الإشتراك في نشرتنا الإخبارية المجانية

 

تابعنا على تويتر

تابعنا على فيسبوك

آخر المشاركات التلفزيونية

استطلاع رأي

هل المركز مصدر موثوق في البحث ؟

جاري التحميل ... جاري التحميل ...

الأمن الدولي بعد حرب أوكرانيا، تحولات العقيدة الاستخباراتية الغربية وإعادة تعريف التهديد

Europe
فبراير 22, 2026

المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والاستخبارات ECCI 

إعداد : د.فريد لخنش ـ باحث في المركز الأوروبي ECCI

الأمن الدولي بعد حرب أوكرانيا، تحولات العقيدة الاستخباراتية الغربية وإعادة تعريف التهديد

تُشكل حرب أوكرانيا، التي انطلقت في الرابع والعشرين من فبراير عام 2022، المنعطف الأمني الأكثر خطورة في القارة الأوروبية منذ نهاية الحرب العالمية الثانية. ومع اقتراب الذكرى الرابعة لهذا الصراع، يبرز تساؤل جوهري حول الدور الذي لعبته أجهزة الاستخبارات الدولية في استشراف هذا النزاع. اليوم، وفي ظل الخسائر البشرية الهائلة والدمار الذي طال مناطق بأكملها، تقف وكالات الاستخبارات الغربية أمام مراجعة قاسية لعقيدتها الأمنية، معترفةً بلسان محلليها: “لقد بالغنا في تقدير قوة القيادة الروسية”، وهو ما يفتح الباب أمام تقييم شامل للفجوة بين الرصد المعلوماتي وصناعة القرار الوقائي.

هل كان من الممكن منع الحرب ضد أوكرانيا؟

تشير التحقيقات الاستقصائية، لا سيما تلك التي نشرتها صحيفة “الغارديان” البريطانية، إلى أن الفشل في منع الحرب لم يكن ناتجاً عن نقص في البيانات، بل عن أزمة في التصديق والتحليل. كانت وكالات الاستخبارات الغربية، وعلى رأسها وكالة المخابرات المركزية الأمريكية وجهاز الاستخبارات الخارجية البريطاني، على علم تام بخطط فلاديمير بوتين قبل وقت طويل من تحرك أول دبابة روسية.

منذ ربيع عام 2021، أي قبل عام كامل من اندلاع الحرب، رصدت هذه الأجهزة تحركات غير معتادة للقوات، وقامت بتحليل اتصالات مشفرة كشفت عن استعدادات لأعمال تخريبية واسعة النطاق داخل الأراضي الأوكرانية. ورغم وضوح هذه الأدلة الدامغة، إلا أن التحذيرات لم تلقَ آذاناً صاغية في العديد من العواصم، وحتى في كييف نفسها، حيث ساد اعتقاد بأن هذه التحركات لا تتعدى كونها استمراراً لأساليب الحرب الهجينة الروسية.

لماذا رفضت كييف والغرب تصديق تقارير الهجوم؟

على الرغم من رصد جهاز الأمن الأوكراني لنشاط روسي مكثف شمل محاولات تجنيد واسعة النطاق حتى على مستوى الموظفين الإداريين والسائقين، إلا أن مجلس الأمن الأوكراني ظل يعتبر شن هجوم شامل أمراً مستبعداً حتى اللحظات الأخيرة. هذا التوجه شاركته فيه العديد من أجهزة الاستخبارات الأوروبية التي ظلت متشككة في نوايا موسكو، معتبرةً تهديدات بوتين مجرد وسيلة للابتزاز السياسي الرامي لتحقيق مكاسب دبلوماسية، وليست استعداداً حقيقياً للحرب.

في ألمانيا، على سبيل المثال، فسر جهاز الاستخبارات الألماني حشد القوات الروسية على أنه تكتيك ضغط نفسي محض. هذا التباين في القراءات الاستخباراتية وضع صانع القرار الغربي في حالة من الارتباك، حيث طغت فرضية “المناورة السياسية” على “الحقيقة العسكرية” المتمثلة في الحشود الميدانية.

ماذا دار في كواليس اللقاء الأخير بين “بيرنز” وبوتين؟

تعد زيارة مدير وكالة المخابرات المركزية، ويليام بيرنز، إلى موسكو في نوفمبر 2021 لحظة فاصلة في تاريخ التنبؤ بهذه الحرب. بيرنز، الذي تحدث هاتفياً مع بوتين (الذي كان معزولاً آنذاك بسبب جائحة كورونا)، واجهه صراحة بالمعلومات الأمريكية: “نحن نعلم أنك ستهاجم أوكرانيا“. كان رد بوتين غامضاً وتقريرياً، حيث ادعى أن التهديد الحقيقي ينبع من السفن الحربية الأمريكية قبالة السواحل الروسية. ومع ذلك، خرج بيرنز من ذلك اللقاء بقناعة تامة أبلغها للرئيس بايدن: “نعم، سيفعلها.. سيهاجم أوكرانيا”. هذه اللحظة أكدت أن الفجوة بين المعلومات الاستخباراتية واليقين السياسي قد بدأت تضيق، ولكن فقط لدى الجانب الأمريكي والبريطاني.

لماذا اعتبرت الاستخبارات الأوروبية بوتين “عقلانياً” أكثر من اللازم؟

في نوفمبر 2021، عرضت أفريل هاينز، مديرة الاستخبارات الوطنية الأمريكية، نتائج التحقيقات في اجتماع للناتو ببروكسل، مدعومة برئيس الاستخبارات البريطانية ريتشارد مور. ومع ذلك، واجهت هاينز جداراً من التشكيك الأوروبي. التقارير تشير إلى أن أحد وزراء الخارجية الأوروبيين واجه أنتوني بلينكن بتجربة العراق عام 2003، قائلاً: “حينها صدقتكم، أما اليوم فأنا أكثر حذراً”، في إشارة إلى الأدلة الملفقة حول أسلحة الدمار الشامل التي استخدمتها واشنطن ذريعة لغزو العراق.

كان لدى الاستخبارات الأمريكية والبريطانية أدلة لا تقبل التأويل: صور أقمار صناعية، اتصالات لاسلكية معترضة، وخطط مفصلة لتنصيب نظام عميل في كييف، بل وقوائم بأهداف محددة. لكن العقلية الاستخباراتية الأوروبية سقطت في فخ “القياس على الذات”، حيث اعتبروا بوتين عقلانياً بما يكفي لعدم المخاطرة بحرب مدمرة. وكما قال السفير الفرنسي في كييف، إتيان دي بونسين: “كانت لدينا البيانات نفسها، لكن تقييمنا لما يدور في عهد بوتين كان مختلفاً“.

لماذا تأخرت استعدادات أوكرانيا حتى شهر واحد من الحرب؟

حتى الحكومة الأوكرانية، بقيادة فولوديمير زيلينسكي، رفضت لفترة طويلة الاعتراف بقرب الحرب، خوفاً من أن تؤدي التحذيرات العلنية إلى إثارة الذعر وزعزعة استقرار الاقتصاد المتداعي. وفي خريف عام 2021، حاول وزير الدفاع السابق أوليكسي ريزنيكوف إقناع واشنطن ببيع أسلحة دفاعية، لكن طلبه قوبل بالرفض. يصف ريزنيكوف تلك المرحلة بتشبيه قاسٍ: “إذا كنت مصاباً بالسرطان ولم يتبقَ لك سوى ثلاثة أيام، فستحصل على التعاطف، وليس على دواء باهظ الثمن”. وحتى يناير 2022، كانت كييف تصر على أن الوضع تحت السيطرة، بينما كان مسؤولو الاستخبارات الأمريكية يسألون نظراءهم الأوكرانيين في كل اجتماع: “أين ستجلي رئيسك؟ وما هي خطتك البديلة؟”. لم تبدأ المخابرات العسكرية الأوكرانية بوضع خطط طوارئ سرية إلا قبل شهر واحد من الغزو، حيث استأجر العملاء منازل آمنة وسحبوا مبالغ نقدية ضخمة.

كيف تحول الفشل الاستخباراتي إلى نقطة تحول في العقيدة الأمنية؟

عندما بدأ الهجوم فعلياً في 24 فبراير 2022، ثبتت صحة التوقعات الأمريكية والبريطانية بشأن “وقوع” الحرب، لكنهما ارتكبتا أخطاء فادحة في “تقدير القوة”. لقد بالغ المحللون في تقدير كفاءة الجيش الروسي، وفي المقابل قللوا بشكل كبير من شأن صمود الجيش الأوكراني وقدرته على المقاومة. يقول المحلل مايكل كوفمان: “لقد بالغنا في تقدير قيادة الجيش الروسي، وقللنا من شأن قيادة الجيش الأوكراني“.

بالنسبة للأجهزة الأوروبية، شكل هذا الإخفاق نقطة تحول كبرى في آلية عملها. الاعتراف بـ “الفشل الذريع” دفع هذه الأجهزة إلى إعادة النظر في كيفية التنبؤ بالتحولات الجذرية. ويرى المؤرخ البريطاني هيو ديلان أن المحللين واجهوا صعوبة في توقع أحداث تكسر سياق الماضي. والنتيجة اليوم، كما صرح مسؤول ألماني، هي ضرورة التخلي عن الرهان على “عقلانية الخصم” والعمل بشكل مكثف على السيناريوهات القصوى التي كانت تسمى سابقاً متطرفة لضمان عدم تكرار المفاجأة الاستراتيجية.

النتائج

ـ  تتصاعد الخلافات الاستخباراتية والأمنية داخل الاتحاد الأوروبي حول أمد دعم أوكرانيا، ما يزيد الضغوط على بروكسل في لحظة تعيد فيها صياغة عقيدتها الأمنية بعيداً عن “فرضية العقلانية” الروسية، ومن المتوقع أن تسعى المؤسسات الأمنية الأوروبية لتوحيد قنوات تبادل المعلومات لتقليل فجوات التقدير التي ظهرت قبل فبراير 2022، وطمأنة الدول القلقة من توسع رقعة الصراع.

ـ  تترقب الأوساط الاستخباراتية الأوروبية نتائج العمليات الميدانية والضغوط السياسية الداخلية في المجر وسلوفاكيا، ففي حالة حدوث تغيير في التوجهات السياسية لهذه الدول، سيصبح الاتحاد الأوروبي أمام فرصة حقيقية لترميم تماسك المنظومة الأمنية المشتركة، خاصة وأن تباين المواقف الحالية يمثل ثغرة قد تستغلها موسكو لتعزيز اختراقاتها المعلوماتية داخل التكتل.

ـ من المحتمل أن يظل ملف إعادة تقييم القوة العسكرية الروسية ملفاً شائكاً بين أجهزة الاستخبارات الغربية، ولكن ربما تفرض معطيات الحرب الطويلة والضغوط الاقتصادية على أوروبا الاتجاه نحو تبني “استراتيجية الردع الاستباقي” وفقاً للرؤية البريطانية-الأمريكية، والتي تحاول موازنة الضغط العسكري مع الشفافية الاستخباراتية العلنية لإحباط مخططات موسكو قبل تنفيذها.

ـ  من المرجح أن تظهر مخاوف جدية بشأن استقلالية القرار الأمني الفرنسي والألماني تجاه روسيا، خاصة في ظل محاولات باريس وبرلين استعادة دور “الوسيط التاريخي” في توقيت تتعثر فيه حزم الدعم العسكري النوعي لأوكرانيا، ما قد يمثل إشارة لعودة النهج الذي يعطي الأولوية للتهدئة على حساب الحسم الاستراتيجي، الأمر الذي قد يهدد تماسك حلف الناتو ويؤدي لتآكل الثقة بين حلفاء “الجبهة الشرقية”.

رابط مختصر.. https://www.europarabct.com/?p=115352

*حقوق النشر محفوظة إلى المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والاستخبارات 

الإشتراك في نشرتنا الإخبارية المجانية

 

تابعنا على تويتر

تابعنا على فيسبوك

استطلاع رأي

هل المركز مصدر موثوق في البحث ؟

جاري التحميل ... جاري التحميل ...