الإشتراك في نشرتنا الإخبارية المجانية

 

تابعنا على تويتر

تابعنا على فيسبوك

آخر المشاركات التلفزيونية

استطلاع رأي

هل المركز مصدر موثوق في البحث ؟

جاري التحميل ... جاري التحميل ...

أمن دولي ـ فنزويلا، الضربة الأميركية وأبعادها الدولية، ماذا بعد مثول مادورو أمام محكمة نيويورك؟

يناير 05, 2026

المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والاستخبارات، ألمانيا وهولندا  ECCI، وحدة الدراسات والتقارير “1”

أمن دولي ـ فنزويلا، الضربة الأميركية وأبعادها الإقليمية والدولية

في عالم أحادي القطب بعد انهيار الاتحاد السوفيتي، برزت الولايات المتحدة كقوة عظمى وحيدة تهيمن على النظام الدولي سياسياً وعسكرياً واقتصادياً، وتفرض قواعد اللعبة على المستوى العالمي. هيمنة واشنطن لم تقتصر على القوة العسكرية وحسب، بل شملت التأثير الدبلوماسي، الهيمنة على المؤسسات المالية الدولية، وسلطة تحديد أطر التجارة والاستثمار، ما جعل الدول الأخرى إما تتكيف مع سياساتها أو تواجه مخاطر اقتصادية وسياسية.

في هذا السياق، أصبح استخدام القوة العسكرية أو التهديد بها أداة أساسية لإرساء النفوذ، كما في أميركا اللاتينية والشرق الأوسط، بينما تُوظف الدبلوماسية والضغوط الاقتصادية لإعادة تشكيل الحكومات أو الاقتصادات بما يتوافق مع المصالح الأميركية. هذا الواقع أحادي القطب أبرز التباين بين قدرة واشنطن على توجيه السياسات الدولية وبين محدودية قدرة باقي القوى على معارضة تحركاتها، ما جعل الهيمنة الأميركية سمة مهيمنة للنظام الدولي في العقود الأخيرة. الولايات المتحدة الأمريكية:

الولايات المتحدة وفنزويلا: أهمية استراتيجية

تُعتبرفنزويلا وأميركا اللاتينية ذات أهمية استراتيجية محورية للولايات المتحدة، لكونهما تقعان ضمن ما يُعرف تاريخيا بـ“المجال الحيوي الأميركي”، حيث ترى واشنطن أن أي نفوذ لقوى دولية منافسة في هذه المنطقة يشكل تهديدًا مباشرا لأمنها القومي. وتكتسب فنزويلا أهمية خاصة باعتبارها تمتلك أكبر احتياطي نفطي مؤكد في العالم، فضلا عن موقعها الجغرافي القريب من السواحل الأميركية، ما يجعل استقرارها السياسي واتجاهاتها الاستراتيجية عاملًا مؤثرا في أمن الطاقة الأميركي والإقليمي. أما على المستوى الأوسع، فتمثل أميركا اللاتينية عمقًا اقتصاديا وأمنيا للولايات المتحدة، وسوقا حيويا، ومنطقة عازلة في قضايا الهجرة غير النظامية، والجريمة المنظمة، وتهريب المخدرات. كما تسعى واشنطن إلى منع تحول دول المنطقة إلى منصات نفوذ لروسيا والصين وإيران، الأمر الذي يفسر حرصها المستمر على الحفاظ على تفوقها السياسي والعسكري والاقتصادي في نصف الكرة الغربي.

“عقيدة مونرو” إلى “عقيدة دونرو” ـ جزء من إستراتيجية أميركا

شرح ترامب أن هذه العملية التي نفذتها قواته في العاصمة الفنزويلية كراكاس، تندرج في إطار إحياء لما يعرف بـ”عقيدة مونرو”، وهو مبدأ في السياسة الأمريكية نشأ قبل أكثر من قرن، ومفاده أن أمريكا اللاتينية ينبغي أن تكون منطقة نفوذ للولايات المتحدة محظورة على القوى الأجنبية. وقال عن عملية كراكاس “أصبحنا الآن نسمّيها عقيدة +دونرو+”، وهي كلمة مركبة تجمع الأحرف الثلاثة الأولى من اسمه الأول “دون” مع الجزء الأخير “رو” من اسم شهرة سلَفه البعيد جيمس مونرو. وأضاف بفخر “إن عقيدة مونرو مهمة جداً، لكننا تجاوزناها إلى حد بعيد”. وتابع موضحاً “في إطار استراتيجيتنا الجديدة للأمن القومي، لن تُمَسَّ بعد الآن السيطرة الأمريكية في النصف الغربي من الكرة الأرضية”. وفي إطار ما وصفته “استراتيجية الأمن القومي” الجديدة بـ”ملحق ترامب” لمبدأ مونرو، أشارت إلى أن الولايات المتحدة ستسعى للوصول إلى موارد ومواقع استراتيجية في أميركا اللاتينية لضمان أن تكون دول المنطقة “مستقرة ومحكومة جيداً بما يكفي لمنع الهجرة الجماعية إلى الولايات المتحدة والثني عنها”.

الخلفية التاريخية للتدخلات الأميركية، التجارب السابقة خارج القانون الدولي

تُظهر التجربة التاريخية أن الولايات المتحدة استخدمت القوة العسكرية خارج إطار الشرعية الدولية في عدة حالات، إما من دون تفويض من مجلس الأمن أو بتأويلات قانونية موسّعة لمفهوم الدفاع عن النفس أو التدخل الإنساني، ما جعل هذه التدخلات محل إدانة أممية وجدال قانوني واسع.

بنما 1990 : اعتقال الرئيس البنمي مانويل نورييغا ونقله إلى الولايات المتحدة لمحاكمته، خطوة وُصفت دوليًا بأنها انتهاك لسيادة الدولة وخروج عن قواعد القانون الدولي.

غرينادا 1983 : تدخل عسكري لإسقاط حكومة يسارية بحجة حماية الطلاب الأميركيين، واعتُبر تدخلًا غير قانوني في شؤون دولة ذات سيادة.

تشيلي 1973 : دعم انقلاب بينوشيه، ما شكل تدخلًا في السياسة الداخلية.

نيكاراغوا 1986 : دعم عسكري للكونترا، وأدانت محكمة العدل الدولية الولايات المتحدة. الاستخبارات ـ إلى أي مدى تهدد سياسات ترامب تماسك التعاون عبر الأطلسي؟

الضربة الأميركية على فنزويلا (03 يناير 2026) ـ دوافع التدخل

أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترامب تنفيذ ضربة واسعة النطاق ضد فنزويلا، نتج عنها اعتقال الرئيس نيكولاس مادورو وزوجته ونقلهما خارج البلاد. في جوهره، يُنظر إلى التدخل الأميركي على أنه يهدف إلى إعادة تشكيل البيئة السياسية في دولة تمتلك أكبر احتياطي نفطي مؤكد في العالم، وتقليص نفوذ خصوم واشنطن (روسيا، الصين، إيران) في أميركا اللاتينية، وضمان عدم تحوّل فنزويلا إلى منصة معادية للمصالح الأميركية في المجال الحيوي التقليدي للولايات المتحدة. وعليه، فإن السيطرة غير المباشرة على الموارد، عبر تغيير النظام أو فرض سلطة سياسية موالية تفتح قطاع الطاقة أمام الشركات الغربية، تبدو دافعًا أكثر عمقًا واستدامة من خطاب مكافحة المخدرات، الذي غالبًا ما يُستخدم كغطاء قانوني ـ سياسي لتبرير التدخل أمام الرأي العام الداخلي والدولي. الولايات المتحدة الأمريكية

تقدير موقف استخباراتي ـ المصادر البشرية المقربة من مادورو

اختراق الدائرة المقربة من نيكولاس مادورو والاستعداد للعملية الأمريكية، تفيد معطيات استخباراتية من مصادر موثوقة بامتلاك وكالة استخبارات غربية أصلا بشريا عالي القيمة داخل الدائرة المقربة من الرئيس الفنزويلي مادورو، كان مكلفًا بمهمة دقيقة تتمثل في مراقبة تحركاته وتحديد موقعه الجغرافي بدقة عند الطلب. ويُشير هذا المستوى من الاختراق إلى نجاح طويل الأمد في عمليات التجنيد والاستخدام، ما يعكس هشاشة نسبية في منظومة الأمن الرئاسي الفنزويلي، أو وجود تململ داخلي داخل النخب المحيطة بمادورو. ووفق التقدير، فإن دمج المعلومات البشرية الواردة من هذا العميل مع قدرات الاستطلاع التقني والفضائي يضع العملية ضمن إطار الجاهزية التنفيذية المتقدمة، وليس مجرد جمع معلومات أو ضغط نفسي. في هذا السياق، يُفهم منح الرئيس الأمريكي ترامب الضوء الأخضر لبدء العملية قبل أربعة أيام بوصفه انتقالًا من مرحلة الردع السياسي إلى مرحلة الخيار العسكري المحدود أو العملية الخاصة.

غير أن توصية القيادات العسكرية والاستخباراتية بتأجيل التنفيذ لأسباب تتعلق بالطقس، لا سيما الغطاء السحابي، تعكس اعتماد الخطة بشكل كبير على عناصر التفوق الجوي، ودقة الاستهداف، وربما استخدام منصات مراقبة أو ضربات دقيقة تتطلب ظروف رؤية مثالية. كما يكشف هذا التأجيل عن توازن دقيق بين القرار السياسي والاعتبارات العملياتية، حيث فضلت المؤسسات الأمنية تقليل هامش الفشل وتداعياته الاستراتيجية والإعلامية. أفاد مصدرموثوق لوكالات الأنباء بأن وكالة المخابرات كان لديها أيضا عميل مقرب من مادورو مكلف بمراقبة تحركاته، وكان مستعدا لتحديد موقعه بدقة مع تطور مجريات العملية. وبعد اكتمال جميع الترتيبات اللازمة، أعطى ترامب الضوء الأخضر للبدء في العملية قبل أربعة أيام لكن المسؤولين عن التخطيط العسكري والمخابراتي اقترحوا ⁠عليه التمهل لحين تحسن أوضاع الطقس وانحسار السحب.

ردود الفعل الدولية والأوروبية

ردود الفعل الدولية والأوروبية تجاه الضربة الأميركية على فنزويلا تراوحت بين الإدانات الحذرة والدعم المشروط، مع تعبير العديد من الدول عن قلقها من تداعيات هذا التحرك على الاستقرار الإقليمي. في أوروبا، أعربت دول مثل فرنسا عن استيائها من استخدام القوة العسكرية خارج إطار الشرعية الدولية، مشددة على أهمية حل سياسي تفاوضي يراعي سيادة فنزويلا ويجنب المنطقة تصاعد العنف أو موجات هجرة جديدة. في المقابل، دعمت بعض الدول الأوروبية الغربية الحلفاء التقليديين لواشنطن، موقفها في إطار محاربة النفوذ الروسي والإيراني في نصف الكرة الغربي، مع التأكيد على ضرورة حماية المدنيين وضمان الوصول الإنساني للمواد الغذائية والدوائية.

رد فعل ألمانيا : اتهمت رئيسة حزب الخضر الألماني فرانتسيسكا برانتنر إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب بممارسة “الإمبريالية الصريحة” عقب الهجوم على فنزويلا، معتبرة أن تهديد بلد عسكريا دون أي شرعية قانونية، والتصريح بأن الهدف هو الاستيلاء على موارده النفطية، يمثل أوضح صور الإمبريالية. وقالت برانتنر في تصريحات لوسائل إعلام ألمانية يوم الخامس من يناير 2026  “لا شك أن نيكولاس مادورو طاغية، لكن تهديد بلد عسكريا دون أي شرعية تستند إلى القانون الدولي، والتصريح علنا بأن الهدف هو الاستيلاء على موارده النفطية، يمثل إمبريالية صريحة”. ودعت برانتنر أوروبا إلى الرد على تهديدات واشنطن وإظهار القوة، محذرة من أن “من يتصرف بضعف أمام ترامب سيسحق، ومن يظهر قوة سيحترم”، وانتقدت المستشار الألماني فريدريش ميرتس لتجنبه المواجهة بشأن فنزويلا، مؤكدة أن التجربة تثبت أن ترامب لا يستجيب إلا للحزم

ورفض وزير الخارجية الألماني يوهان فاديفول الانطباع القائل إن الحكومة الألمانية تتجنب توجيه انتقادات حادة لإجراءات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في فنزويلا، خشية إغضاب أهم شريك في مفاوضات أوكرانيا. وخلال مؤتمر صحفي مشترك مع نظيره الليتواني كيستوتيس بودريس، قال فاديفول في العاصمة الليتوانية فيلنيوس يوم الخامس من يناير 2026:” نحن لا نتحاشى أي جانب هنا، لكن عليّ أيضًا أن أشير إلى أنه يجب علينا النظر إلى الصورة الأكبر”.

وفي الوقت نفسه، دعت الحكومة الألمانية واشنطن والدول المعنية إلى ضمان وصول المساعدات الإنسانية للمدنيين الفنزويليين، مع التركيز على أهمية حماية حقوق الإنسان والحفاظ على المؤسسات الديمقراطية. وقد جسدت تصريحات المسؤولين الألمان مزيجًا من الحذر الدبلوماسي والتمسك بالقانون الدولي، مع محاولة الحفاظ على توازن العلاقات مع الولايات المتحدة دون التغاضي عن المبدأ الأوروبي في احترام سيادة الدول ورفض التدخل العسكري الأحادي. الاستخبارات الأمريكية في عهد الرئيس ترامب والدولة العميقة . ملف

جزيرة غرينلاند : وقالت مديرة مركز الأبحاث والتحليل العسكري “ديفنس برايورتيز” جنيفر كافانا “لن تجد الولايات المتحدة صعوبة كبيرة في أن ترسل بضع مئات أو بضعة آلاف من العسكريين إلى غرينلاند، ولا أرى من يمكنه الاعتراض على ذلك”. ولاحظت كافانا أن العملية في فنزويلا “تطرح سؤالاً مفاده: إذا كان بوسع الولايات المتحدة أن تعلن أن مسؤولاً ما لا يتمتع بالشرعية، وأن تطيح به وتحكم بلده، فماذا يمنع دولا أخرى من أن تفعل الأمر نفسه؟”.

روسيا والصين

عبرت روسيا والصين بنبرة حذرة بالرفض الرسمي للضربة الأميركية على فنزويلا، معتبرتين أنها انتهاك مباشر للسيادة الوطنية وتهديد للاستقرار الإقليمي. من جانبها، أكدت روسيا أن هذا التدخل يُظهر رغبة واشنطن في تحجيم نفوذ موسكو في أميركا اللاتينية وقطع أي قنوات تعاون استراتيجي محتملة، فيما شددت الصين على أن الحفاظ على استقرار فنزويلا أمر حيوي لاستثماراتها في الطاقة والبنية التحتية، داعية إلى حل سياسي وسلمي للأزمة بعيدًا عن التدخل العسكري. ومع ذلك، اعتمدت كلتا الدولتين على لهجة دبلوماسية متزنة، متجنبتين المواجهة المباشرة مع الولايات المتحدة، بل ركزتا على التأكيد على مبادئ القانون الدولي واحترام سيادة الدول، مع التلميح إلى أن أي محاولات لتوسيع النفوذ الغربي في المنطقة قد تستدعي إعادة النظر في التحالفات الاقتصادية والسياسية القائمة.

ردود فعل دول أمريكا اللاتينية تجاه الضربة الأميركية على فنزويلا كانت متفاوتة وتعكس تباين المصالح والتحالفات في المنطقة. فقد اتسم موقف دول مثل البرازيل وكولومبيا بالحذر، حيث أعربت البرازيل عن عدم ترحيبها بالتدخل العسكري الأميركي معتبرة أنه قد يزيد من توتر الأوضاع الإقليمية، بينما أبدت كولومبيا دعمًا محدودًا للخطوات الأميركية ضمن إطار محاربة النفوذ الفنزويلي المناهض لها. في المقابل، اتسم موقف دول مثل الأرجنتين وشيلي والمكسيك بالامتناع عن أي تحدٍ مباشر للولايات المتحدة، مع التأكيد على أهمية حل سياسي تفاوضي يحترم سيادة فنزويلا ويجنب تصاعد العنف أو موجات هجرة جديدة. كما عبّرت عدة حكومات أخرى عن قلقها من أن يؤدي هذا التدخل إلى إعادة رسم تحالفات القوة التقليدية في المنطقة، ما يبرز الحاجة إلى دبلوماسية متعددة الأطراف لمعالجة الأزمة والحفاظ على الاستقرار الإقليمي.  الاستخبارات الأمريكية خلال عهد ترامب، تغييرات مؤسسية وسياساتية

قوة دلتا الأمريكية

قوة دلتا الأمريكية، ، تُعد من أبرز وحدات العمليات الخاصة في العالم، وتتميز بالقدرة على تنفيذ مهام حساسة ومعقدة تتراوح بين مكافحة الإرهاب، تحرير الرهائن، واستهداف قيادات معادية أو شبكات إجرامية دولية. تأسست القوة في الثمانينيات ضمن الجيش الأميركي، وتم تدريبها على أعلى مستويات الكفاءة البدنية والاستخباراتية، مع قدرات متقدمة في التخفي، الاقتحام، والعمليات الدقيقة. شاركت دلتا في العديد من العمليات الشهيرة عالميًا، من بينها إنقاذ الرهائن في إيران (1980)، ضربات ضد تنظيم القاعدة وطالبان في أفغانستان، تنفيذ عمليات مكافحة الإرهاب في العراق وسوريا، واستهداف قادة جماعات إرهابية في أفريقيا وآسيا. وتعد القوة أداة استراتيجية للولايات المتحدة، حيث تستخدمها واشنطن للقيام بعمليات خارج الحدود بفعالية عالية ودقة متناهية، غالبًا مع سرية كبيرة تفوق الوحدات التقليدية، ما يجعلها رمزًا للقدرة الأميركية على تنفيذ مهام حيوية في بيئات خطرة ومعقدة.

شعبية مادورو

تراجعت شعبية نيكولاس مادورو بشكل ملحوظ في الشارع الفنزويلي خلال السنوات الأخيرة بفعل الانهيار الاقتصادي الحاد، والتضخم، ونقص الغذاء والدواء، ما أدى إلى تآكل القاعدة الاجتماعية التقليدية للنظام، خاصة في المدن الكبرى والطبقة الوسطى. ومع ذلك، لا تزال شرعية مادورو داخل المؤسسة العسكرية أقوى نسبيًا، إذ يعتمد النظام على شبكة ولاءات داخل الجيش والأجهزة الأمنية، قائمة على الامتيازات الاقتصادية والسيطرة على قطاعات حيوية، إضافة إلى الخوف من الملاحقة في حال سقوط النظام. هذا التباين بين ضعف التأييد الشعبي واستمرار التماسك النسبي داخل الجيش يفسر قدرة مادورو على البقاء في السلطة، ويجعل موقف القوات المسلحة عامل الحسم الأساسي في أي سيناريو تغيير سياسي أو تدخل خارجي.

المعارضة الفنزويلية

تعاني المعارضة من تشتت وانقسامات عميقة بين أجنحتها، ما يضعف قدرتها على تحدي النظام رغم الاستياء الشعبي الواسع. تفتقر المعارضة إلى السيطرة على المؤسسات الأمنية والجيش، بينما قياداتها غالبًا ما تواجه الملاحقة والمنع من ممارسة النشاط السياسي بحرية، إضافة إلى قيود على الإعلام والحريات العامة. ومع ذلك، تمتلك شبكات واسعة من الدعم المدني والإعلامي، وقدرتها على التعبئة الشعبية تظل قائمة، خصوصًا في المدن الكبرى والمناطق المتضررة اقتصاديًا، مع الاعتماد على الضغط السياسي والدبلوماسي الدولي كأداة أساسية. أمن دولي ـ هل بدأ غزو فنزويلا؟

المعارضة الفنزويلية تضم مجموعة من الشخصيات والأحزاب التي تشكل التحدي السياسي الرئيس لنظام نيكولاس مادورو، رغم الانقسامات الداخلية والتحديات القانونية والسياسية. من أبرز قياداتها خوان غوايدو، الذي أعلن نفسه رئيسًا مؤقتًا للبلاد في 2019 وحظي بدعم دولي واسع، وليو بويديتش من حزب «Acción Democrática»، وهنري راموس أليخو زعيم حزب «Primero Justicia»، وماريا كورينا ماتشادو التي برزت كقوة مؤثرة في النشاط السياسي والإعلامي، إضافة إلى شخصيات مثل ديونيسيو ديلغادو وأوليسيس مونتيس الذين يمثلون أجنحة مختلفة للمعارضة داخل البرلمان والخارج. ورغم تشتت هذه الأسماء واختلاف استراتيجياتها بين الضغط الشعبي والدبلوماسي الدولي، تظل المعارضة قوة مركزية في المشهد الفنزويلي، قادرة على التعبئة المدنية والضغط السياسي، خاصة في المدن الكبرى والمناطق الأكثر تضررًا اقتصاديًا.

ماريا كورينا ماتشادو

أبرز شخصية من المعارضة الفنزويلية التي فازت بجائزة نوبل هي ماريا كورينا ماتشادو، زعيمة المعارضة البارزة في فنزويلا، والتي حازت جائزة نوبل للسلام لعام 2025 تقديرًا لـ»عملها الدؤوب في تعزيز الحقوق الديمقراطية والسعي نحو انتقال سلمي من النظام القائم إلى نظام ديمقراطي« في بلد تعصف به أزمة سياسية واجتماعية عميقة. ماتشادو، التي كانت مرشحة قوية للانتخابات الرئاسية قبل أن تُمنع من الترشح ويُضطر كثير من أنصارها للنفي أو الاختفاء بسبب القمع، تُعد رمزًا للمقاومة المدنية في مواجهة القمع والتضييق، وقد اعتُبرت أصواتها ودورها في توحيد المعارضة نقطة محورية في مساعي تغيير المشهد السياسي في فنزويلا.

السيناريوهات المستقبلية بعد الضربة الأميركية

في أعقاب الضربة الأميركية على فنزويلا واعتقال الرئيس نيكولاس مادورو، يواجه النظام الفنزويلي مرحلة حرجة من عدم الاستقرار، مع احتمالات متفاوتة لتطور الأحداث. السيناريو الأكثر ترجيحًا يتمثل في التغيير الداخلي للنظام، حيث قد يؤدي الانقسام داخل النخبة الحاكمة أو في صفوف المؤسسة العسكرية إلى فتح قنوات تفاوض مع واشنطن، مقابل ضمانات سياسية واقتصادية. هذا التحول الداخلي لن يكون بالضرورة انقلابًا دمويًا، بل عملية تدريجية لإعادة ترتيب الولاءات وتقليل الاحتقان، مع استمرار عناصر السلطة التقليدية في محاولة حماية مصالحها.

في الوقت نفسه، يظل سيناريو “اللاحرب واللاسلم” قائمًا، إذ يمكن أن يستمر النظام في السلطة رغم الضغوط الدولية، مع حالة دائمة من التوتر والعزلة، ما يجعل فنزويلا مسرحًا للرسائل الاستراتيجية. تستخدم الضربة كأداة ردع لإعادة تشكيل موازين القوى داخليًا، وإرسال إشارات واضحة لكل من الجيش والشعب والمعارضة بأن أي تحول يجب أن يتم ضمن حدود محددة، وبوجود ضغوط اقتصادية وسياسية مستمرة. في هذا السياق، ستلعب الدبلوماسية الأميركية والتحالفات الإقليمية دورًا مركزيًا في توجيه الأحداث، سواء لدفع التغيير التدريجي أو لمنع انهيار كامل للنظام يؤدي إلى فراغ أمني وسياسي في قلب أميركا اللاتينية.

انعكاسات على روسيا والصين وإيران

يمثل الهجوم الأميركي ضربة مباشرة لمصالح هذه الدول في أميركا اللاتينية، ويُرسل رسالة استراتيجية أن واشنطن مستعدة لاستخدام القوة لمنع خصومها من ترسيخ نفوذهم. بالنسبة لروسيا، يُضعف التدخل مواقع حضورها السياسي والعسكري ويحفز ردودًا غير مباشرة في ساحات أخرى. أما الصين، فتواجه تهديدًا مباشرًا لاستثماراتها في الطاقة والبنية التحتية. وتعتبر إيران الاستهداف سابقة خطيرة، ما يدفعها لتعزيز أدوات الردع غير المتماثل وتوسيع شبكات النفوذ والضغط السياسي خارج الشرق الأوسط.

انعكاسات على دول أميركا الجنوبية

يرسل الهجوم رسائل قوية لدول الجوار، مفادها استعداد واشنطن لاستخدام القوة لحماية مصالحها الاستراتيجية والنفطية. قد تتخذ دول مثل كولومبيا والبرازيل مواقف داعمة أو متشددة، بينما تزيد دول أخرى الحذر والامتناع عن أي تحدٍ مباشر. كما يعيد الحدث رسم حسابات الأمن الإقليمي ويعزز دور واشنطن كضامن للنظام الإقليمي وفق منظورها الاستراتيجي. تنظر إدارة ترامب المحتملة إلى فنزويلا ليس فقط كدولة فاشلة أو نظام معاد، بل كمنصة نفوذ روسية ـ صينية ـ إيرانية في أمريكا اللاتينية. ولذلك، من المتوقع أن تعود سياسة الضغط الأقصى ولكن بصيغة أكثر مباشرة، تشمل: تشديد العقوبات النفطية والمالية مع تقليص الاستثناءات الإنسانية، استهداف الشبكات الاقتصادية والعسكرية المرتبطة بالنظام الفنزويلي في كوبا ونيكاراغوا، دعم قوى المعارضة سياسيا وأمنيا، ولكن دون الرهان مجددا على سيناريو الرئيس البديل كما جرى مع خوان غوايدو، بعد فشل التجربة السابقة. الهدف الأساسي في هذه المرحلة لن يكون إسقاط النظام بقدر ما سيكون تحجيمه ومنعه من لعب دور إقليمي مقلق لواشنطن.

التصعيد الأميركي تجاه فنزويلا ستكون له انعكاسات مباشرة على الإقليم، أبرزها: كولومبيا والبرازيل:  تعزيز التعاون الأمني والاستخباراتي، وتحويلهما إلى ركيزتين لسياسة الاحتواء الأميركية. كوبا ونيكاراغوا : تصعيد الضغوط السياسية والاقتصادية، باعتبارهما امتدادًا استراتيجيًا لمحور كاراكاس. المكسيك:  ربط ملف الهجرة غير الشرعية بالاستقرار السياسي في فنزويلا، واستخدامه كورقة تفاوض وضغط مزدوجة.

دور مجلس الأمن والشرعية الدولية

وفق ميثاق الأمم المتحدة، يتمتع مجلس الأمن بصلاحيات إصدار قرارات لوقف الأعمال العدائية أو تكليف بعثات مراقبة ودبلوماسية. لكن عمليًا، قدرة المجلس محدودة بسبب حق النقض للأعضاء الدائمين، خصوصًا الولايات المتحدة، ما يجعل أي قرار صارم ضد واشنطن صعبًا أو مستحيلاً، ويقتصر دور المجلس غالبًا على إدانات رمزية أو بيانات سياسية، بينما تبقى إدارة الأزمة الفعلية مرتبطة بالدبلوماسية الثنائية والتحالفات الإقليمية.

وأشار باحثون إلى المادة الثانية، الفقرة الرابعة، من الميثاق، للقول إن أفعال الولايات المتحدة انتهكت القانون الدولي. وتنص هذه الفقرة على أنه “يمتنع أعضاء الهيئة جميعاً في علاقاتهم الدولية عن التهديد باستعمال القوة أو استخدامها ضد سلامة الأراضي أو الاستقلال السياسي لأية دولة أو على أي وجه آخر لا يتفق ومقاصد الأمم المتحدة”. وقال ماركو ميلانوفيتش، مدير قسم القانون الدولي في جامعة ريدينغ في المملكة المتحدة: “كان ذلك استعمالًا للقوة”. وأضاف: “إذا أرسلت 150 طائرة إلى دولة أخرى، وإذا بدأت بقصف دفاعاتها الجوية، وإذا اختطفت رئيسها، وإذا قتلت عشرات الأشخاص، فهذا استعمال للقوة بالمعنى الوارد في المادة الثانية، الفقرة الرابعة”.

على الصعيد الدولي، أكدت الأمم المتحدة أن أي تدخل عسكري يجب أن يكون ضمن أطر القانون الدولي وقرارات مجلس الأمن، بينما عبرت دول أميركا اللاتينية عن مخاوفها من أن يؤدي هذا الحدث إلى تصعيد أمني وسياسي في المنطقة ويعيد رسم تحالفات القوة التقليدية بطريقة تضر بالاستقرار الإقليمي. ورأى الباحث في مركز “أتلانتيك كاونسل” ألكسندر غراي الذي كان عضواً في مجلس الأمن القومي خلال ولاية ترامب الأولى، أن هذه العملية تنذر في الحد الأدنى بنهج أمريكي أشد صرامة في أميركا اللاتينية. وأضاف “من الواضح جداً أن لا تساهُل بعد اليوم مع النوع ذاته من النفوذ المحدود للصين أو روسيا أو إيران الذي خبرناه خلال العقدين المنصرمين”.

اقتياد مادورو أمام المحكمة الأمريكية

إن انتقال ملاحقة مادورو من إطار الاتهام إلى الاعتقال والاقتِياد أمام محكمة أميركية، فإن ذلك يمثل سابقة  في تاريخ العلاقة بين واشنطن وأمريكا اللاتينية، وتحولًا جذريا في أدوات الردع الأميركية. هذا السيناريو يعني انهيار مظلة الحصانة السياسية ويبعث برسالة صادمة إلى الأنظمة المناهضة لواشنطن مفادها أن القضاء الأميركي بات جزءا مباشرا من أدوات الصراع الجيوسياسي. كما أن مثوله أمام القضاء الأميركي لن يقرأ كحدث قانوني بحت، بل كإعلان نهاية مرحلة وبداية إعادة هندسة التوازنات داخل فنزويلا، مع تداعيات إقليمية ودولية تتجاوز حدود الملف الفنزويلي ذاته. أثار مثول الرئيس الفنزويلي مادورو أمام محكمة أميركية في نيويورك جدلًا واسعًا على المستويين الإقليمي والدولي، لما يحمله هذا التطور من دلالات غير مسبوقة في تاريخ العلاقات الأميركية اللاتينية.

فانتقال مادورو من موقع المتهم الغيابي إلى قاعة القضاء الأميركي يعكس تصعيدًا نوعيًا في استخدام واشنطن للأدوات القضائية كجزء من استراتيجيتها للضغط وتفكيك شرعية الأنظمة المناوئة لها.هذه الخطوة، تتحول إلى رسالة سياسية موجهة لخصوم الولايات المتحدة، مفادها أن الحصانة السيادية لم تعد تشكل درعًا مانعًا أمام الملاحقة حين تُدرج القضايا ضمن إطار الأمن القومي الأميركي، مع ما يرافق ذلك من تداعيات محتملة على توازنات السلطة داخل فنزويلا وعلى المشهد الجيوسياسي في أمريكا اللاتينية ككل.

النتائج

ـ الهجوم الأميركي على فنزويلا يُعد مثالًا حيًا على استمرار الهيمنة الأميركية في عالم أحادي القطب، حيث تستخدم واشنطن القوة العسكرية والضغوط الاقتصادية والسياسية لإعادة تشكيل النظام الدولي وفق مصالحها. ويبرز الحدث مدى هشاشة الأنظمة التي تعتمد على الدعم العسكري الداخلي، كما يعكس أبعاد الصراع الاستراتيجي بين الولايات المتحدة وخصومها التقليديين في أميركا اللاتينية والعالم، مع رسائل قوية للدول المجاورة حول حدود النفوذ الأميركي وأهمية الحفاظ على استقرار المنطقة وفق الرؤية الأميركية.

ـ ما تقوم به الإدارة الأميركية تجاه فنزويلا لا يقتصر على الشعارات الرسمية المتعلقة بمحاربة المخدرات، بل يتجاوز ذلك ليعكس استراتيجية أوسع للتحكم في الموارد الحيوية وضمان الأمن القومي.

ـ فنزويلا تمتلك أكبر احتياطي نفطي مؤكد في العالم، ما يجعلها لاعبًا محوريًا في أسواق الطاقة، وسيطرة واشنطن على هذا القطاع، سواء بشكل مباشر أو غير مباشر عبر تغيير النظام، تعزز مصالحها الاقتصادية وتقلل من أي قدرة لدول منافسة على النفوذ في المنطقة.

ـ في الوقت نفسه، يُنظر إلى هذا التحرك كخطوة استباقية لإبعاد أي تهديد محتمل عن حدود الولايات المتحدة، خصوصًا في ضوء تقارب سياسات فنزويلا مع روسيا والصين وإيران، الذين يمثلون خصومًا إستراتيجيين لواشنطن على الساحة الدولية. لذلك، فإن الضربة الأميركية ليست مجرد حملة لمكافحة المخدرات، بل جزء من سياسة شاملة لإعادة رسم التوازن الإقليمي، وضمان أن المنطقة تظل ضمن دائرة النفوذ الأميركي، مع تحجيم أي محاولات للفنزيليين لتأسيس علاقات استراتيجية قد تتحدى الهيمنة الأميركية على نصف الكرة الغربي.

ـ يعكس المؤتمر الصحفي للرئيس الأميركي دونالد ترامب عقب اعتقال نيكولاس مادورو محاولة واضحة لإضفاء شرعية سياسية وأمنية على خطوة مثيرة للجدل قانونيًا ودوليًا، عبر ربطها بمفاهيم الأمن القومي ومكافحة التهديدات العابرة للحدود. الخطاب ركز على توصيف العملية بأنها محدودة ودقيقة، في مسعى لاحتواء المخاوف الدولية من الانزلاق إلى تدخل عسكري واسع، وفي الوقت ذاته توجيه رسالة ردع مباشرة لروسيا والصين وإيران بشأن حدود نفوذها في أميركا اللاتينية. استخدم ترامب لغة الانتقال السياسي والديمقراطية لتسويق التحرك خارجيًا، رغم أن جوهر الخطاب كشف عن أولوية المصالح الاستراتيجية، خاصة أمن الطاقة ومنع تشكل بيئة معادية قرب الحدود الأميركية. بهذا المعنى، لم يكن المؤتمر مجرد تبرير لعملية أمنية، بل جزءًا من إدارة الصراع سياسيًا وإعلاميًا، يهدف إلى ضبط ردود الفعل الدولية، وتهيئة الأرضية لمرحلة ضغط متعددة الأدوات على فنزويلا دون التورط في حرب مفتوحة.

ـ سوف تسعى بعض دول أمريكا الجنوبية إلى النأي بنفسها عن التصعيد، خشية زعزعة الاستقرار الداخلي وتفاقم موجات اللجوء. أن سياسة ترامب في أمريكا اللاتينية، وبالأخص تجاه فنزويلا، ستقوم على مزيج من الردع الصلب، والضغط الاقتصادي، والاستعراض العسكري المحدود، دون الانخراط في مشاريع تغيير أنظمة طويلة ومكلفة. الهدف ليس بناء نظام إقليمي جديد، بل منع الخصوم الدوليين من ملء الفراغ الأميركي وإعادة تثبيت الهيمنة الأميركية بأقل كلفة ممكنة.

ـ إن دمج المعلومات البشرية الواردة من العملاء ـ ذات قيمة عالية ـ على الأرض والمقربة من مودورو مع قدرات الاستطلاع التقني والفضائي يضع العملية ضمن إطار الجاهزية التنفيذية المتقدمة الحرفية. ويمكن القول ان التنسيق مابين قوات “دلتا” ووكالة الاستخبارات المركزية يعتبر عمل نوعي تعودنا عليه في مهام استخباراتية بحتة تم تنفيذها سابقا.

رابط مختصر.. https://www.europarabct.com/?p=113122

*حقوق النشر محفوظة إلى المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الارهاب والاستخبارات ـ ألمانيا وهولندا ECCI

الإشتراك في نشرتنا الإخبارية المجانية

 

تابعنا على تويتر

تابعنا على فيسبوك

استطلاع رأي

هل المركز مصدر موثوق في البحث ؟

جاري التحميل ... جاري التحميل ...