المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والاستخبارات، ألمانيا وهولندا ECCI
أمن دولي ـ عودة إيران إلى المفاوضات مع “الترويكا” الأوروبية، مناورة تكتيكية أم تحول استراتيجي؟ ملف
نسخة PDF ملف عودة إيران إلى المفاوضات مع الترويكا الأوروبية، مناورة تكتيكية أم تحول استراتيجي؟
أبرز القضايا التي تناولها الملف :
- عودة المفاوضات: إيران والترويكا الأوروبية (ألمانيا، فرنسا، بريطانيا) اتفقت في أغسطس 2025 على استئناف الحوار حول البرنامج النووي والعقوبات، بعد أشهر من التوتر إثر الضربات الأميركية–الإسرائيلية على منشآت نووية إيرانية.
- الدوافع الإيرانية: العودة تبدو خطوة تكتيكية أكثر من استراتيجية، تهدف إلى كسب الوقت وتجنب تفعيل آلية سناب باك التي تنتهي في أكتوبر 2025، مع الاستمرار في تخصيب اليورانيوم بنسبة 60%.
- الموقف الأوروبي: الترويكا تنسق بشكل وثيق مع واشنطن، وتلوّح بالعقوبات الدولية إذا لم تُظهر طهران جدية، لكنها في الوقت ذاته تترك الباب مفتوحًا لتفاهم مؤقت يقوم على تجميد التخصيب مقابل تجنب العقوبات.
- الانقسام الداخلي الإيراني: الإصلاحيون يدعون لتخفيف العزلة والانفتاح على الرقابة الدولية، بينما المتشددون يلوّحون بالانسحاب من معاهدة حظر الانتشار النووي ويرفضون تقديم تنازلات.
- المعادلة الإقليمية: عودة المفاوضات مرتبطة بتوازن دقيق بين الضغط والتهدئة؛ دول الخليج تتابع بقلق خشية تعزيز نفوذ طهران، فيما تواصل إيران الجمع بين التهدئة الدبلوماسية والتصعيد عبر أذرعها الإقليمية.
- الدور الأميركي والإسرائيلي: واشنطن تدعم المسار الأوروبي وتبقي التصعيد خيارًا مطروحًا، بينما تضغط إسرائيل لتشديد العقوبات وتحتفظ بخيارات سرية لتعطيل البرنامج النووي.
- المسار الحالي يمنح الأطراف فسحة زمنية، لكن دون ضمانات لتسوية شاملة؛ فإما تفاهم مؤقت يخفف التوتر، أو عودة العقوبات والتصعيد، ما يبقي الملف النووي الإيراني مفتوحًا لصراع الإرادات.
**
1 ـ أمن دولي ـ الترويكا الأوروبية مؤشر جديد على استمرار الجهود الدبلوماسية بشأن الملف النووي الإيراني
تعود إيران إلى طاولة المفاوضات مع الترويكا الأوروبية (ألمانيا، فرنسا، بريطانيا) في أغسطس 2025 في لحظة شديدة التعقيد إقليميًا ودوليًا. فالملف النووي الإيراني ما زال يمثل أحد أبرز مصادر التوتر بين طهران والغرب، خاصة بعد الضربات الأميركية–الإسرائيلية التي استهدفت منشآت نووية إيرانية في يونيو الماضي 2025، والتي دفعت طهران لتعليق حوارها المباشر مع واشنطن. وفي ظل هذا السياق المضطرب، يطرح الاتفاق على استئناف المحادثات تساؤلات جوهرية حول دوافع إيران الحقيقية: هل هي خطوة تكتيكية تهدف إلى تخفيف الضغوط والعقوبات، أم أنها تمثل استعدادًا جادًا للتوصل إلى تسوية مستدامة؟
أن الموقف الأوروبي، المنسق بدرجة كبيرة مع واشنطن، يعكس إدراكًا غربيًا مشتركًا بضرورة فرض خطوط حمراء واضحة على برنامج طهران النووي، خاصة مع تقارير الوكالة الدولية للطاقة الذرية التي تشير إلى تقدم مقلق في تخصيب اليورانيوم. وفي الداخل الإيراني، تكشف المواقف المتباينة بين التيار الإصلاحي الساعي لتخفيف العزلة الدولية، والتيار المتشدد المتمسك بخيار المقاومة والضغط المضاد، عن حالة من الانقسام قد تلقي بظلالها على مسار المفاوضات المقبلة. الأمن الدولي ـ “الترويكا” الأوروبية، إلى أي حد يمكن فرض سياسة موحدة تجاه إيران؟
إن عودة إيران إلى المحادثات لا يمكن قراءتها بمعزل عن التفاعلات الإقليمية والدولية الأوسع، إذ تتقاطع فيها اعتبارات الأمن القومي الإيراني، وحسابات الداخل السياسي، وضغوط العقوبات الاقتصادية، مع حسابات القوى الغربية الساعية إلى منع انزلاق البرنامج النووي الإيراني إلى مستوى عسكري. ومن هنا، تكتسب هذه الجولة من المفاوضات أهمية خاصة، ليس فقط لكونها محاولة جديدة لاحتواء الأزمة، بل أيضًا كمؤشر على طبيعة التوازنات المقبلة في العلاقة بين طهران والغرب.
اتفق وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي ونظراؤه من فرنسا وبريطانيا وألمانيا يوم 23 أغسطس 2025 على استئناف المحادثات بشأن الملف النووي الإيراني والعقوبات الغربية المفروضة على طهران، وفق ما نقلته وسائل الإعلام الرسمية الإيرانية. وقد حذر وزير الخارجية الألماني يوهان فاديفول إيران من احتمال إعادة فرض العقوبات الدولية إذا لم يتم التوصل إلى اتفاق شامل ومستدام يهدف إلى تهدئة المخاوف الدولية بشأن طموحات إيران النووية. في سياق متصل، أشارت تولسي غابارد، مديرة المخابرات الوطنية الأمريكية، في تصريحات سابقة، إلى أن مسؤولي المخابرات لم يعثروا على أي دليل يشير إلى أن إيران تتجه نحو امتلاك سلاح نووي. وكان الملف النووي الإيراني قد شهد توقف المفاوضات مع الولايات المتحدة، والتي كانت تهدف إلى كبح الطموحات النووية لطهران، بعد تعرض بعض المواقع النووية الإيرانية إلى ضربات نفذتها الولايات المتحدة وإسرائيل في يونيو 2025.
شكلت اللقاءات التي عقدت مؤخرًا بين دبلوماسيي الترويكا الأوروبية (بريطانيا، فرنسا، ألمانيا) ونظرائهم الإيرانيين في إسطنبول يوم 25 يوليو 2025 مؤشرًا جديدًا على استمرار الجهود الدبلوماسية لتجاوز الجمود الراهن في الملف النووي الإيراني.
استمرار الجهود الدبلوماسية للترويكا الأوروبية
شكلت اللقاءات التي عقدت مؤخرًا بين دبلوماسيي الترويكا الأوروبية (بريطانيا، فرنسا، ألمانيا) ونظرائهم الإيرانيين في إسطنبول يوم 25 يوليو 2025 مؤشرًا جديدًا على استمرار الجهود الدبلوماسية لتجاوز الجمود الراهن في الملف النووي الإيراني. هذه المحادثات جرت في وقت حساس، حيث تلوح في الأفق إمكانية تفعيل آلية “سناب باك” لإعادة فرض العقوبات، ما قد يعيد المشهد الدولي إلى نقطة مواجهة مباشرة. رغم هذه الجهود، تبدو فرص التوصل إلى اتفاق شامل محدودة في الوقت الراهن، إلا أن إمكانية الوصول إلى تفاهم مؤقت لا تزال قائمة. تعمل الدول الأوروبية الثلاث على دفع مسار “صفقة فنية محدودة”، تتضمن تجميد إيران لتخصيب اليورانيوم عند مستويات أقل من عتبة الاستخدام العسكري، مقابل تجنب إعادة فرض العقوبات الدولية.
من جانبها، أعربت إيران عن استعداد مبدئي للانخراط في هذا المسار، مع اشتراط الاعتراف بحقها في التخصيب النووي ورفع ملموس للعقوبات، بالإضافة إلى إعادة بناء الثقة مع المجتمع الدولي، خصوصًا في ظل انعدام الثقة التام تجاه الولايات المتحدة، كما صرح بذلك نائب وزير الخارجية الإيراني كاظم غريب آبادي. يمكن القول إن أدوات الضغط الإيرانية تتركز بشكل أساسي في قدرتها على التعطيل والتصعيد، أكثر من قدرتها على الإملاء، لكنها لا تزال كافية لإجبار الأوروبيين على الحذر، ودفع الترويكا إلى تجنب الانزلاق إلى مواجهة شاملة. هذا يجعل إيران طرفًا تفاوضيًا صعبًا، رغم أنها لا تمتلك اليد العليا.
التأثير الأوروبي: محدود ولكنه ضروري
رغم أن الترويكا الأوروبية لا تمتلك النفوذ العسكري أو الاقتصادي الذي تملكه الولايات المتحدة، إلا أنها تظل شريكًا تفاوضيًا ضروريًا بالنسبة لإيران. وتتمثل أوراق الضغط الأوروبية في القدرة على تفعيل العقوبات الدولية وتحريك الملف الإيراني داخل مجلس الأمن الدولي والوكالة الدولية للطاقة الذرية. ومع ذلك، تواجه أوروبا واقعًا إقليميًا ودوليًا متغيرًا، حيث تعززت علاقات إيران مع روسيا والصين، في ظل تراجع نفوذ أوروبا في طهران. كما أصبح الخطاب الإيراني أكثر انتقادًا للدور الأوروبي، خصوصًا بعد الضربات التي استهدفت المنشآت النووية، واتهام وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي الترويكا الأوروبية بـ”النفاق”، لعدم التزامها بتعهداتها في الاتفاق النووي، وتغاضيها عن الضربات الإسرائيلية.
- الولايات المتحدة الأمريكية
التنسيق مع واشنطن
على الرغم من غياب الولايات المتحدة رسميًا عن محادثات إسطنبول، إلا أن التنسيق بين واشنطن والترويكا الأوروبية يبدو وثيقًا، حيث تتطابق المواقف الأوروبية فيما يتعلق بإمكانية تفعيل آلية “سناب باك” مع الموقف الأميركي الذي يميل إلى التصعيد والضغط. هذا يعكس إدراكًا مشتركًا بين الغرب لضرورة وضع خطوط حمراء واضحة على البرنامج النووي الإيراني، خصوصًا بعد التقرير الأخير للوكالة الدولية للطاقة الذرية الذي أشار إلى تجاوز إيران لمخزون اليورانيوم عالي التخصيب 400 كغم بنسبة 60%. الإيرانيون، بدورهم، يدركون هذا التنسيق ويعتبرون الأوروبيين امتدادًا للموقف الأميركي، ما يقلل من هامش المناورة الدبلوماسية الأوروبية ويجعل فرص اختراق الجمود مرهونة بتغير في البيئة الإقليمية والدولية.
- الولايات المتحدة الأمريكية
التحول المحتمل في الملف النووي
يقف الملف النووي الإيراني على مفترق طرق، فإما أن تنجح الجهود الدبلوماسية في بلورة تفاهم مؤقت يجنّب التصعيد ويؤسس لمرحلة جديدة من المفاوضات، أو أن تفشل المساعي الأوروبية، ما قد يضع إيران أمام عودة شاملة للعقوبات، ويجبرها على الانسحاب من معاهدة عدم الانتشار النووي، وتصعيد برنامجها النووي بشكل غير مسبوق.وقد يشهد الملف تحولًا دراماتيكيًا في حال فشل محادثات إسطنبول، خاصة مع استمرار تعليق التعاون الإيراني مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية، وتنامي الخطاب العسكري في طهران، كما أشار الرئيس الإيراني مسعود بيزشكيان، مؤكدًا استعداد بلاده لحرب محتملة مع الإصرار على مواصلة البرنامج النووي ضمن إطار “القانون الدولي”.
**
2 ـ أمن دولي ـ مادور الترويكا الأوروبية وماتأثيرها؟
تحاول الترويكا الأوروبية الحفاظ على موقعها كوسيط بين واشنطن وطهران، لكن قدرتها على التأثير تتآكل أمام تصلب المواقف الإيرانية والتنسيق المتصاعد بين واشنطن وأوروبا.وفي ظل ضيق الوقت، يتطلب المسار الدبلوماسي مع إيران مقاربة أكثر مرونة وربما تنازلات متبادلة، لتفادي انزلاق المنطقة نحو مواجهة مفتوحة. إيران، التي تستمر في تخصيب اليورانيوم إلى مستويات قريبة من الاستخدام العسكري، تخلق حالة من الغموض الدولي، خاصة مع تعليق التعاون مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية، ما يجعل العودة إلى فرض العقوبات الدولية أداة ضغط فعالة، خصوصًا مع قرب انتهاء صلاحية آلية “سناب باك” في أكتوبر 2025.
- الولايات المتحدة الأمريكية
تآكل التأثير الأوروبي وتحديات استعادة المبادرة
منذ انسحاب الولايات المتحدة من خطة العمل الشاملة المشتركة عام 2018، تواجه الترويكا الأوروبية تراجعًا مستمرًا في نفوذها ضمن الملف الإيراني، بسبب عدم قدرتها على تقديم المكاسب الاقتصادية التي وعدت بها إيران، وفشلها في الحفاظ على استقلالية سياسية عن الرؤية الأميركية والإسرائيلية. وقد تفاقم هذا التراجع بعد الضربات العسكرية الأخيرة، حيث التزمت أوروبا إلى حد كبير الصمت أو المواقف الرمادية، في تناقض واضح مع مبادئها المعلنة حول القانون الدولي والدبلوماسية. وفي هذا السياق، أصبحت مصداقية الترويكا الأوروبية على المحك، إذ يُطرح التساؤل حول ما إذا كانت مجرد شريك ثانوي ضمن استراتيجية الردع الأميركية-الإسرائيلية، أم أنها لا تزال قادرة على لعب دور الوسيط المستقل كما فعلت في عام 2015.
- الولايات المتحدة الأمريكية
مخاطر الانزلاق خلف الرؤية العسكرية
تثار مخاوف حقيقية من أن تؤدي اللهجة الأوروبية الحالية، الملوحة بتفعيل آلية “العودة السريعة” للعقوبات، إلى تعزيز سياسة ردع قصيرة النظر تدفع إيران إلى تسريع برنامجها النووي السري، بدلًا من الضغط الإيجابي نحو مفاوضات شاملة. ويُبرز التاريخ الدرس من ضربة أوزيراك عام 1981 في العراق، حيث أثبتت الضربات العسكرية أنها لا تنهي البرامج النووية، بل تدفعها إلى السرية والانغلاق. تكرار هذا الخطأ الاستراتيجي اليوم دون موقف أوروبي حاسم سيضعف ما تبقى من قواعد منع الانتشار في الشرق الأوسط، ويخلق سابقة خطيرة لاستباحة السيادة تحت ذريعة الدفاع الاستباقي.
فرصة ضيقة لاستعادة الدبلوماسية
رغم ضيق المساحة، لا تزال الترويكا الأوروبية قادرة على لعب دور محوري في إعادة فتح نوافذ الحوار، من خلال: استعادة تفويض الوكالة الدولية للطاقة الذرية عبر آلية تفاهم تقنية تضمن الحد الأدنى من الرقابة والتحقق، وتمنع أي تلاعب محتمل بالمخزونات النووية. وطرح مبادرة أوروبية خالصة تتجاوز النهج الأميركي التقليدي، تشمل تخفيفًا تدريجيًا للعقوبات مقابل خطوات نووية متقابلة، وصولًا إلى حل شامل طويل الأمد، قد يتضمن أفكارًا مثل “تحالف إقليمي لتخصيب اليورانيوم” تحت إشراف دولي.الأمن الدولي ـ “الترويكا” الأوروبية، هل تعود إيران إلى طاولة المفاوضات؟
السيناريوهات المستقبلية المحتملة
سيناريو الفرصة الضيقة: حيث تستثمر الترويكا الأوروبية الظرف الحرج للتحرك بشكل مستقل نسبيًا عن واشنطن، وتطرح مبادرة واقعية مدعومة من الأمم المتحدة وعواصم إقليمية مثل مسقط والدوحة.
السيناريو الأكثر ترجيحًا: استمرار أوروبا في التردد، ما يؤدي إلى فقدان دورها تدريجيًا، وتحولها إلى تابع لنهج التصعيد العسكري، مع تسريع البرنامج النووي الإيراني وتزايد خطر الحرب المفتوحة أو صراع الظل الطويل.
سيناريو التجميد: نجاح مؤقت في تجميد الوضع عبر ترتيبات تقنية دون اتفاق سياسي شامل، وهو سيناريو يوفر تهدئة مؤقتة لكنه لا يعالج الجذور ولا يوقف تآكل مصداقية المؤسسات الدولية.
اليوم، تواجه الترويكا الأوروبية لحظة حاسمة: إما أن تعيد تموضعها كفاعل دبلوماسي عالمي يرفض منطق القوة ويؤمن بحلول مستدامة، أو أن تسهم صمتها في تحويل الشرق الأوسط إلى ساحة صراع مفتوحة. تكمن قوة أوروبا ليس في جيوشها، بل في قدرتها على تقديم بديل سياسي وأخلاقي واقتصادي للصراع، وإذا ضاعت هذه الفرصة، فإن ما تبقى من خطة العمل الشاملة المشتركة سيتحول إلى درس تاريخي عابر بدلًا من أن يكون أساسًا لنموذج جديد في حل الأزمات النووية.
- الولايات المتحدة الأمريكية
**
3 ـ أمن دولي ـ هل عودة إيران إلى المفاوضات مع الترويكا الأوروبية تحمل أبعادًا تكتيكية؟
يمكن القول إن عودة إيران إلى المفاوضات مع الترويكا الأوروبية في أغسطس 2025 تحمل أبعادًا تكتيكية أكثر من كونها تحولًا استراتيجيًا أو رغبة حقيقية في حل شامل للملف النووي.
لماذا تبدو خطوة تكتيكية أكثر من كونها رغبة حقيقية؟
الضغط الزمني للعقوبات وآلية “سناب باك”: بسبب إن آلية العودة السريعة للعقوبات تنتهي صلاحيتها في أكتوبر 2025. إن إيران تدرك أن استمرار التصعيد سيمنح الأوروبيين مبررًا لتفعيل هذه الآلية، ما يعني عودة شاملة للعقوبات الأممية، وهو سيناريو كارثي اقتصاديًا بالنسبة لطهران. إن العودة إلى المفاوضات تمنح إيران فسحة زمنية لإبطاء هذا المسار، وربما تقسيم المواقف الأوروبية والأميركية.
التكتيك الإيراني: كسب الوقت
التاريخ التفاوضي لإيران منذ 2003 وحتى الاتفاق النووي 2015 يوضح أنها كثيرًا ما تعود إلى طاولة المفاوضات عندما تواجه خطر العقوبات أو الضغوط العسكرية. لكنها في الوقت نفسه تستثمر المفاوضات لكسب وقت إضافي لمواصلة أنشطتها النووية (التخصيب، تطوير أجهزة الطرد المركزي، تراكم المعرفة الفنية). وأن تعليقها السابق للمفاوضات مع واشنطن بعد الضربات الأميركية ـ الإسرائيلية في يونيو 2025 يؤكد أن العودة الحالية ليست تغيرًا في الموقف المبدئي، بل محاولة لتخفيف الضغوط.
ما الذي قد يثبت أنها خطوة تكتيكية؟
ـ سلوك إيران بعد يونيو 2025: استمرار تخصيب اليورانيوم بنسبة 60% (حسب تقارير الوكالة الدولية للطاقة الذرية) بالتوازي مع العودة إلى التفاوض.
ـ تعليق التعاون مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية: خطوة تتناقض مع أي نية صادقة للحل، وتدل على أن إيران تستخدم المفاوضات كغطاء سياسي.
ـ السوابق التاريخية: منذ مفاوضات 2003 مع الأوروبيين، وصولًا إلى ما قبل اتفاق 2015، اعتادت إيران الدخول والخروج من المفاوضات وفق مستوى الضغوط، لا وفق رغبة حقيقية في التخلي عن قدراتها النووية.
إن الخطوة الإيرانية بالعودة إلى المفاوضات مع الترويكا الأوروبية في أغسطس 2025 أقرب إلى تكتيك مدروس لتفادي تفعيل العقوبات الدولية (سناب باك وكسب الوقت، أكثر من كونها تعبيرًا عن رغبة حقيقية في تقديم تنازلات جوهرية أو إنهاء الأزمة النووية. لكن، مع ذلك، لا يمكن استبعاد وجود تيار داخل النظام الإيراني يرى أن تفاهمًا مؤقتًا قد يكون مصلحة عملية لتجنب الانهيار الاقتصادي، خصوصًا مع اشتداد الضغوط الداخلية.
- الولايات المتحدة الأمريكية
الخطاب الإيراني الداخلي والخارجي
إن تصريحات الرئيس الإيراني مسعود بيزشكيان في يوليو 2025، التي تحدث فيها عن “استعداد بلاده لحرب جديدة” ومواصلة البرنامج النووي “ضمن القانون الدولي”، تكشف أن النهج الاستراتيجي لم يتغير. في المقابل، تصريحات نائب وزير الخارجية الإيراني كاظم غريب آبادي، الذي اشترط الاعتراف بحق إيران في التخصيب ورفعًا ملموسًا للعقوبات، تشير إلى أن إيران لا تدخل المفاوضات بنية تقديم تنازلات جوهرية، بل للمطالبة بمكاسب مسبقة. إيران استفادت من تقاربها مع روسيا والصين في الأشهر الماضية، لكنها لا تزال بحاجة إلى تخفيف الضغط الغربي للحفاظ على الاقتصاد. لذلك، فهي تستخدم الترويكا الأوروبية كـ”منفذ” لتخفيف العقوبات، من دون القبول بتقديم تنازلات كبيرة في برنامجها النووي.أمن دولي ـ “الترويكا “الأوروبية وإيران ـ السيناريوهات المحتملة. ملف
**
4 ـ أمن دولي ـ حدود التنسيق بين أوروبا وواشنطن في ملف العقوبات على إيران وردو الأفعال
منذ استئناف النقاشات الأوروبية مع طهران في صيف 2025، بدا واضحًا أن العواصم الأوروبية الثلاث (باريس، برلين، ولندن) لم تتحرك في فراغ دبلوماسي، بل كانت خطواتها محسوبة ومنسقة إلى حد كبير مع واشنطن. هذا التنسيق لا يقوم فقط على التشاور السياسي التقليدي، وإنما يمتد ليشمل تبادلًا للمعلومات الاستخباراتية والفنية، خصوصًا تلك المتعلقة بنشاط إيران النووي ومخزونها من اليورانيوم المخصب.
واشنطن، رغم غيابها رسميًا عن طاولة إسطنبول، ظلت حاضرة عبر ما يمكن تسميته “التأطير غير المباشر”، إذ عملت على إرساء خطوط عامة يتحرك ضمنها الأوروبيون. هذه الخطوط تشمل أولًا الإصرار على أن أي تسوية مع إيران يجب أن تكون قابلة للتحقق بشكل صارم، وثانيًا أن أي تجاوز إيراني لمستويات التخصيب العالية يستدعي ردًا حازمًا لا يقتصر على الإدانة، بل يشمل إعادة فرض العقوبات في إطار آلية سناب باك.
من الناحية العملية، يظهر التنسيق في أن الأوروبيين لم يعودوا يطرحون خيارات وسطية أو مبادرات مرنة كما جرى بعد توقيع الاتفاق النووي عام 2015. بالعكس، هناك انزياح تدريجي نحو تبني مقاربة أكثر تشددًا، تشبه النهج الأميركي في التعامل مع طهران. وهذا يعكس إدراكًا أوروبيًا أن أي تباعد جوهري عن واشنطن سيضعف الموقف الغربي الموحد في مواجهة إيران، خصوصًا في ظل تزايد التوتر الإقليمي والتقارير الأممية التي تحذر من قرب إيران تقنيًا من “قدرة الاختراق النووي”.
لكن لهذا التنسيق تكلفة سياسية ودبلوماسية. فإيران، التي كانت تميز في الماضي بين واشنطن وحلفائها الأوروبيين، بدأت تنظر إلى الأوروبيين كامتداد للموقف الأميركي لا كطرف مستقل قادر على لعب دور الوسيط. هذا الانطباع يقلص من فرص الأوروبيين في التوصل إلى تسويات إبداعية أو مبادرات جديدة، ويجعلهم في نظر طهران مجرد أداة لتمرير الضغوط الغربية. ومن ثمّ، فإن أي محاولة لاختراق الجمود في المفاوضات باتت مرهونة بعوامل خارجية، مثل تغير المزاج الأميركي أو حدوث متغيرات إقليمية تدفع الأطراف لإعادة النظر في مقارباتهم.
بمعنى آخر، حدود التنسيق بين أوروبا وواشنطن ليست فقط في تطابق الخطاب واللغة الدبلوماسية، بل تمتد لتشمل مضمون السياسات وأدواتها، حيث أضحت أوروبا تسير على خطى واشنطن في ربط رفع أو تخفيف العقوبات بسلوك إيران النووي، دون أن تحتفظ بهامش استقلالي يتيح لها تقديم ضمانات أو تسهيلات تختلف عن الطرح الأميركي.
- الولايات المتحدة الأمريكية
ردود فعل إيرانية منقسمة: الإعتدال مقابل التشدد
التيار الإصلاحي والمعتدل
ـ أطلق الإصلاحيون في تحالف “التيار الإصلاحي” نداءً واضحًا بوقف تخصيب اليورانيوم وفتح رقابة كاملة للوكالة الدولية للطاقة الذرية، معتبرين أن هذا الخيار قد يفتح قنوات تفاوضية مباشرة حتى مع الولايات المتحدة ويخفف الضغوط الدولية المتصاعدة فيما أشار الرئيس المعتدل، مسعود بيزشكيان، إلى أهمية إعادة التفاوض ليس كخضوع، بل كخيار استراتيجي لاستعادة التوازن وتحقيق مصالح البلاد ضمن حدود ثابتة ،تيار الصقور المحافظون والمقاتلون
ـ من جهة أخرى، أعرب أنصار الموقف المتشدّد عن رفضهم لأي تنازل، معتبرين أن إيران لا تعود إلى المفاوضات إلا من موقع قوة، وليس من ضعف؛ وهدد بعضهم بالانسحاب من معاهدة منع انتشار الأسلحة النووية (NPT) إذا دُفع الأمر لعقوبات “سناب باك” . كما حذر المتشددون من أن التحول نحو المفاوضات دون ضمانات يتيح الفرصة لتعزيز الضغط الغربي، وتفكك الوحدة الوطنية، وهو ما لا يمكن قبوله.
الموقف الرسمي الإيراني بعد الاتفاق على العودة للمفاوضات
نفت إيران شرعية تهديدات إعادة العقوبات عبر آلية “سناب باك” واعتبرته إجراءً غير قانوني. كما أكد المتحدث باسم وزارة الخارجية أن طهران سترد بطريقة “مناسبة ومتناسقة” إذا تم تفعيل هذا الخيار ومع ذلك، أكّد وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي التزام بلاده بـ”المسار الدبلوماسي”، مُبرزًا أن إيران لم تتخلّ عن طريق الحل التفاوضي، بل هي مستعدة لمناقشة أي مقترحات تخدم مصالحها .
أعادت دول الترويكا الأوروبية (المعروفة بـ E3) التأكيد على أنها جاهزة لتفعيل آلية “سناب باك” نهاية أغسطس 2025 إذا لم تُظهر إيران التزامًا ملموسًا تجاه استئناف المحادثات وتعاونها مع الوكالة الدولية .
رد فعل الترويكا الأوروبية :بريطانيا – فرنسا – ألمانيا
أعادت دول الترويكا الأوروبية (المعروفة بـ E3) التأكيد على أنها جاهزة لتفعيل آلية “سناب باك” نهاية أغسطس 2025 إذا لم تُظهر إيران التزامًا ملموسًا تجاه استئناف المحادثات وتعاونها مع الوكالة الدولية . لكنها في الوقت نفسه عرضت تأجيل تفعيل العقوبات شريطة أن تلتزم إيران بالتحاور بجدية وبشكل قابل للتحقّق . بعد المحادثات الهاتفية التي جرت في 22 أغسطس 2025، أعلن العراقجي وحكومات أوروبا أن محادثات على مستوى الوكلاء ستجرى بعد اسبوع من ذلك التاريخ؛ في تأكيد على أن المفاوضات لم تتوقف بل دخلت مرحلة التحول من الحوار إلى التنفيذ . بدا المشهد معقدًا: خلف الأضواء، انقسم المجتمع السياسي الإيراني بين إصلاحيين يدعون إلى انفتاح دبلوماسي أمام تهديدات اقتصادية خانقة، وبين تشدّد متعمّق يجاهر بالتمسك بموقع المفاوض القوي والدفاع عن السيادة. وفي هذا السياق، لعبت الولايات الأوروبية دورًا محوريًا؛ فهي ماضية بخيار الضغط عبر عقوبات محتملة لكنها متراجعة مرنة إذا وُجدت مؤشرات حقيقية على طهران بأنها تتجه نحو الحل بدلاً من الاستفراد. هذا السيناريو يعكس ضغوطًا دولية متبادلة تجعل مسار المفاوضات مرهونًا بالتوازن بين التهديد والتريث، داخليًا كما خارجيًا.
- الولايات المتحدة الأمريكية
رد الفعل الأمريكي الرسمي والمتعلق بإيران
دعم ضمني ومحدود للدبلوماسية الأوروبية، اتهمت الولايات المتحدة إيران بأنها تستغل برنامجها النووي لأغراض محتملة تتعلق بالأسلحة، وفق ما يجمع عليه الغرب، مع دعم إسرائيلي أيضًا ما شدد الأوروبيون— بما فيهم الولايات المتحدة — على ضرورة سلوك طهران نحو اتفاق قابل للتحقق، بما يمنع تفعيل آلية “سناب باك” لإعادة العقوبات .
في كلمة متلفزة، وصف الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الضربات على أبرز المنشآت النووية الإيرانية بأنها “ضرورية لإبطاء التقدم النووي لطهران”، وشدّد في الوقت نفسه على استعداد واشنطن للسلام بشرط أن تظهر إيران استعدادًا حقيقيًا للتفاوض بجدية. كما دعا وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو، خلال مقابلات إعلامية، إيران إلى التفاوض المباشر بدلاً من إرسال رسائل عبر وسطاء، مؤكدًا أن واشنطن لا تعارض الحيازة السلمية للطاقة النووية من قبل إيران.
- الولايات المتحدة الأمريكية
دعم أوروبي ضمن الإطار الأطلسي، دون مشارکة مباشرة
رغم غياب المشاركة المباشرة الأمريكية في محادثات إسطنبول، إلا أن واشنطن دعمت الخطوات الأوروبية الدبلوماسية ضمن سقف الجهد الغربي الموحد، مع تركيز على ضرورة العودة إلى الحوار وتفادي التصعيد العسكري . إن ردود الفعل الأمريكية تتراوح بين: دعم إعلامي ودبلوماسي مقصود للمسار الأوروبي لضمان وجود خيار دبلوماسي؛ وتأكيد على أن العودة للمفاوضات مشروطة بـ “جدية إيران” و”مصداقيتها” في التطبيق؛. وعدم رغبة واضحة في التصعيد العسكري، لكن المحافظة على هذا الخيار كخيار احتياطي. الولايات المتحدة لم تضم صوتها للمفاوضات المباشرة، لكنها تدفع ضمنيًا لفعالية الجهود الأوروبية، وتُبقي الباب مفتوحًا للتصعيد إذا لم تُثمر هذه المساعي.
كيف سيتعامل الإسرائيليون مع عودة المفاوضات؟
قبولٌ حَذِرٌ مع تصعيدٍ في الخطوط الحمراء، الحكومة الإسرائيلية ستُظهر علنًا تشككًا بجدوى أي محادثات لا تُنقص سريعًا مخزون إيران العالي التخصيب وتعيد التفتيش المكثف؛ لذا ستدفع سياسيًا وإعلاميًا نحو سناب-باك وتشدّد العقوبات، بوصفه “رافعة” لإجبار طهران على تنازلات فنية قابلة للتحقق. هذا المزاج تقوّيه التقديرات العلنية في إسرائيل بأن مخزون 60% ما زال عند ~400 كغم، حتى بعد الضربات، وإن كانت طهران قد فقدت الوصول الفوري إلى جزء منه مؤقتًا. حتى مع استئناف التفاوض، ستحتفظ إسرائيل بخيارات سرّية/محدودة (سايبر، تعطيل، استهداف قدرات الدعم) لإبقاء برنامج إيران دون عتبة التسلح ولتعظيم الضغط التفاوضي على الترويكا. تقييمات مراكز أبحاث بعد هجمات يونيو تشير إلى أن تل أبيب ترى أن الضربات لم “تحسم” البرنامج بل قلّصت قدراته وأبطأت وتيرته، ما يعزّز منطق الاستمرار في الإضعاف بين جولات التفاوض. إعلام ودوائر قرار إسرائيلية رحبت بتصلّب موقف الـE3 وتهديده بإحياء عقوبات مجلس الأمن نهاية أغسطس/قبل انقضاء صلاحية سناب-باك في أكتوبر 2025، وتراه أداةً يجب عدم التفريط بها خلال المحادثات.
- الولايات المتحدة الأمريكية
**
5 ـ أمن دولي ـ هل يمكن لواشنطن كبح تهديدات إسرائيل بشن ضربات جديدة ضد إيران؟
أدوات النفوذ موجودة لكنّها ليست مطلقة:
ـ الغطاء السياسي : الولايات المتحدة تمنح إسرائيل دعمًا سياسيًا وعسكريًا حاسمًا؛ تستطيع توظيف وتيرة تسليم الذخائر، قطع الغيار، ومستوى التنسيق الاستخباراتي والعملياتي، كرافعات ضغط لتأجيل أو تضييق نطاق أي عمل عسكري خلال نافذة التفاوض. لكن سابقة يونيو 2025 (حين شاركت واشنطن نفسها بضربات نوعية) تُظهر أن الضبط الأميركي ليس التوجّه الثابت إذا قُدِّر أن الضغط العسكري يخدم الهدف الأوسع.
ـ إدارة المخاطر الإقليمية: واشنطن قادرة على تنسيق “قواعد الاشتباك” وفتح قنوات خفض تصعيد موازية، ما يحدّ من احتمال انجرارٍ إلى حرب واسعة أثناء المفاوضات. تقييمات مراكز أبحاث بارزة ترجّح أن التأثير الأميركي يكون أقوى على التوقيت والحجم لا على مبدأ العمل إذا رأت إسرائيل تهديدًا وجوديًا.
كلفة سياسية داخلية في إسرائيل: أي حكومة إسرائيلية تُوازن بين المكسب العملاني للضربة وثمن العلائق مع واشنطن والـE3. طالما أن الترويكا تدفع سناب-باك وتُشدد رقابة الوكالة الدولية، ستمتلك واشنطن حُجّة قوية لفرملة الضربات “الكبرى” مؤقتًا وإقناع تل أبيب بأن الضغط الدبلوماسي يحقق مكاسب بلا كلفة التصعيد.
حدود الكبح: إذا رأت تل أبيب أن المفاوضات تُشرعن استمرار تخصيب 60% أو تمنح طهران وقتًا لإعادة تموضع مادتها وطاقتها البشرية، فستُعيد التلويح بالخيار العسكري، وربما تُنفَّذ ضربات “جراحية” حتى بوجود امتعاض أميركي—خصوصًا إذا تعثرت سناب-باك أو تراخت عمليات التفتيش. تحليلات مستقلة تُحذّر أن نجاح إيران في ترميم الوصول لمخزونها أو رفع مستوى الحماية قد يدفع إسرائيل للمبادرة مجددًا. إشارات إنذار مبكر على تحوّل الموقف الإسرائيلي إلى عمل: تعثر سريع في مسار سناب-باك أو خروج إشارات أوروبية عن “تجميد سياسي طويل بلا كوابح فنية.” ودلائل على استعادة إيران الوصول التشغيلي لمواد 60% أو رفع وتيرة التخصيب/إعادة الانتشار في مواقع محصنة مثل فوردو/أصفهان. إن خطاب إسرائيلي داخلي يرفع “الساعة النووية” ويمزج بين رسائل ردع علنية وتسريبات عن جاهزية ضربات محدودة. تحليلات ISW ترصد مثل هذه الرسائل منذ منتصف أغسطس2025.
من المتوقع أن تتعامل إسرائيل مع التفاوض كوسيلةٍ لتعظيم الضغط لا كبديلٍ عنه؛ ستدفع نحو سناب – باك وتُبقي أدوات التعطيل السرّي نشطة. وإن واشنطن قادرة على لجم الضربات الكبيرة مؤقتًا عبر النفوذ السياسي- العسكري وقنوات الخفض، لكنها لن تضمن كبحًا كاملاً إذا بدا أن المفاوضات تُبقي إيران على عتبةٍ مرتفعة أو تُفشل مسار العقوبات. المعادلة العملية في المستقبل القريب ، كلما تقدّم مسار سناب-باك والرقابة الفنية، ازدادت قدرة واشنطن على “تبريد” خيار القوة؛ وكلما تعثّر المسار الدبلوماسي أو عادت مؤشرات تسارع نووي، اقتربنا من عودة “المعركة بين الحروب”
واقع أمن منطقة الشرق الأوسط في الوقت الحالي
تشهد منطقة الشرق الأوسط في الوقت الحالي مرحلة حرجة ومعقّدة من الناحية الأمنية، حيث تتشابك مصالح إيران ودول الخليج مع الديناميات الدولية والإقليمية. بعد الضربات الإسرائيلية الأخيرة على منشآت إيران النووية في يونيو 2025، ساد شعور عام بالترقب، إذ يسود هدوء نسبي في الجبهات المباشرة، بينما تستمر إيران في ممارسات غير مباشرة عبر مليشياتها المنتشرة في العراق وسوريا واليمن، وهو ما يعكس حالة من الردع المتبادل بين طهران والغرب، بقيادة الولايات المتحدة وحلفائها. تعكس العودة الإيرانية إلى طاولة المفاوضات مع الترويكا الأوروبية مزيجًا من السياسة التكتيكية والضغط الخارجي، حيث تسعى إيران إلى تهدئة العقوبات المحتملة، بينما تراقب دول الخليج بقلق أية خطوات قد تعزز نفوذ طهران دون معالجة ملفاتها الإقليمية الأساسية.
فعلى صعيد العلاقات الثنائية، شهدت الفترة الأخيرة بعض التحسّن، إذ أعادت الرياض وطهران جزءًا من التمثيل الدبلوماسي، وتخففت حدة التوتر في اليمن بعد اتفاقات محدودة، فيما تواصل أبوظبي وعُمان سياسة الانفتاح الاقتصادي والدبلوماسي، معتبرين أن الحوار والوساطة أفضل من العزلة. لكن من جهة أخرى، يبقى القلق الاستراتيجي الخليجي قائمًا. فالسعودية تعتبر البرنامج النووي الإيراني تهديدًا وجوديًا، وتسعى لضمان أن تشمل أي تسوية مع طهران ملف الصواريخ الباليستية والسياسات الإقليمية، في حين تُركز البحرين على منع أي نفوذ إيراني داخلي يهدد الأمن الوطني، وتلتزم الكويت بحذر شديد خشية تحوّل التوتر الأميركي– الإيراني إلى مواجهة مباشرة في مياه الخليج.
تستمر إيران في اتباع سياسة مزدوجة: مسار تهدئة دبلوماسي مع دول الخليج لتخفيف الضغوط المباشرة، ومسار تصعيد غير مباشر عبر أذرعها الإقليمية لتأكيد نفوذها وفرض معادلات الردع. وفي المقابل، تعتمد دول الخليج على سياسة التوازي بين الانخراط الدبلوماسي والاقتصادي مع إيران، وتعزيز الشراكة الدفاعية مع واشنطن وأوروبا، بما يوازن بين الحاجة إلى الأمن الداخلي وضرورة عدم تصعيد النزاع. يبرز الملف اليمني كأحد أهم مؤشرات صدقية نوايا إيران تجاه الخليج، إذ أن استمرار الدعم الإيراني للحوثيين بالصواريخ والطائرات المسيّرة يضعف الثقة المتبادلة. كما يشكل أمن المضايق البحرية، خصوصًا مضيق هرمز، عامل ضغط إضافي، حيث تعتبر أي تهديدات لطريق الطاقة تهديدًا مباشرًا لدول الخليج. وفيما يخص الملف النووي، فإن أي تقدم أو تعثر في المفاوضات مع الترويكا الأوروبية أو واشنطن ينعكس مباشرة على مستوى التوتر أو الانفتاح في علاقات إيران مع الخليج.
من منظور أمني شامل، يمكن القول إن المنطقة تمر بـ”توازن هش”، حيث أن أي انفجار في جبهة غزة أو سوريا أو في مضيق هرمز قد يطيح بما تحقق من تقدم دبلوماسي. إيران تستفيد من علاقاتها مع روسيا والصين لدعم موقفها، لكنها لا تزال بحاجة إلى تخفيف الضغط الغربي للحفاظ على اقتصادها، ما يجعل التفاوض مع الترويكا الأوروبية فرصة تكتيكية لكسب الوقت. بالمقابل، تحرص دول الخليج على تعزيز ردعها الاستراتيجي دون الانزلاق إلى مواجهة مباشرة، مستخدمة أدواتها الدبلوماسية والاقتصادية لضبط أي تصعيد محتمل. أن الوضع الأمني في الشرق الأوسط هادئ نسبيًا على السطح، لكنه محفوف بالمخاطر، فهناك تحسن تكتيكي في العلاقات الخليجية– الإيرانية، لكنه لا يرقى إلى مستوى الطمأنة الاستراتيجية.
وإن مستقبل هذه العلاقات مرتبط بثلاثة عوامل أساسية: مسار المفاوضات النووية الإيرانية، السلوك الإقليمي لطهران عبر أذرعها المختلفة، ومدى التزام الولايات المتحدة وشركائها بحماية الأمن الخليجي دون الانزلاق إلى مواجهة شاملة. وفي هذا الإطار، يظل التوازن بين التهديد والتهدئة هو العامل الحاسم الذي سيحدد شكل المرحلة القادمة في المنطقة.
تقييم وقراءة مستقبلية
إن موافقة إيران على العودة إلى المفاوضات مع الترويكا الأوروبية تمثل لحظة اختبار حقيقية لجميع الأطراف. فبالنسبة لطهران، تشكل هذه العودة وسيلة لشراء الوقت وتخفيف الضغوط الاقتصادية، لكنها في الوقت ذاته تعكس إدراكًا بأن استمرار التصعيد قد يفتح الباب أمام مواجهة مباشرة مع واشنطن أو تل أبيب. أما الترويكا، فإنها تجد نفسها أمام تحدي مزدوج: الحفاظ على الحد الأدنى من قنوات التفاوض مفتوحة مع إيران، وفي الوقت نفسه الالتزام بالتنسيق الوثيق مع واشنطن التي تفضل سياسة الضغط الأقصى.
هذا التباين في الحسابات لا يعني بالضرورة وجود خلاف جذري بين أوروبا وأميركا، لكنه يسلط الضوء على محدودية قدرة الأوروبيين على المناورة الدبلوماسية المستقلة. فإيران تنظر إلى الموقف الأوروبي باعتباره امتدادًا للنهج الأميركي، الأمر الذي يضعف ثقة طهران بجدوى التوصل إلى اتفاق عبر الترويكا وحدها.
على الصعيد الداخلي الإيراني، من المرجح أن يستمر الجدل بين الإصلاحيين الذين يرون في المفاوضات فرصة لتخفيف عزلة البلاد، والصقور الذين يعتبرون أن أي تنازلات ستُفسَّر كضعف استراتيجي. هذا الانقسام الداخلي، إلى جانب الضغوط الإقليمية والدولية، يجعل مسار المحادثات محفوفًا بالتعقيدات.
في المحصلة، تبدو عودة إيران إلى طاولة المفاوضات خطوة ضرورية لكنها غير كافية. فنجاحها مرهون بقدرة الأطراف على تجاوز معادلة “شراء الوقت” إلى تسوية حقيقية تعالج جوهر الأزمة: طموحات إيران النووية من جهة، وهواجس الغرب الأمنية من جهة أخرى. وحتى ذلك الحين، سيبقى الملف النووي الإيراني ساحة مفتوحة لصراع الإرادات بين طهران والغرب، حيث يظل خيار التصعيد حاضرًا بقوة إلى جانب خيار التسوية.
رابط مختصر.. https://www.europarabct.com/?p=108068
*حقوق النشر محفوظة إلى المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الارهاب والاستخبارات ـ ألمانيا وهولندا ECCI
