خاص ـ المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والاستخبارات ـ ألمانيا وهولندا ECCI
أسعدت قمة حلف شمال الأطلسي التي عُقدت نهاية يونيو 2025 دونالد ترامب. وأشاد الرئيس الأمريكي بالاتفاق “الهائل” الذي توصل إليه أعضاء التحالف العسكري الـ32 لزيادة الإنفاق الدفاعي إلى 5% من الناتج المحلي الإجمالي بحلول عام 2035.
مارس ترامب ضغوطًا على الحلفاء الأعضاء في حلف الناتو للقيام بذلك لسنوات، ومع ذلك، يُكرّس انتقاده المعتاد لعضو واحد “إسبانيا”. وبعد معارضة صريحة من رئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز، وجدت الحكومة الإسبانية طريقة للخروج من الالتزام بنسبة 5% من خلال الادعاء بأنها قادرة على تلبية التزاماتها الدفاعية من خلال إنفاق أقل كثيرًا.
يقول “سانشيز” إن هدف الـ5% والذي ينقسم إلى 3.5% للدفاع و1.5% للبنية التحتية ذات الصلة غير معقول، وإن تحويل الإنفاق العام بهذه الطريقة قد يلحق الضرر بالاقتصاد”. في النهاية، توصلت إسبانيا إلى اتفاق مع حلف الناتو يمنحها حق الانسحاب الفعلي، وقد أثار ذلك تساؤلات حول مدى قدرة العديد من الدول الأعضاء في نهاية المطاف على تحمّل تعهداتها بالإنفاق.
إسبانيا تخطط لنشر 14 ألف جندي إضافي
تخطط إسبانيا لنشر 14 ألف جندي إضافي خلال عشر سنوات. وقد التزمت حكومة بيدرو سانشيز أمام حلف شمال الأطلسي بزيادة إجمالي قوام قواتها المسلحة بنسبة 11% بحلول عام 2035. ومن المتوقع أن يكون نصف هذا العدد متاحًا بحلول عام 2029.
يعد الالتزام بزيادة مستويات القوات هو جزء من هدف قدرات حلف شمال الأطلسي المخصص لإسبانيا للفترة 2025-2035، والذي تمت الموافقة عليه في قمة حلف شمال الأطلسي الأخيرة في لاهاي.
أكد رئيس الوزراء بيدرو سانشيز قائلاً: “لقد كنا نتصرف وفقًا لذلك لسنوات، حيث عززنا قواتنا المسلحة بـ 14 ألف جندي جديد، ووسعنا قوات الأمن الحكومية والسلك الأمني، ووسعنا مشاركتنا في بعثات حفظ السلام والحماية بنحو 3 آلاف متخصص، مما يجعلنا واحدة من الدول الخمس الأعضاء في حلف شمال الأطلسي التي تنشر المزيد من القوات على الحدود الشرقية لأوروبا”.
كانت خطط زيادة عدد العسكريين جزءًا من خطة الأمن والدفاع التي قدمها سانشيز في أبريل 2025. ودون تحديد رقم محدد، أشار إلى أن هذه الزيادة مُدرجة في إجمالي الاستثمار المُخطط له والبالغ 10,471 مليون يورو.
يهدف المحور الأول من المحاور الخمسة للخطة إلى تحسين ظروف عمل الجنود والبحارة، وزيادة حجم القوات المسلحة، وتحديث المعدات، وتحسين أنظمة التدريب العسكري. ويمثل هذا حوالي 35% من إجمالي الإنفاق، أي ما يعادل حوالي 3.6 مليار يورو. ومع ذلك، يصر سانشيز على أن إسبانيا لن تزيد الإنفاق الدفاعي إلى 5% من الناتج المحلي الإجمالي، كما تعهد العديد من حلفاء حلف شمال الأطلسي في القمة في لاهاي.
كان الرئيس قد أعلن أن نسبة 2.1% من الناتج المحلي الإجمالي “كافية” لإسبانيا. وقد أثارت هذه الحقيقة انتقادات لاذعة من حزب الشعب، الذي اتهمه بأنه ليس شريكًا موثوقًا به لحلف شمال الأطلسي.
خطة فرنسية لإنفاق عسكري إضافي
أعلن الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون في 13 يوليو 2025 عن خطة لإنفاق عسكري إضافي بقيمة 6.5 مليار يورو على مدى العامين 2026-2027، مشيرا إلى ما وصفه بأنه “تهديد أعظم” في أوروبا من أي وقت مضى منذ الحرب العالمية الثانية. وقد طرح الزعيم الفرنسي هذه الخطط في خطاب دعا فيه إلى تكثيف الجهود لحماية أوروبا ودعم أوكرانيا في مواجهة روسيا.
تعتزم فرنسا تخصيص 64 مليار يورو للدفاع بحلول عام 2027، وفقًا للخطة التي وضعها ماكرون. ويمثل هذا الرقم ضعف إنفاق البلاد على الدفاع عند توليه الرئاسة عام 2017، والذي بلغ 32 مليار يورو. وبينما يؤيد المحافظون والأحزاب اليمينية المتطرفة على نطاق واسع المساعي لزيادة الاستثمار الدفاعي، اتهمت الأحزاب اليسارية الحكومة بإعطاء الأولوية للإنفاق العسكري على الرعاية الاجتماعية.
حذر ماكرون من أن أوروبا تواجه مخاطر متزايدة بسبب حرب أوكرانيا والصراعات في الشرق الأوسط وحملات التضليل التي تقودها دول أجنبية، بما في ذلك الدعاية التي تستهدف الفرنسيين. وأصدر ماكرون تعليماته للقيادة العسكرية والدفاعية الفرنسية بإطلاق “حوار استراتيجي” مع الشركاء الأوروبيين حول الدور المحتمل للترسانة النووية الفرنسية في البنية الأمنية الأوروبية.
الميزانيات المشددة
تقول فينيلا ماكجيرتي، الباحثة البارزة في اقتصاديات الدفاع في المعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية “إن اختيار تخصيص ميزانية للدفاع وإعطائه الأولوية في ظل تخفيضات الإنفاق العام يمثل تحديًا سياسيًا، وسيحتاج إلى رسائل عامة قوية لقبوله من قبل الناخبين، وحتى من قبل الحكومات في السلطة”.
أضافت ماكجيرتي: “إنه عندما أشارت الحكومة الإسبانية إلى زيادة الإنفاق الدفاعي في أبريل 2025، كان سانشيز حريصًا على التأكيد على أن الزيادة لن تُضيف إلى ديون البلاد أو تؤثر على الإنفاق الاجتماعي”.
ترى إيلكي تويغور، مديرة مركز السياسة العالمية بجامعة IE في مدريد: “إن موقف إسبانيا يتعلق جزئيًا بإجراء حوار مفتوح حول حقيقة مفادها أن إعطاء الأولوية للإنفاق الدفاعي من شأنه أن يؤثر على مجالات رئيسية أخرى في الميزانيات الوطنية، وقد يؤدي إلى رد فعل عنيف ومدمّر”.
أضافت تويغور: “إذا لم يكن هناك فهم لأهمية مكافحة تغير المناخ أو القضايا الاجتماعية الأخرى، على سبيل المثال الإسكان أو دعم الصحة أو التعليم، فإن زيادة الإنفاق الدفاعي سيخلق التأثير المعاكس الذي يحاول القادة الأوروبيون الحصول عليه”.
تابعت تويغور: “إن ما تحتاجه الدول الأوروبية حقًا هو استثمار دفاعي مستدام يجعل القارة أكثر أمنًا”. وأضافت أن “رد الفعل الشعبي المستمر قد يُحدث تأثيرًا معاكسًا”.
نسبة الإنفاق الدفاعي والدين العام كنسبة من الناتج المحلي الإجمالي لدول الناتو في عام 2024:
| الدولة | من الناتج المحلي على الدفاع (%) | الدين كنسبة من الناتج المحلي (%) |
|---|---|---|
| بولندا | 4.12 | 55.30 |
| إستونيا | 3.43 | 23.60 |
| الولايات المتحدة | 3.38 | 121.00 |
| لاتفيا | 3.15 | 46.80 |
| اليونان | 3.08 | 153.60 |
| ليتوانيا | 2.85 | 38.20 |
| فنلندا | 2.41 | 82.10 |
| الدنمارك | 2.37 | 31.10 |
| المملكة المتحدة | 2.33 | 101.80 |
| رومانيا | 2.25 | 54.80 |
| مقدونيا الشمالية | 2.22 | 54.60 |
| النرويج | 2.20 | 38.00 |
| بلغاريا | 2.18 | 24.10 |
| السويد | 2.14 | 33.50 |
| ألمانيا | 2.12 | 62.50 |
| المجر | 2.11 | 73.50 |
| التشيك | 2.10 | 43.60 |
| تركيا | 2.09 | 29.50 |
| فرنسا | 2.06 | 113.00 |
| هولندا | 2.05 | 43.30 |
“القفزة النوعية” لحلف شمال الأطلسي
أشاد الأمين العام لحلف شمال الأطلسي، مارك روته، بهذه الزيادة باعتبارها “قفزة نوعية”، وأكد إنها “وضعت الأساس لحلف شمال الأطلسي الأقوى، والأكثر عدالة، والأكثر فتكًا”.
تقول ماكجيرتي: “إن التعهّد كان التزامًا كبيرًا، خاصة إذا تمكن الأعضاء الأوروبيون من زيادة الإنفاق الدفاعي الأساسي إلى 3.5% من الناتج المحلي الإجمالي، ارتفاعًا من المتوسط الحالي البالغ 2%”.
تنص اتفاقية حلف شمال الأطلسي على أن 3.5% من الناتج المحلي الإجمالي ينبغي أن “تموّل متطلبات الدفاع الأساسية”، وتلبي ما يسمى بأهداف قدرات حلف شمال الأطلسي – وهي قائمة بأهداف الاستعداد المحددة، من الدفاع الجوي إلى المناورات البرية.
وبحسب حلف شمال الأطلسي، فإن الـ1.5% الإضافية من الإنفاق ستُستخدم، من بين أمور أخرى، في “حماية البنية التحتية الحيوية، والدفاع عن الشبكات، وضمان التأهب المدني والمرونة، والابتكار، وتعزيز القاعدة الصناعية الدفاعية”.
أوضحت ماكجيرتي: “إن التعهّد بتعزيز الإنفاق جاء في وقتٍ تواجه فيه الدول الأعضاء ضغوطًا ماليةً كبيرة”. ومع ذلك، أشارت إلى أن عنصر البنية التحتية البالغ 1.5% له “تعريف واسع”، مما يمنح الدول مرونةً في تحديده. وأردفت ماكجيرتي قائلة: “من المرجّح أن العديد من البلدان تنفق بالفعل هذا القدر من المال على مثل هذه المجالات التمويلية”.
مشكلة الديون
توجد شكوك كبيرة حول قدرة بعض الدول الأعضاء على تحقيق المستويات المتفق عليها. وفقًا لأحدث أرقام الإنفاق الدفاعي لحلف شمال الأطلسي، بدءًا من عام 2024، حققت جميع دول الحلف، باستثناء ثمانية، هدفها الحالي البالغ 2%. وقد لحقت بعض الدول الأخرى بالهدف في غضون ذلك.
إن الدول الأكثر تخلّفًا عن الركب من حيث الإنفاق العسكري إسبانيا، وبلجيكا، وكندا، وإيطاليا، والبرتغال وتعاني من مشكلة الديون الحكومية التي تقترب من 100% أو حتى تتجاوز 100% من ناتجها المحلي الإجمالي.
إن اليونان تشكل حالة شاذة من حيث إنها تعاني من أعلى مستوى من الديون على الإطلاق، ولكنها تنفق بالفعل أكثر من 3% من الناتج المحلي الإجمالي على الدفاع. وتشكك تويغور في أن بعض بلدان شمال أوروبا، التي نددت بمستويات الديون في بعض بلدان جنوب أوروبا خلال الأزمة المالية 2008/2009، تدرك حجم التحدي الذي تواجهه الاقتصادات التي تزيد من الإنفاق الدفاعي في حين تدير مستويات الديون المرتفعة القائمة.
ماذا سيحدث إذا استغلت هذه الدول السنوات الخمس إلى العشر القادمة لزيادة إنفاقها الدفاعي؟ هل يعني ذلك الحاجة إلى مزيد من استثمارات القطاع الخاص؟. تقول تويغور: “هناك حاجة إلى تقييم أكثر عدالة لمسألة الديون والتأثير العام على الاقتصاد الأوروبي ككل”.
تؤكد ماكجيرتي: “إن البلدان التي تتمتع بمواقف مالية قوية، مثل ألمانيا، قد تقترض لتلبية الأهداف، ولكن الأعضاء الذين لديهم قضايا ديون طويلة الأجل سوف يترددون في إضافة المزيد إلى تلك الديون”.
إذا كان للدول الأعضاء التي لم تصل بعد إلى علامة 2% أن يكون لديها “أي أمل في تلبية هدف 5% دون الحاجة إلى اقتراض المزيد”، كما ذكرت ماكجيرتي، فسوف يتعيّن عليها أن تتخذ النوع من الخيارات الدرامية التي يكرهها سانشيز، أو تأمل في أن يأتي القطاع الخاص لإنقاذها.
تؤكد ماكجيرتي إن الزيادات في الإنفاق العسكري يتعين تمويلها من خلال وسائل أخرى، بما في ذلك على سبيل المثال “زيادة الضرائب، وخفض الإنفاق العام في مجالات أخرى، أو من خلال خيارات تمويل إبداعية أخرى، بما في ذلك الصناديق الخاصة التي تديرها البنوك المركزية أو الخزانة، وأدوات الإقراض المتعددة الأطراف، أو تعبئة الاستثمار الخاص”.
التكلفة العالية للأمن
رغم أن زعماء مثل سانشيز وآخرين يشعرون بالقلق إزاء الاقتراض والتخفيضات المحتملة، فإن الخبراء يقولون إن الكتابة كانت على الحائط منذ فترة من الوقت.
وأشار ماكجيرتي إلى أن رئيس حلف شمال الأطلسي، روته، صرّح بالفعل في ديسمبر 2024 بأن الزيادات في الإنفاق الدفاعي الأوروبي ستؤثر بالضرورة على الإنفاق على المعاشات التقاعدية والتعليم والرعاية الصحية. ولكن زيادة الإنفاق العسكري تنطوي على مخاطر مالية خاصة بها.
مع اندفاع الدول الأوروبية نحو بناء قطاع الأسلحة، فإن ارتفاع معدلات التضخم في صناعة الدفاع، وتأخيرات سلسلة التوريد، وقضايا العمالة تعني أن هناك حاجة إلى المزيد من الأموال لتحقيق نفس الغايات.
ولكن في شهر مارس 2025، حذّرت كريستين لاجارد، رئيسة البنك المركزي الأوروبي، من أن زيادة الإنفاق الدفاعي قد تساهم في حد ذاتها في التضخم وهو تذكير آخر بأن الاندفاع نحو جعل أوروبا أكثر أمانًا سوف يأتي بثمن باهظ بالنسبة للعديد من البلدان.
رابط مختصر.. https://www.europarabct.com/?p=106075
