المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والاستخبارات ECCI ـ وحدة الدراسات (26)
أمن دولي ـ كيف ستكون أدوار الأطراف الدولية الفاعلة في الملف النووي الإيراني؟
يظل البرنامج النووي الإيراني ملفًا شائكًا بين إيران والغرب، لا سيما وأنه يدخل ضمن تفاهمات إقليمية ودولية، وأصبح جزءًا من الصراع الراهن الذي يشهده الشرق الأوسط منذ هجوم السابع من أكتوبر 2023، وما تبعه من تصعيد بين إسرائيل وإيران، انتهى بحرب الـ 12 يومًا والهجمات الأمريكية على ثلاث منشآت نووية إيرانية. رغم انطلاق المفاوضات بين إيران والغرب خلال العام 2025، فإن هذه الأزمة تبدو معقدة؛ لارتباطها بعوامل مثل الداخل الإيراني وموقفه المنقسم حول تسوية الأمر، ورؤيتي دول الترويكا الأوروبية والولايات المتحدة حول المفاوضات، وموقف حلفاء إيران في المشهد واحتمالية تجدد الحرب.
تعدد الفاعلين وتراجع الهيمنة الغربية
إيران: تضمنت دوافع طهران في البرنامج النووي تحقيق توازن في ديناميكيات القوى الإقليمية، وتطوير القدرات العسكرية لمواجهة واشنطن وحليفاتها تل أبيب، وتوظيفه كورقة ضغط على الغرب، الأمر الذي يفسر حالة الغموض التي تحيط بالبرنامج النووي الإيراني. في 26 يونيو 2025 أقر البرلمان الإيراني مشروع قانون لتعليق التعاون مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية وتعليق دخول مفتشيها، لحين تقديم ضمانات أمنية شاملة بشأن منشآتها النووية. يعد هذا القرار ردًا على الضربات الإسرائيلية والأمريكية التي تعرضت لها المنشآت الإيرانية النووية في حرب الـ (12) يومًا. ورغم عودة مفتشي الوكالة في 27 أغسطس 2025 إلى إيران، فإن الخارجية الإيرانية أكدت أن الخطوة لا تعني استئناف التعاون الكامل مع الوكالة، نظرًا لفقدان الثقة في الولايات المتحدة بعد مساندتها لإسرائيل في الحرب.
اتخذت إيران في 18 أكتوبر 2025 خطوة تصعيدية بالإعلان عن انتهاء الاتفاق النووي، دون الإشارة إلى نوايا محتملة لزيادة تخصيب اليورانيوم أو تقليص التعاون مع الوكالة الذرية. ومع تزايد التوقعات بشأن استعداد إسرائيل والولايات المتحدة لتوجيه ضربة جديدة لإيران، أبدى وزير الخارجية الإيراني “عباس عراقجي”، في 12 يناير 2026، استعداد بلاده للتفاوض على أساس الاحترام والمصالح المتبادلة، في ظل بقاء قنوات الاتصال مفتوحة بين طهران وواشنطن.
انتقال إيران لمحور الشرق: تعتمد إيران على روسيا والصين في ظل الضغط الغربي، وفي كل مرحلة يزداد التقارب الإيراني مع روسيا والصين، تنعزل إيران عن الغرب، وخاصة الولايات المتحدة. ولكن ترى إيران في هذه العلاقات وسيلة للمناورة في ظل العقوبات المفروضة عليها وزيادة عزلتها الدولية. تحافظ روسيا على دعمها لإيران والتأكيد على أنها حليف استراتيجي، دون الانجرار لمواجهة مباشرة مع الغرب في حال تفاقمت الأمور. تقوم العلاقات الإيرانية الصينية على المصالح الاقتصادية والاستراتيجية، ولعبت الصين دورًا في الوساطة بين إيران والسعودية مؤخرًا، وأرادت بكين إرسال رسالة من هذه الوساطة إلى واشنطن بشأن امتلاكها قدرة على تغيير المعادلة السياسية، وأن إيران شريك في تأمين الطاقة رغم العقوبات الغربية، ونقطة ارتكاز لمواجهة الهيمنة الأمريكية بالمنطقة. ومن هنا تحول البرنامج النووي الإيراني إلى نقطة خلاف بين بكين وواشنطن تزيد من حدة التوترات بينهما. لذا تستند طهران إلى بكين في المحافل الدولية للحصول على الدعم السياسي، والفيتو الصيني لتخفيف العقوبات الغربية وتعزيز موقفها التفاوضي، مستغلة توسع النفوذ الصيني بالشرق الأوسط مقابل تراجع النفوذ الأمريكي.
الولايات المتحدة: عادت الولايات المتحدة إلى سياسة “الضغط الأقصى” في التعامل مع إيران، مع عودة “دونالد ترامب” للبيت الأبيض في يناير 2025. وشهدت جولات المفاوضات ضغطًا من واشنطن على طهران لوقف التخصيب، ودخلت واشنطن على خط المواجهة بجانب إسرائيل، بشن غارات جوية على مواقع نووية إيرانية لتعطيل البرنامج النووي، نظرًا لأنها تعتبره تهديدًا أمنيًا، لارتباط طهران بجماعة “الحوثي وحزب الله وحركة حماس” بالشرق الأوسط، ولموقفها العدائي لإسرائيل. لذا شددت واشنطن من سياسة الردع وفرض العقوبات، كوسيلة لعزل إيران دوليًا. تحول الملف النووي الإيراني إلى صراع قوى على الساحة الدولية منذ السابع من أكتوبر 2023، ودخول وكلاء إيران بالشرق الأوسط في مواجهات غير مباشرة مع إسرائيل، وتحول الأمر إلى حرب إسرائيلية ضد حزب الله اللبناني من سبتمبر إلى نوفمبر 2024، والحرب الإسرائيلية على إيران في يونيو 2025، ما دفع إيران إلى شن هجومًا على قاعدة “العديد” الأمريكية بقطر.
لم يمنع اتفاق وقف إطلاق النار بين إسرائيل وإيران في 24 يونيو 2025 من التلويح بالحرب مجددًا. أثار رئيس الوزراء الإسرائيلي، في 31 ديسمبر 2025، إمكانية تجدد الضربات العسكرية على إيران أثناء اجتماعه مع ترامب. في السادس من يناير 2026 أكد أعضاء بمجلس الشيوخ الأمريكي: “إن ترامب من المرجح أن يأذن بمزيد من الهجمات ضد برامج إيران النووية أو الصاروخية”. استغلت واشنطن الاحتجاجات التي تشهدها إيران لتهدد باتخاذ إجراءات قوية إذا أعدمت الحكومة الإيرانية المحتجين. في المقابل، حذر المرشد الإيراني “علي خامنئي”، في التاسع من يناير 2026، “ترامب” من التدخل في شؤون بلاده، وحذر مجلس الدفاع الإيراني من رد بلاده إذا رصدت تهديدًا جديدًا.
أوروبا: يمثل الدور الأوروبي محورًا مهمًا في الوساطة بين إيران والمجتمع الدولي لمنع الانتشار النووي، وكانت الترويكا الأوروبية “ألمانيا، وفرنسا، وبريطانيا” أول من بدأ التفاوض مع إيران في 2003، وأصبحت طرفًا فاعلًا في الاتفاق النووي 2015. على عكس باقي الملفات المشتركة مع واشنطن، تبنت أوروبا نهجًا مغايرًا، بالجمع بين الدبلوماسية والعقوبات، وحرصت على بقاء العلاقات الاقتصادية والسياسية مع طهران، والحفاظ على الاتفاق النووي رغم انسحاب واشنطن في 2018. بذلت أوروبا جهدًا كبيرًا لإعادة واشنطن للاتفاق في عهد الرئيس السابق “جو بايدن”، في إطار تغير سياسة “ترامب” تجاه الحلفاء، وجدت أوروبا نفسها بمعزل عن مفاوضات 2025، ولم تطلع واشنطن أوروبا على نتائج المباحثات في 12 أبريل 2025 بسلطنة عمان. وعندما اختار “ترامب” مدينة أوروبية لاستضافة جولة من جولات المفاوضات في 23 مايو 2025، وقع الاختيار على روما التي تحكمها حكومة يمينية. عقب حرب الـ (12) يومًا عادت أوروبا للمفاوضات، بالاجتماع مع وزير الخارجية الإيراني “عباس عراقجي”، وممثلي الترويكا الأوروبية، ومسؤولة السياسة الخارجية بالاتحاد “كايا كالاس”، واستضافت جنيف جولة مباحثات مع إيران في 26 أغسطس 2025.
روسيا وإيران، شراكة ظرفية أم استراتيجية؟
النووي مقابل أوكرانيا: تجمع إيران وروسيا شراكة استراتيجية متنامية مدفوعة بالموقف الموحد ضد النفوذ الغربي، ويشتركان في “مجموعة بريكس” ومنظمة “شنغهاي”. وتزايد التعاون العسكري في حرب أوكرانيا، وتزود إيران روسيا بالطائرات المسيرة والمدفعية والصواريخ ومئات من صواريخ “فاتح-110” الباليستية قصيرة المدى. ساعدت إيران في بناء مصنع للطائرات المسيرة بروسيا لإنتاج آلاف الطائرات. تقدم روسيا تدريبات للطيارين الإيرانيين ودعمًا لبرامج إيران الصاروخية والفضائية، وطائرات “ياك-130” ومروحيات هجومية من طراز “مي-28″، وتبادل المعلومات حول التكنولوجيا السيبرانية. ساهمت روسيا في بناء محطة “بوشهر” النووية الإيرانية، وكانت روسيا في مقدمة الدول الداعمة للاتفاق النووي 2015. وتتعاون الدولتان في مشاريع الطاقة والتجارة للالتفاف على العقوبات. ووطدت إيران وروسيا العلاقات، وتحديدًا في المجال العسكري، بتوقيع معاهدة شراكة استراتيجية في 17 يناير 2025.
حدود الدعم الروسي لإيران: رغم أن روسيا حليف حقيقي لإيران، فإنها تراعي التوازن بين الشراكة ومصالحها طويلة الأمد بالشرق الأوسط، وتعرضها لضغوط غربية بعد حرب أوكرانيا، ما يدفعها لتقليل التوترات مع الولايات المتحدة في ظل ميل واشنطن لإنهاء حرب أوكرانيا وفقًا لشروط روسية. أكدت روسيا أن الشراكة الاستراتيجية التي مدتها (20) عامًا لا تشكل تحالفًا عسكريًا، وأنها غير ملزمة بتقديم أي مساعدة عسكرية لإيران في حال تعرضها لهجوم. يقول الباحث بمركز الدراسات الاستراتيجية والدولية بواشنطن “ألكسندر بالمز”: “إن موقف الكرملين من الحرب الإسرائيلية الإيرانية يعكس مصالح أكثر تقليدية للحفاظ على الاستقرار الإقليمي، وموازنة العلاقات مع خصوم طهران بالمنطقة وانتقاد تصرفات واشنطن، وفي بعض الأحيان تتوافق هذه المصالح الروسية مع مصالح إيران، لكن هذا لا يعني التزام موسكو الكامل للدفاع عن طهران”.
اكتفت روسيا بالتصريحات الداعمة لإيران في الحرب الأخيرة، بالدعوة للاستقرار الإقليمي والتدخل لخفض التصعيد. وأدان نائب سكرتير مجلس الأمن القومي الروسي “ألكسندر فينيديكتوف” الهجمات الأمريكية على إيران، ووصف الهجمات الإسرائيلية بغير “المبررة”. وعتبرت الخارجية الروسية تصريحات الوكالة الذرية بشأن انتهاك إيران التزاماتها بعدم الانتشار النووي نتيجة محاولات من المعسكر الغربي للتلاعب بنظام عدم الانتشار النووي العالمي. وتباينت المعلومات حول محاولة طهران الحصول على مساعدات من موسكو، وعرض الكرملين على إيران التعاون لتحسين دفاعاتها الجوية.
احتمالات المقايضة السياسية: تدرك إيران وروسيا أن رغبتهما في تقويض النفوذ الغربي، والتحايل على العقوبات والتعاون العسكري، تحكمها المصالح الخاصة بكل بلد. تستهدف روسيا ترسيخ مكانتها عالميًا بين الدول الكبرى، وتسعى إيران للهيمنة الإقليمية بالشرق الأوسط، ما يفسر اعتماد روسيا على خصوم إيران الإقليميين، مثل أذربيجان في صادرات الطاقة لأوروبا وعبورها لإيران والهند، وتركيا في تجارة الطاقة والالتفاف على العقوبات، وإسرائيل في وقف تسليح أوكرانيا. في مرحلة من حرب أوكرانيا، قلصت موسكو اعتمادها على الطائرات المسيرة الإيرانية، متوجهة إلى الإنتاج المحلي وشحنات كوريا الشمالية. ورغم اختلاف اهتمامات البلدين، فإن العلاقات البراغماتية بينهما قللت من وطأة الأمر. في 18 يونيو 2025 قدم الرئيس الروسي “فلاديمير بوتين” الوساطة لوقف المواجهة العسكرية بين إسرائيل وإيران. رفض المندوب الروسي بالأمم المتحدة، في الأول من أكتوبر 2025، الاعتراف بإعادة فرض العقوبات على إيران، وأوضح سفير روسيا لدى طهران أن الحكومات الأوروبية تستخدم الخلافات حول الدور المزعوم لإيران في أوكرانيا والملف النووي لتبرير الإجراءات الأكثر صرامة ضد إيران. الأمن الدولي ـ “الترويكا” الأوروبية، كيف يمكن لإيران أن تتحايل على إعادة فرض العقوبات؟
الصين ودورها المستقبلي في الملف النووي
الصين كضامن اقتصادي: أصبحت الصين أكبر مستورد نفطي لإيران في 2023، واستوردت في 2025 نحو (1.38) مليون برميل يوميًا، ما يمثل أكثر من (80%) من صادرات النفط الإيرانية، وبلغت التجارة غير النفطية (34.1) مليار دولار حتى مارس 2025، ما يعزز مكانة الصين كشريك اقتصادي رئيسي لإيران. تحافظ بكين على دورها كضامن اقتصادي لطهران، بإعطاء الأولوية لتدفق النفط الإيراني، ما يعني أن التصعيد بين طهران وواشنطن مقلق للصين لتداعياته على أمن الطاقة والممرات المائية مثل مضيق “هرمز”. سارعت بكين لانتقاد واشنطن في 24 يونيو 2025، ووصفت هجماتها على إيران بـ “ضربة لسمعتها العالمية”. تعتمد الصين على التصعيد الأمريكي ضد إيران لتصوير نفسها كداعمة للاستقرار العالمي، ولتحويل اهتمام واشنطن عن آسيا ومنطقة المحيطين الهادئ والهندي. ستواصل بكين دورها في الملف النووي الإيراني خلال العام 2026، بدعم الحلول الدبلوماسية ومعارضة مواقف واشنطن أحادية الجانب، والتأكيد على عدم الانتشار النووي، خاصة وأنها لا تريد إيران نووية، ولكنها تدعم حقها في امتلاك الطاقة النووية السلمية.
مصالح بكين: تمثل إيران نقطة حيوية في مبادرة الحزام والطريق الصينية، بتوفيرها ممرًا بريًا بديلاً وأكثر أمانًا عن الممرات البحرية، وربط الصين بأسواق أوروبا والشرق الأوسط، مما يقل اعتماد الصين على الممرات المائية المزدحمة مثل مضيق “هرمز”. تضمن إيران إمدادات مستمرة ومنخفضة التكلفة من النفط للصين. في المقابل، تستثمر الصين في البنية التحتية الإيرانية بموجب اتفاقيات طويلة الأجل، مما يربط شبكات الطرق والسكك الحديدية والموانئ الإيرانية، ويجعلها بوابة استراتيجية. يمنح التعاون بين الجانبين نفوذًا اقتصاديًا وسياسيًا يسهم في تجاوز إيران العقوبات الغربية. تؤكد الصين في الملف النووي الإيراني على دور مجلس الأمن المحوري، لا سيما وأنها ربطت الأمر بسياسات واشنطن تجاه تايوان، وفي الوقت نفسه تضغط على إيران للالتزام ببنود الاتفاق النووي رغم الإعلان عن انتهائه في أكتوبر 2025.
سعت الصين مع روسيا، في 26 سبتمبر 2025، لتأجيل إعادة فرض العقوبات على إيران لمدة (6) أشهر. دعت الخارجية الصينية، في الخامس من نوفمبر 2025، لإحياء الجهود الدبلوماسية لمعالجة البرنامج النووي الإيراني بالحوار، مؤكدة على أن الجمود السياسي يتعارض مع مصالح المجتمع الدولي. تتبع بكين نهجًا مزدوجًا بين دعم حق طهران في الاستخدام السلمي للطاقة النووية، والدعوة للحلول الدبلوماسية التي تحترم معايير عدم الانتشار النووي، في إطار التعاون الاقتصادي بينهما والسياق الدولي المتغير. أمن دولي ـ سيناريوهات الملف النووي الإيراني، بين التسوية والتصعيد
كوريا الشمالية، نموذج وخبرة
تتميز العلاقات بين كوريا الشمالية وإيران بالشراكة الاستراتيجية طويلة الأمد، وكان لكوريا الشمالية دورًا في تطوير قدرات إيران الصاروخية، بنقل تكنولوجيا تصغير الرؤوس الحربية، وتزويدها بتصاميم وتركيبات مهمة للرؤوس النووية الحربية، وشاركت في بناء قواعد عسكرية لإيران تحت الأرض كحماية للمنشآت الحساسة. تعود العلاقات بينهما إلى ثمانينيات القرن الماضي، بمبيعات أسلحة كورية كبيرة بما في ذلك الدبابات والصواريخ، مقابل أموال أو نفط. يتشاركان في العداء المشترك تجاه الولايات المتحدة، والعزلة المفروضة جراء العقوبات الغربية. أشارت تقارير صادرة عن فريق خبراء بالأمم المتحدة في 2024 إلى زيادة التعاون بين “بيونغ يانغ وطهران” في مجال الصواريخ الباليستية، وأنه تم نقل المعدات إلى إيران عبر دولة ثالثة.
أجرى وفد من كوريا الشمالية زيارة غير معلنة لإيران في 24 أبريل 2024، ما أدى لزيادة التكهنات حول إبرام البلدين تعاونًا في برامجهما النووية. جاءت الزيارة لتخفيف تبعات العقوبات الغربية المفروضة على البلدين، بتبادل الخبرات والمعدات العسكرية الكورية مقابل النفط الإيراني والسلع الأساسية. وقد أعلنت إيران شراء سلع بقيمة (700) مليون دولار من كوريا الشمالية في مارس 2024، ومن المرجح أن تعتمد هذه التجارة على المقايضة، لتأثر قدرات طهران بشأن الحصول على العملات الأجنبية لسداد ديونها.
هل نشهد تراجعاً في دعم هذه الأطراف لإيران؟
يمنح التصعيد الأمريكي والإسرائيلي ضد طهران موسكو الفرصة لإعادة تموضعها كوسيط بين الأطراف، واستخدام الملف كورقة ضغط في حرب أوكرانيا، لأنه يصرف الأنظار عن الحرب ويوجه الدعم الأمريكي لإسرائيل بدلًا من أوكرانيا. كما يعد استمرار التصعيد أزمة لموسكو، خاصة وأن النظام الإيراني سيصبح مهددًا، مما يؤثر على تحالفات روسيا الدولية، أو قد ينذر بامتداد الصراع إلى مناطق مثل جنوب “القوقاز” ذات الأهمية الاستراتيجية لها. وغم البعد الجغرافي بين إيران والصين، فإن تأثير التصعيد بين واشنطن وطهران قد يهدد مصالحها في قطاع الطاقة، وتتخوف بكين من تجدد الحرب ضد إيران، ولجوئها لإغلاق مضيق “هرمز” كوسيلة ضغط على الغرب لتضرر أمن الطاقة العالمي، الأمر الذي تحفظت عليه بكين عندما لوح به البرلمان الإيراني في يونيو 2025.
تجبر معطيات المشهد بكين وموسكو على الاحتفاظ بدور الوسيط دون الانخراط في الصراع، أو الإعلان بشكل رسمي عن تقديم مساعدات لطهران. بينما يصبح الأمر مختلفًا لكوريا الشمالية، فإن التصعيد الأمريكي قد يدفعها لتعزيز التعاون مع إيران، لا سيما وهي تمتلك نحو (50) رأسًا نوويًا ولديها قدرة على إنتاج ما بين (70 ـ 90) سلاحًا نوويًا، وتتخوف من شن “ترامب” ضربات مماثلة على برنامجها النووي، وترفض الانخراط في مفاوضات؛ لذا ستدعم حلفاء مثل إيران في تحقيق نتائج ببرنامجها النووي. أمن دولي ـ الصراع الإسرائيلي الإيراني واستراتيجية الردع والدبلوماسية
تقييم وقراءة مستقبلية
– أصبح الملف النووي الإيراني أمام عدة سيناريوهات، فمن المرجح تعزيز دور محور الشرق في الضغط على الغرب، نظرًا لأن جميع الدول في هذا المحور “روسيا، وإيران، والصين، وكوريا الشمالية” تتفق على هدف مشترك، هو إضعاف النفوذ العالمي للولايات المتحدة، وترسيخ وجودهم كفاعلين أساسيين في عالم متعدد الأقطاب. وكانت الحرب الإسرائيلية ضد إيران اختبارًا حقيقيًا لقوة هذا التحالف وقدرته على مساومة واشنطن في ملفات أخرى، خاصة وأن كل دولة بالتحالف لديها ملفات عالقة مع واشنطن.
– من المحتمل أن يكون هناك نوعًا من الحياد البراغماتي، إذ تتخوف موسكو من امتلاك إيران سلاحًا نوويًا، لزيادة سباق التسلح النووي عالميًا، وتغير خريطة التحالفات بالشرق الأوسط لصالح واشنطن، ما يعني أن بقاء الملف النووي الإيراني تحت السيطرة أمر لصالح موسكو، لعدم امتلاكها قدرة أو رغبة في تغيير مسار الأحداث.
– من المتوقع أن تواصل موسكو خطابات الإدانة دون السعي لإبرام اتفاق نووي إيراني جديد أو تصعيد أكبر، لمنحها المساحة والوقت للتحرك في أوكرانيا وتحقيق أهدافها من الحرب. ويصبح نفوذ الصين محدودًا في هذا الملف، لعدم وجود ضمانات عسكرية، ما يعني أنها لا تستطيع التحكم في خيارات إيران النووية، إضافة إلى تنافس بكين وواشنطن في الشرق الأوسط، ما يجعل تقبل الأخيرة لدور الوساطة ليس بالأمر السهل.
– بات متوقعًا التخلي التدريجي عن إيران، وقد يرتبط هذا السيناريو بقدرة واشنطن على تسوية الأزمات مع روسيا والصين وكوريا الشمالية، خاصة وأن العلاقات الأمريكية الروسية تشهد تقاربًا في الوقت الراهن، وتقف واشنطن بجانب موسكو في مفاوضات إنهاء حرب أوكرانيا، إضافة إلى وقف الدعم العسكري لكييف. كما أرسلت واشنطن إشارات لبكين لإمكانية فتح الحوار بشأن أزمة تايوان، وتدخلت في التوتر الأخير بين بكين وطوكيو كبداية لرسم ملامح علاقات جديدة. ويبدو موقف كوريا الشمالية أكثر تعقيدًا لعدم انفتاحها على أي محادثات مع الولايات المتحدة، وربما تصبح هي الحليف الأخير لإيران في حالة تسوية القضايا الخلافية مع موسكو وبكين.
– يواجه النظام الإيراني مأزقًا سياسيًا لاستمرار الاحتجاجات بالداخل لظروف اقتصادية واجتماعية متدهورة، وتلويح واشنطن بالاستعداد لضربة محتملة ضده؛ لذا ستلجأ إيران إلى حلفائها في محور الشرق لإنقاذ اقتصادها من الأزمة الحالية، التي تفاقمت بعد تفعيل آلية “سناب باك”، ولعب هذه الدول دور الوساطة لإطالة الوقت، ومنع واشنطن من تنفيذ ضربة جديدة لمنشآتها العسكرية والنووية، والدخول في جولة مفاوضات مرة أخرى.
– يمكن القول أن المشهد سيدفع الصين وروسيا إلى الضغط على إيران للتنازل عن بعض النقاط في حال العودة للتفاوض، وهو الأمر الذي ترفضه إيران تمامًا، ما قد يجعل الملف النووي أزمة طويلة الأمد تتباين فصولها بين الضغط والعقوبات والتفاوض، ما يجعل احتمالية تجدد الضربات الأمريكية على إيران واردة، خاصة وأن واشنطن تستغل الاحتجاجات الراهنة لشن هجومًا ضد طهران.
رابط مختصر.. https://www.europarabct.com/?p=113629
*حقوق النشر محفوظة إلى المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والاستخبارات
الهوامش
How China stands to gain from US strikes on Iran
https://shorturl.at/eEtRS
Trouble together: How North Korea sees its growing interests with Iran
https://shorturl.at/lB8zg
Senators say US will hit Iran if it rebuilds nuclear, missile programs
https://shorturl.at/LktEz
The Limits of Russia’s Friendship: How Moscow Sees the Iran Crisis
https://shorturl.at/Tt2Lu
