المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والاستخبارات، ألمانيا وهولندا ECCI
بقلم : د. خالد العزي مدونة د. خالد العزي
في صباح يوم 3 يناير 2026، بدأت تتكشف الأحداث في فنزويلا بشكل متسارع، حيث أُثيرت تساؤلات عن ما إذا كانت الولايات المتحدة قد بدأت غزوًا عسكريًا فعليًا لفنزويلا. ورغم أن البيت الأبيض لم يُعلن رسمياً عن بدء عملية عسكرية شاملة، فإن التطورات على الأرض تشير إلى تصعيد ميداني خطير. انفجارات قوية دوت في العاصمة كاراكاس، حيث تحلقت طائرات أمريكية على ارتفاع منخفض فوق المدينة، وتكاثرت أعمدة الدخان في سماء العاصمة. كما أفاد شهود عيان بوجود انقطاع للكهرباء في عدة مناطق، ولا سيما بالقرب من قاعدة عسكرية جنوب العاصمة، مما يعزز فرضية أن هذا التصعيد قد يشير إلى هجوم محدود أو قصف جوي.
التصعيد العسكري
التقارير التي أُرسلت من المراسلين أشارت إلى أن الانفجارات التي سُمع دويها في أنحاء متفرقة من كاراكاس كانت تركز على مناطق عسكرية حيوية مثل قاعدة لا كارلوتا وفويرتي تيونا، ما يعزز فرضية أن الضربات كانت موجهة لأهداف استراتيجية. وكان من الملاحظ أيضًا انتشار الأسطول الأمريكي في البحر الكاريبي، مما يوحي بوجود استعدادات أمريكية لتوسيع نطاق التدخل العسكري. ومن جانبه، التزم الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو الصمت النسبي حول الأحداث، مشيرًا فقط إلى أن الدفاع الوطني يتولى حماية البلاد، في وقت أعلن فيه عن حالة الطوارئ وطلب تعبئة القوافل العسكرية لمواجهة أي تهديدات داخلية أو خارجية.
تفاصيل الهجمات والاشتباكات:
في الساعات الأولى من صباح اليوم، سُمعت انفجارات قوية في العاصمة كاراكاس، ترافقت مع تحليق طائرات منخفضة الارتفاع وانبعاث أعمدة دخان من مناطق عدة. الشهود والمراسلون المحليون أشاروا إلى انقطاع الكهرباء في بعض المناطق الجنوبية بالقرب من القواعد العسكرية الفنزويلية، مما رجّح وقوع هجمات محدودة أو حتى قصف جوي في هذه المواقع. أزمة أوكرانيا ـ كيف سيؤثر بيع الغاز الروسي “بالروبل” على اقتصاديات أوروبا ؟ بقلم الدكتور خالد ممدوح العزي
فيما يتعلق بالتحركات العسكرية، سُجّل تدمير رصيف بحري فنزويلي، وانتشار الأسطول الأمريكي في منطقة البحر الكاريبي، مما يعزز فرضية تمهيد الطريق لعملية عسكرية واسعة. ورغم هذه المؤشرات العسكرية، فإن البيت الأبيض لم يصدر تصريحًا رسميًا عن بدء عملية عسكرية على فنزويلا، لكن تقارير إعلامية أميركية تحدثت عن علم إدارة الرئيس دونالد ترامب بهذه الضربات، مما يشير إلى مشاركة أميركية غير معلنة في التصعيد.
موقف فنزويلا:
من جانبها، لم تكتفِ الحكومة الفنزويلية بالتصريحات الرسمية المعتادة، بل اتهمت الولايات المتحدة بشن هجوم عسكري مباشر على البلاد. ووفقًا للحكومة، فإن الضربات استهدفت مواقع مدنية وعسكرية، ووصفتها بأنها “عدوان أمريكي” وانتهاك صارخ للقانون الدولي. في أعقاب هذه الهجمات، أعلن الرئيس نيكولاس مادورو حالة الطوارئ في البلاد، كما أصدر قرارًا بتعبئة الجيش لمواجهة التهديدات الخارجية. لم يتوقف مادورو عند هذا الحد، بل دعا الأمم المتحدة إلى التحرك بسرعة لوقف العدوان وحماية السيادة الفنزويلية.
موقف الولايات المتحدة:
حتى اللحظة، لم تُصدر الولايات المتحدة تأكيدًا رسميًا من البيت الأبيض أو وزارة الدفاع بشأن تنفيذ ضربات على كاراكاس. ولكن، بحسب تقارير دولية، تشير الدلائل إلى أن الولايات المتحدة قد نفذت عمليات عسكرية داخل الأراضي الفنزويلية في إطار تصعيد التوترات المتواصلة بين البلدين. من الواضح أن الولايات المتحدة تسعى إلى زيادة الضغط على حكومة مادورو في وقت تتعثر فيه العلاقات الدبلوماسية بين البلدين.
الردود الدولية:
لم تقتصر ردود الفعل على الحكومة الفنزويلية وحلفائها المباشرين. فقد أعلن رئيس كولومبيا، غوستافو بيترو، عن قلقه إزاء الهجوم الذي تتعرض له كاراكاس، وطالب بتدخل دولي عاجل للحد من التصعيد. بينما أبدت دول أخرى في المنطقة استنكارها لما وصفته بـ “العدوان العسكري الأمريكي” على فنزويلا، داعية إلى تجنب التصعيد الذي قد يؤدي إلى مزيد من العنف في المنطقة.
ما الذي ينتظر فنزويلا؟
الوضع في فنزويلا يبدو أكثر تعقيدًا من أي وقت مضى. في الوقت الذي يُجمع فيه المحللون العسكريون على أن الهجمات الأخيرة قد تكون تمهيدًا لغزو أوسع، فإن التوترات السياسية الداخلية قد تؤثر أيضًا على استقرار البلاد. مع تصاعد الخلافات بين حكومة مادورو والمعارضة، بالإضافة إلى الضغوط الخارجية المتزايدة، فإن الخيارات المطروحة على الطاولة أمام الحكومة الفنزويلية قد تكون محدودة. أزمة أوكرانيا ـ التقدم العسكري على الأرض يفرض أجندة التفاوض. بقلم الدكتور خالد ممدوح العزي
من جهة أخرى، تبقى حركة الجيش الفنزويلي على الأرض ومواقف دول مثل روسيا وكوبا أيضًا عوامل حاسمة في تطور الأحداث. لكن، لا يمكن تجاهل التهديدات الأمريكية والتوترات المستمرة في البحر الكاريبي، والتي تشير إلى أن المدى الزمني للهدوء سيكون قصيرًا.
مواقف الأطراف الدولية:
في الوقت نفسه، أعلنت الحكومة الفنزويلية أن الولايات المتحدة شنّت هجومًا عسكريًا على الأراضي الفنزويلية، قائلة إن الضربات استهدفت مواقع مدنية وعسكرية على حد سواء، واصفة ذلك بأنه عدوان أمريكي وانتهاك صارخ للقانون الدولي. وتحدث الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في وقت لاحق قائلاً إنه لا يوجد تأكيد رسمي من البيت الأبيض أو وزارة الدفاع الأمريكية حول تنفيذ هذه العمليات العسكرية، ولكن تقارير دولية من جهات متعددة تؤكد أن هذا التصعيد هو نتيجة لتوترات قائمة بالفعل بين الحكومتين.
من جهة أخرى، ترى الولايات المتحدة أن فنزويلا قد أصبحت ملاذًا للأنشطة العسكرية المعادية للغرب، وتهديدًا مباشرًا لأمن حلفائها في المنطقة. تدعم حكومة مادورو العديد من الحركات اليسارية في أمريكا اللاتينية، وتوفر ملاذًا آمنًا لحركات وأفراد يُعتبرون تهديدًا للأمن الأمريكي، مثل الحركات المسلحة التي تحارب الحكومات الديمقراطية في دول أخرى. هذه “العدوانية” الفنزويلية قد تكون أحد الأسباب التي دفعت الولايات المتحدة إلى تصعيد موقفها العسكري بشكل غير مباشر.
من جهة أخرى، أعلن رئيس كولومبيا غوستافو بيترو أن كاراكاس تتعرض لهجوم وطالب بتحرك دولي عاجل. العديد من الدول في المنطقة، بما في ذلك البرازيل وكوبا، أدانت الهجوم الأمريكي ونددت به، ما يبرز الانقسام الإقليمي حيال هذه الأزمة.
التفسير وراء العملية العسكرية الأمريكية
في ضوء هذه التطورات، يبرز السؤال المهم: لماذا قررت الولايات المتحدة التصعيد العسكري ضد فنزويلا في هذه اللحظة؟
1-النفوذ الإقليمي في أمريكا اللاتينية:
منذ فترة طويلة، تُعتبر فنزويلا بالنسبة للولايات المتحدة نقطة استقطاب رئيسية في أمريكا اللاتينية. فحكومة مادورو، التي تحكم فنزويلا في الوقت الحالي، تمثل تهديدًا واضحًا للنفوذ الأمريكي في المنطقة. إذ تدعم الحكومة الفنزويلية العديد من الأنظمة المعادية للغرب في المنطقة، بما في ذلك كوبا ونيكاراغوا. وبالإضافة إلى ذلك، فإن العلاقة الوثيقة بين فنزويلا وإيران وروسيا تعتبر تحديًا مباشرًا للمصالح الأمريكية في المنطقة. بالتالي، فإن واشنطن قد تكون قد قررت التصعيد العسكري ليس فقط لإضعاف مادورو، ولكن أيضًا لقطع الطريق على نفوذ روسيا وإيران في فنزويلا.
2-الأزمة الاقتصادية والانهيار الداخلي:
لا يمكن إغفال الأزمة الاقتصادية التي تعصف بفنزويلا منذ عدة سنوات. وبالرغم من أن البلاد تمتلك أكبر احتياطيات نفطية في العالم، إلا أن العقوبات الدولية والإدارة غير الفعّالة جعلت الاقتصاد الفنزويلي يواجه انهيارًا. في ظل هذه الأوضاع، اعتبرت الولايات المتحدة أن الإطاحة بمادورو يمكن أن يساعد في تخفيف الأزمة الإنسانية الناتجة عن انهيار الدولة، والتي ألقت بظلالها على دول الجوار مثل كولومبيا والبرازيل. التدخل الأمريكي العسكري قد يُنظر إليه كوسيلة لاستعادة الاستقرار في المنطقة، ولكن من الواضح أنه يحمل في طياته محاولات جديدة لتحقيق أهداف استراتيجية طويلة المدى.
3-المصالح النفطية:
النفط الفنزويلي يُعد من أكبر احتياطيات النفط في العالم، وهو أحد الأسباب التي قد تفسر التصعيد العسكري. فنزويلا كانت دائمًا مصدرًا كبيرًا للطاقة في السوق العالمية، وبالتالي، فإن الولايات المتحدة قد تسعى لفتح المجال أمام شركات الطاقة الأمريكية لاستثمار هذا المورد الحيوي. الهجوم العسكري على فنزويلا يمكن أن يُفسر كخطوة لاستعادة السيطرة على تلك الموارد الطبيعية التي كانت في السابق تحت سيطرة حكومة مادورو. أمن دولي ـ روسيا ترى في سلوك الولايات المتحدة إهانة لأوروبا وتهديدًا لمصالحها الجيوسياسية
4-التوترات الجيوسياسية مع روسيا والصين:
العلاقات بين فنزويلا وروسيا كانت محورية بالنسبة لنظام مادورو، حيث قدمت روسيا دعمًا عسكريًا واقتصاديًا لفنزويلا، مما جعل فنزويلا محط نظر للقوى الكبرى. بالتالي، فإن الولايات المتحدة قد تعتبر أن هذا التدخل العسكري في فنزويلا يهدف أيضًا إلى إضعاف نفوذ روسيا في أمريكا اللاتينية، بالإضافة إلى إضعاف حلفائها في المنطقة. وفي الوقت نفسه، فإن هناك مصالح استراتيجية مرتبطة بمنع نفوذ الصين الذي يمتد في العديد من دول المنطقة. من خلال استهداف فنزويلا، تسعى الولايات المتحدة إلى قطع الجسور بين هذه الدولة الكبرى في أمريكا اللاتينية والدول الداعمة لها، مثل روسيا والصين، وبالتالي حماية مصالحها الجيوسياسية في المنطقة.
5-رد فعل على “العدوانية” الفنزويلية:
من جهة أخرى، ترى الولايات المتحدة أن فنزويلا قد أصبحت ملاذًا للأنشطة العسكرية المعادية للغرب، وتهديدًا مباشرًا لأمن حلفائها في المنطقة. تدعم حكومة مادورو العديد من الحركات اليسارية في أمريكا اللاتينية، وتوفر ملاذًا آمنًا لحركات وأفراد يُعتبرون تهديدًا للأمن الأمريكي، مثل الحركات المسلحة التي تحارب الحكومات الديمقراطية في دول أخرى. هذه “العدوانية” الفنزويلية قد تكون أحد الأسباب التي دفعت الولايات المتحدة إلى تصعيد موقفها العسكري بشكل غير مباشر. من خلال هذا التصعيد، تسعى الولايات المتحدة إلى إضعاف القدرة العسكرية لحكومة مادورو وحلفائه في المنطقة، وتقويض أي دعم قد يتلقونه من جماعات وأفراد معادين للمصالح الغربية.
ماذا بعد العملية؟
الآن، وقد بدأت الولايات المتحدة تنفيذ هذا التصعيد العسكري، يبقى التساؤل: ما هي الخطوة التالية؟ إذا استمرت هذه العمليات، فإن الهدف النهائي قد لا يقتصر فقط على القضاء على حكومة مادورو، بل قد يمتد إلى إعادة تشكيل النظام السياسي في فنزويلا بما يتناسب مع المصالح الغربية. هذا قد يؤدي إلى تشكيل حكومة جديدة في فنزويلا قد تكون أكثر استجابة للتعاون مع الولايات المتحدة، وتتبنى سياسات اقتصادية أكثر توافقًا مع مصالح الشركات الغربية.
من ناحية أخرى، فإن الضغط العسكري على فنزويلا قد يؤدي إلى تعزيز ردود فعل معاكسة من روسيا وكوبا، وقد تكون هناك ردود فعل عسكرية على التدخلات الأمريكية، ما قد يؤدي إلى تصعيد أكبر في المنطقة. إذا استمر الوضع على هذا النحو، فإن فنزويلا قد تتحول إلى ساحة حرب بالوكالة بين القوى الكبرى.
بالنهاية ،التصعيد العسكري في فنزويلا يأتي في وقت حساس من تاريخ أمريكا اللاتينية، حيث يسعى الغرب إلى إعادة تشكيل المنطقة بما يتناسب مع مصالحه. الهدف الأمريكي في هذه المرحلة ليس فقط إضعاف نظام مادورو، ولكن أيضًا تحقيق السيطرة على المنطقة مرة أخرى بشكل يحفظ مصالحه الاستراتيجية والاقتصادية. ومع تزايد التدخلات العسكرية في فنزويلا، قد يكون هذا التصعيد بداية لفترة جديدة من التوترات الجيوسياسية في أمريكا اللاتينية، التي قد تؤثر بشكل كبير على الأمن الإقليمي والدولي.
المستقبل القريب قد يشهد مزيدًا من التصعيد أو حتى انتهاج طريق الحلول السياسية، إلا أن ما يبدو واضحًا هو أن المنطقة قد تكون على شفا نقطة تحول هامة في التوازنات الدولية.
*حقوق النشر محفوظة إلى المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الارهاب والاستخبارات ـ ألمانيا وهولندا ECCI
رابط مختصر .. https://www.europarabct.com/?p=113107
