المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والاستخبارات، ألمانيا وهولندا ECCI
المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والاستخبارات، ألمانيا وهولندا ECCI، وحدة الدراسات والتقارير “1”
أمن دولي ـ تحالف “الراغبين” في باريس: ضمانات أمنية لأوكرانيا أم تمهيد لتدويل الصراع؟
يعكس اجتماع تحالف الراغبين في باريس تحولا نوعيا في مقاربة الدول الغربية للحرب الأوكرانية، حيث لم يعد التركيز محصورا في دعم كييف عسكريا أثناء الحرب، بل انتقل إلى مرحلة ما بعد وقف إطلاق النار، وما يتطلبه ذلك من ترتيبات أمنية طويلة الأمد. إن توقيع إعلان نوايا بين فرنسا وبريطانيا وأوكرانيا يوم السادس من يناير 2026 ، وبحضور أميركي مباشر، يشير إلى محاولة سد الفجوة بين إنهاء القتال ومنع عودة الحرب، في ظل قناعة غربية بأن أي اتفاق سلام دون ضمانات أمنية عملية سيكون هشًا وقابلًا للانهيار. أن الحديث عن قوة متعددة الجنسيات، حتى وإن بقيت تفاصيلها غامضة، يؤكد أن العواصم الأوروبية الكبرى لم تعد تراهن فقط على الردع السياسي أو الاقتصادي، بل باتت ترى في الانتشار العسكري المحدود أداة ضرورية لضمان الاستقرار.
ورغم أن تحالف الراغبين يقدَم كإطار أوروبي الطابع، إلا أن إعلان باريس أكد بوضوح أن الولايات المتحدة ستقود آلية مراقبة وقف إطلاق النار.هذا الدور يعكس مقاربة أميركية تقوم على: تفويض الأوروبيين بالانخراط الميداني، مقابل احتفاظ واشنطن بدور القيادة السياسية والأمنية العليا وتجنب التورط العسكري المباشر على الأرض الأوكرانية.توحي تصريحات المبعوث الأميركي ستيف ويتكوف حول اكتمال التخطيط للضمانات الأمنية بأن واشنطن تسعى إلى تثبيت نتائج الحرب دون الانزلاق إلى مواجهة مباشرة مع روسيا، مع إبقاء ملف التنازلات الإقليمية مؤجلًا أو مرحلًا. الأمن الدولي: ماذا عن مجموعة الراغبين وحدود الضمانات الأمنية لأوكرانيا؟
فرنسا وبريطانيا… طموح القيادة الأوروبية
تتصدر باريس ولندن المشهد داخل التحالف، ليس فقط عبر الخطاب السياسي، بل من خلال الاستعداد الفعلي لإنشاء قواعد ومراكز عسكرية داخل أوكرانيا بعد وقف إطلاق النار. ويعكس هذا التوجه: سعي فرنسا لتعزيز موقعها كقائد أمني أوروبي مستقل نسبيا عن واشنطن، ومحاولة بريطانيا، بعد “بريكست”، تأكيد استمرار دورها كلاعب أمني مركزي في القارة. غير أن هذا الطموح يصطدم بواقع حساس، يتمثل في رفض روسيا القاطع لأي وجود عسكري تابع للناتو على الأراضي الأوكرانية، ما يفتح الباب أمام تصعيد سياسي وربما أمني حتى في مرحلة ما بعد الحرب.
الحذر الألماني والانقسام الأوروبي
على عكس فرنسا وبريطانيا، جاء الموقف الألماني أكثر تحفظًا. فالمستشار فريدريش ميرتس لمح إلى إمكانية مشاركة ألمانية في تأمين أوكرانيا، لكن من دون نشر قوات داخل أراضيها. هذا الحذر يعكس: المخاوف التاريخية والسياسية في برلين من الانخراط العسكري المباشر شرقا والانقسام الأوروبي الداخلي حول حدود المخاطرة المقبولة مع روسيا إضافة إلى القلق من تحميل ألمانيا أعباء أمنية إضافية في ظل ضغوط داخلية واقتصادية. الأمن الدولي في بيئة النزاعات الإقليمية، استشراف التهديدات المستقبلية لأوروبا
التحديات القانونية والسياسية
يبقى تنفيذ ما تم الاتفاق عليه مشروطًا بعدة عقبات، أبرزها: ضرورة مصادقة البرلمانات الوطنية في الدول المشاركة، غياب اتفاق واضح حول حجم القوات وتفويضها القانوني، عدم حسم مسألة تمويل الجيش الأوكراني على المدى الطويل، واستمرار الخلاف حول قضايا السيادة والأراضي التي ترفض موسكو التنازل عنها. هذه العوامل تجعل من إعلان باريس إطارًا سياسيًا عامًا أكثر منه خطة تنفيذية جاهزة.
ماهي الضمانات الأمنية؟
تعكس الضمانات الأمنية الجديدة التي يجري بحثها ضمن إطار “تحالف الراغبين” تحوّلًا في المقاربة الغربية من دعم أوكرانيا أثناء الحرب إلى بناء منظومة ردع لما بعد وقف إطلاق النار، تقوم على مزيج من الانتشار العسكري المحدود، واستمرار تسليح الجيش الأوكراني، وآلية مراقبة تقودها الولايات المتحدة. ولا تهدف هذه الضمانات إلى استبدال الجيش الأوكراني أو جر دول الناتو إلى مواجهة مباشرة مع روسيا، بقدر ما تسعى إلى منع عودة الأعمال القتالية ورفع كلفة أي خرق محتمل للاتفاق، عبر حضور دولي رمزي لكنه مؤثر سياسيا. غير أن فعالية هذه الضمانات ستظل مرهونة بوضوح تفويضها القانوني، والتزام الدول المشاركة بها، وقبول روسيا بالأمر الواقع، وهي شروط تجعل من هذه الترتيبات عامل استقرار محتمل، أو بؤرة توتر جديدة، وفقًا لمسار التطورات الميدانية والسياسية.
ماهو دور الولايات المتحدة في المفاوضات والضمانات الأمنية؟
يبرز الدور الأميركي في المفاوضات والضمانات الأمنية بوصفه دورا مركبا يجمع بين الوساطة والانخراط كطرف غير مباشر، إذ تحرص واشنطن على تقديم نفسها كضامن وراع لأي تسوية محتملة من خلال قيادة آلية مراقبة وقف إطلاق النار وتنسيق الضمانات الأمنية، دون الانخراط العسكري المباشر على الأرض الأوكرانية. غير أن هذا الدور لا يرقى إلى حياد الوسيط التقليدي، في ظل الدعم العسكري والسياسي المستمر لكييف، ما يجعل الولايات المتحدة طرفا مؤثرا في ميزان القوة ومسار التفاوض في آن واحد. وبهذا المعنى، تسعى واشنطن إلى إدارة الصراع لا حسمه، وتثبيت مخرجاته بما يخدم توازن الردع مع روسيا، مع تفويض الأوروبيين بتحمل الكلفة الأمنية الميدانية، الأمر الذي يحدد طبيعة الدور الأميركي كـ”وسيط منحاز” يوازن بين متطلبات التسوية ومقتضيات الصراع الاستراتيجي الأوسع.
ماذا عن رد روسيا حول الضمانات الأمنية؟
تنظر روسيا إلى الضمانات الأمنية الجديدة وتحركات “تحالف الراغبين” باعتبارها محاولة غير مباشرة لتكريس وجود غربي طويل الأمد في أوكرانيا تحت غطاء وقف إطلاق النار، وهو ما يتعارض مع الخطوط الحمراء التي أعلنتها موسكو مرارا، خاصة ما يتعلق برفض أي انتشار لقوات تابعة للناتو على الأراضي الأوكرانية. موقف روسيا : التشكيك في شرعية هذه الترتيبات واعتبارها تهديدا لأمنها القومي، بالتوازي مع استخدام أدوات الضغط العسكرية والاقتصادية والدبلوماسية لإفراغها من مضمونها، سواء عبر فرض شروط مشددة في المفاوضات أو عبر إبقاء مستوى محسوب من التوتر الميداني. وفي هذا السياق، تسعى موسكو إلى اختبار فاعلية الضمانات عبر خروقات محدودة أو تصعيد غير مباشر، بهدف التأكيد أن أي ترتيبات أمنية لا تراعي المصالح الروسية ستبقى عرضة للانهيار. الامن الدولي ـ تحالف الراغبين، قمة باريس تحدد الضمانات الأمنية متعددة الأطراف لأوكرانيا
ماذا عن مستقبل مفاوضات أوكرانيا؟
تشير مخرجات قمة باريس في السادس من يناير 2026، إلى أن مسار المفاوضات حول أوكرانيا يدخل مرحلة جديدة تتسم بطول النفس وتعقيد الحسابات، حيث لم تهدف القمة إلى فرض تسوية سياسية نهائية بقدر ما سعت إلى تهيئة إطار لإدارة الصراع في مرحلة ما بعد وقف محتمل لإطلاق النار. فالقضايا الجوهرية المرتبطة بالسيادة والحدود والترتيبات الأمنية النهائية لا تزال مؤجلة، في مقابل تركيز غربي واضح على أولوية تثبيت وقف إطلاق النار ومنع العودة السريعة إلى العمليات العسكرية. وفي هذا السياق، يتوقع أن تستمر المفاوضات بصيغة تدريجية وبطيئة، أقرب إلى تجميد الصراع منها إلى إنهائه، مع السعي إلى بناء إجراءات ثقة محدودة تخضع لاختبارات ميدانية وسياسية متكررة.
يُرجح أن يظل الدور الأميركي محوريا في إدارة هذا المسار، لكن من دون أن يتحول إلى وساطة تقليدية، إذ تسعى واشنطن إلى الجمع بين قيادة الضمانات الأمنية وتفويض الحلفاء الأوروبيين بتحمل الأعباء الميدانية، مع الحفاظ على موقعها كفاعل مؤثر في ميزان القوى التفاوضي. هذا الدور المركب قد يحد من فرص التقدم السريع في المفاوضات، في ظل استمرار الشكوك الروسية في نيات الغرب، وسعي موسكو إلى اختبار جدية الضمانات المطروحة عبر أدوات الضغط السياسية والعسكرية غير المباشرة. وفي المقابل، تجد الدول الأوروبية نفسها أمام معادلة صعبة تجمع بين الطموح لقيادة مرحلة ما بعد الحرب والقيود السياسية والقانونية الداخلية، ما قد يؤخر ترجمة التعهدات السياسية إلى التزامات تنفيذية واضحة.
وضمن هذا المشهد، يُتوقع أن تتسم المرحلة المقبلة بتجاذب مستمر بين محاولات تثبيت التهدئة وبين مخاطر الانزلاق إلى تصعيد محسوب، تستخدمه الأطراف لتحسين شروطها التفاوضية. وعليه، فإن مستقبل المفاوضات بعد قمة باريس سيظل مرهونًا بقدرة الأطراف الدولية على إدارة التوازن الدقيق بين الردع والتسوية، ومنع تحوّل الضمانات الأمنية إلى عامل توتير جديد، في مسار يبدو أقرب إلى إدارة أزمة طويلة الأمد منه إلى إنهاء شامل للصراع.
قراءة مستقبلية: إلى أين يتجه تحالف الراغبين؟
ـ بات مرجحاً هو تشكيل قوة رمزية محدودة الانتشار، بعيدة عن خطوط التماس، تهدف إلى الردع السياسي أكثر من التدخل العسكري المباشر، مع استمرار الاعتماد على الجيش الأوكراني كخط الدفاع الأول. في حال فشل وقف إطلاق النار أو خرقه، قد تتحول القوة متعددة الجنسيات إلى عامل تدويل إضافي للنزاع، ما يرفع احتمالات الاحتكاك غير المباشر بين روسيا والغرب. إن أي وجود عسكري أوروبي داخل أوكرانيا، حتى تحت مسمى “ضمانات أمنية”، سيُنظر إليه في موسكو كتهديد استراتيجي، ما قد يؤدي إلى تجميد طويل الأمد للعلاقات الأوروبية ـ الروسية.
ـ يشكل تحالف الراغبين اختبارًا لقدرة أوروبا على لعب دور أمني مستقل نسبيا، لكن نجاحه سيظل مرهونا بالدعم الأميركي السياسي والاستخباراتي، ما يحد من مفهوم الاستقلال الاستراتيجي الأوروبي.
ـ إن اجتماع باريس لايمثل نهاية لمسار الحرب الأوكرانية، بل بداية مرحلة أكثر تعقيدًا، تتداخل فيها حسابات الردع والسلام وإعادة التموضع الجيوسياسي. وبينما يسعى الغرب إلى منع عودة الحرب، تبقى المخاطر قائمة بأن تتحول الضمانات الأمنية نفسها إلى عامل صدام جديد في صراع لم تُحسم جذوره بعد.
ـ يكشف مسار المفاوضات حول أوكرانيا أن الدور الأوروبي لا يزال يتأرجح بين السعي لفرض مقعد فاعل على طاولة التفاوض وخطر التهميش لصالح الدور الأميركي ـ الروسي المباشر، إذ تحاول العواصم الأوروبية، ولا سيما باريس ولندن، تحويل انخراطها العسكري والسياسي إلى نفوذ تفاوضي يضمن لها دورا في صياغة ترتيبات ما بعد الحرب. غير أن محدودية أدوات الضغط الأوروبية المستقلة، والانقسامات داخل الاتحاد الأوروبي، واستمرار الاعتماد على المظلة الأميركية، كلها عوامل تقلّص قدرة أوروبا على لعب دور الوسيط أو الشريك المتكافئ في المفاوضات. ونتيجة لذلك، يُرجح أن يكون الدور الأوروبي في مرحلة الضمانات الأمنية وإعادة الإعمار، أكثر منه حاسما في القرارات الاستراتيجية الكبرى المتعلقة بحدود التسوية وشروطها، ما يجعل أوروبا حاضرة في التنفيذ، لكنها مهددة بالتهميش في لحظة الحسم التفاوضي.
رابط مختصر .. https://www.europarabct.com/?p=113316
*حقوق النشر محفوظة إلى المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الارهاب والاستخبارات ـ ألمانيا وهولندا ECCI
