المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والاستخبارات، ألمانيا وهولندا ECCI، وحدة الدراسات والتقارير “1”
تعيش محادثات جنيف يوم 23 نوفمبر 2025 حول أوكرانيا لحظة فارقة، إذ تتقاطع فيها الإرادات الدولية من جديد بحثًا عن مخرج دبلوماسي يبدو بعيد المنال حتى الآن. ومع عودة الولايات المتحدة إلى واجهة الوساطة عبر الخطة الأميركية المعدلة، ارتفع مستوى الحراك الدبلوماسي، بينما استمرت أوروبا في التعبير عن قلقها من أي تسوية لا تراعي أمنها الاستراتيجي، في الوقت الذي تحاول كييف التمسك بسيادتها وسط ضغوط معقدة تأتي من الشرق والغرب معا.لم تكن الأجواء في جنيف هادئة، فالخلافات الجوهرية بين الأطراف لا تزال حاضرة بقوة، وإن جاءت مغطاة بلغة دبلوماسية إيجابية. وما بين تصريحات متفائلة لوزير الخارجية الأميركي وحديث الكرملين عن انفتاح إيجابي، تتكشف ملامح صراع طويل بين الأطراف على تحديد سقف التسوية وشروطها قبل أي اتفاق محتمل. الأمن الدولي ـ كيف يؤثر الدور الأوروبي على مسار مفاوضات حرب أوكرانيا؟
الخطة الأميركية وتحوّلات الموقف في واشنطن
تأتي الخطة الأميركية التي حملتها إدارة الرئيس دونالد ترامب وتضمنت ثمانية وعشرين بندا كأول محاولة جدية لإعادة صياغة مسار الحرب منذ أشهر طويلة. واشنطن تبدو مصمّمة على اختبار قدرة الأطراف على قبول صيغة سلام واقعي وفق المفهوم الأميركي، مستفيدة من إرهاق الجميع واستنزاف قدرات أوروبا على تمويل حرب طويلة لا نهاية له. تقوم الخطة على فكرة أن الحرب بلغت نقطة التشبع، وأن استمرار القتال لن يؤدي إلى تغير جغرافي كبير، وبالتالي لا بد من اتفاق يضمن وقف الاشتباكات، حتى وإن تضمن تنازلات من الأطراف كافة. غير أن الجزء الأكثر إثارة للجدل في الخطة يتعلق بالمطالب الروسية التي وافقت واشنطن على إدراجها ضمن مسودة التفاوض، وفي مقدمتها فكرة تنازل كييف عن أجزاء من الأراضي، وتقليص حجم جيشها، ومنعها دستوريا من الانضمام إلى حلف الناتو.
هذه الشروط، التي أثارت غضب كييف وعواصم أوروبية عديدة، ليست مجرد بنود تقنية، بل تعكس تغييرا في مقاربة واشنطن للحرب، من منطق “الانتصار الأوكراني” إلى منطق إدارة النزاع. وقد منح ترامب الرئيس الأوكراني مهلة حتى 27 نوفمبر 2025 للرد النهائي على المسودة، وهو ما اعتبرته كييف ضغطًا غير مسبوق يختبر قدرتها على المناورة في لحظة تعاني فيها البلاد من إنهاك عسكري واقتصادي.
الموقف الروسي والانفتاح المشروط
بعث الرئيس الروسي بوتين برسالة سياسية واضحة خلال مكالمته مع نظيره التركي أردوغان يوم 24 نوفمبر 2025، حين أشار إلى أن المقترحات الأميركية قد تكون “أساسا واقعيا لتسوية سياسية”. لكن هذا الانفتاح الروسي لا يعني تغييرا حقيقيا في مواقف موسكو، بل يعكس رغبة في إدارة الحوار من موقع قوة بعد إحكام السيطرة على مناطق واسعة شرقي أوكرانيا وجنوبها. تطمح موسكو إلى تثبيت مكاسبها الميدانية وتحويلها إلى مكاسب سياسية، مع ضمان تحييد أوكرانيا عن الناتو وتخفيف جزء من العقوبات، إضافة إلى إعادة صياغة التوازن الأمني في أوروبا بطريقة تقلل من النفوذ الغربي في فضائها التقليدي. ولذلك فإن ما يبدو إيجابية روسية لا يعدو كونه استعدادا لإظهار مرونة تكتيكية دون المساس بالخطوط الاستراتيجية التي حددتها القيادة الروسية منذ العام 2022.
التحفظ الأوروبي: ترحيب ناعم وشروط صارمة
لم يمر البيان المشترك لقادة الاتحاد الأوروبي الصادر من جوهانسبرغ في قمة العشرين يوم 22 نوفمبر 2025 مرور الكرام. فقد حرص الأوروبيون على استخدام لغة دبلوماسية ترحب بالجهود الأميركية، لكن مع وضع سلسلة من الرسائل المبطنة التي تكشف عمق الخلاف بين بروكسل وواشنطن حول طبيعة التسوية. على الرغم من أن الأوروبيين تجنبوا رفض الخطة الأميركية بشكل مباشر، فإنهم أشاروا إلى ما يشبه خطوطًا حمراء لا يمكن تجاوزها: رفض أي تغيير في الحدود بالقوة، وهو ما يعني عمليا رفض الاعتراف بسيادة روسيا على القرم ودونباس؛ رفض فرض قيود على الجيش الأوكراني؛ ورفض أي مسار يمس الناتو أو الاتحاد الأوروبي دون موافقة جميع الأعضاء. وهذه الشروط تكشف أن أوروبا لا تنظر إلى الخطة الأميركية كحل نهائي، بل كمسودة بحاجة إلى مراجعة جذرية. فبالنسبة للأوروبيين، فإن القبول بتسوية تتضمن اعترافًا ضمنيًا بالسيطرة الروسية سيفتح الباب أمام مزيد من عدم الاستقرار على المدى البعيد، وسيجعل الأمن الأوروبي رهينة لتوازنات هشة.
أوكرانيا بين معادلات الداخل وضغوط الخارج
تدخل أوكرانيا هذه المحادثات وهي في وضع داخلي شديد الحساسية. فالقيادة الأوكرانية لا تستطيع سياسيا أو شعبيا القبول بالتنازل عن الأراضي، ولا يمكنها الموافقة على خفض جيشها أو تجميد خيار الانضمام إلى الناتو. هذه الخيارات قد تطيح بالرئيس الأوكراني نفسه داخليا، وقد تؤدي إلى زعزعة الجبهة الداخلية في وقت تستنزف فيه أوكرانيا قدراتها على الخطوط الأمامية. وفي الوقت ذاته، تجد كييف نفسها أمام ضغوط حقيقية من واشنطن بضرورة التعامل بمرونة أكبر مع المسار التفاوضي، وضغوط موازية من بعض الدول الأوروبية التي ترى ضرورة الحفاظ على الوحدة الأوروبية في أي تسوية مستقبلية، دون تقديم تنازلات قد تعتبر انكسارا أمام موسكو.
النتائج
ـ تبدو محادثات جنيف بعيدة جدا عن تحقيق اختراق سريع. فالفجوة بين شروط الأطراف لا تزال واسعة، والثقة بين روسيا وأوكرانيا تكاد تكون معدومة، فيما تتخذ أوروبا موقفًا حذرا، والولايات المتحدة تمارس دور الوسيط الذي يسعى إلى فرض إيقاعه الخاص. ورغم التفاؤل الذي أبداه الدبلوماسيون الأميركيون بأن جنيف قد تكون نقطة الانطلاق نحوحل سياسي واقعي، فإن معظم المؤشرات تتجه نحو مفاوضات طويلة قد تستمر لأسابيع أو أشهر، وربما تنتهي بإطار تفاوضي عام دون اتفاق مفصل. وفي أسوأ السيناريوهات، قد تشهد العملية انتكاسة إذا أصرت الأطراف على شروط قصوى لا يمكن قبولها من الطرف الآخر.
ـ أن جنيف ليست منصة سلام نهائي، بل بداية لمسار تفاوضي معقد، يتداخل فيه النفوذ الأميركي مع مصالح الأوروبيين وطموحات موسكو وحسابات كييف. وبقدر ما تعكس الخطة الأميركية محاولة لاحتواء الحرب، فإنها تكشف في الوقت ذاته حجم الانقسام داخل المعسكر الغربي حول كيفية التعامل مع روسيا، وحول طبيعة المستقبل الأمني لأوروبا. وفي ظل غياب استعداد روسي للتنازل الحقيقي، وعجز أوكراني عن قبول الشروط المطروحة، وتردد أوروبي في قبول تسوية سريعة، يبقى السيناريو الأكثر منطقية هو استمرار الحرب بشكل أو بآخر، مع فتح باب التفاوض على مراحل، دون ضمانات لنجاحه قريبًا.
ـ إن السلام في أوكرانيا لن يولد من جنيف وحدها، ولن يُكتب في واشنطن أو يفرض من موسكو، بل من معادلة دولية جديدة لم تتبلور بعد. وحتى ذلك الحين ستظل الخطط الأميركية مسودات عمل، وستبقى أوروبا في مربع التحفّظ، وستبقى كييف وموسكو تديران الحرب على الأرض بينما يدور العالم حول طاولة تفاوض مفتوحة.
ـ يمكن القول إن أوروبا تُبطئ مسار المفاوضات لأنها لا تريد اتفاقًا سريعًا يُفرض عليها من واشنطن. الأوروبيون يعتبرون أن أي تسوية لا تضع أمن أوروبا أولًا ستكون اتفاقًا ناقصا. لذلك يضغطون لتأمين ضمانات طويلة الأمد قبل الحديث عن صيغة نهائية. من هنا يبدو الدور الأوروبي أقرب إلى دور المعرقل الحذر منه إلى دور الداعم لمسار تفاوضي سريع.
https://www.europarabct.com/?p=112028
*حقوق النشر محفوظة إلى المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الارهاب والاستخبارات ـ ألمانيا وهولندا ECCI
