المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والاستخبارات، ألمانيا وهولندا ECCI، وحدة الدراسات والتقارير “1”
أمن دولي ـ تصريحات المستشار الألماني ميرتس والحوار الأوروبي مع موسكو، قراءة استشرافية
أثارت تصريحات المستشار الألماني فريدريش ميرتس الأخيرة يوم الخمس عشر من يناير 2026 بشأن ضرورة إعادة فتح قنوات الحوار مع موسكو جدلاً واسعًا على المستويين السياسي والأوروبي، مما يعكس تحولات براغماتية في الموقف الألماني تجاه الصراع في أوكرانيا. فقد أعلن ميرتس أن الاتحاد الأوروبي بحاجة إلى استعادة التوازن مع الجار الأوروبي الأكبر، في موقف يختلف عن تصريحاته السابقة التي كانت تميل إلى العزلة الدبلوماسية لروسيا. وتأتي هذه التصريحات في سياق شعور ألماني وأوروبي متزايد بأن سياسة العزل لم تعد تحقق مكاسب استراتيجية، وأن استمرار الصراع يفرض ضغوطًا اقتصادية وسياسية داخل الدول الأوروبية.
توقيت التصريحات وأسبابها
يأتي إعلان ميرتس في وقت يشهد تهميش أوروبا في مفاوضات وقف الحرب، حيث تصدر الولايات المتحدة المشهد التفاوضي بشكل مباشر، ما أدى إلى إحجام الاتحاد الأوروبي عن لعب دور فاعل في صياغة التسويات السياسية. ويرى بعض المحللين أن تصريحات ميرتس تعكس رغبة ألمانيا في استعادة موقعها التفاوضي وإظهار قدرتها على إدارة الصراع بشكل مستقل، بعيدًا عن التبعية الكاملة لواشنطن. وعلى الرغم من بعض النظريات التي ربطت هذا التوجه بالخلافات الأوروبية مع إدارة ترامب، بما فيها أزمة غرينلاند، فإن هذا الرابط يظل غير مباشر، ويعكس بصورة أكبر شعورًا أوروبيًا واسعًا بعدم ضمان الاعتماد المطلق على واشنطن.
الانقسام الأوروبي حول الحوار مع موسكو
تشهد أوروبا انقسامًا واضحًا حول فتح الحوار مع روسيا، وليس الانقسام حول مبدأ السلام نفسه. ففي حين يدفع عدد من الدول الغربية الكبرى مثل فرنسا وألمانيا وإيطاليا نحو مقاربة براغماتية تقوم على إعادة فتح الاتصالات الدبلوماسية، يرى معسكر دول أوروبا الشرقية مثل بولندا ودول البلطيق أن أي حوار مع روسيا في الوقت الحالي يمثل تهديدًا لأمنهم ويجب أن يكون مشروطًا بانسحاب موسكو واحترام سيادة أوكرانيا. ويعكس هذا الانقسام أيضًا خلافًا أوسع حول العلاقة مع الولايات المتحدة، حيث تبحث الدول الغربية عن استقلالية سياسية أكبر، بينما تظل دول أوروبا الشرقية حريصة على دعم واشنطن. أمن ألمانيا القومي ـ ما هي احتمالية “المواجهة المباشرة” بين ألمانيا وروسيا؟
انعكاسات تصريحات ميرتس على “مجموعة الراغبين”
شكلت تصريحات ميرتس تحديًا سياسيًا مباشرًا لـ«مجموعة الراغبين» الأوروبية الداعمة لتصعيد الدعم العسكري لأوكرانيا. إذ تقلص هذه التصريحات من قدرة المجموعة على الادعاء بأنها تمثل الإجماع الأوروبي، كما أنها تفرض قيودًا سياسية على الدول الأكثر تشددًا. وقد تشجع تصريحات ميرتس دولًا مترددة على إعادة التموضع، بينما تضعف خطاب الردع المطلق وتعيد تعريف وحدود الدعم العسكري والسياسي.
انعكاسات التصريحات على المفاوضات حول أوكرانيا؟
على المستوى التفاوضي، تكسر تصريحات ميرتس حاجزًا نفسيًا ودبلوماسيًا كان يمنع انخراط أوروبا مباشرة في مسار المفاوضات، وتضفي شرعية سياسية على فكرة التفاوض مع روسيا. وعلى الرغم من عدم حدوث تغييرات فورية، فإن هذه التصريحات تمهد لتوسيع القنوات الدبلوماسية وتعزز احتمالات دور أكبر لأوروبا في أي إطار تفاوضي، سواءً كان أميركي–أوروبي–روسي أو متعدد الأطراف، على أن يظل هذا الدور مرهونًا بقدرة الاتحاد الأوروبي على تجاوز انقسامات داخله. أمن قومي ـ هل اتسعت الفجوة في القدرات العسكرية بين ألمانيا وروسيا ؟
ردود الفعل الروسية
قابلت موسكو تصريحات ميرتس بترحيب حذر، مؤكدة انفتاحها المبدئي على الحوار مع ألمانيا، ولكن دون تقديم تنازلات فورية. وتعتبر روسيا تصريحات ميرتس مؤشرًا على تآكل سياسة العزل الأوروبية وفرصة لتعميق الانقسامات داخل الاتحاد الأوروبي، مع استمرار تفضيل المسار التفاوضي المباشر مع واشنطن بوصفه الأكثر تأثيرًا في صياغة أي تسوية محتملة. وعلى المدى المتوسط، قد تشهد القنوات الخلفية بين موسكو وبرلين وفرنسا انفتاحًا محدودًا، بينما يبقى المسار الرئيسي مرتبطًا بمواقف الولايات المتحدة.
ردود الفعل الأوروبية الرسمية
على المستوى الرسمي، أوضح الاتحاد الأوروبي أن الظروف لم تنضج بعد للحوار مع بوتين بشأن أوكرانيا، مع التأكيد على استمرار دعم أوكرانيا وبناء إطار أمني واضح. ورغم ذلك، أبدت بعض الحكومات الأوروبية مثل إيطاليا، عبر رئيسة الوزراء ميلوني، دعمًا جزئيًا لإعادة فتح الحوار، معتبرة أن أوروبا بحاجة للحديث مباشرة مع روسيا لتعزيز دورها في التفاوض. وتبرز فرنسا موقفًا متحفظًا لكنه يميل إلى استمرار الاتصالات البناءة مع موسكو، بينما تبقى الدول الأوروبية الشرقية متحفظة على أي حوار غير مشروط.
ردود فعل الأحزاب الألمانية
داخل ألمانيا، تباينت مواقف الأحزاب تجاه تصريحات ميرتس. حزب الاتحاد الديمقراطي المسيحي/الاتحاد الاجتماعي المسيحي (CDU/CSU) أبدى دعمًا عام لموقف ميرتس لكنه أصر على أهمية استمرار دعم أوكرانيا وعدم تخفيف الضغط على موسكو. الحزب الاشتراكي الديمقراطي (SPD) أيد الحفاظ على دعم كييف لكنه لم يبدِ تأييدًا مباشرًا للحوار غير المشروط. حزب الخضر شدد على رفض أي تراجع عن سياسة الردع وضرورة استمرار الضغط على روسيا، بينما يميل اليسار إلى النظر إلى الحوار كخيار دبلوماسي محتمل لإنهاء الحرب. من جهته، حزب البديل من أجل ألمانيا (AfD) رأى في الحوار فرصة لتقارب أكبر مع روسيا أو لتقليص الاعتماد على الولايات المتحدة. الأمن الدولي ـ ما الذي دفع ألمانيا وأوروبا إلى إعادة التفكير في التوازن مع موسكو؟
موقف الرأي العام الألماني
استطلاعات الرأي تشير إلى أن الألمان منقسمون حول تصريحات ميرتس، إذ أبدى أكثر من نصف المواطنين دعمًا لإجراء محادثات مع بوتين كخطوة نحو تسوية سياسية، بينما رأى أقلية أن مثل هذا الحوار بلا جدوى. ويظهر أن جزءًا كبيرًا من الرأي العام يفضل الحلول الدبلوماسية على التصعيد العسكري، ويعكس ذلك رغبة في إنهاء الحرب بتكاليف أقل على مستوى الأمن والاقتصاد، مع تباينات جغرافية وسياسية داخل ألمانيا بين الشرق والغرب.
أكدت دراسة صادرة عن مركز (ECFR) أن تصريحات ميرتس تعكس توجهًا ألمانيًا لإعادة الدور الأوروبي إلى المفاوضات مع روسيا بعد تهميش الاتحاد الأوروبي في السنوات الماضية، وأن أوروبا بحاجة لإظهار حضور دبلوماسي مستقل لتعزيز فرص التسوية. كما أشار تحليل نشره معهد تشاتام هاوس البريطاني إلى أن تصريحات ميرتس قد تفتح نافذة دبلوماسية جديدة، لكنها محفوفة بالمخاطر بسبب الانقسامات الداخلية داخل الاتحاد الأوروبي والاختلافات الجغرافية السياسية بين الدول الغربية والشرقية. الدفاع ـ هل ترفض ألمانيا نشر قواتها في أوكرانيا، ولماذا ؟
النتائج
إن تصريحات المستشار الألماني فريدريش ميرتس تمثل تحوّلًا براغماتيًا في السياسة الألمانية تجاه روسيا، وتفتح المجال السياسي والدبلوماسي أمام خيارات الحوار التي كانت محظورة سابقًا. ومع أن التصريحات لم تؤدِ إلى تغييرات فورية في السياسة الأوروبية أو المفاوضات، فإنها تشكل نقطة انطلاق لمناقشات أوسع داخل الاتحاد الأوروبي، وقد تؤثر على تشكيل مواقف الأحزاب والأجهزة الحكومية، فضلاً عن انعكاسها على الرأي العام الأوروبي والألماني. وتظل قدرة أوروبا على لعب دور فاعل في التفاوض مع موسكو مرهونة بتوحيد موقفها الداخلي وتجاوز الانقسامات القائمة.
من المتوقع أن تقدم ألمانيا لأوكرانيا دعمًا متعدد الأبعاد يشمل استمرار الإمدادات العسكرية المحدودة، بما في ذلك الأسلحة الدقيقة ونظم الدفاع الجوي، إلى جانب المساعدات المالية والاقتصادية لتعزيز قدرة كييف على مواجهة الضغوط الروسية. هذا الدعم سيكون متوازنًا بين تلبية الالتزامات العسكرية وتحاشي تصعيد مباشر قد يضر بالمصالح الألمانية. وفي الوقت نفسه، فإن العلاقة المتوترة مع روسيا تعكس انعكاسات ملموسة على الاقتصاد الألماني، حيث أدت العقوبات المتبادلة وانقطاع إمدادات الطاقة إلى زيادة تكاليف الإنتاج وارتفاع أسعار الغاز والكهرباء، مما أثار مخاوف داخل القطاع الصناعي الألماني والاقتصاد الكلي عن القدرة على التحمل على المدى الطويل.
أما احتمال إجراء اتصالات مباشرة بين بوتين وميرتس، فهو قائم في ظل الانفتاح الحذر الذي أبدته موسكو على الحوار الأوروبي، لكنه مرتبط بالجدية الأوروبية في تقديم مقترحات عملية وتوافق داخلي ألماني حول الشروط. ومن المرجح أن تكون هذه الاتصالات محدودة ومؤقتة، مع التركيز على تبادل وجهات النظر والاستماع لمواقف الطرفين دون التوصل إلى تسوية فورية. وقد يؤدي موقف ميرتس إلى أن تتبع بعض دول أوروبا الغربية، مثل فرنسا وإيطاليا، خطوة الحوار بحذر، فيما قد تظل دول أوروبا الشرقية متشددة في رفض أي محادثات قبل تحقيق شروط أمنية واضحة، ما يعكس استمرار الانقسام الأوروبي حول النهج المناسب في التعامل مع روسيا.
رابط مختصر .. https://www.europarabct.com/?p=113675
*حقوق النشر محفوظة إلى المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الارهاب والاستخبارات ـ ألمانيا وهولندا ECCI
