبيعة الحروب تحولًا عميقًا، فقد أصبحت الصواريخ والطائرات المسيّرة والأسلحة الدقيقة والهجمات الإلكترونية الأدوات المهيمنة في الصراعات الحديثة، مما غيّر جذريًا كيفية خوض الحروب وتحقيق الحسم فيها. فمن حرب أوكرانيا إلى التصعيد الأخير في حرب إيران، هناك حقبة جديدة من الحروب تتحدى العقائد العسكرية التقليدية والأطر القانونية الدولية. تُظهر هذه الصراعات كيف أن التقدم التكنولوجي لا يُغيّر تكتيكات ساحة المعركة فحسب، بل يزيد كذلك من عدم تكافؤ القوى في الحروب، وقد يُجبرالدول على إعادة النظر في استراتيجيات الحروب التقليدية.
ـ انتقال الصراع من الجبهات العسكرية التقليدية إلى العمق: سمحت التطورات السريعة في العلوم والتكنولوجيا للطائرات المسيّرة بضرب أهداف ليس فقط على طول خطوط المواجهة، بل وفي عمق المناطق العملياتية. وقد جعل هذا أي معدات أو قوة نارية أو احتياطيات عرضة للخطر، حتى تلك البعيدة عن الجبهة. أصبحت الضربات الدقيقة على طرق الإمداد اللوجستي إجراءً روتينيًا. بل إنها باتت جزءًا من التكتيكات المعتادة لإجبار العدو على الانسحاب. نتيجةً لذلك، تشكلت منطقة بعمق يتراوح بين (10 و15) كيلومترًا أمام خط التماس بسبب شفافية ساحة المعارك ولم يعد من المستغرب أن تلاحق طائرة مسيّرة جنديًا واحدًا بدلًا من مجموعة أهداف أو مركبة مدرعة.
ـ البنى التحتية تمثل نقطة ضعف للدول والمجتمعات: تتعرض البنية التحتية للطاقة في أوروبا لهجوم، وتشن روسيا بالفعل هجمات هجينًا، مستهدفةً كابلات الكهرباء وخطوط أنابيب الغاز في بحر البلطيق، وكاشفةً عن نقاط ضعف عميقة. فالبنية التحتية الحيوية لا تواجه نقاط ضعف لم تُحل فحسب، بل تواجه مخاطر جيوسياسية متزايدة، لا سيما في شبكة نقل الطاقة البحرية. وطالما استمر هذا الوضع، سيبقى الاتحاد الأوروبي تحت تهديد مستمر من هجمات منخفضة المخاطر تُسبب اضطرابات اجتماعية واقتصادية وعسكرية كبيرة. أكد “جان شارل إيلرمان كينغومب” الأمين العام المساعد لحلف الناتو، في يونيو من العام 2025: “تُظهر حرب أوكرانيا بوضوح أن البنية التحتية للطاقة الأوروبية هدفٌ ذو أولوية بالنسبة لروسيا”.
ـ الفرق بين استهداف القدرات العسكرية واستهداف البنية المدنية: تحظر اتفاقيات “جنيف” لعام 1949 وبروتوكولاتها الإضافية لعام 1977 الهجمات أو الأعمال الانتقامية على البنية التحتية المدنية. وتشمل البنية التحتية المدنية “جميع الأشياء التي ليست أهدافًا عسكرية”، كما ينص القانون، والتي “عادةً ما تكون مخصصة لأغراض مدنية، مثل مكان العبادة أو منزل أو مسكن آخر أو مدرسة”. تشمل كذلك على سبيل المثال “الطرق والجسور والسكك الحديدية والمطارات ومحطات الكهرباء وشبكات الصرف الصحي والمستشفيات وأنظمة الهاتف والإنترنت”. ينص القانون على أنه عندما يكون هناك شك حول ما إذا كان شيء ما يخدم غرضًا عسكريًا أو مدنيًا، يجب على الأطراف أن تفترض أنه مدني، وبالتالي لا يمكنها مهاجمته.

ما المقصود بالبنى التحتية؟
تُعرَّف البنية التحتية بأنها الأنظمة المادية الأساسية لشركة أو منطقة أو دولة، وغالبًا ما تشمل إنتاج السلع العامة أو عمليات الإنتاج، تتسم الاستثمارات في البنية التحتية بارتفاع تكلفتها وكثافة رأس المال فيها، إلا أنها حيوية للتنمية الاقتصادية والازدهار في أي منطقة. يمكن تمويل المشاريع المتعلقة بتحسين البنية التحتية من القطاع العام أو الخاص، أو من خلال شراكات بين القطاعين العام والخاص. من أمثلة البنية التحتية البنى التحتية الحيوية كـ”الكهرباء، المياه، الاتصالات، الصرف الصحي”. كذلك البنى التحتية للنقل كـ”الطرق، الجسور، السكك الحديدية، الموانئ والمطارات”. بالإضافة إلى البنى التحتية الاقتصادية كـ”المصانع، منشآت الطاقة، شبكات الإمداد”. كذلك البنى التحتية الصحية كـ”المستشفيات ومراكز الطوارئ”. كذلك البنية الرقمية كـ”مراكز البيانات، شبكات الاتصالات والإنترنت” والبنى ذات الاستخدام المزدوج وتشمل المنشآت المدنية التي يمكن أن تكون لها وظيفة عسكرية أو لوجستية. الإمارات والاتحاد الأوروبي ـ التشريعات والحوكمة الأمنية، لمكافحة الجريمة المنظمة؟
لماذا تستهدف الدول البنى التحتية في الحروب؟
ـ تعطيل حركة القوات والإمدادات: واصلت أوكرانيا في يوليو من العام 2026 ضرب البنية التحتية العملياتية واللوجستية للقوات الروسية. حيث شنت القوات الأوكرانية هجمات على (14) جسرًا للسكك الحديدية والطرق، بالإضافة إلى جسور علوية ومعابر عائمة تستخدمها القوات الروسية لأغراض عسكرية. وكانت أهدافها الرئيسية طرق الإمداد، ومنشآت الدفاع الجوي، وقواعد الطائرات المسيرة، والبنية التحتية للطيران والوقود للعدو. وأشارت وزارة الدفاع الأوكرانية إلى أن “التركيز كان على تعطيل طرق الإمداد في مناطق “دونيتسك ولوهانسك وخيرسون وزابوريزهيا، وكذلك في شبه جزيرة القرم المحتلة مؤقتًا”.
ـ إضعاف القدرة الاقتصادية على مواصلة الحرب: يساهم استهداف البنى التحتية في انهيار اقتصادات الدول، فعلى سبيل المثال أثبتت أوكرانيا فعاليتها بشكل ملحوظ في استهداف البنية التحتية للطاقة الروسية، باستخدام طائرات مسيرة رخيصة الثمن، بالإضافة إلى صواريخ محلية الصنع، حيث بلغت الضربات الأوكرانية في البداية نطاقًا واسعًا أدى إلى تعطيل أكثر من (40%) من قطاع النفط الروسي. قد تزامن ذلك مع تجاوز عجز الموازنة الروسية توقعاتها لعام 2026.
أفادت صحيفة “واشنطن بوست” في يوليو من العام 2026 إن الأشهر الأولى من حرب إيران لم تشهد تأثيرًا اقتصاديًا واسعًا داخل طهران، رغم آلاف الغارات الجوية والحصار البحري، إلا أن المشهد تغير بعد توسع الولايات المتحدة في استهداف منشآت البنية التحتية. تسببت الاستهدافات في “انقطاع الكهرباء والمياه، ونقص الوقود، وتعطل شبكات الاتصالات، إلى جانب تباطؤ حركة التجارة”، وهو ما انعكس على أداء المصانع والمزارع وسلاسل الإمداد، في ظل ارتفاع تكلفة نقل البضائع وتراجع النشاط الاقتصادي.
ـ قطع الاتصالات: تدعم شبكات الاتصالات مجموعة واسعة من الخدمات الرقمية التي تتجاوز الاتصالات، بما في ذلك المعاملات المالية ومنصات الخدمات اللوجستية والوصول إلى الخدمات العامة. باتت إيران تستهدف بصورة متزايدة البنية التحتية الرقمية في المنطقة باعتبارها جزءًا من الصراع الأوسع، مع ضربات حديثة أثرت على أنظمة الحوسبة السحابية والأقمار الصناعية والاتصالات. يعكس ذلك تحولًا من استهداف الأنظمة المعزولة إلى البنية التحتية التي تدعم طبقات متعددة من الاقتصاد الرقمي. تنظر أوكرانيا إلى روسيا باعتبارها منظومة مترابطة للطاقة والإمداد، ويحدد المخططون العسكريون نقاط الارتكاز الحرجة التي يؤدي استهدافها بضربة محدودة إلى إحداث أضرار واسعة في النظام بأكمله وأصبحت هجمات الطائرات المسيّرة الأوكرانية على أهداف داخل روسيا أكثر فاعلية خلال العام 2026، وشملت مصافي النفط ومستودعات الوقود للتأثير على قطاع الطاقة.
ـ التأثير تقديم الخدمات ورفع كلفة الحرب على المجتمع: يقول “فيليب لاوسبرغ”، كبير محللي السياسات في مركز السياسات الأوروبية “EPC”: “تشكل وايلدبيريز منصة لوجستية تقع في قلب الاقتصاد الاستهلاكي الروسي. وبمعالجتها لنحو (50%) من طلبات البيع بالتجزئة عبر الإنترنت في روسيا، أصبحت بنية تحتية اقتصادية حيوية، مما يجعلها هدفًا استراتيجيًا”. تابع “لاوسبرغ”: “تحاول أوكرانيا ضرب عصفورين بحجر واحد، حيث تعطل الإمدادات التي تصل إلى خط المواجهة بينما تجبر روسيا على تحويل الأموال والاهتمام الإداري وموارد الدولة لحماية أحد الشرايين اللوجستية الرئيسية للبلاد”. مضيفًا كما تتناسب هذه الضربات مع هدف الرئيس فولوديمير زيلينسكي المعلن والمتمثل في تقريب تكاليف الحرب من المواطنين الروس العاديين.
ـ الضغط على القيادة السياسية للتفاوض أو تغيير الحسابات: تعرضت مستودعات خاضعة لشركة “وايلدبيريز”، أكبر شركة لتجارة التجزئة عبر الإنترنت في روسيا، لضربات عسكرية أوكرانية ضمن حملة ضربات بعيدة المدى لتجبر موسكو على المفاوضات. وأكد الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي الهجمات، موضحًا أنها استهدفت مراكز لوجستية تستخدم لتزويد الجيش الروسي بمكونات الطائرات المسيرة ومعدات الملاحة وأجهزة أخرى. تأتي الضربة الأخيرة متزامنة مع موجة هجمات مماثلة”. الأمن والدفاع الأوروبي ـ كيف تدير أوروبا الصراع مع روسيا مع الإبقاء على خيار الحوار؟
كيف تغيرت طبيعة استهداف البنى التحتية؟
لم تعد المسافة الجغرافية عن خط الجبهة ضمانة للأمن القومي للدول في ظل الحروب الغير تقليدية، بالتزامن مع تطور استهداف الحروب الحديثة للبنى التحتية للدول بداية من استهداف “الجسور والموانئ والمنشآت الصناعية” إلى استهداف “شبكات الكهرباء والاتصالات والأقمار الصناعية والمنشآت الرقمية والبنية اللوجستية”. وهنا يمكن التوقف عند مفهوم “الحرب على العمق”، تعتمد هذه المرحلة على نقل الحرب أو المعركة بعيدًا عن خطوط القتال التقليدية، إلى خلف خطوط الجبهة، كذلك نقل كلفة الحروب إلى المدن الرئيسية الكبرى والسكان والمقدرات الاقتصادية للدول.
تقول “ريبيكا هاينريش” الزميلة البارزة في معهد “هدسون”: “إن تركيز الهجمات على طول الساحل الجنوبي لإيران وتزايدها في العمق يشير إلى أن الولايات المتحدة تتجاوز الرد على الضربات الفردية وتستهدف البنية التحتية التي تسمح لطهران بالحفاظ على القدرات العسكرية التي تدعم عملياتها حول مضيق هرمز وإعادة بنائها في نهاية المطاف”. ألمانيا وروسيا هل تدفع فجوة أوروبا ـ واشنطن إلى إعادة فتح القنوات مع موسكو؟
المخاطر الاستراتيجية والإنسانية
يتسبب استهدف البنى التحتية أثناء الحروب إلى انعدام الأمن، وتعطيل العمليات الإنسانية ويحد من الوصول إلى الغذاء والماء والمأوى والرعاية الصحية وغيرها من الخدمات الأساسية ما يساهم في نزوح ملايين الأشخاص. كما ينجم عن استهداف البنى التحتية أثناء الحروب والصراعات ما يعرف بـ”صدمة الحرب”، ويمكن أن تنطوي تلك التجربة على أحداث قد تهدد حياة الشخص أو السلامة الجسدية مثل “التعرض للقصف، أو التعرض لإصابة خطيرة، وما إلى ذلك”. وجميع صدمات الحرب يمكن أن تؤدي إلى اضطرابات الصحة العقلية مثل اضطراب ما بعد الصدمة “PTSD”، والاكتئاب والقلق طويل الأمد.
رصدت منظمة مرصد النزاعات والبيئة “CEOBS” غير الربحية ومقرها المملكة المتحدة في 12 مارس من العام 2026 أكثر من (300) حادثة من الأضرار البيئية المحتملة من الضربات على قواعد الصواريخ إلى الهجمات على ناقلات النفط في الخليج العربي. كما حذرت الأمم المتحدة من أن الضربات على المنشآت النفطية في منطقة الشرق الأوسط قد تنطوي على “عواقب بيئية خطيرة في جميع أنحاء المنطقة، مع آثار فورية محتملة على المياه الصالحة للشرب، وعلى الهواء الذي يحتاج الناس إلى تنفسه، وعلى الغذاء”.
أوضحت البروفيسورة “راشيل فانلاندينغهام”، المحامية العسكرية الأمريكية السابقة في السابع من أبريل 2026: أن القانون الدولي يسمح بشن غارات على مواقع مدنية في ظروف محدودة معينة، حيث تُستخدم هذه الغارات لتحقيق ميزة عسكرية واضحة. لكنها شددت على ضرورة ألا تتسبب أي إجراءات في إلحاق ضرر مفرط بالمدنيين”.
تقييم وقراءة مستقبلية
– يشهد استهداف البنى التحتية في الحروب الحديثة المزيد من التعقيد، مع تداخل المجالات العسكرية والاقتصادية والرقمية والمدنية، يؤدي هذا التداخل الشامل إلى تحويل الخدمات إلى سلاح استراتيجي عابر للحدود، يهدف زيادة الضغوطات على متخذ القرار وإنهاك خطوط الدفاع.
– من المرجح أن تصبح شبكات الطاقة والاتصالات ومراكز البيانات والأقمار الصناعية وسلاسل الإمداد أكثر حضورًا في الحسابات العسكرية، باعتبارها نقاط ارتكاز يمكن أن يؤدي تعطيلها إلى التأثير في قدرة الدولة على مواصلة الحرب وإدارة اقتصادها وخدماتها الأساسية.
– من المتوقع أن تتزايد أهمية مفهوم “الحرب على العمق”، بحيث لا تعود المسافة عن خطوط المواجهة معيارًا كافيًا للحماية. فانتشار الطائرات المسيّرة والصواريخ بعيدة المدى والقدرات السيبرانية يتيح الوصول إلى أهداف استراتيجية في مناطق كانت تُعد سابقًا بعيدة عن دائرة الخطر.
– من المحتمل أن يدفع استهداف النى التحتية الدول إلى تعزيز أنظمة الإنذار المبكر، وإعادة توزيع منشآتها الحيوية، وتطوير شبكات أكثر مرونة وقدرة على العمل في ظروف الاستهداف المستمر. وأن تصبح حماية البنية التحتية الحيوية جزءًا أساسيًا من سياسات الأمن والدفاع
– يمكن القول أن التحول في طبيعة الحروب الحديثة سيضع الدول أمام معادلة صعبة بين الضرورات العسكرية وحماية المدنيين. فكلما زاد اعتماد المجتمعات على البنى التحتية الرقمية والمادية، ارتفعت تكلفة تعطيلها إنسانيًا واقتصاديًا.
رابط مختصر.. https://www.europarabct.com/?p=122906
*حقوق النشر محفوظة إلى المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والاستخبارات
الهوامش
Trump’s Iran strategy depends on economic pain. The pain is mounting
https://tinyurl.com/bdhjefnz
The New Nature of War Has Changed the Foundations of Global Security: The Ukrainian Experience and the Future World Order
https://tinyurl.com/mvkwhf82
Wars in cities: three rules for protecting the built environment during conflict
https://tinyurl.com/4p56f5v6
Iran war risks long-term toxic legacy for people and nature
https://tinyurl.com/4kkxremh

