خاص ـ المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والاستخبارات، ألمانيا وهولندا ECCI، وحدة الدراسات والتقارير “1”
أمن دولي ـ تصريحات مدفيديف، العقيدة النووية الروسية بين الردع والتهديد
قال الرئيس الروسي السابق دميتري مدفيديف يوم 17 يوليو 2025 إن الغرب يشن عمليًا حربًا شاملة ضد روسيا، ويجب على موسكو أن ترد بشكل كامل، وإذا لزم الأمر، أن تشن ضربات استباقية، وفقًا لما نقلته وكالة الأنباء الرسمية الروسية “تاس”.
مدفيديف، نائب رئيس مجلس الأمن الروسي، كان قد قدم نفسه كمحدث ليبرالي عندما تولى الرئاسة بين عامي 2008 و2012، لكنه منذ ذلك الحين أصبح من أبرز الصقور المعادين للغرب في الكرملين. ويقول دبلوماسيون إن تصريحاته تعكس بعضًا من تفكير النخبة السياسية في روسيا.وقال مدفيديف: “ما يحدث اليوم هو حرب بالوكالة، لكنها في جوهرها حرب شاملة (إطلاق صواريخ غربية، استخبارات عبر الأقمار الصناعية، وغيرها)، وحزم من العقوبات، وتصريحات صاخبة عن عسكرة أوروبا”.
وأضاف، بحسب ما نقلت عنه تاس: “إنها محاولة أخرى لتدمير ’الشذوذ التاريخي‘ الذي يكرهه الغرب – روسيا، بلدنا”، واتهم الغرب بمحاولة تقويض موسكو على مدى قرون. وتابع مدفيديف: “يجب أن نتصرف وفقًا لذلك. أن نرد بشكل كامل. وإذا لزم الأمر، أن نشن ضربات استباقية”، مشيرًا إلى أن العديد من الغربيين يحملون “الخيانة في دمائهم” ويملكون “رؤية متقادمة لتفوقهم المزعوم”. يصور حلف شمال الأطلسي (الناتو) بقيادة الولايات المتحدة روسيا على أنها تهديد كبير، وقد صرح سياسيون في أوروبا الغربية أن روسيا – التي أرسلت في عام 2022 عشرات الآلاف من الجنود إلى أوكرانيا – قد تهاجم يومًا ما عضوًا في الناتو.
غير أن مدفيديف رفض المزاعم بأن روسيا قد تهاجم الناتو أو أوروبا يومًا ما، واصفًا إياها بأنها “هراء كامل”، مشيرًا إلى أن الرئيس فلاديمير بوتين قد نفى مرارًا مثل هذه الادعاءات. وقال: “تصريحات السياسيين الغربيين في هذا الشأن هراء كامل. وأضيف أن هذا الهراء يُلقى عمدًا في الفضاء الإعلامي بهدف زعزعة الوضع المتأزم أصلًا. إنها جبهة أخرى من الحرب المفتوحة التي يشنها الغرب ضدنا”.
تجدر الإشارة إلى أن روسيا والولايات المتحدة هما أكبر قوتين نوويتين في العالم، حيث تمتلكان حوالي 87% من إجمالي الأسلحة النووية في العالم، تليهما الصين، فرنسا، بريطانيا، الهند، باكستان، إسرائيل، وكوريا الشمالية، وفقًا لاتحاد العلماء الأمريكيين.
هل تمهد تصريحات مدفيديف لمرحلة أكثر تصعيدًا بين روسيا والغرب؟
تصريحات دميتري مدفيديف الأخيرة حول احتمال تنفيذ ضربات استباقية ضد الغرب ليست مجرد تصريح عابر من سياسي سابق، بل مؤشر عميق على تصاعد الخطاب الحربي داخل النخبة الروسية الحاكمة، وتحوّل مزاج الكرملين من الردع إلى التهديد العلني باستخدام القوة.
تحول في العقيدة الروسية: من الدفاع إلى المبادأة
منذ بداية الحرب في أوكرانيا، ركزت روسيا رسميًا على “الرد على تهديدات الناتو”، لكن مدفيديف يتحدث الآن صراحة عن الضربات الاستباقية، ما قد يعكس تحولًا في العقيدة العسكرية الروسية، خاصة في ظل تعزيز الوجود الغربي في أوروبا الشرقية. هذا التصريح يعكس “تشريعًا استباقيًا” لأي عمليات قد تُبرر لاحقًا بأنها كانت ضرورية لحماية الأمن القومي الروسي.
إعادة تدوير “التهديد النووي” كسلاح سياسي
عندما يربط مدفيديف بين الحرب الجارية في أوكرانيا و”مؤامرة غربية عمرها قرون لتدمير روسيا”، فإنه لا يقدم موقفًا دفاعيًا، بل يرسخ رواية وجودية تهدف إلى حشد الداخل الروسي واستباق أي حلول تفاوضية محتملة، خاصة مع تصاعد الضغوط الاقتصادية والداخلية. كما أن الحديث عن “الخيانة في دماء الغرب” يوظف لغة أيديولوجية متطرفة يمكن أن تُستخدم لتبرير استخدام وسائل غير تقليدية، مثل التهديد باستخدام السلاح النووي أو السيبراني.
توجيه الرسائل إلى الداخل والخارج
تأتي تصريحات مدفيديف في توقيت حساس، حيث يزداد التوتر بين موسكو والناتو، وتقترب أوكرانيا من امتلاك أسلحة غربية بعيدة المدى. لهذا الخطاب وجهان: تهدف التصريحات إلى طمأنة الرأي العام الروسي بأن موسكو مستعدة لكل السيناريوهات، وإظهار القيادة بمظهر القوة والصلابة.هي ايضاً رسالة ردع للناتو، مفادها أن أي تصعيد جديد قد يقابل بخطوات غير تقليدية، وربما “استباقية”، وهو ما يزيد من غموض استراتيجية الرد الروسي. رغم أن مدفيديف لا يمسك اليوم بمقاليد الحكم المباشرة، إلا أن موقعه كنائب لرئيس مجلس الأمن الروسي يجعل من تصريحاته انعكاسًا حقيقيًا لتيار متشدد داخل السلطة. كما أن السماح بنشر تصريح كهذا عبر وكالة “تاس” الرسمية يعطيه صفة شبه رسمية، وقد يكون اختبارًا لردود الفعل الغربية قبل أي تصعيد محتمل.
السيناريوهات المستقبلية المحتملة
ـ تصعيد سياسي – إعلامي: ستوظف موسكو هذا النوع من التصريحات لتضييق الخناق على أي مبادرات تفاوضية لا تراعي شروطها الأساسية.
ـ مزيد من المناورات العسكرية في أوروبا: قد ترد روسيا ميدانيًا عبر مناورات على حدود الناتو، تحمل طابعًا هجوميًا لا دفاعيًا.
ـ تصعيد إلكتروني أو استهداف عبر وكلاء: تشير التجارب السابقة إلى أن التصعيد قد لا يكون مباشرًا، بل عبر عمليات سيبرانية أو عبر وكلاء في مناطق التماس.
ـ توسيع الخطوط الحمراء: من المحتمل أن تُعيد موسكو رسم “خطوطها الحمراء” في أوكرانيا، لتشمل وصول صواريخ غربية بعيدة المدى أو نشر قوات أوروبية، ما يفتح الباب أمام صدام مباشر.
إن تصريحات مدفيديف تمثل تصعيدًا رمزيًا واستراتيجيًا، وهي ليست فقط تهديدًا موجّهًا للغرب، بل تحذيرًا من ديناميكية صراع دولي قد يتحول من حرب بالوكالة إلى مواجهة مفتوحة، إذا لم تُضبط الإيقاعات السياسية والدبلوماسية. لذلك، فإنها تستحق قراءة جادة من قبل دوائر القرار الغربية، وتستدعي إعادة تقييم لسياسات الردع المتبعة تجاه موسكو.
العقيدة النووية الروسية وتصريحات مدفيديف: بين الردع والتهديد
في سياق التصعيد المتزايد بين روسيا والغرب، أعادت تصريحات دميتري مدفيديف الأخيرة بشأن “الحاجة إلى ضربات استباقية” تسليط الضوء على العقيدة النووية الروسية، وإمكانية تحولها من أداة ردع إلى أداة تهديد فعلي في الصراع الدائر في أوكرانيا وحولها.تُعد العقيدة النووية الروسية إحدى الركائز الأساسية في استراتيجية الأمن القومي، وقد تم توضيح أطرها الرسمية في وثيقة صدرت في يونيو 2020 بعنوان “أسس سياسة الدولة للردع النووي لروسيا الاتحادية”. تحدد هذه الوثيقة أربع حالات يمكن أن تلجأ فيها روسيا إلى استخدام السلاح النووي:
ـ في حال وقوع هجوم نووي أو بأسلحة دمار شامل ضد روسيا أو أحد حلفائها.
ـ في حال وقوع هجوم بأسلحة تقليدية يشكّل تهديدًا وجوديًا للدولة.
ـ إذا تم التأكد من إطلاق صواريخ باليستية باتجاه الأراضي الروسية.
ـ إذا تم استهداف مواقع القيادة والسيطرة أو البنية التحتية النووية الروسية.
ورغم أن الوثيقة لا تذكر صراحةً عبارة “الضربة النووية الاستباقية”، فإنها تترك مساحة تأويل كافية تسمح باتخاذ قرارات هجومية في حال وجود تهديدات تعتبرها موسكو وشيكة أو وجودية. وفي هذا الإطار، تكتسب تصريحات مدفيديف أهمية خاصة، لا سيما حين يتحدث عن “الضرورة المحتملة لتنفيذ ضربات استباقية”، في ظل ما وصفه بـ”حرب شاملة غير معلنة” يشنها الغرب ضد روسيا.
يشير الخطاب الذي يستخدمه مدفيديف إلى محاولة لإعادة تعريف مفهوم “التهديد الوجودي”، بحيث لا يقتصر فقط على هجوم مباشر، بل يشمل أيضًا تطورات استراتيجية مثل عسكرة أوروبا، أو نشر صواريخ بعيدة المدى في أوكرانيا، أو حتى استمرار الدعم الاستخباراتي والعسكري الغربي لكييف.ويبدو واضحًا أن مدفيديف لا يتحدث عن مراجعة رسمية للعقيدة النووية، بقدر ما يعبر عن اتجاه متنامٍ داخل دوائر القرار الروسي نحو توسيع تفسير النصوص القائمة وتوظيفها في إطار الردع والضغط السياسي. فالتصريحات، وإن كانت تفتقر إلى الصفة الرسمية المباشرة، إلا أن نشرها عبر وكالة “تاس” الرسمية يُكسبها وزنًا دلاليًا كبيرًا، ويجعل منها بمثابة اختبار لردود الفعل الغربية.
إن التلويح باستخدام الأسلحة النووية، سواء في السياق الدفاعي أو الاستباقي، بات جزءًا من أدوات السياسة الخارجية الروسية. ومع أن استخدام السلاح النووي لا يزال، من الناحية السياسية، خيارًا أخيرًا محفوفًا بعواقب دولية وخيمة، إلا أن حضور هذا الخيار في الخطاب العلني لصقور الكرملين، يعكس تحولًا في المزاج الاستراتيجي الروسي نحو خطاب المواجهة المفتوحة.
تظل العقيدة النووية الروسية أداة ردع تهدف إلى حماية الأمن القومي، لكنها في الممارسة السياسية والإعلامية بدأت تتحول إلى ورقة ضغط متقدمة، تُستخدم لترهيب الخصوم، وفرض معادلات جديدة على أرض الواقع. وتصريحات مدفيديف ليست استثناء، بل جزء من هذا التحول الذي يستدعي من الغرب قراءة دقيقة، وتقديرًا جديدًا لمستوى المخاطر المحتملة.
https://www.europarabct.com/?p=106187
المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والاستخبارات، ألمانيا وهولندا ECCI
