المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والاستخبارات، ألمانيا وهولندا ECCI 
بقلم : د. خالد العزي
بعد لقاء فلوريدا بين ترامب وزيلينسكي في 28 كانون الأول 2025، هل سينفذ الاتفاق الذي تم التوافق عليه في ورقة زيلينسكي 20، أم أن روسيا ستلتف عليه وتعمل على إفشاله؟ تزداد الأسئلة حول مصير الاتفاق الذي تم التوصل إليه في ورقة زيلينسكي 20، خاصة في ظل المعطيات الراهنة. بينما يسعى الاتحاد الأوروبي لدعم أوكرانيا من خلال هذا الاتفاق، فإن مصالح موسكو لا يبدو أنها أخذت بعين الاعتبار في البنود التي تم طرحها. من جهة أخرى، على الرغم من أن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين لا يريد أن يرفض الاتفاق علنًا كي لا يزعج الرئيس الأمريكي ترامب، إلا أنه من المحتمل أن يسعى إلى إفشال التوافق بين الأطراف من خلال الدخول في تفاصيل ضيقة ومعقدة، بهدف إغلاق الباب أمام أي تقدم فعلي.
قد تستخدم روسيا هذه التكتيكات لتقليل تأثير الاتفاق على مصالحها الاستراتيجية، بحيث يبدو أنها موافقة ظاهريًا لكنها تعرقل التنفيذ من الداخل، مما يعيق أي تقدم حقيقي في عملية السلام أو التسوية السياسية. من الصعب التنبؤ بما ستختاره روسيا في المدى القريب، لكن هناك بعض العوامل التي قد تؤثر على قرارها بشأن قبول تسوية والانتقال إلى مفاوضات حقيقية أو الاستمرار في شراء الوقت. أزمة أوكرانيا ـ كيف سيؤثر بيع الغاز الروسي “بالروبل” على اقتصاديات أوروبا ؟ بقلم الدكتور خالد ممدوح العزي
التوجهات المحتملة لروسيا
شراء الوقت: قد تسعى روسيا بالفعل لشراء الوقت عبر التظاهر بالاستعداد للمفاوضات بينما تواصل تحقيق أهدافها الاستراتيجية في أوكرانيا. بالنسبة لموسكو، الحفاظ على الوضع الراهن في أوكرانيا قد يكون أكثر من مجرد نقطة فخر؛ إنه جزء من استراتيجيتها الجيوسياسية الكبرى في مواجهة الغرب والنظام الدولي القائم. كما أن التحركات الروسية تركز على تعزيز موقفها العسكري والسياسي في المناطق التي تحتلها.من خلال المفاوضات، يمكن لروسيا أن تكسب مزيدًا من الوقت لتثبيت خطوط جبهتها، وإعادة ترتيب صفوفها العسكرية، والتأثير على الساحة الدولية من خلال استغلال التعاطف الأمريكي، الذي قد يُضغط عليه لتقديم تنازلات لصالح موسكو. هذا قد يشمل تقديم حوافز اقتصادية أو تراجعات في الخطوط العريضة للضمانات الأمنية التي تدعم أوكرانيا.
ـ التفاوض الجاد: من ناحية أخرى، إذا شعرت روسيا بأنها بلغت الحد الأقصى لما يمكنها تحقيقه عسكريًا، فقد تكون مضطرة للدخول في مفاوضات حقيقية. هذا قد يتطلب منها تقديم تنازلات، مثل قبول وضع أوكرانيا ضمن منطقة نفوذ غربية أكثر تحديدًا (مثل انضمامها للاتحاد الأوروبي أو حلف الناتو) في مقابل ضمانات أمنية قوية وتسهيلات اقتصادية. فروسيا في الوقت الحالي تعاني من عزلة دولية وعقوبات اقتصادية قاسية، وهذا قد يدفعها إلى الاعتراف بأن المفاوضات الحقيقية هي السبيل الوحيد للخروج من هذا المأزق.
التعاطف الأمريكي على حساب أوكرانيا وأوروبا
بالنسبة للتعاطف الأمريكي مع روسيا، خاصة في ظل موقف ترامب الذي يبدو أكثر توافقًا مع الموقف الروسي، قد تستغل موسكو هذا الاتجاه لصالحها. في هذه الحالة، قد تواصل المفاوضات بشكل استراتيجي لتحقيق أهداف قصيرة المدى، مثل تخفيف العقوبات أو الحصول على ضمانات اقتصادية، بينما تستمر في رفض أي تسوية قد تضر بمصالحها الأساسية في أوكرانيا. أزمة أوكرانيا ـ التقدم العسكري على الأرض يفرض أجندة التفاوض. بقلم الدكتور خالد ممدوح العزي
هذه السياسة ستؤدي إلى إضعاف موقف أوكرانيا وأوروبا، حيث أن روسيا ستتمكن من استغلال الخلافات في المواقف الغربية (من خلال تباين الآراء بين حلفاء أمريكا وأوروبا) لتحقيق مزيد من التنازلات. وبالتالي، ستكون روسيا قادرة على مواصلة فرض سيطرتها على بعض الأراضي الأوكرانية أو تأخير التسوية الدائمة.
روسيا قد تفضل “شراء الوقت” عبر الدخول في مفاوضات غير جادة أو تقديم تنازلات شكلية على حساب أوكرانيا، في محاولة للاستفادة من التعاطف الأمريكي وتعميق التصدعات بين القوى الغربية. إلا أنه في حال واجهت روسيا ضغوطًا كبيرة أو شعرت أنها وصلت إلى نقطة لا يمكن أن تواصل فيها الحرب دون تكبد خسائر أكبر، فقد تضطر إلى إجراء مفاوضات حقيقية لتجنب المزيد من الخسائر العسكرية والاقتصادية.
الحاجة إلى التوازن: الدبلوماسية مع الحلفاء الأوروبيين
بدلاً من محاولة إجبار الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي على قبول صفقة فورية، ينبغي لمفاوضي ترامب أن يعملوا مع الحلفاء الأوروبيين لوضع حزمة من الضمانات الأمنية والحوافز الاقتصادية الجذابة بما يكفي ليقبل الأوكرانيون بثمن باهظ يتمثل في التنازل عن جزء من دونيتسك لم تتمكن روسيا من احتلاله. إذا لم يحدث ذلك، سيواصل الأوكرانيون القتال. من المهم أن نفهم أن أكبر خطأ يمكن أن يرتكبه ترامب هو الإصرار على أن الفرصة سانحة الآن أو لن تتكرر. فالدبلوماسية لا تسير بهذه الطريقة، وكذلك الأعمال التجارية الناجحة. وكما قال ترامب قبل عقود: “أسوأ ما يمكن فعله في أي صفقة هو إظهار اليأس من إتمامها. فهذا يجعل الطرف الآخر يشم رائحة النصر، وحينها ستخسر”.على ترامب أن يسعى لإيجاد اتفاق معقول ومستدام يحترم مصالح أوكرانيا. وإذا فشل في ذلك، فقد يدخل الصراع في مرحلة أكثر دمارًا وتدميرًا، مما سيؤثر على الجميع، خاصة على أوكرانيا.
تحديات التسوية والضرورات المستقبلية
من المهم أن يتم تبني مسار تفاوضي يُركز على الاستقرار الإقليمي والعالمي. فإصرار ترامب على إتمام صفقة فورًا قد يؤدي إلى خلق بيئة من الإحباط والضغط على أوكرانيا، مما قد يفرض عليها قبول تسوية لا تُمثل مصالحها الحيوية. مثل هذه الصفقة قد تكون فاشلة في المدى الطويل، حيث يُمكن للطرف الآخر أن يشعر بالانتصار، مما يضعف أي حوافز للمضي قدمًا نحو السلام. كما يُمكن أن تزيد الضغوط على أوكرانيا من تكاليف الحرب وتوسع دائرة المعاناة. الناتو وروسيا ـ إلى أي مدى تنجح موسكو في استثمار الانقسامات داخل الحلف؟
إن أكبر خطأ يمكن أن يرتكبه ترامب أو أي مفاوض آخر هو فرض تسوية مُستعجلة تحت وطأة الضغوط السياسية والاقتصادية. الدبلوماسية تتطلب الصبر والتمهل، حيث أن تسرع المفاوضات أو الإصرار على التوصل إلى اتفاق غير عادل يمكن أن يؤدي إلى عواقب وخيمة. على الولايات المتحدة أن تسعى وراء اتفاق يعكس توازنًا حقيقيًا بين الأمن والسياسة الاقتصادية، بحيث يُسمح لأوكرانيا بالحفاظ على سيادتها، مع توفير الضمانات التي تبني ثقة قوية في مستقبلها.
من الواضح أن روسيا ستسعى إلى إفشال الاتفاق، ولكن ليس بطريقة مباشرة كي لا تغضب الرئيس الأمريكي ترامب. في النهاية، إذا لم يتم التعامل مع هذه الفرصة بشكل حكيم، فإن الصراع قد يدخل مرحلة جديدة من الدمار، لا تقتصر آثارها على أوكرانيا وحدها، بل قد تؤثر على النظام الدولي بأسره. لذا، يجب أن يُسعى جاهدًا لتحقيق السلام بشكل مدروس، يُعزز التفاهم بين جميع الأطراف ويُركز على المصالح المشتركة، بحيث لا تكون أية تسوية على حساب حقوق الشعوب أو مصيرها. إن الدبلوماسية الحذرة، والضمانات الأمنية الحقيقية، والتعاون البناء بين الدول المعنية، هي المفاتيح التي قد تُفضي إلى حل مستدام وعادل للصراع الأوكراني.
وإذا لم يتم التعامل مع هذه البنود بمرونة وعقلانية، فإن روسيا قد تستخدم أسلوب المماطلة والتوقف أمام كل بند من بنود الاتفاق، والجدال فيها لإضاعة الوقت وتقويض التقدم الفعلي نحو الحل. وهذا قد يؤدي إلى تعقيد العملية السياسية وإطالة أمد الصراع، مما يزيد من معاناة الأطراف كافة.
*حقوق النشر محفوظة إلى المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الارهاب والاستخبارات ـ ألمانيا وهولندا ECCI
رابط نشر مختصر .. https://www.europarabct.com/?p=113059
