خاص ـ المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والاستخبارات، ألمانيا وهولندا ECCI، وحدة الدراسات والتقارير “1”
أمن دولي ـ زيارة زيلينسكي إلى باريس … رسائل الدعم والبحث عن ضمانات أمنية
وصل الرئيس الأوكراني زيلينسكي إلى باريس يوم 17 نوفمبر 2025 في زيارة رسمية تعد التاسعة منذ اندلاع الهجوم الروسي في فبراير 2022. وتأتي هذه الزيارة في توقيت بالغ الحساسية بالنسبة لأوكرانيا، سواء على المستوى الداخلي أو العسكري أو السياسي: تأتي في ظل نقاش أوروبي واسع حول مستقبل الدعم لزيلينسكي وتوازنات الأمن في القارة بعد التحولات الدولية الأخيرة.أكدت الرئاسة الفرنسية أن الرئيس إيمانويل ماكرون أستقبل نظيره الأوكراني يوم 17 نوفمبر 2025، في زيارة تتخللها مباحثات تتعلق بالدفاع والطاقة والاقتصاد، إضافة إلى ملف الضمانات الأمنية الذي بات يحتل موقعا مركزيا في العلاقات بين كييف وباريس.تكتسب الزيارة أهميتها من عدة عوامل مترابطة،
فمن جهة، يعيش الرئيس الأوكراني ضغوطا سياسية داخلية ناجمة عن ملفات الفساد والخلافات المتزايدة داخل دائرته المقربة، فضلا عن تراجع الثقة الشعبية في أداء الحكومة خلال المرحلة الأخيرة من الحرب.
في صفقة تهدف لتعزيز الدفاع الأوكراني، وقّع الرئيسان الأوكراني فولوديمير زيلينسكي والفرنسي إيمانويل ماكرون، يوم 17 نوفمبر 2025 ، “إعلان نوايا” يمهد لشراء أوكرانيا مستقبلا مقاتلات فرنسية من طراز “رافال”، قد يصل عددها إلى نحو مئة، إلى جانب أنظمة دفاع جوي من الجيل الجديد، “سامب-تي” (SAMP-T)، إضافة إلى عدة أنظمة مسيّرات، في خطوة ستكون الأولى من نوعها لكييف.
الجبهات العسكرية تشهد تطورات ميدانية معقدة
تشهد الجبهات العسكرية تطورات ميدانية معقدة دفعت زيلينسكي إلى تكثيف اتصالاته الدبلوماسية بحثًا عن دعم إضافي سواء في التسليح أو في تعزيز قدرات بلاده الدفاعية. وفي هذا السياق، ألمح زيلينسكي قبيل وصوله إلى باريس إلى وجود “اتفاق كبير قيد التحضير” مع فرنسا، ما أثار تكهنات حول طبيعة هذا الاتفاق وهل يتضمن جوانب عسكرية أو صناعية دفاعية متقدمة.منذ بداية الحرب، حافظت فرنسا على دور فاعل في دعم أوكرانيا، وإن كان هذا الدعم متأرجحا في بعض المراحل بسبب تحفظات من داخل الاتحاد الأوروبي، أو بسبب مقاربات فرنسية تسعى إلى موازنة الضغط على روسيا دون الانجرار إلى مواجهة مباشرة معها.
تعزيز موقع فرنسا القيادي في حرب أوكرانيا
غير أن التطورات الدولية الأخيرة، وخصوصا تغير أولويات واشنطن بعد وصول إدارة أميركية أقل حماسا لمساندة كييف، فرضت على باريس تعزيز موقعها القيادي داخل أوروبا، وتقديم نفسها كضامن أساسي للأمن الأوروبي. وتعكس زيارة زيلينسكي هذه الرغبة الفرنسية في استمرار لعب دور مركزي في الملف الأوكراني، بل وفي رسم مستقبل الأمن في القارة.ورغم غياب مؤشرات مؤكدة على أن الزيارة ستتضمن الإعلان عن صفقة جديدة لطائرات مقاتلة فرنسية من طراز رافال، فإن التعاون الدفاعي بين البلدين يشهد تطورا مستمرا.
في الفترات السابقة، أشاد زيلينسكي بالطائرات الفرنسية مثل ميراج، وجرى التطرق في لقاءات ثنائية إلى احتمالات التعاون في الإنتاج العسكري المشترك، أو تقديم دعم تقني في مجال القدرات الجوية.وبالتوازي مع ذلك، أعلنت باريس مؤخرا نشر ثلاث طائرات رافال في بولندا في مهمة لتعزيز أمن المجال الجوي الشرقي لحلف الناتو، وهي خطوة لا تعني دعما مباشرا لأوكرانيا، لكنها تحمل رسالة ردعية لموسكو وتعكس تصميم فرنسا على مواجهة أي توسع روسي محتمل.
اقتراب فصل الشتاء وتزايد الهجمات الروسية
وفي موازاة ملف الدفاع، من المتوقع أن تشكل أزمة الطاقة أحد محاور النقاش الأساسية خلال الزيارة. فمع اقتراب فصل الشتاء وتزايد الهجمات الروسية على شبكات الكهرباء الأوكرانية، تسعى كييف إلى الحصول على دعم فرنسي يشمل معدات وقطع غيار واستثمارات في البنية التحتية. وتمتلك فرنسا خبرة رائدة في قطاع الطاقة، خاصة في الطاقة النووية وتقنيات حماية الشبكات، ما يجعلها شريكا مهما في الجهود الأوكرانية لتأمين حاجاتها الأساسية خلال الأشهر المقبلة.ولا يقل الملف الاقتصادي أهمية عن باقي الملفات، خصوصًا في ضوء سعي أوكرانيا لاستقطاب الاستثمارات الفرنسية ضمن خطط إعادة الإعمار.
فباريس تحاول تعزيز حضورها الاقتصادي في كييف عبر شركاتها الكبرى، تمهيدا للمرحلة التي تلي الحرب والتي يُتوقع أن تشهد تنافسًا دوليا على مشاريع إعادة الإعمار.وتقدّم هذه الزيارة فرصة لتوقيع مذكرات تفاهم أو اتفاقات استثمارية تسهم في إعادة بناء قطاعات تضررت بشدة بسبب الحرب، وتمنح فرنسا موقعا متقدما في السوق الأوكرانية المقبلة.
زيارة زيلينسكي ـ دلالات سياسية
إلى جانب الملفات العملية، تحمل زيارة زيلينسكي دلالات سياسية واضحة. فعلى المستوى الداخلي، تمنح الزيارة للرئيس الأوكراني فرصة لتعزيز صورته كزعيم قادر على الحفاظ على الدعم الأوروبي رغم الانتقادات الداخلية. أما على المستوى الأوروبي، فإن الزيارة تعكس رغبة فرنسا في توجيه رسالة إلى شركائها مفادها أن دعم أوكرانيا ليس مجرد خيار سياسي، بل جزء من استراتيجية بعيدة المدى لحماية الأمن الأوروبي واحتواء التهديد الروسي.وفي الوقت ذاته، تمثل الزيارة رسالة موجهة إلى موسكو تؤكد أن باريس لن تتراجع عن موقفها الداعم لكييف، بخلاف ما تراهن عليه الدعاية الروسية حول “إرهاق الغرب” من الحرب.
ومع ذلك، تواجه باريس وكييف تحديات حقيقية في تحويل هذه الزيارة إلى نتائج ملموسة. فمن جانب، تخشى فرنسا من أن يؤدي تقديم ضمانات أمنية بعيدة المدى لأوكرانيا إلى إثارة توتر داخل الاتحاد الأوروبي أو خلق التزامات يصعب تنفيذها. وتخشى من تحميلها مسؤوليات تتجاوز قدراتها الدفاعية الفعلية في ظل إعادة هيكلة جيشها وبرامج التحديث الجارية. وتضغط كييف للحصول على تعهدات محددة وذات إطار زمني واضح، خصوصا في مجال الدفاع الجوي والطيران، وهي ملفات تتطلب موارد مالية ضخمة واستعدادات طويلة.
التوازنات بين باريس وبرلين
وعلى المستوى الأوروبي، لا تزال التوازنات بين باريس وبرلين حاضرة بقوة، خاصة أن ألمانيا تعد أحد أكبر المساهمين في الدعم العسكري لأوكرانيا. وقد يؤدي أي اتفاق كبير بين فرنسا وكييف إلى خلق حساسيات لدى برلين التي تسعى بدورها لتقديم نفسها كقوة رئيسية في الأمن الأوروبي، خصوصا بعد إعلانها عن أضخم ميزانية دفاعية منذ الحرب العالمية الثانية. إن زيارة زيلينسكي إلى باريس تمثل نقطة تحول جديدة في العلاقات الفرنسية الأوكرانية، وربما تمهد لمرحلة مختلفة من التعاون تتجاوز الدعم الفوري إلى بناء شراكة استراتيجية طويلة المدى.
فرنسا ـ أوكرانيا : تعميق التعاون الدفاعي
فمن المتوقع أن تشهد المرحلة المقبلة تعميق التعاون الدفاعي بين البلدين، سواء عبر مشاريع إنتاج مشتركة أو عبر تحويل فرنسا إلى أحد الضامنين الأساسيين لأمن أوكرانيا. كما قد تساهم الزيارة في تعزيز الدور الفرنسي داخل الاتحاد الأوروبي بوصفه طرفًا قادرًا على قيادة ملف الدعم لكييف في ظل تراجع الاهتمام الأميركي. وبالنظر إلى المستقبل، تبدو فرنسا معنية أكثر من أي وقت مضى بتثبيت موقعها في المشهد الأمني الأوروبي عبر الملف الأوكراني. وإذا تمكن الطرفان من تطوير اتفاقات ملموسة، فقد تكون هذه الزيارة حجر الأساس لشراكة تمتد إلى ما بعد الحرب، وتشمل الدفاع وإعادة الإعمار والطاقة. أما إذا اقتصرت على رسائل سياسية دون اتفاقات عملية، فإنها ستظل محطة رمزية في سياق البحث عن حلول طويلة الأمد لحرب لم تضع أوزارها بعد.
الضمانات الأمنية الفرنسية لأوكرانيا
تركز باريس في المرحلة الحالية على تقديم حزمة من الضمانات الأمنية طويلة الأمد لأوكرانيا، تتجاوز نمط المساعدات العسكرية التقليدية. وتشمل هذه الضمانات:
ـ الدعم العسكري المستمر : تعهّد فرنسي بتأمين إمدادات ثابتة من الأسلحة والذخائر، وتوفير تدريب طويل المدى للقوات الأوكرانية، إضافة إلى تعزيز التعاون الصناعي الدفاعي بهدف تطوير قدرات أوكرانيا ذاتيا في الإنتاج والتحديث العسكري.
ـ التزامات دفاعية مستقبلية: تعمل فرنسا على صياغة إطار تعاون أمني يمتد لمرحلة ما بعد الحرب، يتضمن دعم بناء الجيش الأوكراني، وتطوير قدراته الجوية والدفاعية، والمشاركة في برامج تسليح استراتيجية تُبقي أوكرانيا قادرة على ردع أي تهديد روسي مستقبلي.
ـ شراكة أمنية أوروبية واسعة: تسعى باريس إلى أن تكون جزءا من تحالف أوروبي ضامن يقدم مساعدات أمنية منتظمة، ويطور آليات مشتركة للردع والدعم العملياتي، بما يمكن أوكرانيا من الاندماج تدريجيًا في المنظومة الأمنية الأوروبية دون الوصول الفوري إلى عضوية الناتو.
تحاول فرنسا الجمع بين دعم أوكرانيا في الحرب وتعزيز موقعها ضمن الترتيبات الأمنية الأوروبية لما بعد النزاع، وهو ما يمنح باريس دورا أكبر في توجيه سياسات الأمن الأوروبي خلال السنوات المقبلة.
النتائج
ـ تأتي زيارة الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي إلى باريس في توقيت بالغ الحساسية، سواء على مستوى التطورات الميدانية أو الضغوط الداخلية التي يواجهها في كييف على خلفية ملفات الفساد والمحيط السياسي المقرب منه.
ـ ورغم كونها الزيارة التاسعة له إلى فرنسا منذ اندلاع الحرب الروسية في فبراير 2022، فإنها تحمل هذه المرة أبعادا أكثر عمقًا، خصوصا في ظل حديثه عن “اتفاق كبير قيد التحضير مع فرنسا” يُرجح أن يكون مرتبطًا بتعزيز منظومات الدفاع الأوكرانية خلال المرحلة المقبلة.
ـ هناك مؤشرات مؤكدة تشيرعلى أن يكون هناك اتفاق جديد بشأن مقاتلات فرنسية مثل “رافال”. أن السياق الأوسع يشير إلى أن باريس تعمل على توسيع تعاونها العسكري مع كييف، بما في ذلك التعاون الصناعي الدفاعي وإمكانية رفع قدرات سلاح الجو الأوكراني ضمن رؤية طويلة المدى.
ـ ورغم أهمية الزيارة، تبقى التحديات قائمة، إذ إن أي التزامات أمنية فرنسية كبيرة قد تثير نقاشا داخل الاتحاد الأوروبي حول حدود الدعم لأوكرانيا ومستقبله، كما قد تواجه صعوبة في التنفيذ العملي.
ـ تعكس الزيارة محاولة من الطرفين لإعادة ضبط مسار الشراكة الاستراتيجية بينهما. فباريس تسعى إلى ترسيخ دورها القيادي في الملف الأوكراني، بينما يعمل زيلينسكي على تأمين ضمانات أمنية واقتصادية تُساعد بلاده على الصمود في حرب طويلة ومعقدة.
ـ وفي حال نجحت المحادثات في إحراز تقدم ملموس، فقد تشكل هذه الزيارة إحدى المحطات المحورية في صياغة ترتيبات ما بعد الحرب، وفي تعزيز الدور الفرنسي في الأمن الأوروبي خلال السنوات المقبلة
*حقوق النشر محفوظة إلى المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الارهاب والاستخبارات ـ ألمانيا وهولندا ECCI
