الإشتراك في نشرتنا الإخبارية المجانية

 

تابعنا على تويتر

تابعنا على فيسبوك

آخر المشاركات التلفزيونية

استطلاع رأي

هل المركز مصدر موثوق في البحث ؟

جاري التحميل ... جاري التحميل ...

أمن دولي ـ مولدوفا: بين طموحات أوروبية وتهديدات روسية

أغسطس 10, 2025

المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والاستخبارات، ألمانيا وهولندا  ECCI

بقلم : د . خالد العزّي، أستاذ العلاقات الدولية

تعتبر تصريحات الرئيسة مايا ساندو في نهاية شهر يوليو 2025 ذات أهمية خاصة في ظل الوضع الراهن في المنطقة، حيث وضعت قضية إخراج القوات الروسية من “بريدنيستروف” على رأس أولوياتها. في هذا السياق، أعربت عن رغبتها في إيجاد حل سلمي لهذه الأزمة، وعبّرت عن استعدادها لإعادة فتح المفاوضات استنادًا إلى تطورات الوضع في أوكرانيا. حديثها عن إمكانية فتح المفاوضات يثير تساؤلات حول تأثير الصراع العسكري والسياسي في أوكرانيا على السياسة الإقليمية في مولدوفا. كما تكشف تصريحات ساندو بشأن عدم تقديم الدعم المالي لبريدنيستروف ورفضها تعزيز “النظام التابع لروسيا” عن رغبة مولدوفا في الابتعاد عن التأثير الروسي. هذا الموقف يعكس استراتيجية مولدوفا في تعزيز علاقتها بالاتحاد الأوروبي، حيث أكدت على أهمية تنويع مصادر الطاقة في بريدنيستروف بعيدًا عن الغاز الروسي.

 

 يٌذكر بإن مولدوفا دولة تقع في أوروبا الشرقية، وتواجه تحديات جيوسياسية كبيرة بسبب التنافس بين الاتحاد الأوروبي وروسيا. تسعى مولدوفا للانضمام إلى الاتحاد الأوروبي، بينما تواجه تهديدات من روسيا، خاصة مع تزايد التوترات في المنطقة.

black_sea-

black_sea-

في الوقت نفسه، يبرز سؤال كبير حول تأثير هذه المواقف في تغيير المعادلات الاستراتيجية في المنطقة، خاصة إذا كانت روسيا تعتبر جزءًا محوريًا في معادلة الأمن والطاقة الإقليمي. الوضع السياسي الداخلي في مولدوفا يشهد انقسامًا حادًا بين تيارين رئيسيين:

الوضع السياسي الداخلي في مولدوفا

1-التيار المؤيد لأوروبا: تحت قيادة الرئيسة مايا ساندو، التي تولت الحكم في 2020، تسعى حكومتها لتعزيز العلاقة مع الاتحاد الأوروبي والانضمام إليه. هذا التيار يحقق دعمًا متزايدًا في المدن والمناطق الغربية، حيث تم اتخاذ خطوات إصلاحية مهمة في مجالات الحكم الرشيد ومكافحة الفساد. وتعتبر هذه الإصلاحات أساسية في تعزيز مصداقية الحكومة المولدوفيّة أمام المؤسسات الأوروبية وتسهيل عملية الانضمام إلى الاتحاد.

2-التيار الموالي لروسيا: يتمتع هذا التيار بنفوذ كبير في المناطق الشرقية والريفية. يروج لهذا التيار خطاب معادٍ للغرب، ويركز على الحفاظ على علاقات وثيقة مع موسكو. هذا التيار يتبنى مواقف متشددة ضد أي مساعٍ للتقارب مع الاتحاد الأوروبي، مما يعكس عمق الانقسام الداخلي الذي يواجهه الوضع السياسي في مولدوفا. جورجيا: بين مطرقة الحلم الأوروبي وسندان الروابط المتشابكة مع روسيا

هذا الانقسام السياسي الكبير ينعكس على المشهد الانتخابي والسياسي في مولدوفا، مما يجعل أي توجهات استراتيجية نحو الغرب تواجه مقاومة كبيرة. في حين أن التيار المؤيد لأوروبا يحظى بتأييد متزايد في المناطق الغربية، تظل مناطق أخرى تحت سيطرة قوية للتيار الموالي لروسيا، وهو ما يخلق تحديات كبيرة أمام الحكومة في تنفيذ سياساتها الإصلاحية.

التهديدات الروسية: التحدي الأكبر لمولدوفا

يشكل استمرار الوجود الروسي في منطقة ترانسنيستريا التهديد الأمني الأبرز لمولدوفا. تقع هذه المنطقة الانفصالية في شرق البلاد، ويُدارها من قبل سلطات موالية لموسكو منذ بداية التسعينيات. تحتفظ روسيا هناك بنحو 1500 جندي تحت ذريعة “حفظ السلام”، رغم أن هذا الوجود لا يحظى باعتراف دولي. مع تصاعد النزاع في أوكرانيا، ازداد القلق في مولدوفا من احتمال تكرار السيناريو الأوكراني، حيث أصدرت روسيا عدة إشارات على إمكانية زعزعة الاستقرار في مولدوفا. من أبرز هذه التهديدات:

-دعم الاحتجاجات وتحركات المعارضة داخل البلاد: حيث تستغل روسيا الانقسامات الداخلية بين التيارين المتنافسين في مولدوفا لدعم احتجاجات شعبية ضد الحكومة المؤيدة للغرب.

-الترويج لدعاية مناهضة للحكومة المؤيدة للغرب: عبر قنوات الإعلام الروسية التي تحاول التشكيك في مصداقية الحكومة المولدوفيّة وتغذية الاستياء الشعبي تجاه سياساتها الأوروبية.

-التلويح بالتدخل العسكري: حيث تهدد موسكو بالتدخل العسكري لحماية “الناطقين بالروسية” في ترانسنيستريا، وهو تهديد يزيد من توترات الأمن في المنطقة.

-تقليص أو قطع صادرات الغاز: وهو ما يشكل ضغطًا اقتصاديًا مباشرًا على مولدوفا، ويزيد من اعتمادها على روسيا في ملف الطاقة، وهو ما يمكن أن تستخدمه موسكو كورقة ضغط لتحقيق أهدافها.

تشير تقارير استخباراتية غربية إلى أن موسكو تسعى إلى استغلال الانقسامات الداخلية لعرقلة جهود الحكومة المولدوفيّة في التوجه نحو الغرب، مستغلة العلاقات التاريخية والمصالح الاقتصادية مع التيار الموالي لروسيا في تعزيز نفوذها داخل البلاد.

الرد الأوروبي والدولي

على الرغم من التحديات التي تواجهها مولدوفا، إلا أن هناك دعمًا متزايدًا من الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة، خاصة بعد منح مولدوفا وضع “دولة مرشحة للانضمام إلى الاتحاد الأوروبي” في عام 2022، إلى جانب أوكرانيا. كما تم تقديم مساعدات مالية وتقنية لتعزيز أمن الطاقة والحد من تأثير روسيا في الإعلام والسياسة. هذه المبادرة تساهم في تقوية الموقف المولدوفي وتوفير بعض الدعم الاقتصادي لمواجهة الضغط الروسي. ومع أن مولدوفا دولة محايدة من الناحية الدستورية ولا تنتمي إلى حلف الناتو، فقد أجرت تدريبات عسكرية مشتركة مع جيوش أوروبية، مما يشير إلى تحالفات جديدة تبحث عن تدعيم استراتيجيات الأمن والدفاع الوطني.

ومع تزايد المخاوف من المزيد من التدخلات الروسية، يبقى سؤال الأمان العسكري مفتوحًا. هل يمكن لمولدوفا أن تحظى بالحماية الكافية من القوى الغربية في حال تصاعدت التهديدات الروسية؟ وهل يمكنها فعلاً تحقيق التوازن بين تعزيز علاقاتها مع الاتحاد الأوروبي والحفاظ على استقرارها الداخلي في مواجهة القوى المؤيدة لموسكو؟

مولدوفا تواجه مفترق طرق تاريخي

مولدوفا اليوم تواجه مفترق طرق تاريخي، حيث تسعى القيادة الحالية نحو اندماج تدريجي في البنية الأوروبية، في ظل الضغوط الداخلية والخارجية. على الرغم من التحديات الكبيرة التي تواجهها، إلا أن الدعم الأوروبي المتزايد، ووعي الشعب المولدوفي بخطورة التدخلات الروسية، قد يسهم في ترسيخ التوجه نحو الديمقراطية والاستقلال السياسي عن موسكو. لكن، في المقابل، تبقى المخاطر قائمة مع استمرار النزاع في أوكرانيا، مما يعزز فرص زعزعة الاستقرار الإقليمي.بولندا ودورها السياسي في أوروبا الشرقية: بين الطموح القومي والتأثير الإقليمي

مولدوفا ليست مجرد دولة صغيرة في أوروبا، بل تمثل اختبارًا حقيقيًا لقدرة دول المنطقة على الحفاظ على استقلالها وسيادتها في مواجهة تدخلات القوى الكبرى. مستقبلها سيعتمد على قدرة حكومتها في تحقيق توازن بين الإصلاحات الداخلية، والصمود في وجه الضغوط الخارجية، والدعم الدولي لطموحاتها الأوروبية. إذا ما استطاعت مولدوفا الاستفادة من الدعم الأوروبي والحفاظ على وحدة داخلية في مواجهة التحديات الأمنية والاقتصادية، فقد تكون قادرة على تحقيق تحول استراتيجي نحو الاستقلال الكامل عن روسيا والاندماج في الهيكل الأوروبي في السنوات القادمة.

تواجه مولدوفا في هذه المرحلة التاريخية تحديات كبيرة، لكنها في الوقت نفسه تحمل آمالًا في تحقيق تحول جذري نحو مستقبل أكثر استقرارًا وازدهارًا ضمن الاتحاد الأوروبي. الانقسام السياسي الداخلي، والتهديدات الروسية المستمرة، والتوترات التي نشأت بسبب الوضع في ترانسنيستريا، جميعها عوامل تجعل موقف مولدوفا في غاية التعقيد. أوروبا و التصعيد الأوكراني-الروسي

إلا أن الدعم الأوروبي المستمر، وخاصة بعد منحها وضع “دولة مرشحة للانضمام” للاتحاد الأوروبي، يمنح الحكومة المولدوفيّة أملًا في تحقيق أهدافها الاقتصادية والسياسية، مع تأكيد على ضرورة تنفيذ الإصلاحات الداخلية ومكافحة الفساد. بينما تبقى مخاطر التدخلات الروسية قائمة، فإن الشعب المولدوفي والحكومة لديهم فرصة لبناء مستقبل مختلف، بعيد عن تأثير موسكو.

رغم أن مولدوفا ليست عضواً في الناتو وتحافظ على وضعها الدستوري كدولة محايدة، إلا أنها توسع التعاون الأمني مع حلف الناتو من خلال تدريبات مشتركة وبرامج دعم لتعزيز قدراتها الدفاعية. مستقبل علاقة مولدوفا مع الاتحاد الأوروبي والناتو يعتمد بشكل كبير على قدرتها على إكمال الإصلاحات الداخلية، مواجهة النفوذ الروسي، والحصول على دعم دولي مستدام، مما قد يمكنها من الاقتراب تدريجياً من الهياكل الأوروبية والأطلسية، رغم بقاء المخاطر الأمنية الإقليمية قائمة في ظل تصاعد التوترات في المنطقة.

إجمالًا، مستقبل مولدوفا يعتمد على قدرتها على التغلب على الانقسامات الداخلية، وتأكيد استقلالها عن روسيا، وفي الوقت نفسه تعزيز علاقاتها مع الاتحاد الأوروبي. إذا نجحت في ذلك، فستكون مولدوفا قد قطعت خطوة هامة نحو الاستقرار السياسي والإقليمي، لتصبح مثالًا على قدرة دول المنطقة على اتخاذ مصيرها بيدها بعيدًا عن التدخلات الخارجية.

رابط مختصر.. https://www.europarabct.com/?p=107268 

المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والاستخبارات، ألمانيا وهولندا  ECCI

الإشتراك في نشرتنا الإخبارية المجانية

 

تابعنا على تويتر

تابعنا على فيسبوك

استطلاع رأي

هل المركز مصدر موثوق في البحث ؟

جاري التحميل ... جاري التحميل ...