المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والاستخبارات، ألمانيا وهولندا ECCI
بون ـ بسام عباس، باحث في المركز الأوروبيECCI
أمن دولي ـ هل تتجه برلين نحو المواجهة المباشرة مع موسكو؟
تشهد العلاقات الألمانية ـ الروسية واحدة من أخطر مراحل التوتر منذ انتهاء الحرب الباردة، بعدما انتقلت برلين تدريجيًا من سياسة تقوم على الدبلوماسية الحذرة وشراكات الطاقة مع موسكو إلى تبني مسار أكثر ارتباطًا بإعادة التسلح والردع المباشر. وجاء هذا التحول في ظل متغيرات جيوسياسية متسارعة فرضتها الحرب الروسية-الأوكرانية وتصاعد عمليات «الحرب الهجينة» داخل أوروبا، ما أدى إلى تراجع مستوى التعاون بين البلدين وتقلص قنوات التنسيق التي كانت تمثل سابقًا مساحة مهمة في العلاقات الثنائية.
ومع استمرار التوتر، تصاعدت الاتهامات المتبادلة وتشددت الإجراءات المرتبطة بالتمثيل الدبلوماسي والقنصلي، في مؤشر على انتقال الخلاف من نطاقه السياسي إلى مستوى أكثر ارتباطًا بالاعتبارات الأمنية. وتتعامل ألمانيا مع روسيا ضمن بيئة أوروبية تتزايد فيها المخاوف من التهديدات الهجينة والتدخلات العابرة للحدود، بينما يعكس التصعيد الأخير مرحلة جديدة في مسار العلاقات، تثير تساؤلات حول ما إذا كان يمثل امتدادًا مؤقتًا للتوتر القائم أم تحولًا أعمق في طبيعة العلاقة وحدود المواجهة بين موسكو وبرلين.
ألمانيا في مواجهة التهديد الروسي
تبنت الأجهزة الاستخباراتية والأمنية الألمانية تقييمات أمنية جديدة تضع روسيا في مقدمة المهددات الوجودية المباشرة للأمن القومي الألماني والأوروبي. كشفت تقارير “المكتب الاتحادي لحماية الدستور” و”هيئة الاستخبارات الاتحادية” أن موسكو لم تعد تكتفي بالضغط الجيوسياسي التقليدي، بل تنفذ عمليات استطلاع وتجسس ممنهجة تستهدف الشبكات الحيوية، والموانئ، والممر الساحلي، إلى جانب استخدام “أسطول الظل” البحري للالتفاف على العقوبات الدولية. هذا التحول جعل ألمانيا هدفًا يوميًا لأنشطة إستراتيجية رمادية تخوضها الأجهزة الروسية لإضعاف التماسك الأوروبي.
وافقت الحكومة الألمانية برئاسة المستشار فريدريش ميرتس على إصلاحات لتوسيع صلاحيات جهاز الاستخبارات الخارجية الألماني، في ظل تصاعد التهديدات الروسية والهجمات الهجينة. وتشمل الإصلاحات منح الجهاز قدرة أكبر على تنفيذ عمليات سيبرانية هجومية وأعمال تخريب محددة، إلى جانب توسيع استخدام الذكاء الاصطناعي والتعرف على الوجوه وإطالة مدة تخزين البيانات. ويهدف التعديل إلى تعزيز قدرة الاستخبارات على كشف منفذي الهجمات والتعامل معهم، وتقليل القيود القانونية التي فرضت بعد الحرب العالمية الثانية. كما تسعى برلين إلى تقليص اعتمادها على المعلومات الاستخباراتية المقدمة من الحلفاء، خاصة الولايات المتحدة، وتعزيز قدراتها الوطنية في مواجهة التجسس والتخريب والهجمات السيبرانية.
وحذر وزير الداخلية الألماني ألكسندر دوبريندت، يوم التاسع من شهر أغسطس 2026، من أن أساليب “الحرب الهجينة” باتت تمثل تهديدًا يوميًّا لألمانيا، في ظل تنامي أنشطة التجسس والتخريب والهجمات السيبرانية والعمليات السرية التي تنفذها قوى أجنبية بهدف زعزعة استقرار البلاد أو إلحاق أضرار بها، معلنًا عن إنشاء مركز جديد لأبحاث أمن الطائرات المسيرة داخل مطار تجارب تابع للمركز الألماني للطيران والفضاء في ولاية “ساكسونيا-أنهالت” شرقي ألمانيا. الأمن والدفاع الأوروبي ـ تصاعد التهديدات الهجينة يرفع الجاهزية العسكرية
ميرتس والتحول في السياسة الدفاعية الألمانية
جاء وصول المستشار فريدريش ميرتس إلى سدة الحكم ليمثل تحولًا راديكاليًّا في الهندسة الدفاعية لألمانيا، متجاوزًا حالة التردد السياسي السابقة عبر رفع الإنفاق العسكري وصياغة سياسة خارجية أكثر حزمًا تجاه موسكو، حيث تعهد، في نوفمبر 2026، ببناء أقوى جيش في أوروبا عبر مشروع قانون يرفع عدد الجنود إلى (260) ألف جندي نظامي، إلى جانب (200) ألف احتياطي بحلول 2035، ويتضمن القانون حوافز للتجنيد الطوعي مع احتمال الاستدعاء الإلزامي، ويهدف لتعزيز الدفاع في مواجهة التهديد الروسي وتغيرات السياسة الأمريكية، وأعلن ميرتس أن الحكومة الاتحادية لن تتسامح مع أي أنشطة استخباراتية أو تخريبية تستهدف الأراضي الألمانية، مؤكدًا أن “منفذي الهجمات الهجينة سيدفعون ثمنًا باهظًا”.
وأثارت وتيرة إعادة التسلّح الألمانية المتسارعة مخاوف متزايدة لدى عدد من حلفاء برلين وجيرانها الأوروبيين، مع تأكيد ألمانيا على بناء قدرات عسكرية كبيرة لمواجهة “التهديد الروسي”، وتعزيز الدور الأوروبي في الدفاع عن القارة، بعد عقود من تقييد إنفاقها العسكري، والاعتماد بدرجة كبيرة على المظلة الأمنية الأمريكية، ما يعيد إلى الواجهة نقاشًا يعود إلى قرن مضى بشأن الحجم الذي ينبغي أن تبلغه القوة العسكرية الألمانية، في وقت تواجه فيه برلين مهمة مزدوجة تتمثل في تعزيز قدرتها على “ردع روسيا” وطمأنة جيرانها إلى أن تنامي قوتها لن يخل بالتوازن الأوروبي. الحرب الهجينة الروسية ـ هل أصبح الناتو تحت الاختبار؟
ألمانيا والحرب الهجينة: من التحذير إلى الردع
تشهد ألمانيا تصاعدًا ملحوظًا في التهديدات الهجينة الروسية التي تتجاوز المواجهات التقليدية لتشمل الهجمات السيبرانية، والتخريب، والتضليل الإعلامي، واستهداف البنية التحتية الحيوية، والتدخل في العمليات الديمقراطية، وأمام هذا التحدي المباشر لأمنها القومي في ظل التصعيد مع موسكو، انتقلت برلين من مرحلة التحذيرات العامة إلى صياغة استراتيجية ردع عملياتية ومباشرة لحماية أراضيها.
وتتجلى هذه الاستراتيجية المحدثة في رفع درجة التأهب الجوي والسيبراني، وتوسيع النطاق القانوني والتنفيذي عبر إنشاء وحدات شرطية وعسكرية مشتركة لمراقبة الأجواء والموانئ ضد التهديدات غير المأهولة. كما تشمل تفعيل آليات المراقبة البحرية في بحر البلطيق لمواجهة أنشطة “أسطول الظل” الروسي الذي يستغل المياه الاقتصادية الألمانية لعمليات الاستطلاع والتخريب ضد شبكات الطاقة والاتصالات. ولضمان عدم فرض واقع جديد في المناطق الرمادية بشرق وشمال أوروبا، يتطلب هذا التحول العملياتي فرض عقوبات مشددة، ومصادرة السفن المشبوهة، والرد الفوري على اختراقات الطائرات المسيَّرة.

حادثة “لايبزيج” وتأثيرها على الموقف الألماني
شَكَّلت حادثة استهداف مطار “لايبزيج/هاله” في أغسطس 2026 نقطة تحول استراتيجية في نمط المواجهة، حيث عُثر على ثلاث طائرات مسيرة محملة بمواد متفجرة بالقرب من طائرة شحن عسكرية أوكرانية من طراز (An-124) على الأراضي الألمانية. ودفع هذا الخرق الأمني الخطير بالشرطة الاتحادية ووزارة الداخلية برئاسة ألكسندر دوبريندت إلى التحقيق في الحادث بوصفه هجومًا هجينًا مباشرًا صادرًا عن مؤسسات تابعة للدولة الروسية، قال دوبريندت: “إن التجسس، والتخريب، والهجمات السيبرانية، أو العمليات السرية التي تقوم بها القوى الأجنبية بهدف زعزعة استقرار ألمانيا أو إلحاق الضرر بها، هي أمور حقيقية ومستمرة”، متجاوزين حالة “الشك الشكلي” إلى اتهام موسكو صراحة.
وعقب التحقيقات والاستشعار الأمني العالي، أعلنت ألمانيا مطلع شهر سبتمبر إجراءات انتقامية ضد روسيا، بعدما اتهمتها رسميًّا بإرسال طائرة مسيرة محملة بالمتفجرات مطلع أغسطس إلى مطار لايبزيج، الذي يشكل منصة عسكرية مهمة للجيش الألماني وحلف شمال الأطلسي، كما اتخذت برلين قرارات سياسية وأمنية غير مسبوقة، ففي 7 سبتمبر 2026، أعلن وزير الخارجية يوهان فاديفول إغلاق القنصلية الروسية العامة في بون، وإنهاء الاتفاق الخاص بـ “البيت الروسي” في برلين للاشتباه في استخدامه كمركز للأنشطة الاستخباراتية، كما قررت ألمانيا رفع مستوى التهديد القومي من “افتراضي” إلى “عالي”، وتطبيق قيود مشددة على تدفق المواطنين الروس عبر الحدود؛ مما شكل انزلاقًا فعليًا نحو مواجهة سياسية وأمنية مفتوحة مع موسكو. الحرب الهجينة وانعكاساتها على أمن البلطيق؟
المادة الرابعة والمادة الخامسة: أين يبدأ الالتزام العسكري؟
تضع الهجمات الرمادية المتصاعدة ألمانيا وحلفاءها في حلف شمال الأطلسي «الناتو» أمام اختبار قانوني وعسكري يتعلق بحدود تفعيل المادتين الرابعة والخامسة. فالمادة الرابعة توفر إطارًا للتشاور السياسي والأمني عندما ترى دولة عضو أن أمنها أو سلامة أراضيها مهددان، بينما ترتبط المادة الخامسة بمبدأ الدفاع الجماعي في حال وقوع «هجوم مسلح». وفي ظل تنامي الهجمات السيبرانية، وتخريب البنية التحتية الحيوية، وحملات التضليل والعمليات السرية، تبرز صعوبة تحديد اللحظة التي يتجاوز فيها النشاط الهجين عتبة التهديد إلى هجوم يستوجب ردًا جماعيًا. لذلك لجأت برلين إلى آليات المادة الرابعة لإطلاع الحلفاء على التحقيقات المرتبطة بحادثة لايبزيغ، دون الانتقال مباشرة إلى تفعيل المادة الخامسة.
وتكمن المعضلة الأساسية أمام ألمانيا والناتو في تحديد الحد الفاصل بين التخريب المحدود والعمل العدائي الذي يمكن أن يبرر ردًّا عسكريًّا شاملًا، خصوصًا أن معاهدة الناتو لا تضع تعريفًا جامدًا لـ”الهجوم المسلح”، وتترك تقييم الهجمات الهجينة والسيبرانية لكل حالة على حدة. كما تزيد صعوبة إثبات مسؤولية دولة محددة عن العمليات الرمادية، التي تعتمد غالبًا على التمويه والوكلاء، من تعقيد القرار السياسي والعسكري. وحتى في حال تفعيل المادة الخامسة، تحتفظ كل دولة بتحديد طبيعة المساعدة التي تراها ضرورية. ولهذا تفضل برلين في المرحلة الراهنة استخدام المادة الرابعة لحشد التضامن السياسي وبلورة عقوبات أوروبية مشتركة، بينما يبقى الانتقال إلى المادة الخامسة مرتبطًا بوجود أدلة قوية وتوافق سياسي واسع لتجنب التصعيد إلى مواجهة مباشرة واسعة النطاق.
هل يمكن اعتبار الهجمات الهجينة هجومًا مسلحًا؟
يثير التطور النوعي للهجمات الرمادية ـ كاستهداف الموانئ، والتشويش السيبراني الممنهج، ومحاولات تفجير المنشآت بواسطة المسيرات ـ جدلًا فقهيًّا وعسكريًّا حول تكييفها القانوني كـ “هجوم مسلح” يعطي حق الدفاع الشرعي عن النفس وفق المادة (51) من ميثاق الأمم المتحدة. وترى العقيدة الدفاعية الألمانية الجديدة أن المعيار لم يعد محصورًا في الأدوات المستخدمة (سواء كانت صواريخ أو مسيرات مدنية)، بل في حجم الضرر والتأثير المادي والحيوي الناجم عن العمل التخريبي.
يمكن أن ترقى الهجمات الهجينة إلى مستوى «الهجوم المسلح» الذي يتيح تفعيل مبدأ الدفاع الجماعي في الناتو، لكن تحديد ذلك يعتمد على حجم الأضرار وطبيعة الهجوم وتقييم كل حالة على حدة. وفي المقابل، لا تصنف ألمانيا أو الحلف حاليًا العمليات الروسية الهجينة باعتبارها حربًا أو هجومًا مسلحًا مباشرًا، إذ تبقى هذه الأنشطة، بما تشمل التضليل والتجسس والهجمات السيبرانية والتخريب، دون عتبة الحرب التقليدية. وأكد الناتو أن الهجمات السيبرانية أو الهجينة واسعة النطاق قد تستوجب المادة الخامسة إذا بلغ تأثيرها مستوى مماثلًا لهجوم مسلح. أما في ألمانيا، فتظل “حالة الدفاع” مرتبطة دستوريًا بشروط وإجراءات محددة، فيما تؤكد برلين أنها ليست في حالة حرب رغم تعرضها لتهديدات هجينة متواصلة.
القدرات العسكرية الألمانية وحدود الجاهزية
تضع ألمانيا التهديد الروسي في صدارة استراتيجيتها العسكرية الجديدة، في ظل تقديرات رسمية بأن موسكو تواصل إعادة تسليح قواتها وتوظف القوة العسكرية إلى جانب أدوات هجينة تشمل التجسس والتخريب والهجمات السيبرانية والتضليل. واستجابة لذلك، طوَّرت برلين استراتيجية عسكرية وخطة للقوات المسلحة تحددان مستقبل تنظيم الجيش وحجمه وقدراته، مع هدف معلن يتمثل في بناء أقوى جيش تقليدي في أوروبا وتعزيز قدراته الدفاعية والتكنولوجية تدريجيًّا. وترى الاستراتيجية الألمانية أن روسيا تسعى إلى إضعاف تماسك الناتو وفصل الولايات المتحدة عن أوروبا وتوسيع نفوذها، ما دفع برلين إلى تعزيز التزاماتها داخل الحلف، بما في ذلك نشر لواء كامل بصورة دائمة في ليتوانيا، في تحول لافت في العقيدة العسكرية الألمانية.
وتكشف هذه الطموحات عن فجوة متزايدة بين الالتزامات الجيوسياسية والواقع العملياتي للجيش الألماني، الذي لا يزال يعاني نقصًا في الذخائر والأنظمة الدفاعية وقطع الغيار والكوادر البشرية. ورغم تخصيص صندوق خاص بقيمة (100) مليار يورو لتحديث القوات المسلحة، تعرقل الإجراءات البيروقراطية وسلاسل التوريد البطيئة وصول المعدات إلى الوحدات بالسرعة المطلوبة، فيما أدى التضخم وارتفاع تكاليف الإنتاج العسكري إلى تآكل جزء من القوة الشرائية للصندوق. كما أسهم الدعم العسكري المستمر لأوكرانيا في استنزاف مخزونات الذخيرة والأنظمة الدفاعية والمركبات المدرعة، بينما تواجه القوات صعوبات في استقطاب العدد المستهدف من الجنود، البالغ نحو (203) آلاف جندي، ما يزيد الضغط على الوحدات القائمة ويحد من قدرتها على تنفيذ الالتزامات المتنامية.
وتتسع فجوة الجاهزية لتشمل طبيعة الحرب الحديثة، حيث تحتاج ألمانيا إلى تطوير قدرات متقدمة لمواجهة الطائرات المسيَّرة والهجمات السيبرانية والتهديدات بعيدة المدى، إلى جانب تعزيز الدفاع الجوي ومنصات الرصد والإنذار المبكر. وتؤكد التوجهات العسكرية الجديدة أهمية الذكاء الاصطناعي والأنظمة غير المأهولة والتفوق المعلوماتي، فضلًا عن الدمج بين التقنيات المتطورة والأسلحة المنتجة بكميات كبيرة. الناتو ـ إلى أي مدى يعكس نشر القوات الألمانية في البلطيق تحوّلًا في العقيدة الدفاعية؟
هل تستطيع ألمانيا خوض حرب مباشرة مع روسيا؟
تؤكد التقييمات العسكرية المتخصصة أن ألمانيا لا تستطيع، في وضعها الراهن، خوض حرب كلاسيكية أو هجينة واسعة النطاق بشكل منفرد ضد القوات الروسية دون غطاء مباشر وكامل من حلف الناتو. فالجيش الألماني صُمم بنيويًّا ليكون جزءًا من منظومة دفاع جماعي في القارة، ولا يمتلك مقومات الاستدامة اللوجستية أو التفوق التكتيكي اللازم لإدارة خط جبهة ممتد أو صد مواجهة صاروخية شاملة بمفرده. وتشير تقديرات الخبراء إلى أن أي مواجهة ألمانية ـ روسية مباشرة ستجعل ألمانيا الساحة الرئيسة للتداعيات التخريبية والعسكرية، نظرًا لأهميتها الجغرافية كمركز لوجستي محوري لنقل قوات الحلفاء نحو الشرق، ولذلك تدرك برلين أن قوتها الحقيقية تكمن في تفعيل بنود العمل الجماعي للناتو، واستثمار النفوذ الاقتصادي والصناعي الألماني لتأمين المظلة الأوروبية بدلًا من الاندفاع نحو خيار المواجهة الأحادية غير محسوبة المخاطر.
ألمانيا بين الاعتماد على الولايات المتحدة وبناء قوة أوروبية
تجد ألمانيا نفسها في نقطة مفصلية تجبرها على المفاضلة بين المظلة الأمنية الأمريكية التقليدية وبين الدفع نحو الاستقلالية الاستراتيجية لبناء قوة دفاعية أوروبية موحدة. ومع تزاحم التحديات وتصاعد حالة عدم اليقين بشأن التوجهات المستقبلية للسياسة الخارجية للواشنطن، سارعت برلين بالتعاون مع باريس لتعزيز أركان الدفاع الأوروبي وتنشيط المبادرات العسكرية الثنائية، لضمان حماية المفاصل القارية في حال انشغال واشنطن بملفات الآسيوية.
ومع ذلك، يظل الاعتماد الألماني على قدرات التجسس الفضائي، والنظام النيابي النووي، ومظلة الاتصالات الأمريكية أمرًا حيويًا لا يمكن الاستغناء عنه على المدى القريب. وتؤكد التحقيقات الخاصة بحادثة لايبزيغ أن المعلومات الاستخباراتية القادمة من الأجهزة الأمريكية هي التي ساهمت في تحديد طبيعة الدرونز والتسريع باتهام موسكو؛ مما يثبت أن بناء القوة الأوروبية المستقلة يمثل هدفًا استراتيجيًا طويلًا الأجل، بينما يظل التحالف عبر الأطلسي صمام الأمان الفوري لألمانيا.
التصعيد مع روسيا: أمن قومي أم تعبئة سياسية؟
تتجاذب الخطابَ السياسي الألماني حول التهديدات الهجينة الروسية مقاربتان، إذ تعطي الحكومة الاتحادية وأحزاب الائتلاف الحاكم أولويةً للبعد الأمني الاستراتيجي، معتبرةً أن تسليط الضوء على أنشطة التخريب والاختراقات السيبرانية يُمثّل ضرورةً حتمية لحماية مؤسسات الدولة ورفع مستوى التأهب المجتمعي تجاه خطرٍ جيو ـ سياسي داهم. في المقابل، يطرح معارضو هذا المسار ـ سواء من المعارضة الداخلية أو من القراءات الصادرة عن الكرملين ـ تفسيرًا ينزع نحو التوظيف السياسي، مفاده أن إبراز “الخطر الروسي” يُستخدم كأداة لتعبئة الرأي العام داخليًّا، وتبرير التكاليف الاقتصادية المرتفعة، وتشييد غطاء سياسي لزيادة الإنفاق العسكري المتصاعد.
ولا يُعزى التوتر الراهن بين برلين وموسكو إلى خلافاتٍ ثنائية محددة بحد ذاتها، بل ينبع أساسًا من موقع ألمانيا المحوري ضمن المنظومة الأوروبية ـ الأطلسية الداعمة لأوكرانيا. ومن هذا المنطلق، تسعى روسيا عبر التكتيكات الهجينة إلى رفع كلفة الانخراط الألماني وإيصال رسائل حذرة دون الانزلاق إلى صدام عسكري مباشر. وفي المقابل، تتبنى برلين سياسة “الردع المتناسب” عبر رفع تكلفة السلوك الروسي مع الحرص الصارم على تجنب تخطي عتبة المواجهة المباشرة، وهو ما تجلى بوضوح في ردود أفعالها الرسمية عقب الأزمات الأمنية المتعاقبة (مثل أزمة لايبزيج)، حيث وُصفت التدابير الألمانية بالحازمة والمحتواة، مما يعكس استراتيجية الموازنة بين استعراض القوى والحفاظ على المساحات الدبلوماسية المتاحة لضبط الخلاف.
وتتحرك ألمانيا ضمن إطار أمني وسياسي متكامل مع حلفائها في الاتحاد الأوروبي وحلف شمال الأطلسي (الناتو)، وهو ما يحرم موسكو من إمكانية الاستفراد بالعلاقة الثنائية أو توظيفها لفصل برلين عن محيطها الأطلسي. ونتيجةً لتقاطع هذه التزامات، يفتقر كِلا الطرفين إلى الحرية المطلقة في فرض قواعد تصعيد مفتوحة، وتظل حركتهما محكومةً بحسابات التكلفة والعائد وردود الفعل المتبادلة.
ميرتس وصعود اليمين الشعبوي وأثر التهديد الروسي على السياسة الداخلية
تشهد ألمانيا صرعًا سياسيًّا محتدمًا تتقاطع فيه الأزمات الأمنية الخارجية مع الاستقطاب السياسي الداخلي، حيث تحول التهديد الروسي وأساليب الحرب الهجينة إلى ساحة مواجهة بين المستشار فريدريش ميرتس واليمين الشعبوي المتمثل في حزب “البديل من أجل ألمانيا”، فبينما يعتمد ميرتس استراتيجية الحزم والأمن المباشر وردع موسكو لاستعادة الهيبة القومية وسحب البساط من تحت منافسيه دون المساومة على السياسة العازلة تجاههم، يستغل حزب البديل من أجل ألمانيا النتائج الانتخابية المتقدمة لتعزيز موقعه بالدعوة إلى التقارب مع موسكو. ويأتي ذلك في ظل ضغوط تنظيمية وتعديلات وزارية يفيض بها المشهد السياسي لتثبيت الاستقرار الداخلي وحماية النظام الديمقراطي.
وقد انعكس هذا الصراع السياسي على الشارع الألماني الذي يتجاذبه تياران رئيسيان يُبرزان تصدعًا متزايدًا بين الشرق والغرب، فعناك تيار يطالب بالصلابة القومية ومواجهة محاولات التخريب والاختراقات الروسية للـبنية التحتية، وآخر شعبوي يقتات على المخاوف الاقتصادية كالتضخم وارتفاع تكاليف الطاقة ليحذر من أخطار الانزلاق إلى مواجهة مباشرة مع موسكو. ومع استغلال اليمين الشعبوي لهذه التخوفات لدفع الشارع نحو التخلي عن دعم أوكرانيا والتركيز على المصالح الداخلية، يغدو الملف الروسي المحرك الأساسي الذي يُشكل الهوية الأمنية الألمانية ويرسم ملامح مستقبلها الانتخابي والسياسي.
وكان المستشار الألماني، فريدريش ميرتس، قد حذّر من خطورة التهديد المزدوج لأوروبا، إذ أشار إلى وجود تهديد خارجي متمثل في الحرب الإمبريالية والاستبدادية الروسية ضد أوكرانيا، بالتوازي مع خطر داخلي ينبع من تزعزع ثقة المواطنين بالديمقراطية وشعورهم بالخوف والحيرة من الديمقراطية التي لم تتزعزع الثقة فيها منذ نهاية الحرب العالمية الثانية ، مما يُذكي التطرف ويرفع من شعبية اليمين المتطرف.
السيناريوهات المستقبلية للموقف الألماني تجاه موسكو
تتجه العلاقات الروسية ـ الألمانية إلى مرحلةٍ تظل فيها احتمالات التحسُّن مرتبطةً بمتغيراتٍ تتجاوز إرادة الطرفين المباشرة، وفي مقدمتها مسار الحرب الروسية ـ الأوكرانية، ومستوى التماسك الأوروبي في التعامل مع موسكو، وقدرة برلين على إعادة تعريف مصالحها تجاه روسيا، وفي ضوء المعطيات الراهنة، يمكن استشراف عددٍ من السيناريوهات المحتملة لمستقبل العلاقات الروسية_الألمانية فيما يلي:
– سيناريو الردع الرمادي المباشر: أن تستمر ألمانيا في سياسة الردع دون الانزلاق المباشر للمواجهة العسكرية المفتوحة؛ عبر فرض حزم عقوبات جديدة، وملاحقة “أسطول الظل” في البحر، وتجميد المؤسسات الروسية، بالتوازي مع تعزيز قدرات الدفاع السيبراني والجوي لحماية أراضيها.
– سيناريو المواجهة المباشرة والتصعيد العسكري: ويتحقق في حال وقوع حادثة تخريبية واسعة النطاق أدت إلى خسائر بشرية كبرى في ألمانيا (مثل تفجير منشأة طاقة كبرى أو إسقاط طائرة مدنية/عسكرية)، مما يجبر برلين وحلف الناتو على تفعيل المادة الخامسة والرد العسكري المباشر ضد أهداف روسية.
– سيناريو احتواء التوتر والتهدئة المشروطة: ويحدث إذا ما اتجهت الأزمة الأوكرانية نحو تسوية سياسية شاملة بضغط دولي، مما يتيح لبرلين وموسكو إعادة فتح القنوات الدبلوماسية الخلفية لتخفيف حدة التوتر الهجين وإعادة صياغة اتفاقيات الأمن البحري والسيبراني القاري.
تقييم وقراءة مستقبلية
ـ تتجه العلاقات الألمانية ـ الروسية على المدى المنظور نحو استمرار الردع المتبادل والمواجهة الهجينة، دون الانزلاق السريع إلى مواجهة عسكرية مباشرة. ومن المرجح أن تواصل برلين تعزيز قدراتها الاستخباراتية والسيبرانية والدفاع الجوي وحماية البنية التحتية الحيوية، بالتوازي مع تشديد الإجراءات ضد شبكات التجسس والتخريب و”أسطول الظل” الروسي. ويعزز هذا الاتجاه تحميل الحكومة الألمانية موسكو مسؤولية محاولة الهجوم بطائرة مسيرة على مطار لايبزيغ/هاله، مع تأكيدها أن الرد سيكون حازمًا ولكن متناسبًا ودون اعتبار ألمانيا في حالة حرب مع روسيا.
ـ من المرجح أن برلين ستواصل الاعتماد على الناتو والاتحاد الأوروبي، مع العمل تدريجيًا على تقليص بعض جوانب الاعتماد على الولايات المتحدة وبناء قدرات أوروبية أكثر استقلالية.
ـ يبدو من الصعب ان تعود عودة العلاقات الألمانية ـ الروسية التقليدية ما لم يحدث تحول جوهري في مسار الحرب الروسية ـ الأوكرانية أو في البيئة الأمنية الأوروبية. والأرجح أن يبقى السيناريو الأكثر حضورًا هو “الردع الرمادي”، حيث تستمر العقوبات والإجراءات الأمنية والعمليات المضادة للهجمات الهجينة، مع تجنب تجاوز العتبة التي يمكن أن تقود إلى مواجهة عسكرية مباشرة بين روسيا والناتو.
ـ أما الانتقال إلى التصعيد العسكري الأوسع فسيبقى مرتبطًا بوقوع هجوم كبير يسفر عن خسائر بشرية أو أضرار استراتيجية، بينما يمكن أن تفتح تسوية سياسية للحرب الأوكرانية المجال أمام تهدئة مشروطة وإعادة قنوات الاتصال بين برلين وموسكو.
ـ التقدير الأوروبي يتعامل مع مفهوم أوسع للأمن، يشمل القدرة على الضغط السياسي والعسكري والاقتصادي والهجين، وليس فقط احتلال الأراضي. لذلك فإن تعزيز ألمانيا لقدراتها العسكرية والاستخباراتية لا يُبنى بالضرورة على افتراض أن الدبابات الروسية ستتجه نحو برلين، وإنما على مبدأ الردع ومنع أي تغيير بالقوة في النظام الأمني الأوروبي.
ـ هناك فجوة بين السردية الروسية حول عدم وجود أطماع توسعية وبين السردية الأوروبية التي تعتبر السلوك الروسي، وليس التصريحات فقط، معيارًا للحكم على مستوى التهديد. وبالتالي فإن جوهر الأزمة ليس فقط: هل تريد روسيا احتلال أوروبا؟”، بل: هل يمكن لأوروبا أن تثق بأن القوة الروسية لن تُستخدم مجددًا لفرض ترتيبات أمنية أو سياسية بالقوة على الدول المجاورة؟ هذه هي المسألة التي تدفع برلين إلى إعادة التسلح وبناء الردع، بينما ترى موسكو في المقابل أن هذا التوسع العسكري الأوروبي يمثل جزءًا من بيئة ضغط وتطويق ضدها. ومن هنا تستمر دائرة الشك المتبادل والردع المتبادل دون أن تعني بالضرورة أن الطرفين يتجهان حاليًا إلى حرب مباشرة.
رابط مختصر.. https://www.europarabct.com/?p=124731
حقوق النشر محفوظة إلى المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والاستخبارات*
Links
Germany strengthens intelligence efforts due to the Russian threat and grants spies new powers
Federal Minister Dobrindt opens the new Joint Centre for Countering Hybrid Threats
The secretive German ‘guerrilla unit’ buying up arms for Ukraine
Germany: Interior Minister warns of ‘daily’ hybrid warfare
Germany’s Military Rebuild Is Making Its Neighbors Nervous

