المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والاستخبارات، ألمانيا وهولندا ECCI، وحدة الدراسات والتقارير “1”
أمن دولي ـ زيارة ويتكوف إلى موسكو، سيناريوهات المفاوضات المقبلة حول أوكرانيا
استقبل الرئيس الروسي فلاديمير بوتين المبعوث الأميركي ستيف ويتكوف في العاصمة موسكو يوم السادس من أغسطس 2025 ، وذلك بعدما أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترامب أنه سيتمهل في فرض موجة جديدة من العقوبات الأميركية على روسيا إلى ما بعد الزيارة. أضاف بيسكوف، مشيرا إلى عدم اجتماع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين ونظيره الأميركي منذ فترة طويلة، “هناك بالطبع جمود في هذه العملية”. وقال “يتطلب الأمر وقتا لإعادة العلاقات الثنائية إلى مسارها الطبيعي”. بين شهري فبراير وأبريل 2025، التقى مبعوث الرئيس الأميركي بالرئيس بوتين أربع مرات وفقاً للبيانات الرسمية. وتمثل هذه الرحلة الجديدة إلى موسكو اللقاء الخامس بينهما. ومع ذلك، لم تسفر هذه اللقاءات حتى الآن عن نتائج تُذكر، وبالأخص ليس السلام الذي وعد به دونالد ترامب في أوكرانيا. كان ترامب قد تعهد بإنهاء الحرب في أوكرانيا بسرعة. غير أن مطالبه المتكررة لوقف إطلاق النار لم تلقَ استجابة حتى الآن. ولهذا السبب، حدد لروسيا مهلة تنتهي يوم الثامن من أغسطس 2025؛ وفي حال لم توافق موسكو على هدنة بحلول ذلك الوقت، فإنها ستواجه عقوبات جديدة.
قال الرئيس الروسي بوتن خلال استقباله رئيس دولة الإمارات يوم السابع من أغسطس 2025 إن الإمارات من الأماكن المناسبة لعقد اجتماع مع الرئيس الأميركي دونالد ترامب. وأوضح بوتين أنه لا يعارض “بشكل عام” لقاء الرئيس الأوكراني مضيفا أنه “يجب تهيئة الظروف” لمثل هذا الاجتماع. من جهتها، قالت المتحدثة باسم البيت الأبيض، كارولين ليفيت، إن ترامب مستعد للقاء بوتين وزيلينسكي. ونقلت وسائل إعلام غربية عنها قولها: “الروس أعربوا عن رغبتهم في لقاء الرئيس ترامب، والرئيس منفتح على لقاء الرئيس بوتين والرئيس زيلينسكي”.
بين إيجابية أميركية معلنة وتحفّظ روسي محسوب، تبرز ملامح محاولة جديدة لإنهاء الحرب المستمرة في أوكرانيا، عنوانها “الصفقة الكبرى”، ومفتاحها اللقاء الذي جمع مبعوث الرئيس الأمريكي، ستيف ويتكوف، بالرئيس الروسي فلاديمير بوتين في موسكو. اللقاء الذي وُصف بأنه “مثمر للغاية” من قبل الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، و”بنّاء ومفيد” وفق بيان الكرملين، أعاد إحياء رهانات التفاوض السياسي في لحظة حاسمة تسبق انتهاء المهلة الأمريكية المحددة لروسيا من أجل القبول باتفاق لوقف إطلاق النار.. أعلن الكرملين يوم السابع من أغسطس 2025 أنه من المتوقع أن يلتقي الرئيس الأميركي دونالد ترامب ونظيره الروسي فلاديمير بوتين في “الأيام المقبلة”، مع بدء التحضيرات للقمة بينهما. وتم التوصل إلى اتفاق من حيث المبدأ لعقد قمة ثنائية خلال الأيام المقبلة”.
رغم تأكيد الكرملين على الطابع البنّاء للمحادثات، جاءت تصريحات ديمتري بيسكوف، المتحدث باسم الرئاسة الروسية، لتعكس وجهًا آخر للموقف الروسي. إذ أشار يوم السادس من أغسطي 2025 إلى أن تحسين العلاقات مع واشنطن “سيستغرق وقتًا”، موضحًا أن “جمود العلاقات” بين بوتين وترامب يعقّد إمكانية العودة السريعة إلى المسار الطبيعي. بيسكوف لفت أيضًا إلى أن الرئيسين لم يجتمعا منذ وقت طويل، وهو مؤشر ضمني على عمق الفجوة السياسية التي لا تزال قائمة، رغم محاولة تجسيرها عبر قناة ويتكوف – بوتين. لكن رغم ذلك: ليس هناك ما يضمن أن يؤدي لقاء ترامب وبوتين إلى إنهاء القتال، حيث لا تزال موسكو وكييف متباعدتين بشأن شروطهما للسلام.
ترامب يخطط للقاء شخصي مع بوتي
يبدو أن ترامب يخطط للقاء شخصي مع بوتين. يبدو أن دونالد ترامب يتطلع للقاء فلاديمير بوتين، لكن الأمر لن يتوقف عند هذا الحد. أفاد تقرير إعلامي أن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب قد يلتقي شخصيًا بنظيره الروسي فلاديمير بوتين، بعد أسبوع من هذا التأريخ. ومن المقرر عقد اجتماع مشترك مع بوتين والرئيس الأوكراني زيلينسكي بعد ذلك بوقت قصير، وفقًا لما ذكرته صحيفة نيويورك تايمز . وأضافت الصحيفة أن الخطة عُرضت في مكالمة هاتفية مع رؤساء دول وحكومات أوروبية. ووفقًا لمعلومات من صحيفة بيلد، كان المستشار الألماني فريدريش ميرز من بين الحاضرين. ولم تصدر بيانات من هذه الحكومات بعد. من المقرر أن يحضر ترامب وبوتين وزيلينسكي الاجتماع الثاني، لكن لن يشارك أي رئيس دولة أوروبي. وقد “قبلوا” خطط ترامب عبر الهاتف مساء السادس من أغسطس 2025 وفقًا لصحيفة نيويورك تايمز. ولا يُعرف ما إذا كان بوتين أو زيلينسكي سيوافقان على الخطة. ومع ذلك، كان لزيلينسكي علاقة بالمكالمة الهاتفية التي أجراها ترامب مع رؤساء الدول الأوروبية ولم يتناقض مع ترامب.
تشهد الأزمة الأوكرانية تصعيدًا متجددًا في أعقاب إعلان الرئيس الأميركي دونالد ترامب يوم الثامن من أغسطس 2025 عن إرسال مبعوثه الخاص ستيف ويتكوف إلى موسكو، بالتزامن مع تحديد مهلة نهائية لروسيا لوقف العمليات العسكرية، وتهديدات بفرض عقوبات جديدة، فضلاً عن نشر غواصات نووية قرب الحدود الروسية. تأتي هذه التطورات في إطار سياسة “الضغط الأقصى” التي يتبناها ترامب ، وسط أمل معلن بإنهاء الحرب، لكن ضمن شروط تفاوضية جديدة. إن زيارة ويتكوف لموسكو تعكس تحوّلًا في أسلوب إدارة ترامب للأزمة، حيث ينتقل من الوعود السابقة بتحسين العلاقات مع الكرملين إلى تبنّي لهجة أكثر حزمًا وتلويحًا باستخدام أدوات الردع:
ـ ترامب أمهل روسيا فترة محددة لوقف الحرب وإلا واجهت عقوبات غير مسبوقة.
ـ التهديد طال شركاء روسيا التجاريين (مثل الصين والهند) عبر فرض رسوم ثانوية.
ـ نشر غواصتين نوويتين قرب روسيا كمؤشر على جدية التهديد.
هذه المعطيات تشير إلى أن زيارة ويتكوف لن تكون بروتوكولية، بل تحمل رسائل ضغط واضحة. السيناريو المحتمل للمفاوضات ، فشل المفاوضات وتفاقم التصعيد والسبب: رفض روسيا التنازل، فرض واشنطن عقوبات أوسع، تصاعد التوتر العسكري والدبلوماسي واستمرار التقدم الروسي ميدانيًا. أحد أبرز الخلافات يكمن في توقيت الدخول في المفاوضات. بينما تفضل الولايات المتحدة بدء المسار السياسي في أسرع وقت، ترى أوروبا أن أوكرانيا لم تحصل بعد على ورقة ضغط كافية على الأرض، وأن التفاوض حاليًا سيؤدي إلى اتفاق غير متوازن. كما تخشى بعض العواصم الأوروبية من تحركات أمريكية أحادية، مثل إرسال مبعوثين سريين أو عرض صفقات مباشرة على روسيا دون تنسيق كافٍ مع الشركاء الأوروبيين.
العوامل المؤثرة في مسار المفاوضات
الوضع الميداني: يشكل تقدم روسيا العسكري على الأرض ورقة ضغط رئيسية تجعل موسكو أقل استعدادًا للتنازل. في حال استمرار التفوق الروسي، فإن بوتين سيعتبر أنه في موقع قوة لا يستدعي تقديم تنازلات. أما إذا واجهت موسكو نكسات ميدانية مفاجئة، فقد يصبح التفاوض أكثر واقعية.
الموقف الأوروبي: لا يزال الاتحاد الأوروبي منقسمًا بشأن كيفية التعامل مع روسيا. بعض الدول، مثل فرنسا وألمانيا، تدعم الحوار، بينما تتبنى دول أخرى، كدول البلطيق وبولندا، مواقف أكثر تشددًا. هذا الانقسام يضعف أي موقف تفاوضي جماعي قد يُستخدم للضغط على موسكو.
مواقف الصين والهند: تهديد ترامب بفرض رسوم جمركية على شركاء روسيا التجاريين الرئيسيين قد يؤدي إلى إحداث تصدع في شبكة الدعم غير المباشر لموسكو. إذا شعرت بكين أو نيودلهي أن مصالحها الاقتصادية مهددة، فقد تمارس ضغوطًا على روسيا لتليين موقفها. لكن في الوقت الراهن، تبقى مواقف هاتين الدولتين غير واضحة.
التكلفة الاقتصادية للحرب: العقوبات الغربية، رغم ثغراتها، تؤثر على الاقتصاد الروسي. إذا تصاعدت العقوبات الأميركية وبدأت تؤثر في العمق المالي الروسي أو طالت المؤسسات الدفاعية والتقنية، فقد تضطر موسكو لإعادة تقييم موقفها.
الضغوط الداخلية في روسيا: رغم القبضة الأمنية، فإن تزايد التكاليف البشرية والاقتصادية للحرب قد يثير امتعاضًا داخليًا، خاصة إذا ترافق مع عزلة دولية متزايدة.
الزيارة تحمل طابعًا استكشافيًا وضاغطًا أكثر من كونها حاسمة. وأقصى ما يمكن تحقيقه هو إعادة فتح قنوات الاتصال العسكري أو الإنساني. الروس قد يستخدمون الزيارة لامتصاص الضغط دون تغيير جوهري في الموقف. على الأرجح أن زيارة ويتكوف لن تفضي إلى نتائج ملموسة، لكنها قد تمهّد لمسار دبلوماسي موازٍ أو تفاوض غير رسمي. وتبقى فرص التهدئة الحقيقية مرهونة بتحول ميداني مفاجئ أو ضغوط اقتصادية خانقة.
شروط بوتين للمفاوضات أو وقف إطلاق النار في أوكرانيا:
ـ الاعتراف بالسيادة الروسية على الأراضي المحتلة: بوتين يصر على أن روسيا يجب أن تحتفظ بالسيطرة على المناطق التي احتلتها في شرق وجنوب أوكرانيا، مثل دونباس، ولوغانسك، والقرم (التي ضمها عام 2014). يرفض بشكل قاطع أي محاولة أوكرانية لاستعادة هذه الأراضي.
ـ إنهاء طموحات أوكرانيا للانضمام إلى الناتو: من أهم شروط بوتين أن تتعهد أوكرانيا رسميًا بعدم الانضمام لحلف شمال الأطلسي، الذي يعتبره تهديدًا أمنيًا وجوديًا لروسيا. أي اتفاق يجب أن يضمن بقاء أوكرانيا خارج التحالف العسكري الغربي.
ـ تعزيز الحياد الأمني لأوكرانيا: بوتين يريد أن تصبح أوكرانيا دولة “محايدة” أمنياً، بمعنى ألا تستضيف قواعد عسكرية أو أسلحة تابعة للغرب على أراضيها.
ـ إلغاء العقوبات الغربية تدريجياً: ضمن شروطه غير الرسمية، يريد بوتين أن يتم رفع العقوبات الاقتصادية الغربية المفروضة على روسيا تدريجياً، كمقابل لوقف العمليات العسكرية.
ـ ضمانات أمنية دولية: يطالب بوتين بوجود ضمانات أمنية دولية لروسيا، سواء من خلال اتفاقيات دولية أو مشاركة أطراف ثالثة كضامنين لوقف إطلاق النار.
التفاوض على وضع خاص للمناطق الانفصالية في دونباس: يشدد على ضرورة منح مناطق دونباس حكمًا ذاتيًا أو وضعًا خاصًا داخل أوكرانيا، بما يضمن استمرار سيطرة روسيا أو حلفائها في هذه المناطق.
لا يرغب بوتن في مجرد وقف إطلاق نار مؤقت، بل يطالب بتسوية سياسية تعترف بالإنجازات العسكرية الروسية على الأرض وتضمن دورًا جيوسياسيًا قويًا لموسكو في المنطقة، مع الحد من النفوذ الغربي في أوكرانيا بشكل جذري.
شروط أوكرانيا ومطالبها الثابتة في المفاوضات:
ـ استعادة كامل سيادة الأراضي الأوكرانية: أوكرانيا تطالب باستعادة جميع أراضيها التي تحتلها روسيا، بما في ذلك شبه جزيرة القرم، ومنطقتي دونباس (دونيتسك ولوغانسك)، وجميع المناطق التي دخلتها القوات الروسية خلال الحرب.
رفض الاعتراف بالضم الروسي للأراضي: أوكرانيا ترفض بشكل قاطع أي اعتراف دولي بالضم الروسي لأراضيها، وتعتبر ذلك انتهاكًا للقانون الدولي ولا يمكن التفاوض عليه.
ـ الاحتفاظ بطموحات الانضمام إلى الناتو والاتحاد الأوروبي: كييف تؤكد على حقها في اختيار تحالفاتها الأمنية والسياسية، وتصر على استمرار مساعيها للانضمام إلى حلف الناتو والاتحاد الأوروبي كمصدر لأمنها واستقرارها.
ـ انسحاب القوات الروسية من الأراضي الأوكرانية: من المطالب الأساسية هو الانسحاب الكامل وغير المشروط للقوات الروسية من جميع الأراضي الأوكرانية المحتلة.
ـ الاحتفاظ بالسيادة على الحدود الدولية: أوكرانيا تطالب بالسيطرة الكاملة على حدودها الدولية، بما في ذلك الحدود البرية والبحرية، مع رفض أي وجود روسي أو أي طرف ثالث غير أوكراني على هذه الحدود.
تعويضات عن الأضرار والخسائر: أوكرانيا تسعى للحصول على تعويضات مالية كبيرة عن الأضرار التي لحقت بالبنية التحتية والاقتصاد بسبب الحرب.
ـ محاكمة المسؤولين الروس عن الحرب والجرائم: مطالبة بمساءلة ومحاسبة قادة روسيا والمسؤولين العسكريين عن الأفعال التي وصفتها كييف بأنها جرائم حرب وانتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان.
ـ ضمانات أمنية دولية أوكرانيا تريد ضمانات أمنية من دول غربية كبرى (مثل الولايات المتحدة، وبريطانيا، ودول الناتو) لحمايتها من أي عدوان مستقبلي.
تتمحورمطالب أوكرانيا حول استعادة سيادتها الكاملة والرفض القاطع لأي تنازل عن الأراضي، إلى جانب تأكيد حقها في الانضمام إلى التحالفات الغربية، مع ضمانات أمنية قوية ضد التهديد الروسي المستقبلي.
الموقف الأوروبي: شروط ومطالب الاتحاد الأوروبي في أي مفاوضات مستقبلية بين روسيا وأوكرانيا
رغم أن الاتحاد الأوروبي ليس طرفًا عسكريًا مباشرًا في الحرب الدائرة بين روسيا وأوكرانيا، إلا أنه يُعد فاعلًا سياسيًا واقتصاديًا وأمنيًا رئيسيًا في المشهد، وله مصلحة استراتيجية في صياغة أي تسوية مستقبلية تحقق قدرًا من الاستقرار الدائم في القارة الأوروبية وتمنع تكرار سيناريو الأجتياح الروسي.ينطلق الموقف الأوروبي من جملة من المبادئ والأسس التي شكلت ملامح مطالبه في أي مفاوضات مستقبلية، سواء كانت مباشرة بين موسكو وكييف، أو بوساطة دولية. أول هذه المبادئ هو التمسك الكامل بوحدة وسيادة الأراضي الأوكرانية، بما في ذلك شبه جزيرة القرم والمناطق الشرقية التي تحتلها روسيا. فالاتحاد الأوروبي يرفض بشدة الاعتراف بأي تغيير قسري للحدود، ويرى في ضم الأراضي بالقوة تهديدًا خطيرًا للنظام الدولي القائم على احترام سيادة الدول.
يطالب الاتحاد الأوروبي بأن تُفضي أي مفاوضات إلى وقف شامل ودائم لإطلاق النار، يتم التحقق من الالتزام به من خلال آليات مراقبة دولية محايدة، وربما عبر بعثات حفظ سلام تشرف عليها منظمات متعددة الأطراف مثل منظمة الأمن والتعاون في أوروبا أو الأمم المتحدة. بعض الدول الأوروبية، وعلى رأسها بولندا ودول البلطيق، تطالب بضمانات واضحة تمنع أي محاولات روسية مستقبلية لتقويض استقرار أوكرانيا أو أمن الدول الأوروبية المجاورة. من بين المطالب الأوروبية التي تحظى بإجماع واسع، أيضًا، ضرورة تقديم روسيا لتعويضات عن الأضرار التي لحقت بالبنية التحتية الأوكرانية، وهي قضية ترتبط بتجميد أصول روسية في أوروبا واستخدامها جزئيًا في تمويل إعادة الإعمار. كما تؤيد دول الاتحاد جهود كييف لمساءلة روسيا عن انتهاكات حقوق الإنسان وجرائم الحرب التي يُزعم أنها ارتكبت في مناطق النزاع.
يصر الاتحاد الأوروبي على احترام استقلال أوكرانيا في خياراتها السيادية، بما في ذلك حقها في اختيار تحالفاتها، سواء تعلق الأمر بمسار الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي أو التقارب مع حلف الناتو. ورغم أن بعض الدول الكبرى في الاتحاد، مثل ألمانيا وفرنسا، تبدي انفتاحًا على مقاربات دبلوماسية قد تشمل روسيا في ترتيبات أمنية مستقبلية، فإن هذا الانفتاح مشروط بانسحاب القوات الروسية ووقف العدوان والالتزام بمبادئ القانون الدولي. في المحصلة، تسعى أوروبا لأن تكون جزءًا فاعلًا في أي مفاوضات سلام محتملة، ليس فقط لضمان مصالحها الأمنية والجيوسياسية، بل أيضًا لتثبيت نموذج أمني جديد يمنع أي قوة من انتهاك سيادة الدول الأوروبية أو جيرانها دون تكلفة عالية. ومع ذلك، لا يمكن تجاهل الانقسام الأوروبي الداخلي بين تيار متشدد (يقوده شرق أوروبا) يرى في روسيا تهديدًا وجوديًا، وتيار أكثر براغماتية (في أوروبا الغربية) يفضل تسويات واقعية.
الخلافات الأمريكية الأوروبية حول مفاوضات أوكرانيا: تباينات في الأهداف والمقاربات
رغم الشراكة الاستراتيجية بين الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي في دعم أوكرانيا، فإن الخلافات بين الجانبين بدأت تطفو على السطح بشكل أوضح مع اقتراب مواعيد محتملة لإطلاق مفاوضات لإنهاء الحرب. هذه التباينات لا تعكس بالضرورة تضاربًا في المبادئ، ولكنها تُعبّر عن اختلاف في الأولويات، الإيقاع السياسي، والحسابات الجيوسياسية لكل طرف.
منهجية واشنطن: ضغط سريع، ونتائج سياسية: الولايات المتحدة، خصوصًا في ظل عودة دونالد ترامب إلى السلطة، تبدي رغبة في تسريع جهود التفاوض مع روسيا، مدفوعة باعتبارات داخلية تتعلق بتكلفة الحرب سياسيًا واقتصاديًا، ورغبة الإدارة في تقليص انخراطها العسكري والمالي في الخارج. ترامب يرى أن الحرب قد طالت أكثر مما يجب، وأنه يمكن التوصل إلى “صفقة كبرى” تنهي النزاع عبر الضغط المباشر على موسكو، مع تقديم حوافز اقتصادية أو تخفيف تدريجي للعقوبات مقابل انسحاب روسي جزئي أو وقف لإطلاق النار.
أوروبا: أولويات أمنية ومخاوف وجودية: في المقابل، تتبنى أوروبا مقاربة أكثر حذرًا، حيث تعتبر أن أي تسوية لا تعالج جذور التهديد الروسي ستكون مجرد هدنة مؤقتة. دول أوروبا الشرقية – مثل بولندا ودول البلطيق – ترى أن روسيا لا تزال تمثل خطرًا وجوديًا، وترفض أي مفاوضات لا تضمن انسحابًا روسيًا كاملًا، وضمانات أمنية صارمة. أما دول أوروبا الغربية – مثل فرنسا وألمانيا – فتميل إلى دعم التفاوض لكنها تختلف مع الولايات المتحدة بشأن توقيت البدء به وشروطه الأساسية، وتُصر على ضرورة إشراك الأوروبيين مباشرة في أي ترتيبات أمنية لاحقة.
قضية الضمانات الأمنية ومستقبل أوكرانيا: أحد أبرز نقاط الخلاف يتمثل في مصير أوكرانيا بعد الحرب. بينما تميل واشنطن إلى تبني مقاربات مرنة قد تقبل بتجميد مؤقت لملف انضمام أوكرانيا إلى الناتو، تسعى بعض الدول الأوروبية إلى التزام واضح وطويل الأمد بدمج أوكرانيا ضمن البنية الغربية الأمنية والاقتصادية. كما ترفض أوروبا الغربية فكرة فرض حلول على كييف دون إشراكها الفعلي، وهو ما يُخشى أن يحدث في ظل محادثات أمريكية ـ روسية مباشرة.
الملف الاقتصادي والإنفاق العسكري: من ناحية الإنفاق العسكري، تتحمل أوروبا حاليًا كلفة متزايدة في تمويل المجهود الحربي الأوكراني، وفي إعادة تسليح جيوشها، الأمر الذي يدفع بعض العواصم الأوروبية إلى المطالبة بدور أوسع في صنع القرار، ورفض أي سيناريو قد يُملى من واشنطن ويؤثر على الأمن الأوروبي دون تنسيق كامل. وهذا ما تجلى في تحفظ بعض الدول الأوروبية على الخطوات الانفرادية التي تتخذها الإدارة الأميركية في ملف العقوبات أو التفاوض عبر مبعوثين خاصين. إن الخلافات بين الولايات المتحدة وأوروبا حول مفاوضات أوكرانيا تتراوح بين تكتيكات التفاوض، المدى الزمني المرغوب للتسوية، وشكل الترتيبات الأمنية بعد الحرب. ورغم استمرار التنسيق الاستراتيجي العام، إلا أن هذه التباينات قد تُصعّب تشكيل جبهة غربية موحدة في حال تسارعت وتيرة التفاوض مع موسكو، وهو ما قد تستغله روسيا لتعميق الانقسامات وزيادة نفوذها التفاوضي.
الخلاف بين واشنطن وبروكسل لا يرقى إلى صدام استراتيجي، لكنه يكشف عن فجوة تتسع بين رؤية الولايات المتحدة البراغماتية، ورؤية أوروبية أكثر قلقًا بشأن الأمن الجماعي. استمرار هذا الخلاف قد يُضعف الجبهة الغربية الموحدة في أي مفاوضات مع موسكو، ويمنح روسيا فرصة للمناورة السياسية والدبلوماسية.
الإنفاق العسكري الأوروبي في دعم أوكرانيا
منذ اندلاع الحرب، أظهرت أوروبا التزامًا كبيرًا بدعم أوكرانيا، سواء ماليًا أو عسكريًا، إلا أن هذا الالتزام يواجه اختبارات واقعية نتيجة الانقسامات الداخلية والتحديات الاقتصادية: رغم التعهدات الأوروبية الكبيرة، هناك فجوة واضحة بين التصريحات والدعم الفعلي. بعض الدول لم تفِ بجميع التزاماتها، والبعض الآخر يواجه صعوبات لوجستية أو سياسية في إيصال الدعم. أعلنت برلين عن “تغيير تاريخي” في عقيدتها الدفاعية عبر صندوق خاص بقيمة 100 مليار يورو. ومع ذلك، فإن التنفيذ كان بطيئًا، وهناك تردد داخلي بشأن إرسال أسلحة نوعية مثل صواريخ توروس.
أما دول مثل بولندا ودول البلطيق فقد أظهرت التزامًا صلبًا بدعم كييف، نابعًا من شعورها بالتهديد المباشر من موسكو. هذه الدول غالبًا ما تضغط على بقية الاتحاد لاتخاذ مواقف أكثر صرامة. كرد فعل على احتمال تراجع الدعم الأميركي، بدأت دول الاتحاد الأوروبي في تعزيز صناعاتها الدفاعية، خاصة في مجالات الذخيرة والدفاع الجوي، في محاولة لبناء قدرات ذاتية تسمح باستمرار الدعم لأوكرانيا دون الاعتماد الكامل على الولايات المتحدة. هذا الواقع يجعل استمرار الدعم الغربي مرهونًا بتطورات سياسية داخلية في أوروبا والولايات المتحدة، وبالقدرة على تحقيق إنجاز سياسي أو ميداني يعزز موقف أوكرانيا التفاوضي.
ماذا لو فشلت زيارة المبعوث الأميركي ستيف ويتكوف إلى موسكو
إذا فشلت زيارة المبعوث الأميركي ستيف ويتكوف إلى موسكو، فإن إدارة ترامب ستجد نفسها أمام خيارات صعبة تتعلق بمواصلة أو تعديل نهجها تجاه أوكرانيا. من المرجّح أن تلجأ واشنطن إلى تكتيكات تصعيدية جديدة، لكنها ستكون محسوبة وتهدف إلى الضغط على موسكو دون الانزلاق إلى مواجهة مباشرة. ويتوقع أن يشمل ذلك:
تشديد العقوبات الاقتصادية: ستدفع واشنطن باتجاه فرض عقوبات جديدة، قد تكون أوسع من السابق، وتشمل ما يُعرف بـ”الرسوم الثانوية” التي تستهدف الدول والشركات المتعاملة مع روسيا، في مقدمتها الصين والهند وتركيا.
إعادة تقييم الدعم العسكري: رغم التصعيد في الخطاب السياسي، قد تعيد واشنطن النظر في نوع وحجم دعمها العسكري لأوكرانيا. إدارة ترامب تُعرف بسعيها لتقليص الالتزامات الخارجية، وربما ترى في هذا الفشل فرصة لدفع الأوروبيين إلى تحمّل الجزء الأكبر من العبء.
مضاعفة الضغوط على الناتو: ترامب قد يستخدم فشل الوساطة كذريعة لإعادة توجيه الضغط نحو الحلفاء الأوروبيين، مطالبًا إياهم بتوسيع مساهماتهم المالية والعسكرية في أوكرانيا، مع الترويج لخطاب يفيد بأن الولايات المتحدة تتحمّل ما يفوق حصتها العادلة.
السعي لتسوية من خلال الضغط على كييف: احتمال أن تتجه إدارة ترامب نحو محاولة فرض تسوية دبلوماسية عبر الضغط غير المباشر على القيادة الأوكرانية، سواء عبر تقليص الدعم أو عبر الوساطة مع شركاء آخرين، سيبقى مطروحًا بقوة.
أصبح واضحًا أن الإدارة الأمريكية تسعى إلى تهدئة الصراع بأسرع وقت ممكن. ترامب يرى أن الحرب استنزفت الولايات المتحدة سياسيًا وماليًا، ويعتقد بإمكانية فرض اتفاق “صفقة” مع روسيا، حتى إن تطلب الأمر تقديم تنازلات معينة، كوقف دعم أوكرانيا للانضمام إلى الناتو مؤقتًا. هذا التوجه الواقعي يهدف لتقليل الكلفة الأمريكية، وتحويل التركيز إلى الداخل الأميركي، وقضايا السياسة الخارجية الأكثر أولوية كالصين.
قراءة مستقبلية
ـ زيارة ويتكوف هي زيارة تكتيكية وضاغطة وليست دبلوماسية تقليدية .قد لا تنجح في تحقيق اتفاق شامل أو وقف فوري للحرب، لكنها خطوة ضمن استراتيجية ترامب للضغط على بوتين دون الدخول في مواجهة مفتوحة. الأرجح أنها تمهد لقمة لاحقة أكثر من كونها محطة لإنهاء الحرب.
ـ ستسعى بعض الدول الأوروبية، خاصة ألمانيا وفرنسا، إلى لعب دور الضامن لاتفاقات وقف إطلاق النار أو ترتيبات أمنية. الأوروبيون لا يملكون نفوذًا عسكريًا مباشرًا كواشنطن، لكنهم يمتلكون أدوات اقتصادية ومؤسساتية. الموقف الأوروبي يبقى منقسماً منقسم: فرنسا وألمانيا تدعمان التفاوض. أما بولندا ودول البلطيق ترفض التسويات مع موسكو،الانقسام يحد من فاعلية الموقف الأوروبي كمفاوض جماعي. احتمالات المشاركة ضمن إطار متعدد الأطراف:
قد تظهر مفاوضات تضم واشنطن، موسكو، كييف، وأطرافًا أوروبية. الاتحاد الأوروبي قد يُمثَّل كمؤسسة، لكن دون دور حاسم في المسائل الأمنية. إدارة ترامب قد تقلل من دور الأوروبيين المباشر، لكن قد تستخدمهم كغطاء سياسي أو اقتصادي لمخرجات التفاوض. من المتوقع سيكون لأوروبا حضورٌ في المفاوضات، لكنه سيكون غالبًا تكميليًا للدور الأميركي، مع احتمالات أكبر لدور نشط في مرحلة ما بعد الاتفاق، خاصة في ملفات إعادة الإعمار، وضمان الأمن الإقليمي.
ـ إن الخلافات تلقي بظلالها على أوكرانيا، حيث تجد أوكرانيا نفسها بين ضغوط متزايدة من داعميها الغربيين، وسط مخاوف من أن تتحول إلى مجرد ورقة في مساومات دولية. الأوروبيون، خاصة ألمانيا وفرنسا، يصرون على ضرورة إشراك كييف في كل مرحلة، بينما لا يُخفي ترامب رغبته في “إنهاء الحرب بسرعة”، حتى لو اضطر لممارسة ضغط مباشر على القيادة الأوكرانية. هذه المعطيات تشير إلى أن زيارة ويتكوف لن تكون بروتوكولية، بل تحمل رسائل ضغط واضحة. السيناريو المحتمل للمفاوضات ، فشل المفاوضات وتفاقم التصعيد والسبب:
رفض روسيا التنازل، فرض واشنطن عقوبات أوسع، تصاعد التوتر العسكري والدبلوماسي واستمرار التقدم الروسي ميدانيًا. رغم أن زيارة ستيف ويتكوف، مبعوث الرئيس الأميركي دونالد ترامب إلى روسيا، تأتي في توقيت حساس وتُعد جزءًا من مسعى واشنطن لإطلاق مسار تفاوضي لإنهاء الحرب في أوكرانيا، إلا أن عوامل عديدة تشير إلى احتمال كبير لفشل هذه الزيارة في تحقيق اختراق حقيقي. وتتمثل الأسباب المستقبلية المحتملة للفشل في النقاط التالية:
ـ تمسك بوتين بشروطه الصلبة: الرئيس الروسي فلاديمير بوتين أعلن بوضوح أن مطالب روسيا “لم تتغير”.
ـ افتقار ويتكوف للتفويض الكامل: رغم قربه من الرئيس ترامب، إلا أن ويتكوف لا يحمل صفة رسمية قوية توازي وزير خارجية أو مفاوض رفيع. مما يجعل الروس يتعاملون معه بحذر، على أنه مبعوث تكتيكي وليس حاملًا لرؤية استراتيجية متكاملة. وبالتالي قد يعتبر الكرملين زيارته “استكشافية” أكثر من كونها تفاوضية.
ـ الرسائل النووية والردع المضاد: تصريحات ترامب حول نشر غواصتين نوويتين “في المنطقة” قد تُفهم في موسكو على أنها استعراض للقوة، وليس نية جادة للتسوية. هذه التصريحات الاستفزازية قد تدفع بوتين إلى التصعيد اللفظي أو حتى العسكري المحدود، مما يُقوّض أجواء الزيارة، ويعقّد موقف ويتكوف على الأرض.
ـ غياب التفاهم الأمريكي ـ الأوروبي :أي محاولة أمريكية للتفاوض الثنائي مع روسيا دون تنسيق مع الأوروبيين، خصوصًا فرنسا وألمانيا، قد تُفهم على أنها تجاوز للدول الحليفة وتفكك للجبهة الغربية. وقد يستغل بوتين هذا الانقسام لممارسة لعبة “المسارات المتوازية”، مما يجعل مهمة ويتكوف أكثر صعوبة من الناحية الدبلوماسية.
ـ إصرار ترامب على نتائج سريعة: أسلوب ترامب السياسي يقوم على “الصفقات السريعة”، وهو ما لا يتوافق مع طبيعة الملف الأوكراني المعقد والمرتبط بتوازنات دولية وأمن إقليمي. قد يؤدي ضغط البيت الأبيض على ويتكوف لتقديم نتائج سريعة إلى تجاوز الخطوات التحضيرية، وبالتالي ينهار المسار التفاوضي قبل أن يبدأ.
ـ من المرجح أن تستهدف العقوبات الجديدة قطاع النفط الروسي. ويجري النظر في فرض رسوم جمركية عقابية على الدول التي تشتري النفط الروسي، بما في ذلك أكبر مستوردين حاليًا: الهند والصين.
ـ إن التصريحات التي يطلفها البيت الأبيض والكرملين، لا تتماشى مع واقع العلاقات الثنائية بين بوتن وترامب، التصريحات الإعلامية ربما تأتي لتصعيد السقف وللتعبئة الداخلية عكس رغبت ترامب وبوتن بالوصل الى اتفاق لانهاء حرب أوكرانيا، وهذا سوف يظهر أكد في حال إعلان البيت الأبيض والكرميلن عن اللقاء المرتقب بين الرئيسين.
من غير المرجح أن تنجح زيارة ويتكوف في إحداث اختراق كبير في الأزمة الأوكرانية، ما لم تُصاحبها مبادرة أميركية واضحة ومدعومة من الشركاء الأوروبيين، تفاهم مبدئي حول الأطر العامة للحل ورسائل تهدئة من الجانبين الأميركي والروسي بدلًا من التصعيد. وإلا فإن الزيارة قد تتحول إلى مجرد “مناورة سياسية” في حرب الرسائل، وليس انطلاقة فعلية نحو تسوية النزاع.
رابط مختصر…https://www.europarabct.com/?p=106948
رابط تحديث واعادة نشر .. https://www.europarabct.com/?p=107041
*حقوق النشر محفوظة إلى المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الارهاب والاستخبارات ـ ألمانيا وهولندا ECCI
