خاص ـ المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والاستخبارات ـ ألمانيا وهولندا ECCI
قامت الدول الأوروبية الأعضاء في حلف شمال الأطلسي بنشر قوتها البحرية في منطقة المحيطين الهندي والهادئ من خلال إرسال حاملات طائرات في السنوات الأخيرة، في حين تشهد الصين الشريك التجاري للاتحاد الأوروبي ومنافس الولايات المتحدة تعزيزات عسكرية، مما يشكّل تحديًا لواشنطن وحلفائها.
يقول الخبراء إن الدول الأوروبية، مثل المملكة المتحدة وفرنسا وإيطاليا، يمكنها من خلال إرسال أكبر سفنها الحربية وأكثرها كفاءة، مساعدة الولايات المتحدة في إبقاء الصين تحت السيطرة، مع الحفاظ على الوجود البحري داخل القارة، وبالتالي المساهمة في أمن أوروبا.
صرّح ليو بينغيو، المتحدث باسم السفارة الصينية في واشنطن العاصمة: “إن الانتشار العسكري المتزايد من قبل دول من خارج المنطقة يضرّ بالسلام والاستقرار في منطقة آسيا والمحيط الهادئ”. وقد بنت الصين أكبر قوة بحرية في العالم من حيث عدد هياكل السفن، متجاوزةً البحرية الأمريكية، بأكثر من 370 سفينة وغواصة. في يونيو 2025، نشر الجيش الصيني، ولأول مرة على الإطلاق، حاملتي طائرات في منطقة غرب المحيط الهادئ الأوسع في آنٍ واحد، مستعرضًا قوته البحرية.
يأتي توسيع الوجود البحري الصيني في وقت تنشغل فيه الولايات المتحدة بالتوترات في الشرق الأوسط، مما دفعها إلى إعادة تموضع حاملتي الطائرات “يو إس إس كارل فينسون” و”يو إس إس نيميتز” خلال العام 2025، مما ترك فجوة في القوة البحرية في غرب المحيط الهادئ.
تُجري حاملة الطائرات البريطانية عملية انتشار مدتها 8 أشهر في منطقة المحيطين الهندي والهادئ. وخلال يوليو 2025، كانت السفينة الحربية التابعة للبحرية الملكية، وعلى متنها طائرات مقاتلة شبحية، في طريقها إلى أستراليا لإجراء مناورة قبل أن تُكمل رحلتها إلى اليابان.
المبادرة البحرية الأوروبية
بحسب كريستوف سليوينسكي، الأستاذ المشارك في قسم الدراسات الحكومية والدولية بجامعة هونغ كونغ، أنشأت 9 دول أعضاء في حلف شمال الأطلسي مبادرة التشغيل البيني لمجموعة حاملات الطائرات الأوروبية في عام 2008، سعيًا إلى الحفاظ على وجود مستمر في منطقة المحيطين الهندي والهادئ من خلال النشر المتسلسل لحاملات الطائرات.
في أبريل 2025، اختتمت حاملة الطائرات الفرنسية إف إس شارل ديغول مهمة استمرت 5 أشهر في المنطقة نفسها، حيث التقت بحاملات طائرات من البحريتين الأمريكية واليابانية في غرب المحيط الهادئ شرق الفلبين. كما قادت حاملة الطائرات الإيطالية كافور مجموعة هجومية العام 2024 في مهمة استمرت 5 أشهر في المنطقة، رغم أنها تقع خارج نطاق المسؤولية التقليدية للبحرية الإيطالية.
مبررات النشر
أوضح سيدهارث كوشال، الباحث البارز في المعهد الملكي للخدمات المتحدة في المملكة المتحدة: “إن دور حاملات الطائرات الأوروبية هو بالأساس دبلوماسي واستراتيجي، أكثر منه عسكري بحت؛ إذ يشير إلى الالتزام بالتعاون مع الشركاء الإقليميين ومبادئ مثل حرية الملاحة”.
أضافت إيما سالزبوري، الباحثة في مجلس الجيواستراتيجية في المملكة المتحدة: “أن عمليات الوجود البحري تهدف إلى التأثير في تصورات وسلوك الخصوم المحتملين، من خلال ردع العدوان وإظهار العزم دون اللجوء إلى الصراع”. وقالت سالزبوري: “إن وجود مجموعة حاملة الطائرات البريطانية في المنطقة يعكس ليس فقط إظهار القوة العسكرية والمدى العملياتي، بل أيضًا الالتزام بالشراكات الدولية والاستقرار الإقليمي والنظام الدولي القائم على القواعد”.
أشار سليوينسكي إلى أن التجارة تمثّل سببًا إضافيًا وراء الانتشار البحري الأوروبي لا سيما البريطاني والإيطالي؛ إذ تعتمد التجارة البريطانية مع آسيا على طرق بحرية تمر عبر نقاط اختناق في المنطقة، كما تعتمد إيطاليا صاحبة الاقتصاد القائم على التصدير بشكل كبير على الممرات البحرية المفتوحة.
أما فرنسا، وبحكم امتلاكها أقاليم في المحيط الهادئ مثل كاليدونيا الجديدة وبولينيزيا الفرنسية، فترى في الانتشار البحري وسيلة لحماية مصالحها في المنطقة وموازنة ما وصفه سليوينسكي بـ”التأثيرات السلبية” للوجود الصيني المتنامي.
مواجهة التهديد الصيني
تتزامن الأنشطة البحرية المتنامية للصين مع تصاعد النزاعات الإقليمية في مناطق مثل بحر الصين الشرقي ومضيق تايوان وبحر الصين الجنوبي، ما يؤدي إلى مواجهات واشتباكات دورية. وحذر وزير الدفاع الأمريكي بيت هيجسيث من أن الصين أصبحت على استعداد متزايد للجوء إلى القوة، ودعا إلى تعزيز التعاون الدفاعي لردع أي عدوان.
أكد سليوينسكي: “إن نشر حاملات الطائرات الأوروبية يُظهر أن هذه الدول تتحمّل مسؤولية استراتيجية مشتركة، مما يتيح للولايات المتحدة إعادة توزيع مواردها. وأضاف أن نشر عدة حاملات طائرات يعزز الردع ضد أي تحرك صيني محتمل”، لأن “الاستعراض الجماعي للقوة البحرية يعقّد قدرة الصين على التصرف بعدوانية، إذ ستواجه ردًا موحّدًا من عدة دول”.
كما أوضحت سالزبوري أن التدريبات المصاحبة لهذه المهمات تعزز الكفاءة التشغيلية المشتركة وتُحسّن الاستعداد لمواجهة التحديات الأمنية. ورغم ذلك، أشار كوشال إلى أن الفائدة القتالية المباشرة لحاملات الطائرات الأوروبية تبقى محدودة في غرب المحيط الهادئ، بسبب افتقارها إلى الذخائر والبنية اللوجستية للعمل قرب الصين، التي وصفها بأنها تمتلك “فقاعة منع الوصول” الأكثر تطورًا في العالم.
موازنة الالتزامات
بينما تعزز أوروبا وجودها البحري خارج حدودها، تدعو الولايات المتحدة وخاصة في عهد إدارة ترامب حلفاءها في الناتو لتحمّل مسؤولية أمنهم الإقليمي، مع تركيز واشنطن على منطقة المحيطين الهندي والهادئ.
أوضحت سالزبوري: “إنه من المفهوم أن يصبح الانتشار في هذه المنطقة أقل أولوية على المدى الطويل، نظرًا للحاجة إلى ردع روسيا ومراقبة أنشطتها البحرية، لكن استمرار التزام المملكة المتحدة بهذه المهام يؤكد حرصها على دورها العالمي”.
وأكد كوشال: “أن نشر حاملات الطائرات في المحيط الهادئ يظل أداة دبلوماسية أكثر من كونه مؤشرا على التزام عسكري مباشر، ولا يعني بالضرورة تحويل موارد مهمة من أوروبا إلى آسيا”. وأشار سليوينسكي إلى أن المملكة المتحدة وفرنسا وإيطاليا حافظت على أصول بحرية قوية داخل أوروبا، إلى جانب نشرها في المحيطين الهندي والهادئ، مما يعكس توازنا استراتيجيا في مواجهة التهديدات الروسية في بحر الشمال والبحر الأبيض المتوسط، ودعم جهود الناتو في أوروبا الشرقية.
يقول ليو بينغيو، المتحدث باسم السفارة الصينية في واشنطن: “إن عقلية الحرب الباردة، والمواجهة بين الكتل، والتفكير الصفري، كلها أمور لا تواكب العصر ولا تؤدي إلى أي نتيجة. ستُحافظ الصين بحزم على سيادتها وأمنها ومصالحها التنموية، وستواصل المساهمة في السلام والاستقرار الإقليميين من خلال إجراءات ملموسة”.
في المقابل، أكد كوشال إن هذه الانتشارات “تنطوي على تكاليف مالية وفي مجال جاهزية السفن والطاقم، ويتعين موازنة فائدتها بهذه التكاليف، مع تحمّل أوروبا حصة أكبر من أعبائها الدفاعية”. ووصفت سالزبوري إرسال مجموعات حاملة الطائرات البريطانية والأوروبية بأنه “خيار استراتيجي متعمد ورمز مهم”، يتجاوز المهام المحدودة النطاق.
أما سليوينسكي أوضح: “تلعب حاملات الطائرات الأوروبية دورًا حاسمًا في الحفاظ على حرية الوصول إلى المياه الدولية، لا سيما في المناطق المتنازع عليها مثل بحر الصين الجنوبي. ويتحدى هذا الجهد المطالبات البحرية الواسعة للصين، ويدعم طرق التجارة العالمية الأساسية المهمة لكل من الولايات المتحدة وأوروبا”.
رابط مختصر.. https://www.europarabct.com/?p=105949
