المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والاستخبارات، ألمانيا وهولندا ECCI وحدة الدراسات والتقارير “1”
جهود دولة الإمارات لتعزيز الأمن والأستقرار في مناطق الصراع الإقليمي والدولي
في ظل التحولات الجيوسياسية المتسارعة التي تشهدها منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، برزت تحديات أمنية معقدة تتمثل في تصاعد النزاعات المسلحة، وتفكك مؤسسات الدولة في عدد من الدول، وظهور بيئات حاضنة للتنظيمات المتطرفة والإرهابية. في هذا السياق، تبنت دولة الإمارات العربية المتحدة سياسة خارجية وأمنية تقوم على مقاربة استباقية تهدف إلى تعزيز أمن واستقرار المنطقة، انطلاقًا من قناعة راسخة بأن مكافحة التطرف والإرهاب لا يمكن أن تقتصر على المعالجة الأمنية التقليدية، بل تتطلب رؤية شاملة تعالج جذور الأزمات وتمنع تمدد الفوضى خارج حدودها الوطنية.
ترتكز المقاربة الإماراتية على مزيج متوازن من الأدوات السياسية والدبلوماسية والأمنية والإنسانية، مع التركيز على دعم استقرار الدول الوطنية، ومنع انهيار مؤسساتها، وتجفيف البيئات التي تستغلها الجماعات المتطرفة لتوسيع نفوذها. وقد تجسدت هذه السياسة بوضوح في عدد من مناطق الصراع الإقليمي، أبرزها اليمن وسوريا والسودان وليبيا، إلى جانب أدوار أخرى في محيط إقليمي أوسع.
اليمن: مكافحة الإرهاب وحماية أمن الممرات البحرية
مثل الصراع في اليمن أحد أخطر التحديات الأمنية في المنطقة، نظرا لموقعه الجغرافي الحساس وتداخله مع أمن الملاحة الدولية في البحر الأحمر ومضيق باب المندب. ومع انهيار مؤسسات الدولة، وجدت التنظيمات الإرهابية، وعلى رأسها القاعدة في جزيرة العرب وتنظيم داعش، فرصة لتعزيز حضورها واستغلال حالة الفوضى. في هذا الإطار، شاركت دولة الإمارات ضمن التحالف العربي في جهود استهدفت تحجيم نفوذ هذه التنظيمات ومنعها من التحول إلى تهديد عابر للحدود. وقد اعتمدت الإمارات نهجا يقوم على دعم القوى المحلية وتمكينها من تولي المهام الأمنية، بما يحد من الحاجة إلى وجود عسكري مباشر طويل الأمد، ويسهم في بناء قدرات محلية مستدامة قادرة على حفظ الأمن.الإمارات في السودان، لماذا تستهدفها الاتهامات رغم دعمها للحلول الإنسانية والسياسية ؟
وبالتوازي مع الجهد الأمني، أولت الإمارات اهتمامًا كبيرا بالبعد الإنساني والتنموي، إدراكا منها بأن الفقر وغياب الخدمات وتدهور الأوضاع المعيشية تمثل عوامل رئيسية في انتشار التطرف. لذلك، انخرطت في مشاريع إغاثية وإعادة إعمار، هدفت إلى تحسين ظروف السكان المحليين وتقويض قدرة التنظيمات المتطرفة على استغلال المظلومية الاجتماعية لأغراض التجنيد والتعبئة.
سوريا: تحجيم التطرف عبر المقاربة السياسية والإنسانية
تعاملت الإمارات في الحالة السورية، مع الصراع من منظور مختلف يقوم على تقليص تداعياته الأمنية والإقليمية، لا سيما بعد أن تحولت الأراضي السورية إلى إحدى أكبر بؤر انتشار التنظيمات المتطرفة، وفي مقدمتها تنظيم داعش. وقد انطلقت السياسة الإماراتية من قناعة بأن استمرار الصراع وتدويله يفتح المجال أمام إعادة إنتاج التطرف، ويهدد استقرار المنطقة بأكملها.لذلك، ركزت الإمارات على دعم الحل السياسي باعتباره السبيل الوحيد لإعادة بناء الدولة السورية وإنهاء الفراغ الأمني الذي استغلته الجماعات المتطرفة. كما ساهمت في الجهود الدولية الرامية إلى محاربة داعش، إلى جانب تقديم مساعدات إنسانية واسعة للمدنيين المتضررين من النزاع، في محاولة للحد من التداعيات الاجتماعية والإنسانية التي تغذي التطرف. وتنسجم هذه المقاربة مع رؤية إماراتية أوسع تقوم على أهمية إعادة دمج سوريا في محيطها العربي، باعتبار أن العزلة السياسية والاقتصادية تخلق فراغات أمنية تستفيد منها التنظيمات المتطرفة والقوى غير النظامية.
السودان: منع انزلاق الصراع نحو التطرف والفوضى الشاملة
مع اندلاع النزاع المسلح في السودان، برزت مخاوف إقليمية ودولية من تحول البلاد إلى ساحة مفتوحة للجماعات المتطرفة، خاصة في ظل موقعها الجغرافي الحساس وقربها من منطقة البحر الأحمر والقرن الإفريقي. وقد رأت الإمارات أن استمرار الصراع دون أفق سياسي يشكل تهديدا مباشرا للأمن الإقليمي، ويزيد من احتمالات تفكك الدولة وانتشار العنف المنظم. في هذا السياق، انخرطت الإمارات في جهود دبلوماسية متعددة الأطراف هدفت إلى الدفع باتجاه وقف إطلاق النار، وحماية المدنيين، وتسهيل وصول المساعدات الإنسانية. وأكدت في مواقفها الرسمية على ضرورة الحفاظ على وحدة السودان ومنع انهيار مؤسساته، باعتبار أن غياب الدولة المركزية يمثل أحد أخطر محفزات التطرف والإرهاب. أمن دولي ـ المقاربات الأمنية بين الإمارات والاتحاد الأوروبي، تعاون وتحديات مشتركة . ملف
ليبيا: مواجهة الإرهاب ومنع تفكك الدولة
تعتبر ليبيا من أكثر الساحات تعقيدا في شمال إفريقيا، حيث أدى سقوط النظام السابق إلى انهيار مؤسسات الدولة وانتشار السلاح، ما وفر بيئة خصبة لنشاط التنظيمات الإرهابية والجماعات المسلحة. وقد تجاوزت تداعيات الفوضى الليبية حدود البلاد، لتطال أمن دول الجوار والاتحاد الأوروبي، خاصة في ما يتعلق بالإرهاب والهجرة غير النظامية والجريمة المنظمة. انطلاقا من هذه المعطيات، سعت الإمارات إلى دعم الجهود الرامية إلى مكافحة التنظيمات المتطرفة، ومنع تحول ليبيا إلى ملاذ آمن للإرهاب العابر للحدود. كما دعمت مسارات تهدف إلى إعادة بناء مؤسسات الدولة، خصوصا في المجالين الأمني والعسكري، والدفع باتجاه حل سياسي شامل يحد من نفوذ الميليشيات ويعيد الاعتبار للدولة الوطنية. وتعكس المقاربة الإماراتية في ليبيا إدراكا واضحا بأن استمرار الفوضى لا يشكل تهديدا محليا فحسب، بل يمثل خطرا مباشرا على أمن شمال إفريقيا وأوروبا على حد سواء.
مقاربة شاملة لمحاربة جذور التطرف
إلى جانب انخراطها في مناطق الصراع، تبنت الإمارات إستراتيجية أوسع تستهدف معالجة الأسباب البنيوية للتطرف، من خلال تعزيز التشريعات الخاصة بمكافحة تمويل الإرهاب، وتوسيع نطاق التعاون الدولي في هذا المجال، إضافة إلى تبني خطاب فكري وثقافي يقوم على نشر قيم التسامح والتعايش ومواجهة الأيديولوجيات المتطرفة. وتسعى هذه المقاربة إلى تقويض الأسس الفكرية والاجتماعية التي تستند إليها الجماعات المتطرفة، وعدم الاكتفاء بالحلول الأمنية، بما يعكس فهمًا عميقًا لطبيعة التهديدات المعاصرة.
الدور الدبلوماسي لدولة الإمارات على المستوى الدولي
إلى جانب أدوارها الإقليمية في مناطق النزاع، برزت دولة الإمارات العربية المتحدة خلال السنوات الأخيرة كفاعل دبلوماسي دولي يسعى إلى لعب أدوار تهدئة ووساطة في أزمات دولية كبرى، في ظل نظام دولي يشهد استقطابا حادا وتراجعا في فعالية آليات إدارة الصراع. وتقوم المقاربة الدبلوماسية الإماراتية على مبدأ التوازن، والانفتاح على مختلف الأطراف، والحفاظ على قنوات التواصل حتى في أكثر النزاعات تعقيدا، بما يعزز من موقع الدولة كوسيط موثوق وشريك دولي مسؤول.
حرب أوكرانيا: دبلوماسية التوازن والوساطة الإنسانية
منذ اندلاع الحرب الروسية – الأوكرانية، تبنت دولة الإمارات موقفًا دبلوماسيا يقوم على عدم الانخراط في سياسة الاستقطاب الحاد، مع التأكيد في الوقت ذاته على احترام القانون الدولي، وحماية المدنيين، وضرورة تغليب الحلول السياسية والدبلوماسية. وقد حافظت الإمارات على علاقات متوازنة مع كل من روسيا وأوكرانيا، ما أتاح لها لعب دور إنساني ودبلوماسي فاعل في واحدة من أعقد الأزمات الدولية. تجلّى هذا الدور بشكل خاص في وساطات تبادل الأسرى بين موسكو وكييف، حيث أسهمت الإمارات في إنجاز عدد من عمليات التبادل، حظيت بإشادة دولية واسعة، واعتبرت نموذجًا للدبلوماسية الهادئة التي تركز على البعد الإنساني في النزاعات المسلحة. كما قدمت الإمارات مساعدات إنسانية للمدنيين المتضررين من الحرب، في إطار سياسة تسعى إلى الفصل بين الخلافات السياسية والواجبات الإنسانية.
ويعكس الدور الإماراتي في الحرب الأوكرانية رؤية تقوم على أن استمرار الصراع لا يهدد الأمن الأوروبي فقط، بل ينعكس على استقرار النظام الدولي ككل، من خلال تداعياته على أمن الطاقة والغذاء وسلاسل الإمداد العالمية، وهو ما يفسر سعي الإمارات إلى دعم المساعي الدولية الرامية إلى خفض التصعيد وفتح مسارات تفاوضية. الأمن الدولي ـ زيارة رئيس دولة الإمارات إلى موسكو، شراكة استراتيجية في توقيت دولي حرج
حرب غزة: دبلوماسية إنسانية
في سياق الحرب في قطاع غزة، برزت الإمارات كأحد أكثر الأطراف الإقليمية نشاطًا على الصعيدين الدبلوماسي والإنساني، في ظل تصاعد العمليات العسكرية وتفاقم الكارثة الإنسانية. وقد ركزت السياسة الإماراتية على الدعوة إلى وقف التصعيد، وحماية المدنيين، وضمان وصول المساعدات الإنسانية، مع التأكيد على ضرورة إيجاد أفق سياسي يعالج جذور الصراع. نشطت الإمارات في المحافل الدولية دبلوماسياً، بما في ذلك الأمم المتحدة، للدفع باتجاه قرارات تدعو إلى وقف إطلاق النار وتخفيف المعاناة الإنسانية. كما كثفت اتصالاتها مع أطراف دولية وإقليمية مؤثرة، في محاولة للحد من اتساع رقعة الصراع ومنع انزلاقه إلى مواجهة إقليمية شاملة.
لعبت الإمارات دورا محوريا في تقديم المساعدات الإنسانية لسكان غزة، من خلال الجسور الجوية والبحرية، وإنشاء مستشفيات ميدانية، ودعم القطاع الصحي، وهو ما عكس مقاربة ترى في العمل الإنساني جزءا لا يتجزأ من الأمن والاستقرار، وليس مجرد استجابة طارئة للأزمات. ويأتي هذا الدور في إطار رؤية إماراتية أوسع تعتبر أن تجاهل الأبعاد الإنسانية للصراع الفلسطيني – الإسرائيلي يساهم في تغذية التطرف والعنف، ويقوض فرص السلام على المدى الطويل، سواء في المنطقة أو على المستوى الدولي.
العلاقات مع الاتحاد الأوروبي: شراكة أمنية وسياسية متعددة الأبعاد
تعتبر علاقات دولة الإمارات مع الاتحاد الأوروبي أحد المحاور الأساسية في سياستها الدولية، حيث تطورت هذه العلاقات من التعاون الاقتصادي التقليدي إلى شراكة إستراتيجية تشمل الأمن، مكافحة الإرهاب، الاستقرار الإقليمي، والطاقة. ويولي الاتحاد الأوروبي أهمية متزايدة لدور الإمارات باعتبارها شريكًا موثوقًا في منطقة تشهد اضطرابات أمنية متزايدة. في ملف مكافحة التطرف والإرهاب، تنظر المؤسسات الأوروبية إلى الإمارات كدولة تمتلك خبرة متقدمة في مكافحة تمويل الإرهاب، مواجهة الخطاب المتطرف، وتعزيز التشريعات الأمنية، وهو ما انعكس في تنامي الحوار الأمني وتبادل الخبرات بين الجانبين.
تعتبر الإمارات شريكا مهما لأوروبا في ملفات الهجرة غير النظامية، واستقرار دول الجوار الجنوبي للاتحاد الأوروبي، لا سيما ليبيا ومنطقة الساحل الإفريقي. وفي سياق الأزمات الدولية، لا سيما الحرب في أوكرانيا وحرب غزة، تنظر العواصم الأوروبية إلى الإمارات كقناة تواصل مهمة مع أطراف يصعب على أوروبا التواصل معها مباشرة، وهو ما يعزز من قيمة الدور الإماراتي كوسيط دبلوماسي قادر على المساهمة في إدارة الأزمات وتخفيف تداعياتها.أمن دولي ـ دور دولة الإمارات في دعم الاعتراف الدولي بدولة فلسطين
يعكس الدور الدبلوماسي لدولة الإمارات على المستوى الدولي تحولها إلى فاعل يتجاوز الإطار الإقليمي، ويشارك في إدارة أزمات ذات أبعاد عالمية، من خلال دبلوماسية تقوم على التوازن، والوساطة، والبعد الإنساني. وفي عالم يتسم بتصاعد الاستقطاب وتراجع الحلول الجماعية، تبرز الإمارات كنموذج لدولة تسعى إلى ملء فجوات الوساطة، وربط الأمن الإقليمي بالأمن الدولي، انطلاقا من رؤية تعتبر أن الاستقرار العالمي يبدأ من معالجة الأزمات قبل تحولها إلى تهديدات شاملة.
تُظهر تجربة دولة الإمارات في التعامل مع مناطق الصراع الإقليمي تحولا واضحا نحو مفهوم الأمن الوقائي، الذي يهدف إلى منع نشوء التهديدات بدل الاكتفاء برد الفعل عليها. ومن خلال الجمع بين الأدوات الأمنية والسياسية والإنسانية والفكرية، تسعى الإمارات إلى الإسهام في بناء بيئة إقليمية أكثر استقرارا، تكون فيها الدول الوطنية قادرة على حماية مجتمعاتها ومنع تمدد التطرف والإرهاب. وفي ظل استمرار التحديات الأمنية في المنطقة، تبرز المقاربة الإماراتية كنموذج يسعى إلى تحقيق التوازن بين القوة الصلبة والقوة الناعمة، واضعا أمن واستقرار المنطقة في صلب أولوياته الإستراتيجية.
*حقوق النشر محفوظة إلى المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الارهاب والاستخبارات ـ ألمانيا وهولندا ECCI
رابط مختصر .. https://www.europarabct.com/?p=113083
