المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والاستخبارات، ألمانيا وهولندا ECCI، وحدة الدراسات والتقارير “1”
أمن دولي ـ واشنطن تدعو إلى تفكيك التخصيب الإيراني و”الترويكا”تلوّح بعودة العقوبات
شهدت الساحة النووية الإيرانية خلال شهر سبتمبر 2025 تطورين متوازيين: إعلان المدير العام للوكالة عن اتفاق فني يفتح إطاراً لاستئناف وصول المفتشين إلى المنشآت الإيرانية، وفي المقابل اشتداد الضغوط الغربية، خصوصاً من الولايات المتحدة التي دعت إلى تفكيك كامل قدرات التخصيب الإيرانية. توازى ذلك مع بدء الترويكا الأوروبية : فرنسا، ألمانيا، المملكة المتحدة، عملية إعادة تفعيل آلية “السناب-باك” لإعادة فرض عقوبات الأمم المتحدة ما لم تقدم طهران ضمانات شفافة وبسرعة. هذان المساران يفرضان سيناريوات متقاطعة من الدبلوماسية والضغط، ويضعان على عاتق الترويكا مهمة حسابية دقيقة بين ثبات الموقف الأمني والبحث عن مسارات لتفادي تصعيد عسكري إقليمي.
المدير العام للوكالة أكد وجود اتفاق يحدّد إجراءات تسمح بوصول المفتشين إلى جميع المنشآت النووية الإيرانية، بما في ذلك المواقع التي تضررت في هجمات يونيو2025 . لكنه عرف الاتفاق بأنه قائم على إجراءات تحتاج إلى تطبيق عملي ومواعيد تحددها محادثات لاحقة بين الوكالة وطهران.
الموقف الأميركي
في خضم اجتماعات الوكالة الدولية للطاقة الذرية الأخيرة في فيينا، أطلق وزير الطاقة الأميركي، كريس رايت يوم 16 سبتمبر 2025 ، تصريحاً صريحاً وصادماً في آن معاً، حين دعا إلى تفكيك كامل لقدرات إيران في التخصيب وإعادة المعالجة النووية. لم يكن هذا الموقف مجرد تذكير تقليدي بخطورة البرنامج النووي الإيراني، بل جاء بمثابة إعلان عن توجه أميركي جديد نحو أقصى درجات التشدد، يتجاوز حتى منطق المساومة الذي اتسمت به بعض الإدارات السابقة.
الوزير الأميركي لم يكتفِ بالتشكيك في نوايا طهران أو بانتقاد مستوى تعاونها مع الوكالة، بل طرح مطلباً جذرياً: أن يتم إلغاء البنية التحتية التي تمكّن إيران من إنتاج الوقود النووي. هذا يعني، عملياً، القضاء على قدرة إيران التقنية على العودة إلى مستويات عالية من التخصيب حتى لو قررت لاحقاً استئناف أنشطتها، وهو طرح يعكس رؤية واشنطن بأن مجرد الإبقاء على هذه القدرات يشكل تهديداً وجودياً لا يمكن احتواؤه بالاتفاقيات أو أنظمة الرقابة وحدها.
هذه الدعوة وضعت الأوروبيين في موقف حرج. فالمسار التقليدي للترويكا الأوروبية يقوم على الموازنة بين الضغط والحوار: أي فرض قيود وضمانات فنية، مع الحفاظ على خيار المفاوضات مفتوحاً لتفادي التصعيد. أما الطرح الأميركي، فإنه يقفز فوق منطق التفاوض إلى منطق الإلغاء الكامل، وهو ما يحدّ كثيراً من مساحة المناورة التي تراهن عليها أوروبا عادةً. اللافت أن هذا التشدد الأميركي جاء في سياق دولي شديد التعقيد. فالإدارة الأميركية الحالية، تسعى لإظهار حزم غير مسبوق تجاه إيران، ليس فقط لمنعها من الوصول إلى العتبة النووية، بل أيضاً لطمأنة الحلفاء الإقليميين في الشرق الأوسط، خصوصاً إسرائيل ودول الخليج، بأن واشنطن مستعدة لقطع الطريق على أي تهديد محتمل.
من الناحية السياسية، يمكن القول إن خطاب وزير الطاقة كان بمثابة رسالة مزدوجة: رسالة إلى الداخل الأميركي مفادها أن الإدارة لن تكرر تجربة اتفاق 2015 الذي اعتبره ترامب كارثة، ورسالة إلى الخارج تؤكد أن واشنطن ستقود مساراً أكثر صرامة قد لا يترك مجالاً واسعاً للحلول الوسط. في المقابل، تدرك العواصم الأوروبية أن الاستجابة الكاملة لهذا المطلب الأميركي تعني عملياً نسف أي أفق دبلوماسي مع إيران، وربما دفعها نحو الانسحاب النهائي من معاهدة حظر الانتشار النووي (NPT) أو رفع مستوى التخصيب إلى حدود عسكرية بشكل علني. لذلك، توازن أوروبا اليوم بين مساعيها للضغط على طهران عبر آلية “السناب-باك”، وبين رغبتها في تجنب الانجرار إلى استراتيجية أميركية تقوم على التفكيك الكامل دون بدائل سياسية.
ردود طهران
جاء الموقف الإيراني على خلفية الاتفاق الذي أعلنه المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية ليكشف عن مزيج من المناورة والرفض الضمني. فقد سارعت طهران إلى التأكيد أن ما جرى التوصل إليه مع الوكالة لا يعني فتح جميع الأبواب أمام المفتشين، ولا يرقى إلى مستوى تفويض مطلق كما صوّرته بعض العواصم الغربية. بل شدد المسؤولون الإيرانيون على أن أي زيارة لأي موقع نووي يجب أن تمر عبر موافقة مجلس الأمن القومي الإيراني، أي أن الرقابة تبقى خاضعة لقرار سياسي داخلي وليس لآلية تقنية مستقلة بالكامل.
هذا الموقف يترجم مقاربة إيران التقليدية في إدارة الملف النووي، تقديم تنازلات محسوبة تحفظ ماء الوجه أمام المجتمع الدولي، من دون التنازل عن مبدأ السيادة الكاملة على منشآتها. ففي نظر القيادة الإيرانية، السماح بوصول غير مقيد أو بلا سقف زمني سيُنظر إليه داخلياً كخضوع للابتزاز الغربي، وهو ما قد يضعف موقف النظام في الداخل، خصوصاً في ظل ما يواجهه من تحديات اقتصادية واجتماعية.
إلى جانب ذلك، لم تكتفِ طهران بوضع شروطها الخاصة، بل حمّلت المسؤولية على الترويكا الأوروبية التي بدأت خطوات “السناب-باك”. ووصفت الخارجية الإيرانية هذه الخطوة بأنها “تصعيدية وغير بنّاءة”، متهمة باريس وبرلين ولندن بأنها تتبنى مقاربة تهدم مسارات الحوار بدلاً من أن تدعمها. بهذا الخطاب، حاولت إيران قلب الطاولة سياسياً عبر تصوير نفسها كطرف مستعد للتعاون الفني مع الوكالة، مقابل دول أوروبية “تغلب الخيار العقابي على الدبلوماسية”.
من منظور استراتيجي، تسعى إيران من خلال هذا الخطاب المزدوج إلى تحقيق عدة أهداف، توجيه رسالة للداخل بأنها لا تزال تسيطر على مسار التفاوض وأنها لن تسمح بانتقاص سيادتها. مخاطبة المجتمع الدولي عبر إبراز استعدادها للتعاون مع الوكالة مقابل تحميل الترويكا مسؤولية التعقيد، بما يمنحها هامشاً من التعاطف لدى بعض الأطراف الدولية مثل روسيا والصين. وكسب الوقت عبر المماطلة في تحديد المواعيد أو طبيعة الزيارات التفتيشية، ما يسمح لها بمواصلة أنشطتها النووية بوتيرة لا تخلو من الغموض.
تحرّك الترويكا
الترويكا الأوروبية تتحرك ضمن مساحة مزدوجة: من جهة تسعى للحفاظ على إطار القانون الدولي والآليات المتعددة الأطراف الوكالة والأمم المتحدة لمنع حصول إيران على قدرات نووية عسكرية؛ ومن جهة أخرى تحاول تجنّب مواجهة مباشرة مع طهران قد تجرّ المنطقة إلى صدام أوسع. قرار بدء السناب- باك يعكس نفاد صبر أوروبا وعدم الثقة بوعود طهران بعد سلسلة أخفاقات في الشفافية، لكنه أيضاً سلاح دبلوماسي ذو تكلفة سياسية واقتصادية، لأن إعادة عقوبات الأمم المتحدة ستقود إلى مزيد من القطبية بين أوروبا والفاعلين الآخرين، ولا سيما إذا أحال الملف إلى منطق التصعيد الأميركي أو الإسرائيلي. منذ التوقيع على الاتفاق النووي عام 2015، ظلت فرنسا وألمانيا والمملكة المتحدة في قلب الجهود الدولية الرامية إلى منع إيران من امتلاك قدرات نووية عسكرية. ومع تفاقم الأزمة وتعثر المفاوضات، اختارت هذه الدول الثلاث أخيراً تفعيل ما يعرف بآلية “السناب-باك”، وهي الآلية التي تسمح بإعادة فرض عقوبات الأمم المتحدة بشكل تلقائي في حال ثبوت خرق إيراني للالتزامات.
الخطوة الأوروبية لم تكن اندفاعية أو مفاجئة، بل جاءت عبر مسار إداري منظم داخل مجلس الأمن، في محاولة لمنحها أكبر قدر ممكن من الشرعية الدولية. واللافت أن الترويكا لم تلجأ فوراً إلى إعادة فرض العقوبات عملياً، بل أرادت استخدام هذه الورقة كأداة ضغط ورسالة إنذار واضحة لطهران، إمّا التعاون الكامل مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية، أو مواجهة تبعات قانونية وسياسية واقتصادية واسعة. وبالرغم من لهجة الحزم، حرصت باريس وبرلين ولندن على إبقاء الباب مفتوحاً أمام الحلول الدبلوماسية. فقد ربطت هذه الدول عملية التفعيل بإمكانية التعليق أو التجميد إذا أبدت طهران جدية في استعادة التعاون مع الوكالة واستعداداً للعودة إلى مفاوضات أكثر شمولاً. هذا التوازن يعكس إدراك الأوروبيين أنهم بحاجة إلى الجمع بين الضغط والمرونة، حتى لا تتحول خطواتهم إلى عامل يدفع إيران نحو مزيد من التصعيد والانغلاق.
تملك الترويكا شرعية دبلوماسية نسبية داخل الإطار الدولي مفاوضات 2015 والجهود المستمرة مع الوكالة وقدرة على تنسيق قيود مستهدفة تحول دون تسلل القدرات إلى شبكات دولية. كما أن موقفها الموحد يرسل إشارة سياسياً قوياً لطهران بأن الاختلافات الداخلية بين باريس وبرلين ولندن غير مؤثرة على ثوابت عدم الانتشار.إن “السناب- باك” آلية متداعية سياسياً، إعادة العقوبات قد تواجه اعتراضات من دول بمنظومة أوسع بعض دول الجنوب أو حتى أعضاء في مجلس الأمن مما قد يقوّض تنفيذها الكامل، كما أن التصعيد قد يدفع إيران إلى مزيد من التوسع النووي أو الانسحاب من التزاماتها الأخرى. علاوة على ذلك، الاعتماد على إجراء عقابي بحت دون خطة متوازنة لتحفيز العودة إلى التفاوض قد يكون قصير الأمد.
النتائج
ـ من المحتمل أن تطلق طهران جولة مفاوضات تقنية مع الوكالة وتسمح بزيارات محددة وتقديم حصر كامل للمخزون، فتوقف الترويكا عملية السناب ـ باك مؤقتاً وتبدأ مباحثات أوسع تشمل خطوات بناء ثقة مراقبة شاملة و تخفيضات تبادلية، أقل احتمالاً في الأمد القريب لكن ما زال ممكناً بشرط مكاسب اقتصادية ملموسة لطهران.
ـ ويمكن أن يكون هناك اتفاق تقني جزئي يسمح بزيارات محددة لكن دون حصر كامل للمواد؛ الترويكا تعلق السناب- باك مؤقتاً مقابل مواعيد للشفافية، لكن حالة عدم اليقين تبقى مرتفعة ويستمر تراكم اليورانيوم العالي التخصيب. هذا السيناريو يُبقي الباب مفتوحاً لمزيد من الضغوط السياسية والاقتصادية.
ـ من غير المستبعد فشل التفاوض واستمرار تراكم مواد مُخصبة، مع إعادة فرض عقوبات أممية فعّالة، يرفع من احتمال مواجهة عسكرية. هذا السيناريو يقود إلى انقسام دولي أوسع ومخاطر على أمن الملاحة والطاقة.
ـ المشهد الراهن يجمع بين نافذة فنية للوكالة قد تسمح بإعادة بعض عناصر الرقابة، وضغوط دولية متزايدة تدفع نحو عقوبات أو تصعيد. الترويكا الأوروبية في مفترق: يمكنها أن تحول قرار السناب- باك إلى ورقة تفاوضية إذا أدارتها بمهارة، أو أن تراه آلية تقود إلى قطبية ومخاطر أكبر إن فُعّلت بلا خطة موازية لإعادة القناة الدبلوماسية. الخيار الأكثر مسؤولية بالنسبة لأوروبا هو العمل على استثمار أي اتفاق تقني لفتح أبواب المفاوضات، مع الاحتفاظ بقدرة الضغط كتهديد مصدّق عليه دولياً ولكن مع خطة بديلة لتقليل احتمال الانزلاق العسكري في المنطقة.
ـ أن إيران ربطت أيضاً أي تعاون إضافي مع الوكالة الدولية بضرورة وقف السياسات العقابية، معتبرة أن إعادة فرض العقوبات الأممية عبر “السناب-باك” سيقوّض بالكامل أي مناخ للحوار. وبذلك وضعت طهران معادلة واضحة: “التفتيش المشروط مقابل رفع الضغوط”، في محاولة لانتزاع تنازلات من الأوروبيين أو على الأقل تعطيل خطواتهم العقابية. هذا الموقف يضع المجتمع الدولي أمام معضلة صعبة فبينما تسعى الوكالة لضمان وصول فوري وشامل للمواقع النووية، تتمسك إيران بإبقاء عنصر “السيادة” والقرار السياسي في الواجهة. النتيجة أن الثقة بين الطرفين لا تزال هشة، وأن أي تصعيد من جانب أوروبا أو الولايات المتحدة قد يدفع طهران إلى تشديد موقفها أكثر وربما تقليص التعاون مع الوكالة إلى حدود دنيا.
ـ تواجه الحكومات الأوروبية ضغوطاً سياسية من المعارضة والرأي العام تطالب بوقف سياسة الصبر الاستراتيجي تجاه إيران، خاصة مع استمرار ملف احتجاز مواطنين أوروبيين في طهران. أما خارجياً، فإن الترويكا حريصة على التنسيق مع الولايات المتحدة التي تبنّت موقفاً أكثر تشدداً، من دون أن تفقد خصوصيتها الأوروبية القائمة على تغليب الدبلوماسية.يمكن القول بانه لا يمثل تحرك الترويكا مجرد خطوة تقنية أو إجرائية، بل هو رسالة سياسية مركبة: ضغط فعلي على طهران، تطمين للحلفاء الغربيين، وفي الوقت نفسه محاولة لإبقاء نافذة الحل الدبلوماسي قائمة حتى اللحظة الأخيرة
ـ يظهر أن الموقف الأميركي الجديد لم يعد مجرد اختلاف في درجة التشدد عن الموقف الأوروبي، بل تحول إلى اختلاف في الفلسفة: واشنطن تسعى إلى إزالة الخطر من جذوره، بينما تحاول أوروبا احتوائه وإدارته عبر قواعد رقابية وآليات تفاوضية. هذا التباين يعمّق التحديات أمام وحدة الموقف الغربي، ويضع الترويكا الأوروبية في اختبار صعب بين التمسك بخطها الدبلوماسي أو مجاراة الحليف الأميركي في مسار أكثر تصعيداً.
رابط مختصر..https://www.europarabct.com/?p=109300
*حقوق النشر محفوظة إلى المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الارهاب والاستخبارات ـ ألمانيا وهولندا ECCI
