المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والاستخبارات ـ ألمانيا وهولندا
ملف أمن قومي ـ أهمية الصناعات العسكرية في مفاهيم الأمن القومي الأوروبي
1 ـ الأمن القومي ـ أوروبا، استراتيجية الحماية ومفاهيم جديدة في ظل التحولات الجيوسياسية
شهدت أوروبا تحولًا في مفهوم الأمن القومي، مدفوعًا بتداعيات حرب أوكرانيا وتراجع الاعتماد على الولايات المتحدة. طرحت المفوضية الأوروبية استراتيجية جديدة لتعزيز القدرات الدفاعية، ودعم الصناعات العسكرية، وتحقيق السيادة الاستراتيجية. تسعى الدول الأوروبية لتقليل الاعتماد على حلف شمال الأطلسي عبر مبادرات ثنائية دفاعية مشتركة، واستثمارات صناعية وتقنية واسعة، في ظل تنامي التهديدات الهجينة والضغوط الجيوسياسية.
تحول جذري في مفهوم الأمن القومي الأوروبي
قدمت المفوضية الأوروبية مفهومًا جديدًا للأمن القومي في أبريل 2025 عبر استراتيجية “حماية الاتحاد الأوروبي”، التي تهدف إلى تعزيز قدراته الدفاعية وسد فجوات القدرات، ودعم صناعة الدفاع الأوروبية، وتعميق سوق الدفاع الموحد، وتعزيز جاهزية أوروبا لمواجهة أسوأ السيناريوهات. طالبت المفوضية الأوروبية دعم دول الاتحاد الأوروبي في ضمان أمن مواطنيها، ومواجهة التهديدات الأمنية المتزايدة والتهديدات الهجينة، كالإرهاب، والجريمة المنظمة، والجرائم الإلكترونية، والهجمات على البنى التحتية الحيوية.
حددت الاستراتيجية خطة عمل ذات إطار قانوني، من خلال تبادل المعلومات وتعاون دفاعي أوثق، واعتماد أدوات أكثر فعالية لإنفاذ القانون، وتعزيز وكالات العدالة والشؤون الداخلية، وتفعيل دور الاتحاد الأوروبي كلاعب عالمي قوي في مجال الأمن. بالإضافة إلى اعتماد نهج شامل يشمل المجتمع بأكمله، بما في ذلك المواطنين، والشركات، والباحثين، والمجتمع المدني، الذين يمكنهم المساهمة في تعزيز السلامة للجميع.
الرد الأوروبي على حرب أوكرانيا، أمن استباقي ودفاع مشترك
اتخذ الاتحاد الأوروبي خطوات لحماية مواطنيه وتعزيز قدراته الدفاعية في ظل التحولات الجيوسياسية في حرب أوكرانيا. يرى الاتحاد الأوروبي أن الاستعداد هو الأساس، من خلال ضمان قدرة صناعة الدفاع الأوروبية على الإنتاج بالسرعة والحجم المطلوبين، وتسهيل النشر السريع للقوات والأصول العسكرية في جميع أنحاء الاتحاد الأوروبي. يضمن ذلك الأمن على المدى الطويل، وفوائد اقتصادية لجميع دول الاتحاد الأوروبي، ويساعد على الاستجابة للحاجة الملحة لدعم أوكرانيا على المدى القصير.
يقول “لويجي سكاتسيري” من مركز الإصلاح الأوروبي: “يتعين على الأوروبيين تكثيف دفاعاتهم سواء غادر الأميركيون أم لا”. وأضاف “سكاتسيري”: “من أجل توليد ردع موثوق، نحتاج إلى المزيد من القدرات، وخاصة تلك التي نعتمد عليها بشكل أكبر في الولايات المتحدة الصواريخ بعيدة المدى، والدفاعات الجوية، والإمدادات الجوية، والمراقبة الجوية والنقل”. وتابع: “إن توحيد جهود الدفاع الأوروبية من خلال شراء الأسلحة الجماعية، والتسليح المشترك، والخدمات اللوجستية الموحدة، والوحدات العسكرية المتكاملة أمر مهم، لكنه لن يكون كافيا بدون تلك القدرات والأعداد”. أمن أوروبا ـ كيف تنسق الدول الأوروبية الدعم العسكري لأوكرانيا؟
الصناعات العسكرية عنصر من عناصر الأمن القومي
حذّرت صناعة الدفاع والأمن والفضاء في الاتحاد الأوروبي في يوليو 2025، من أن مبلغ (13) مليار يورو المخصص للأمن والدفاع في الميزانية الحالية طويلة الأجل للاتحاد الأوروبي (2021–2027)، غير كافٍ فيما يتعلق بحماية أوروبا من التهديدات. فعلى الرغم من الزيادات الأخيرة، فإن معدل الاستثمار والمشتريات الدفاعية الحالي في أوروبا غير كافٍ لمعالجة الطوارئ العسكرية الأكثر خطورة.
أكدت صناعة الدفاع والأمن والفضاء في الاتحاد الأوروبي أن الإطار المالي المتعدد السنوات المقبل يجب أن يتضمن مظاريف استثمارية مخصصة “تتناسب مع حجم الطموح وإلحاح التحدي”. يقول قادة الصناعة العسكرية الأوروبية إن هذا يعني تخصيص حوالي (150) مليار يورو للدفاع والأمن غير العسكري على مدى دورة الميزانية المقبلة الممتدة لسبع سنوات، بدءًا من عام 2028.
دعت الصناعة الأوروبية صانعي السياسات في الاتحاد الأوروبي إلى تخصيص ما بين (60-40) مليار يورو إضافية للمشاريع المتعلقة بالفضاء، وحوالي (23.5) مليار يورو للطيران المدني. وإلا، فإن النقص المزمن في الاستثمار في الفضاء والدفاع والأمن قد يؤدي إلى إضعاف القدرات، وتأخير التحولات الحرجة، وزيادة التبعيات.
الاستقلال الاستراتيجي الأوروبي: دفاع موحد في وجه التحديات الجيوسياسية
الاستقلال الاستراتيجي في الدفاع: أصبح سعي أوروبا نحو الاستقلال الاستراتيجي أكثر وضوحا في قطاع الدفاع، حيث تفاقمت التوترات مع واشنطن. أعلنت دول أعضاء رئيسية في الاتحاد الأوروبي، مثل فرنسا وألمانيا وبولندا، عن خطط استثمارية عسكرية جديدة، وتُقلّص الشركات تدريجيا تعاونها مع شركاء الولايات المتحدة مُفضّلة الإنتاج المحلي. تُعطي “الاستراتيجية الصناعية الدفاعية الأوروبية” للاتحاد الأوروبي الأولوية للأنظمة المُطوّرة محليا والتكامل الدفاعي العابر للحدود.
الاستقلال الاستراتيجي النووي: تهدف مبادرات مثل مبادرة التعاون الهيكلي الدائم (PESCO) إلى بناء إطار عسكري أوروبي مُنسّق، في حين تكتسب المناقشات حول رادع نووي مستقل بقيادة فرنسا زخمًا. تعكس هذه الخطوات مجتمعةً إعادة تقييم استراتيجي ليس التخلي عن حلف شمال الأطلسي، بل الاستعداد لأوروبا أقل اعتمادًا عليه.
الاستقلال الاستراتيجي الفضائي: تدرس بروكسل بناء شبكة أقمار صناعية جديدة لتوفير المعلومات العسكرية، يهدف النظام إلى استبدال القدرات الأمريكية جزئيًا، بعد أن أبرز توقف الرئيس “دونالد ترامب” عن تبادل المعلومات الاستخباراتية مع أوكرانيا في مارس 2025 اعتماد أوروبا على أمريكا. أمن أوروبا ـ كيف تستعد أوروبا للحرب العالمية الثالثة؟
يقول “أندريوس كوبيليوس” مفوض الدفاع والفضاء: “نظرًا للتغيرات في الوضع الجيوسياسي، تدرس المفوضية الأوروبية توسيع قدراتها عبر الأقمار الصناعية لتحسين دعم الاستخبارات الجغرافية المكانية للأمن”. تُستخدم شبكة الأقمار الصناعية الجديدة للكشف عن التهديدات مثل حركة القوات وتنسيق العمل العسكري.
الاستقلال الاستراتيجي في الصناعة الدفاعية: تسعى المفوضية الأوروبية إلى إنشاء صندوق ضخم للسياسة الصناعية من خلال دمج ما يصل إلى (14) خط ميزانية موجودًا في خطة الإنفاق المالي متعددة السنوات القادمة. سيكون للصندوق “تفضيل الاتحاد الأوروبي” لتعزيز الاستقلالية في القطاعات الاستراتيجية، بما في ذلك “النطاق الكامل للقطاع الرقمي”، والتكنولوجيا النظيفة، والدفاع، والأمن، والفضاء، والتكنولوجيا الحيوية.
الاستقلال الاستراتيجي في الطاقة: تسعى الدول الأوروبية إلى الاستقلال الاستراتيجي في مجال الطاقة و تنويع مصادره، فبدأت بروكسل في إعادة النظر في أمن شراكاتها في مجال الطاقة على المدى الطويل، لا سيما بعد حرب أوكرانيا، وتزايد تأثير صادرات الطاقة الأمريكية على النفوذ السياسي. قلصت الدول الأوروبية من اعتمادها على الوقود الأحفوري الروسي، وعملت على توسيع تعاونها في مجال الطاقة خارج إطار المحور الأطلسي، معززة علاقاته مع منتجين مثل النرويج والجزائر وقطر.
هل تتهيأ أوروبا لفك ارتباطها الدفاعي عن الناتو؟
يدعم العديد من الدول الأوروبية “تحالف الراغبين” الناشئ، بقيادة فرنسا وبريطانيا، من أجل دعم قوة عسكرية وضمان اتفاق ما بعد الصراع في أوكرانيا. وفي إطار تحديد الموارد لهذه القوة بما في ذلك القدرات اللوجستية والاستخباراتية، بالإضافة إلى القوات الجوية والبرية والبحرية يهدف ذلك إلى تقليل الاعتماد على الناتو والتصدي لتهديدات ترامب بالانسحاب من أوروبا، وملء الفراغ بأصول أوروبية على مدى عقد من الزمن.
يقول “هنك أوفربيك” أستاذ العلاقات الدولية في جامعة فريجي بأمستردام: “تمتلك أوروبا الموارد الاقتصادية والمالية والتكنولوجية اللازمة لإنشاء نظام دفاعي خاص بها. ومع ذلك، لكي تتخلص أوروبا بفعالية من اعتمادها الحالي على الناتو في الدفاع، لا بد من وجود إجماع سياسي واسع بين الحكومات والنخب السياسية وعامة الشعب، وهو إجماع لم يتحقق بعد”.
أضاف “أوفربيك”: “إذا استطاعت حكومات المملكة المتحدة وفرنسا وألمانيا وبولندا طرح مقترحات ملموسة وفعالة ومقبولة، فقد يتغير المناخ الاستراتيجي في أوروبا بسرعة كبيرة. يجب أن يقترن تنظيم الدفاع الذاتي الأوروبي بشكل صحيح بمبادرات دبلوماسية تهدف إلى التعايش السلمي في أوروبا والسعي إلى تعاون سلمي مع قوى أخرى مثل الصين والهند”.
الرؤية الفرنسية الألمانية لتقوية الصناعات العسكرية
انكشفت الانقسامات في مجال الدفاع خلال يوليو 2025، عندما أيد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب مبادرة ألمانية لتوريد الأوروبيين أسلحة أمريكية الصنع إلى أوكرانيا. وبينما أيدت دول الشمال الأوروبي والمملكة المتحدة الخطة، عارضتها فرنسا تماشيًا مع سعي ماكرون لزيادة إنتاج أوروبا للأسلحة محليًا وتقليل اعتمادها على الولايات المتحدة.
تُهدد الخلافات بين فرنسا وألمانيا بعرقلة مشروع أوروبي لتطوير طائرة مقاتلة من الجيل التالي، مما يُقلل من اعتماد الاتحاد الأوروبي على طائرات “إف-35” الأمريكية. وقد قلل مسؤول في الإليزيه من شأن الخلافات حول برنامج الطائرات المقاتلة، قائلاً: “إن ميرز وماكرون يرغبان في المضي قدمًا”.
يقول “ثيس” النائب في البرلمان الألماني: “إن الطريقة الوحيدة لسد هذه الخلافات هي أن يقترب الألمان من الفرنسيين في مجال الدفاع، وأن تقترب فرنسا من ألمانيا في مجال التجارة. وراء كل جهد فرنسي لتعزيز الطابع الأوروبي لتسليحنا، ترى ألمانيا دائمًا مميزات تُمكّن الفرنسيين من تحقيق مصالحهم الخاصة، وخاصةً فيما يتعلق بصناعة الأسلحة. علينا أن نتجاوز ذلك”.
كيف استفادت أوروبا من حرب أوكرانيا على صعيد الإمدادات العسكرية؟
كشفت حرب أوكرانيا لأوروبا الحاجة إلى قاعدة صناعية وتكنولوجية أوسع، وأكثر مرونة وتفاعلية. وهذه في الواقع، تُعد لبنة أساسية في بناء الدفاع الأوروبي، بالإضافة إلى زيادة جاهزية الجيوش الأوروبية، وإنتاج أسلحة قابلة للتشغيل المتبادل في إطار حلف شمال الأطلسي. كما أوضحت حرب أوكرانيا منذ بدايتها في فبراير 2022 الحاجة إلى المزيد من الابتكار في الصناعات الدفاعية، والقدرات، والإمدادات العسكرية. أمن دولي ـ مفاوضات روسيا وأوكرانيا، الفرص والعقبات
**
2 ـ الأمن القومي ـ برامج الاتحاد الأوروبي لتصعيد الصناعات العسكرية والدفاعية
تواجه أوروبا تهديدًا أمنيًا خطيرًا، ناجمًا عن الحرب الروسية الأوكرانية، وتفاقم بسبب التغيرات في السياسة الأمريكية تجاه أوكرانيا والدفاع الأوروبي منذ تنصيب الرئيس ترامب في يناير 2025. ردًا على ذلك، يعمل الاتحاد الأوروبي على تغيير أولوياته الدفاعية وإعادة تسليح نفسه لمواجهة التهديدات الجديدة على الحدود الأوروبية وزيادة الإنفاق الدفاعي. ولتحقيق هذه الأهداف، كشفت المفوضية الأوروبية عن استراتيجية الجاهزية 2030، التي أُطلق عليها بشكل غير رسمي اسم “خطة إعادة تسليح أوروبا” – والتي تهدف إلى تعزيز قدرات أوروبا وصناعتها واستقلاليتها الاستراتيجية بحلول نهاية هذا العقد.
معضلة إعادة التسلح في أوروبا
تتوزع القدرات العسكرية الأوروبية على أسس وطنية. يعتمد دفاع أوروبا على حلف شمال الأطلسي (الناتو) وقيادة الولايات المتحدة داخل الحلف. فإلى جانب الوجود العسكري البري، زودت الولايات المتحدة أوروبا بـ “ممكّنات استراتيجية”، والتي بدونها ستكون الجيوش الأوروبية الوطنية أقل فعالية بكثير. وتشمل هذه الممكّنات قدرات القيادة والسيطرة المشتركة، والاستخبارات والاتصالات عبر الأقمار الصناعية، وتطوير أنظمة أسلحة جديدة باهظة الثمن مثل الطائرات المقاتلة من الجيل الخامس أو السادس، وأنظمة الأسلحة المتكاملة التي تحتاجها دول متعددة، مثل الدفاع الجوي الاستراتيجي، والنقل الاستراتيجي (النقل الجوي واسع النطاق والخدمات اللوجستية البحرية)، والصواريخ، والردع النووي .
لتقليل اعتمادها على الولايات المتحدة، يجب على أوروبا سد فجوة كبيرة. كأولوية، يعني هذا الحصول على عوامل تمكين استراتيجية يمكن وضعها تحت السيطرة التشغيلية الأوروبية. ومن الأمثلة على ذلك شبكة استخبارات واتصالات قائمة على الأقمار الصناعية، والتي سيكون من الصعب والمكلف على الدول الأوروبية بناؤها بشكل فردي. بالإضافة إلى ذلك، يجب على أوروبا تجهيز قواتها بشكل أفضل والحصول على مخزونات كبيرة من المعدات العسكرية – مثل دبابات القتال الرئيسية والمدفعية والذخيرة والطائرات بدون طيار والطائرات. الدفاع ـ ما هي نقاط الضعف الأوروبية التي تستغلها روسيا؟
خطة “إعادة تسليح أوروبا” الاستعداد 2030
تهدف خطة “إعادة تسليح أوروبا”، التي أُعيدت تسميتها إلى “إعادة تسليح أوروبا/الاستعداد 2030” بعد أن اشتكت إيطاليا وإسبانيا من أن المصطلح الأصلي يحمل دلالات عسكرية، إلى زيادة الإنفاق الدفاعي الأوروبي بما يصل إلى 800 مليار يورو (865 مليار دولار) بحلول عام 2030. نشر أندريوس كوبيليوس، مفوض الدفاع والفضاء، في 19 مارس2025 ، الكتاب الأبيض بشأن الدفاع الأوروبي، وتتألف الخطة من عدة عناصر:
أولًا، تقترح المفوضية تفعيل بنود “الأقتراض” الوطنية في ميثاق الاستقرار والنمو لمدة أربع سنوات، بحيث لا يُحتسب الإنفاق الدفاعي ضمن حدود العجز المالي. إذا استخدمت جميع الدول الأعضاء المرونة الإضافية لزيادة الإنفاق بنسبة 1.5% كحد أقصى، فسيؤدي ذلك إلى توليد إنفاق إضافي قدره 650 مليار يورو على مدى أربع سنوات.
ثانيًا، اقترحت المفوضية منصة قرض جديدة ، وهي “العمل الأمني لأوروبا” (SAFE)، بقيمة تصل إلى 150 مليار يورو. يتضمن هذا الاقتراض من الأسواق الأوروبية باستخدام تصنيفه الائتماني القوي، ثم إقراض الأموال بأسعار فائدة مناسبة للدول الأعضاء التي تطلب قروضًا. يجب أن تشمل مشاريع الدفاع المؤهلة دولتين على الأقل، وأن تعالج فجوات محددة في القدرات. ولتحسين الشروط، اقترحت المفوضية إعفاءً من ضريبة القيمة المضافة للمشاريع الممولة من SAFE.
ثالثًا، ستقترح المفوضية تدابير تُسهّل على الدول الأعضاء إعادة توظيف أموال التماسك الإقليمي لدعم صناعة الدفاع. رابعًا، تُكرّر الخطة المقترح الذي نوقش كثيرًا بتوسيع نطاق إقراض بنك الاستثمار الأوروبي لقطاع الدفاع، مع فكرة مضاعفة الاستثمار السنوي إلى ملياري يورو وتوسيع نطاق الأنشطة المؤهلة لتشمل استثمارات في مجالات مثل الطائرات بدون طيار والفضاء والأمن السيبراني. ولن تُستبعد الاستثمارات في الأسلحة الفتاكة إلا. أخيرًا، تتعهد المفوضية بتسهيل تعبئة المدخرات الخاصة وتوجيهها نحو الدفاع.
وعندما يتعلق الأمر بتعزيز قدرات أوروبا، حدد الكتاب الأبيض سبعة مجالات ذات أولوية للاتحاد الأوروبي: الدفاع الجوي والصاروخي؛ أنظمة المدفعية وأنظمة الصواريخ؛ الذخيرة؛ 4 الطائرات بدون طيار وأنظمة مكافحة الطائرات بدون طيار؛ التنقل العسكري؛ الذكاء الاصطناعي والحرب الكمومية والحرب الإلكترونية والحرب الإلكترونية؛ و الممكنات الاستراتيجية (مثل النقل الجوي الاستراتيجي وطائرات التزود بالوقود جواً، والاستخبارات والمراقبة، والفضاء وأصول الاتصالات الآمنة الأخرى.
هذه القائمة من فجوات القدرات معروفة جيدًا. تُعيد توصيات الكتاب الأبيض لكيفية سد هذه الفجوات صياغة الأفكار الواردة في وثائق أخرى للاتحاد الأوروبي، وعلى رأسها الاستراتيجية الصناعية الدفاعية الأوروبية لمارس 2024. وتتمثل الأولوية في تنسيق جهود الدول الأعضاء، لتحسين تجميع الطلب، وتوفير طلبات طويلة الأجل، والحد من التشرذم، وتحسين قابلية التشغيل البيني. وينبغي أن تُوجه الطلبات بشكل رئيسي إلى الصناعة الأوروبية، لتوفير قدر كافٍ من اليقين لها لتوسيع نطاق الإنتاج. الدفاع ـ أوروبا وسباق التسلح وإعادة بناء الردع في مواجهة التهديدات الروسية
الاستراتيجية الصناعية الدفاعية الأوروبية
أُطلقت أول استراتيجية أوروبية للصناعات الدفاعية (EDIS) في مارس 2024. وتُرسخ هذه الاستراتيجية “رؤية طويلة المدى ” لتعزيز جاهزية الاتحاد الأوروبي الدفاعية من خلال تشجيع تعاون أكبر بين الصناعات الدفاعية الأوروبية في المجالات الإدارية والمالية والصناعية، بالإضافة إلى التدابير السياسية المتعلقة بمراقبة الصادرات. وقد جاءت هذه الاستراتيجية مصحوبة ببرنامج الصناعات الدفاعية الأوروبية (EDIP). وسيُحوّلبرنامج الصناعات الدفاعية الأوروبية إلى خطة عمل ضمن ميزانية الاتحاد الأوروبي الحالية، وهي الإطار المالي متعدد السنوات للفترة 2021-2027.
من خلال هاتين الوثيقتين، يشجع الاتحاد الأوروبي على تعزيز التعاون الدفاعي الأوروبي عبر مسارين منفصلين: بين الدول الأعضاء من خلال تحفيز تمويلها المشترك وشراء الأسلحة والمعدات، وبين شركات الدفاع من خلال تحفيزها على تطوير قدرات جديدة بشكل مشترك وتحسين قدرتها على مواجهة الأزمات. في حال نجاحه، سيُسهّل برنامج EDIS ظهور قاعدة تكنولوجية وصناعية دفاعية أوروبية (EDTIB)، مما يدعم سعي الاتحاد نحو الجاهزية الدفاعية.
تقترح الاستراتيجية أيضًا إنشاء مجلس الدفاع الأوروبي، وهو هيئة جديدة تضم الدول الأعضاء والممثل السامي والمفوضية. تحت إشراف المفوضية، سيُركز المجلس على تخطيط مشتريات الاتحاد الأوروبي وتحديد أولويات التمويل، مما يُمثل تحولًا تدريجيًا وهامًا في حوكمة الاتحاد الأوروبي نحو مزيد من المركزية على مستوى الاتحاد. ويتزامن هذا التغيير مع أول تعيين لمفوض دفاع أوروبي، رئيس الوزراء الليتواني السابق أندريوس كوبيليوس، دون أي تفويض عسكري، ولكنه يمتلك مجموعة كبيرة من الكفاءات والميزانية اللازمة لصناعتي الدفاع والفضاء.
صندوق الدفاع الأوروبي، الذي بدأ عمله في عام 2021، هو أداة أساسية لتعزيز التعاون التكنولوجي والصناعي في مجال الدفاع بين شركات وحكومات الاتحاد الأوروبي. تُدار مؤسسة الدفاع الأوروبية (EDF) مباشرةً من قِبل المفوضية الأوروبية بميزانية تُقدر بحوالي 8 مليارات يورو للفترة 2021-2027. وتهدف إلى تعزيز القدرة التنافسية والابتكار والكفاءة في صناعة الدفاع الأوروبية من خلال تعزيز التعاون بين شركات الاتحاد الأوروبي، بما في ذلك الشركات الصغيرة والمتوسطة ومراكز الأبحاث، بهدف تطوير مخرجات مفيدة للقوات المسلحة الأوروبية. وتطمح المؤسسة، من خلال ذلك، إلى دعم الاستقلال الاستراتيجي لأوروبا.
سيناريو الاستقلالية الاستراتيجية للدفاع الأوروبي
أسفرت مناقشات تعزيز القدرات الأوروبية عن مقترحات واسعة النطاق، بدءًا من إصدار سندات دفاع أوروبية، ودعم الاقتراض المشترك، ووصولًا إلى إنشاء بنك لإعادة التسلح، وحتى إنشاء “جيش أوروبي”. قد يكون كلٌّ من هذه المقترحات غير واقعي على المديين القصير والمتوسط.
في حين يختلف الزعماء الأوروبيون حول أفضل مسار للعمل، فإنهم يتفقون حول مسار استقلالية استراتيجية للدفاع الأوروبي. إن الاستقلال الاستراتيجي الأوروبي، الذي تدعمه فرنسا في المقام الأول، هو الدفع نحو تعزيز قدرة أوروبا على الدفاع عن نفسها وتقليل الاعتماد على القوى الخارجية، وخاصة الولايات المتحدة، من أجل الأمن.
يستثمر الاتحاد الأوروبي بالفعل في القاعدة الصناعية الدفاعية الأوروبية لتعزيز قدراته المحلية. وتُعدّ أداة العمل الأمني من أجل أوروبا (SAFE) التابعة للاتحاد الأوروبي برنامجًا بقيمة 150 مليار يورو “لقروض الأسلحة”، وهو جزء من خطة إعادة تسليح أوروبا التي وضعتها المفوضية الأوروبية. وتُحدد SAFE شروط أهلية تفضيلية للمشتريات من شركات الاتحاد الأوروبي، مما قد يستبعد أو يحد من مشاركة الشركات الأمريكية. وبالمثل، يهدف صندوق الدفاع الأوروبي إلى تعزيز التعاون بين شركات الدفاع في الاتحاد الأوروبي، حيث يُخصص حوالي 5.3 مليار يورو من ميزانيته البالغة 7.3 مليار يورو تقريبًا لمشاريع تطوير القدرات التعاونية.
يمكن أن تُعزز الإصلاحات الاقتصادية الإضافية على مستوى الاتحاد الأوروبي قطاع الدفاع في أوروبا. وتعمل المفوضية الأوروبية على إعداد مقترح لتبسيط إجراءات الدفاع الشاملة بهدف تقليل العوائق التنظيمية، وتسهيل الحصول على التمويل، وتسهيل التعاون عبر الحدود. كما تدعو المفوضية إلى إصلاحات في أسواق رأس المال لتوفير خيارات تمويل إضافية ومسارات للتوسع.
لقد حققت الاستثمارات طويلة الأجل لإنعاش الدفاع الأوروبي بعض التقدم. إلا أن الاستقلالية الاستراتيجية وقطاع الدفاع الأوروبي المعتمد على الذات أمران مستبعدان على المديين القصير والمتوسط. تتطلب مثل هذه التغييرات التزامات سياسية مستدامة وتعاونًا بين الدول الأعضاء السبع والعشرين في الاتحاد الأوروبي وشركائها بمستويات لم نشهدها بعد. ومن المرجح أن تُبطئ الحواجز التنظيمية، والمنافسة بين الأعضاء، والمصالح التجارية الوطنية التقدم. في غضون ذلك، يعتمد وصول أوروبا إلى أنظمة الدفاع القديمة والتقنيات الحيوية والناشئة بشكل كبير على التعاون التجاري عبر الأطلسي. ولا يزال التعاون مع الولايات المتحدة ومنظومتها الدفاعية أمرًا لا بديل عنه. تاريخيًا، كانت أوروبا الأقوى كشريك للولايات المتحدة، لا كمنافس لها. الدفاع ـ ما هي خطة الاتحاد الأوروبي لحرب محتملة في العام 2030؟
3 ـ أمن قومي ـ الصناعات العسكرية الأوروبية وتحديات التهديد الروسي والصيني
مع تصاعد حدة التوترات الجيوسياسية بالعالم، تتزايد التحديات الأمنية والسياسية أمام الاتحاد الأوروبي، ما جعل مسألة تعزيز الصناعات العسكرية أمراً ملحاً ومن أولويات التكتل الأوروبي، ورغم تباين الرؤى بين الدول الأعضاء، إذ تواجه مهمة إرساء هوية أوروبية أمنية حديثة لمواكبة المتغيرات الحالية، عقبات سياسية ولوجستية وقانونية، فما هي أسباب هذه العقبات؟ وهل يستطيع الاتحاد الأوروبي تجاوزها في ظل المخاوف من تحولات في سياسات واشنطن تجاه حلفائها بالناتو.
ما التحديات البنيوية للصناعات العسكرية في الاتحاد الأوروبي؟
ضعف التمويل العسكري
يعد التمويل في مقدمة تحديات تعزيز الصناعات الدفاعية الأوروبية، حيث قدمت المفوضية الأوروبية خطة تخصيص (1.5) مليار يورو بين عامي (2025-2027) لسد الفجوة بين احتياجات الدفاع قصيرة الأجل وحتى نهاية ميزانية التكتل الأوروبي للفترة (2021-2027)، وتوافق أعضاء البرلمان الأوروبي في أبريل 2025، على أن هذه الخطة ينبغي أن تمول (70%) على الأقل من المكونات المنتجة بالاتحاد الأوروبي أو الدول المرتبطة كالنرويج وأوكرانيا.
وحذرت صناعة الدفاع والأمن والفضاء بالاتحاد الأوروبي في يوليو 2025، من أن مبلغ (13) مليار يورو المحدد للأمن والدفاع بالميزانية الحالية طويلة الأجل (2021-2027) لا يكفي احتياجات أوروبا الأمنية لمواجهة التهديدات الراهنة.
وفي هذا السياق، يستهدف التكتل الأوروبي زيادة كبيرة في الإنفاق الدفاعي ضمن ميزانيته السنوات المقبلة، بقيمة (2) تريليون يورو للفترة (2028- 2034)، وأوضحت المفوضية الأوروبية أن مخصصات الدفاع والفضاء تصل إلى (131) مليار يورو عبر صندوق التنافسية الأوروبي. وفي الوقت نفسه أبدت إدارة الدفاع الأوروبية تخوفها، من أن معدل الاستثمار والمشتريات الدفاعية الحالية غير كافٍ لمواجهة الوضع الأمني الحالي.
ويدرس الاتحاد الأوروبي دمج السياسة الزراعية وسياسات التماسك بالميزانية في برنامج واحد، وإعادة جزء من تمويل سياسات التماسك لصالح الصناعات الدفاعية والعسكرية، نظراً لتخوف مسؤولون بالاتحاد من ضعف القدرات المالية للاستثمار بالدفاع والأمن.
ونظراً لارتفاع معدلات التضخم ومواجهة دول الاتحاد صعوبة في تمويل الإنفاق الدفاعي، ظهرت مقترحات بشأن استخدام سندات اليورو لتمويل الصناعات الدفاعية، وقوبلت بانتقاد من جانب مسؤولين أوروبيين لما تحتويه من مخاطر استثمارية، ولا يزال مقترح استخدام الإيرادات الناتجة من الأصول الروسية المجمدة بأوروبا، والتي تبلغ نحو (200) مليار يورو، يواجه تحديات قانونية وسياسية في تنفيذه.
تباين السياسات الوطنية الدفاعية بين الدول الأعضاء
تختلف سياسات دول الاتحاد الأوروبي بشأن الصناعات العسكرية، وفقاً للمخاوف الأمنية والقدرات العسكرية، والاعتبارات التاريخية والجغرافية، ومدى انخراط الدولة في تحالفات إقليمية ودولية. وباعتبار روسيا أنها مصدر التهديدات، لذا تختلف مخاوف بولندا ودول البلطيق المجاورة لها عن دول غرب أوروبا، الأمر الذي يفسر إنفاق دول البلطيق بشكل أكبر على جيوشها، كما تعمل فنلندا على إعداد مواطنيها لأي هجمات محتملة.
إن تاريخ الدول في الصراعات يحدد رؤيتها في الدفاع والأمن، وترتيب الدفاع كأولوية في الميزانيات لديها. واعتادت فرنسا وألمانيا على تجنب التوترات، ما جعل خطتهما العسكرية تركز على أهداف بعيدة المدى، خاصة أنهما ضمن حلف الناتو، ويعتمدان على التحالف في تطوير قدراتهما الدفاعية.
وتمثل الاعتبارات السياسية والاقتصادية عاملاً مؤثراً في سياسة الدفاع لدول الاتحاد الأوروبي، وظهر هذا الأمر واضحاً في مواقف الدول عقب قرار الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، بشأن رفع الإنفاق الدفاعي لـ (5%) من الناتج المحلي الإجمالي، ما يعد عائقاً أمام استراتيجية “إعادة تسليح أوروبا”.
ما العقبات التقنية واللوجستية أمام الصناعات العسكرية؟
نقص اليد العاملة المتخصصة
تواجه الشركات الأوروبية العاملة في الصناعات الدفاعية أزمة نقص عمالة، خاصة وأن الأسلحة التي تنتجها، تُصنع بأعداد قليلة ويتم تسليمها على فترات طويلة المدى، واعتمدت دول مثل فرنسا وألمانيا وإيطاليا وإسبانيا والسويد على الصناعات الدفاعية لحلف الناتو، بينما لدى رومانيا وبولندا طموحات تعزيز الصناعات الدفاعية منذ سنوات.
ويعمل نحو (600) ألف شخص في تطوير وإنتاج معدات الدفاع، ويخلق مجال الصناعات العسكرية (400) ألف وظيفة بشكل مباشر في التوريد والخدمات. وأدى نقص أعداد الجيوش الأوروبية وضعف جاهزيتها عقب الحرب الباردة، لتراجع التسليح وإنتاج الذخيرة، بالتالي نقص العمالة في مجال تصنيع الأسلحة، وتقليص رواتب العاملين في هذا القطاع، ما يدفع أغلب دول التكتل الأوروبي لإعادة توظيف أشخاص في الصناعات الدفاعية، وتعديل أنظمة الخدمة العسكرية الإجبارية.
إشكالات سلاسل التوريد
بلغ الإنتاج السنوي من معدات الدفاع بالتكتل الأوروبي نحو (3%) من الإنتاج الصناعي، ومع تطور التقنيات المتعلقة بصناعة الدفاع ذات الاستخدام المزدوج، زادت تحديات الصناعات المتعلقة بالدفاع. ويرتكز إنتاج المعدات العسكرية بالاتحاد، في فرنسا وألمانيا والسويد وإيطاليا.
وتواجه الشركات العاملة في إنتاج الأسلحة أزمة، لتحويل الإنتاج المدني إلى عسكري، ولارتفاع التكلفة وصعوبة تحويل أهداف العمل بالشركة لأهداف دفاعية بحتة. وتراجعت القوة التنافسية للصناعات الدفاعية الأوروبية منذ ثمانينيات القرن الماضي، وأصبحت التجارة البينية الأوروبية تتراوح بين (3%-4%) من إجمالي مشتريات دول الاتحاد.
وفي هذا السياق، أدت تجزئة سوق الصناعات العسكرية إلى محدودية الطلبات الوطنية، وجعلت بعض المشاريع تعتمد على عقود تصدير غير مؤكدة، وعرقلة الاستغلال الكامل لاقتصاديات إنتاج الأسلحة. وتسبب غياب المنافسة الحقيقية في عقود الدفاع المحلية إلى تراجع الكفاءة في إنتاج الأسلحة.أمن ألمانيا ـ تعزيز الصناعات الدفاعية والتكنولوجيا العسكرية
ما الإطار القانوني والتنظيمي وتحديات التوافق المشترك؟
صعوبة توحيد معايير الإنتاج والتسويق الدفاعي
يخضع العرض والطلب في الصناعات الدفاعية، لمتطلبات هيئات السياسة الخارجية والأمنية التابعة للاتحاد الأوروبي، ويجب وضع البعد الاقتصادي في الاعتبار عند صياغة قواعد خاصة بالتسلح.
ورغم وجود إمكانية لإنشاء سوق أوروبية موحدة خاصة بالدفاع، بتطبيق القواعد ذات الصلة من معاهدة الجماعة الأوروبية، والباب (5) من معاهدة التكتل، فإنه يجب الاعتراف بأن السوق الموحدة تعني ضرورة أن يكون لها هويتها الخاصة تجاه الدولة الثالثة، عبر وضع قواعد تتعلق بالسياسة التجارية والاتحاد الجمركي، مع ضمان وصول منتجات الاتحاد لأسواق دول ثالثة في ظل شروط منفعة متبادلة.
وتفرض المادة (223) من معاهدة الجماعة الأوروبية قيوداً، للسماح بإعفاءات من أحكام المعاهدة لإنتاج الأسلحة، وتضيف المادة بأن التدابير الوطنية يجب أن تكون لحماية المصالح الأساسية لأمن الدولة العضو، ولا تؤثر على شروط المنافسة بالسوق المشتركة بشأن المنتجات غير المخصصة لأغراض عسكرية.
تعقيد الإجراءات في ظل تعدد الفاعلين السياسيين
تتعقد إجراءات الإنتاج العسكري، في ظل المادة (41) من معاهدة التكتل، التي تمنع استخدام أموال الميزانية لشراء المعدات العسكرية، ما يحد من الصناعات الدفاعية المشتركة.
وينبغي على التكتل الأوروبي تطبيق مرونة أكثر في تخصيص الميزانية للصناعات الدفاعية، خاصة وأن الإطار المالي لميزانية (2028- 2034) يعيد ترتيب أولويات التكتل لمعالجة الاحتياجات الدفاعية، ويشجع المشاريع الحيوية في مجال الدفاع، ما يتطلب توسيع التمويل ذات الاستخدام المزدوج، لدعم القدرات المدنية والعسكرية.أمن أوروبا ـ هل تكفي تمويل نسبة الـ(70٪) من المكونات المنتجة في الصناعات الدفاعية لتحقيق السيادة الدفاعية؟
لمن التفوق في الصناعات العسكرية: روسيا أم الاتحاد الأوروبي؟
أنفق الاتحاد الأوروبي نحو (326) مليار يورو على الدفاع في 2024، بينما أنفقت روسيا نحو (140- 146) مليار دولار على ميزانيتها الدفاعية. ومن المتوقع أن يصل إجمالي الإنفاق الدفاعي للاتحاد الأوروبي إلى (2.03%) من الناتج المحلي الإجمالي في 2025، بينما قد يصل الإنفاق الدفاعي لروسيا في 2025 إلى (6.7%)، أي ما يقرب من ضعف مستواه قبل حرب أوكرانيا.
صنعت وجددت روسيا في 2024، (1550) دبابة، و(5700) مركبة مدرعة، و(450) نظام مدفعية، ونشرت (1800) ذخيرة لانسيت طويلة المدى، ورفعت إنتاج الدبابات بنسبة (220%) والمركبات المدرعة بنسبة (150%).
في الوقت نفسه، أطلق الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، حملة تجنيد واسعة لحشد (160) ألف جندي إضافي، بهدف توسيع الجيش الروسي إلى (2.39) مليون فرد، منهم (1.5) مليون جندي عامل، بينما تشير التقديرات إلى أن إجمالي القوات العاملة بأوروبا بما في ذلك المملكة المتحدة، يبلغ (1.47) مليون فرد، ولدى روسيا (1.32) مليون جندي نشط مع حوالي (2) مليون احتياطي.
وتكمن أزمة الاتحاد الأوروبي في غياب التوافق التشغيلي وهيكل القيادة المركزية، وتستخدم القوات المسلحة الأوروبية ترسانة مجزأة تضم (178) نوعاً من أنظمة الأسلحة، و(20) نوعاً من الطائرات المقاتلة، و(14) طرازاً مختلفاً من الدبابات القتالية. يمتلك الاتحاد الأوروبي نحو (1800) طائرة مقاتلة، وأكثر من (367) ألف مركبة قتالية مدرعة، ونحو (5) آلاف دبابة قتال رئيسية، ولدى روسيا أكثر من (900) طائرة مقاتلة، وأكثر من (131) ألف مركبة قتالية مدرعة، ونحو (6) آلاف دبابة قتال رئيسية.
ما مستقبل الصناعات العسكرية الأوروبية؟
دفعت الحرب الروسية الأوكرانية دول الاتحاد الأوروبي إلى التفكير في الاستثمار العسكري المشترك، وجددت دعوة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بشأن زيادة الإنتاج الدفاعي للحلف هذا التفكير. وتصبح العقبات السياسية مهددة لمسألة الصناعات العسكرية المشتركة، لاختلاف تقييم المخاطر الأمنية التي تواجه التكتل الأوروبي، وتشكك دول في قدرة الاتحاد على تمويل هذه الصناعات.
وعلى المدى القريب، سيعتمد الاتحاد الأوروبي على إصدار ديون مشتركة لتمويل الميثاق الدفاعي المشترك، وتقدر المفوضية الأوروبية الإنفاق الدفاعي الإضافي بنحو (500) مليار يورو على الأقل في العقد المقبل.
وعلى المدى البعيد، تستطيع دول الاتحاد دمج السياسية الدفاعية الوطنية مع سياسة التكتل، بتسهيل الاستثمارات الوطنية عبر التفسير المرن للقواعد المالية للتكتل، وشراء الأسلحة بشكل جماعي، وتسهيل القروض للدول الأعضاء والتحويلات المباشرة لتحديث الجيوش المشاركة في الدفاع الجماعي، وإنشاء وتشغيل قوات مشتركة مثل الدفاع الجوي الأوروبي.أمن أوروبا ـ ما هي الفجوات الدفاعية التي تهدد أوروبا في ظل غياب الدعم الأمريكي؟
**
تقييم وقراءة مستقبلية
– يُظهر تطور مفهوم الأمن القومي الأوروبي تحوّلاً من التركيز التقليدي على الردع العسكري إلى رؤية أكثر شمولًا ومؤسسية، تجمع بين القدرات الدفاعية، والاستقلال الاستراتيجي، والتعاون عبر القطاعات.
– تتبنّى أوروبا مقاربة متعددة الأبعاد، تسعى من خلالها إلى بناء منظومة أمنية مستقلة، قابلة للاستمرار بعيدًا عن الاعتماد المفرط على الولايات المتحدة أو حلف الناتو.
– تؤشر المبادرات الدفاعية والصناعية والعسكرية، كذلك تعزيز التعاون الاستخباراتي والتقني، مع إدماج أوسع للمجتمع المدني والقطاع الخاص في دعم منظومة الأمن. إلى تبلور وعي أوروبي بأهمية السيادة الدفاعية والاستقلال الاستراتيجي.
– تعيق الصراعات السياسية، والانقسامات بين الدول الكبرى كفرنسا وألمانيا، ومحدودية الاستثمارات، تحقيق إجماع أوروبي شامل حول الأمن الجماعي. كما يصطدم الطموح في بناء قدرة ردع ذاتية مستقلة عن الناتو، بواقع القدرات العسكرية غير المتكافئة، وغياب مظلة نووية أوروبية موحدة.
– يمكن القول أن مستقبل مسار الأمن الأوروبي سيتحدد بمدى قدرة الاتحاد على تحويل التحديات الراهنة إلى فرص استراتيجية، تحقق التوازن بين الشراكة عبر الأطلسي، والاستقلالية الدفاعية في إدارة الأمن القومي.
**
– تحدد خطة “إعادة التسلح” رؤية شاملة لأوروبا التي يمكنها الدفاع عن نفسها والمساهمة بشكل أكثر جدوى في أمن القارة العجوز. سيتطلب تحقيق هذه الرؤية بحلول نهاية العقد جهدًا وتركيزًا استثنائيين. خريطة الطريق موجودة: زيادة الاستثمار، وتبسيط المشتريات، وتجميع الموارد، وإعادة بناء الصناعات، وتعزيز الشراكات .
– تُدرك المفوضية بمبادراتها الأخيرة أن الدول الأعضاء هي من تُمسك بزمام الأمور، وأن حلف شمال الأطلسي (الناتو) هو الإطار المؤسسي الذي تُنظّم من خلاله معظم هذه الدول دفاعاتها. ويتمثل دور الاتحاد الأوروبي في إزالة أي عقبات تشريعية وتنظيمية تُعيق تعزيز الأمن الأوروبي، وتوفير موارد مالية إضافية، وتوجيه الدول الأعضاء نحو التعاون من خلال تنسيق جهودها. وبهذا المعنى، يستند كلٌّ من الكتاب الأبيض وخطة إعادة تسليح أوروبا إلى استراتيجية الاتحاد الأوروبي الصناعية الدفاعية الصادرة العام الماضي، وإلى برنامج صناعة الدفاع الأوروبي المُصاحب لها (EDIP)، والذي لا يزال قيد التفاوض في البرلمان الأوروبي ومجلس الوزراء.
– تكمن معضلة أوروبا في أن أهداف إعادة التسلح الطموحة هذه يجب أن تتحقق في ظل مساحة مالية محدودة وفي مواجهة صناعة دفاع مجزأة، والتي تعاني بالفعل من ضغوط شديدة بسبب قدرتها المحدودة وتوفير الدعم العسكري لأوكرانيا .
– أدت التحديات الهيكلية الاقتصادية والسياسية والابتكارية التي واجهتها أوروبا في العقدين الماضيين، إلى توسيع الفجوة بينها وبين شركائها وخصومها على حد سواء. وستعتمد قدرة أوروبا على التغلب على تحدياتها الأمنية، والعودة إلى مسار نمو اقتصادي أكبر، على قدرتها على الاستثمار في أولويات متعددة – دفاعها الذاتي، وتحالفاتها التاريخية، وفي التقنيات الحيوية والناشئة، بما في ذلك الأنظمة المدعومة بالذكاء الاصطناعي.
– على الصعيد الصناعي، من المتوقع أن تتلقى شركات الدفاع في جميع أنحاء أوروبا طلبات كبيرة خلال الأشهر المقبلة، كجزء من الجهود المنسقة للاتحاد الأوروبي. وسيكون رصد هذه العقود وتسريعها أمرًا بالغ الأهمية. ويمكن للمفوضية ووكالة الدفاع الأوروبية المساعدة من خلال استكشاف مشكلات سلسلة التوريد وإصلاحها
– قد تُعيد هذه السياسات تشكيل ميزان القوة داخل الاتحاد، وتجعل من ألمانيا وفرنسا قادة قطاع الدفاع الأوروبي، فيما تهمّش الدول الأقل قدرة على مواكبة الزيادة في التمويل.
– ستختبر السنوات القادمة قدرة أوروبا على الوحدة والعمل. ولكن إذا تم الوفاء بالالتزامات المقطوعة نظريًا، فإن أوروبا تسير على الطريق الصحيح نحو وضع دفاعي ملائم للوضع الأمني العالمي – ستكون أوروبا جاهزة، بحلول عام 2030، للحفاظ على أمنها .
**
– لم تصبح استراتيجية الصناعات الدفاعية المشتركة بين دول الاتحاد الأوروبي ضرورة سياسية فقط، بل باتت مطلباً شعبياً، حيث أظهرت استطلاعات رأي أخيرة في دول الاتحاد، إلى رغبة الأوروبيين في زيادة الإنفاق العسكري لمواجهة تحديات المرحلة، الأمر الذي يضع حكومات الدول الأعضاء أمام خياراً واحداً هو التنسيق ومواجهة التشرذم أمام أي هجمات روسية محتملة، بتخصيص بنود في الميزانيات الوطنية للصناعات العسكرية وزيادة الإنفاق الدفاعي ودعم الجيوش الأوروبية.
– إن اختلاف تقديرات دول التكتل الأوروبي لحجم التهديدات الروسية والصينية، يؤثر بشكل غير مباشر على خطوات تسريع التصنيع العسكري الأوروبي، ولكن حدة الهجمات الروسية على أوكرانيا، وتمسك موسكو بشروط معقدة في التفاوض مع كييف، تجبر باقي الدول على إعادة التفكير في موقفها بشأن أهمية الصناعات الدفاعية المشتركة، خاصة وأن هناك ترقب لمن يتحمل فاتورة التمويل، وأن برنامج الاستثمار الدفاعي الأوروبي يتطلب اقتراضاً مشتركاً بين الدول الأعضاء كما حدث في خطة التعافي من جائحة “كوفيد-19”.
– إن إبرام اتفاق دفاع أوروبي بين الراغبين في التعاون الصناعي العسكري بالاتحاد الأوروبي، يحفز باقي الدول على المشاركة في هذه الخطوة، خاصة وأن التعاون بين دول الاتحاد الأوروبي في إطار حلف الناتو أصبح منفعة عامة أوروبية.
– تعدد التحديات أمام الاتحاد الأوروبي بشأن السياسة الدفاعية الموحدة، باختلاف المشكلات التي تواجه الدول الأعضاء ربما يصب في صالح هذه السياسة، وعلى سبيل المثال تعاني ألمانيا من نقص العمالة، بينما تعاني دول جنوب أوروبا مثل إيطاليا وإسبانيا والبرتغال واليونان من التباطؤ الاقتصادي، ويتراجع النمو السكاني في دول مثل ألمانيا وإسبانيا وفرنسا وفنلندا، ولا تمتلك أغلب دول الاتحاد شركات دفاعية كبيرة، الأمر الذي يعني أن تنفيذ هذه السياسة العسكرية، يتطلب التنسيق بين الدول والذي يقوم على أسس التكامل، لبناء المجمع الصناعي العسكري تدريجياً وتفادي العقبات الحالية.
– عند النظر إلى إمكانيات روسيا العسكرية وقدرات الاتحاد الأوروبي الدفاعية، نجد تفاوتاً كبيراً لصالح روسيا، رغم أن الثاني تحالفاً يجمع 27 دولة، ولكن سياسات أغلب الدول الأعضاء على مدار (3) عقود، سواء بالتزام سياسة الحياد العسكري أو تحويل الاهتمام من التسليح إلى قضايا اجتماعية وسياسية واقتصادية أخرى، أو الاعتماد على حلف الناتو في القضايا الدفاعية، وضع التكتل الأوروبي الآن في مأزق تصحيح المسار لبناء قدرات عسكرية موحدة، وتأسيس الجيوش الأوروبية من جديد، لمواجهة أي مستجدات أمنية وسياسية طارئة في أوروبا.
– يقع على عاتق حكومتي فرنسا وألمانيا مسؤولية ترميم العلاقات داخل التكتل الأوروبي، للبدء وفقاً للخطة الموضوعة من قبل المفوضية الأوروبية لإنتاج أسلحة وتطويرها، ما يعني ضرورة احتواء أي معارضة داخل الدولتين حول الخطة الدفاعية المشتركة للاتحاد، وتجاوز أي خلافات ثنائية بين البلدين، وأيضا بين الدول الأعضاء حول الخطة العسكرية الجديدة.
رابط مختصر .. https://www.europarabct.com/?p=106904
*حقوق النشر محفوظة إلى المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الارهاب والاستخبارات ـ ألمانيا وهولندا ECCI
هوامش
‘Show me the money’: EU’s defence industry wants at least €100 billion after 2027
https://tinyurl.com/2nvr56sr
Acting on defence to protect Europeans
https://tinyurl.com/4vdcpjnd
Nato faces a make-or-break decision about how to protect Europe and its future in next few weeks
https://tinyurl.com/2cz7pwf9
Merz and Macron vowed to restart the Franco-German engine. It’s already sputtering.
https://tinyurl.com/mttajwfm
**
Introducing the White Paper for European Defence and the ReArm Europe Plan- Readiness 2030
European Defence Readiness 2030: A New Blueprint for Strategic Autonomy
The governance and funding of European rearmament
The Future of European Defense
**
THE CHALLENGES FACING THE EUROPEAN DEFENCE-RELATED INDUSTRY, A CONTRIBUTION FOR ACTION AT EUROPEAN LEVEL
Defence: how the EU is boosting its security
JOINT WHITE PAPER for European Defence Readiness 2030
The case for a European Defence Compact
