بون ـ المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والاستخبارات ECCI ـ وحدة الدراسات (25)
الأمن الدولي في بيئة النزاعات الإقليمية، استشراف التهديدات المستقبلية لأوروبا
تشهد البيئة الأمنية الأوروبية تحوّلًا بنيويًا عميقًا؛ فقد أعادت حرب أوكرانيا احتمالية المواجهات العسكرية الكبرى إلى أوروبا، وكشفت محدودية الجاهزية الدفاعية لدى العديد من الدول الأوروبية، ما دفعها إلى مزيد من الإنفاق العسكري والتسلّح. وفي الوقت نفسه، تعود التوترات في البلقان إلى الواجهة، مهددة بإعادة فتح جبهات عدم استقرار قريبة من حدود الاتحاد الأوروبي. كما أظهرت حرب غزة كيف يمكن لصراع بعيد جغرافيًا أن يُحدث انقسامات حادة داخل المجتمعات الأوروبية، ويؤثر في الأمن الداخلي والتماسك الاجتماعي. إلى جانب ذلك، تبرز إيران عاملَ ضغط غير مباشر على أوروبا، سواء عبر دعمها العسكري لحلفائها، أو من خلال أنشطتها الاستخبارية وتأثيرها في أمن الطاقة والتجارة العالمية.
حرب أوكرانيا والتهديد الوجودي للأمن الأوروبي
أدت حرب أوكرانيا إلى زعزعة النظام الأمني الأوروبي للعام الرابع على التوالي؛ فهي تُشكّل منعطفًا هامًا لأوروبا، وتُقلب المفاهيم السائدة حول النظام الأمني والاستقرار في القارة، حيث قد دفعت الحرب، سياسات الأمن والدفاع إلى صدارة أولويات الدول الأوروبية. أعاد تحذير الأمين العام لحلف الناتو “مارك روتّه” الصريح تعريف الخطاب الأمني؛ إذ أكد، خلال منتدى أمني عُقد في برلين في 11 ديسمبر 2025: “أن روسيا قد تكون مستعدة لمهاجمة أحد أعضاء الناتو في غضون الخمس سنوات المقبلة إذا استمرت الأوضاع على ما هي عليه”. وحذر روتّه الحلفاء من أن التراخي أمر خطير، مسلطًا الضوء على توسع الإنتاج العسكري الروسي، وعملياته الهجينة، واستعداده للتصعيد خارج حدود أوكرانيا ما لم يتم تعزيز الردع. أضاف روتّه: “أن اقتصاد الحرب الروسي، الذي يُنتج الطائرات المسيّرة والصواريخ والقذائف بوتيرة متواصلة، قد تحوّل من دعم صراع إقليمي إلى تشكيل تحدٍ مباشر للأمن الأوروبي الأطلسي، مما يضغط على الوقت المتاح لحلف الناتو للاستعداد والتكيف”.
تضمنت رسالة روتّه دعوة ملحّة لزيادة الإنفاق الدفاعي والإنتاج بشكل كبير في جميع أنحاء الحلف، بما يتماشى مع الالتزامات، مثل هدف الناتو المتمثل في زيادة الإنفاق الدفاعي بنسبة 5% من الناتج المحلي الإجمالي، والذي تم الاتفاق عليه خلال العام 2025. وهي رسالة عززتها بريطانيا بدعوتها إلى الاستعداد العاجل. نبّه رئيس أركان الدفاع البريطاني في 15 ديسمبر 2025، إلى أن روسيا أظهرت نيتها وقدرتها على تحدّي حلف شمال الأطلسي باستخدام القوة التقليدية والعمليات الهجينة والضغط العسكري المتواصل، حتى في ظل انشغالها بحرب أوكرانيا. وشدّد على أن الردع لم يعد يعتمد على افتراضات مهلة الإنذار أو التصعيد التدريجي، داعيًا بدلًا من ذلك إلى رفع مستوى الجاهزية، وتعزيز المخزونات، وتسريع وتيرة نشر القوات في مختلف فروع القوات المسلحة.
صوّر المستشار الألماني فريدريش ميرز في 14 ديسمبر 2025، حرب أوكرانيا لا كنزاعًا جيوسياسيًا محدودًا، بل كاعتداء ممنهج على النظام الأوروبي، محذرًا من أن سياسة الاسترضاء أو الإرهاق الاستراتيجي ستؤدي إلى مزيد من العدوان. وقد شبّه ميرز فلاديمير بوتين بأدولف هتلر، في واحدة من أشد التصعيدات الخطابية حدةً من قبل زعيم أوروبي في منصبه منذ بدء حرب أوكرانيا. وباعتبارها صادرة من برلين، تحمل هذه اللغة ثقلًا خاصًا، وتشير إلى مدى التحول الجذري الذي طرأ على نظرة ألمانيا للتهديد منذ عام 2022.
انتقلت ألمانيا إلى قلب الصحوة الاستراتيجية في القارة. وفي تحولٍ جذري، أعلنت برلين نشر قوات إضافية على الحدود الشرقية لبولندا، في إشارة إلى أن الدفاع عن الجناح الشرقي بات ضرورة ألمانية، لا أمريكية فحسب. تأتي هذه التحركات في وقتٍ تُحلل فيه أوروبا بقلق استراتيجية “لنجعل أوروبا عظيمة مجددًا” المسرّبة من إدارة ترامب القادمة، والتي تُهدد بترجيح كفة التوافق الأيديولوجي على التماسك المؤسسي. يعكس هذا التدخل إجماعًا متزايدًا داخل الجيوش الغربية على أن افتراضات زمن السلم لم تعد صالحة. فبينما التزم القادة السياسيون في المملكة المتحدة بزيادة الإنفاق الدفاعي وتحديث القدرات، تشير القيادة العسكرية إلى أن مواطن الضعف الهيكلية، لا سيما في الذخائر، والقدرة على الصمود، وعمق التعبئة، لا تزال قائمة. أمن دولي ـ أوروبا تسعى لتوسيع دورها في أوكرانيا، نحو قوة متعددة الجنسيات وضمانات أمنية
البلقان وعودة النزاعات الكامنة
عادت منطقة غرب البلقان، بعد أن كانت مهمشة بسبب تعثر أجندة التوسع، إلى محور اهتمام الاتحاد الأوروبي، تدفع الضغوط الجيوسياسية الاتحاد إلى دمج الأمن والدفاع في علاقاته مع المنطقة. تشهد منطقة البلقان تصاعدًا مقلقًا في التوترات السياسية والأمنية، تنعكس بدورها على الأمن الأوروبي، ما يعيد إلى الواجهة مخاوف من عودة النزاعات. في أكتوبر ونوفمبر 2025، شهدت المنطقة حوادث اختطاف وتوترات على الحدود، واتهمت كوسوفو شرطة صربيا بدخول أراضيها والاعتداء على مواطنين، في مؤشر على هشاشة الوضع الأمني رغم وجود قوات حفظ السلام التابعة للناتو. وبالنسبة إلى البوسنة والهرسك، لا يزال اتفاق دايتون للسلام 1995 يواجه تحديات بنيوية طويلة الأمد؛ إذ تؤكد تقارير الناتو أن البلاد ما تزال تواجه أزمة سياسية عميقة نتيجة انقسامات إثنية ومطالب انفصالية من جمهورية صربسكا، مهددةً السلام الهش في ظل استمرار الجمود السياسي.
تلعب القوى الخارجية دورًا مؤثرًا في تأجيج أو احتواء هذه التوترات. فقد أعلن وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف أن موسكو ترصد زيادة في القدرات العسكرية في البلقان، وحذّر من محاولات تغيير موازين القوة في المنطقة، معتبرًا ذلك مؤشرًا على تدخلات غربية قد تُهيّج التوترات المحلية. في المقابل، تُظهر تحليلات غربية أن روسيا ترى في البلقان منطقة ضغط إستراتيجيًا لتحدي النفوذ الغربي في أوروبا، خاصة في ظل حرب أوكرانيا. أصبحت منطقة غرب البلقان مؤشرًا رئيسيًا على تغيّر النظام الأمني الأوروبي، الذي يتشكل بفعل تزايد التسلح وتنامي النفوذ الخارجي. وبعد مرور أكثر من أربع سنوات على حرب أوكرانيا، يتمحور اهتمام الأوروبيين حول احتواء روسيا على جبهة الناتو والجناح الشرقي للاتحاد الأوروبي، وتعزيز القدرة على الصمود في وجه التهديدات الهجينة، وتحمل مسؤوليات حفظ السلام على مقربة من حدودهم.
تُسهم ألبانيا على غرار جارتها الجبل الأسود، في مجموعات حلف شمال الأطلسي القتالية في لاتفيا وبلغاريا، حيث تنشر (500) جندي في مهام الحلف والاتحاد الأوروبي في أي وقت. وتُبذل جهود متواصلة لجذب الاستثمارات الأجنبية إلى الصناعات الدفاعية في البلاد، وتحديث الجيش، وتعزيز التعاون مع الحلفاء الآخرين، رغم استمرار بعض التوترات، وتطوير تقنيات الذكاء الاصطناعي. كما تخطط تيرانا لتوسيع قدراتها اللوجستية ذات الاستخدام المزدوج، وإنشاء مرافق تخزين وتدريب جديدة لدعم مهام الحلف بشكل أفضل. الاتحاد الأوروبي ـ كيف يُمكن أن تملأ الصين فراغ النفوذ الأوروبي في البلقان؟
حرب غزة وتداعيات على الأمن الداخلي الأوروبي
انعكست حرب غزة، منذ بدايتها في أكتوبر 2023، سريعًا على الساحات الأوروبية بتصاعد ملامح الانقسام الاجتماعي والسياسي داخل المجتمعات الأوروبية. فقد شهدت العديد من الدول مظاهرات واسعة مؤيدة للفلسطينيين تطالب بوقف إطلاق النار، في مقابل دعم حكومات لأطراف الصراع، مما أدى إلى توترات داخل الحوارات العامة حول الموقف الرسمي الأوروبي من الحرب.
ويشمل هذا الانقسام أطيافًا سياسية من اليمين إلى اليسار، ويعكس استقطابًا متصاعدًا في الخطاب العام حول إسرائيل وفلسطين. وفق تقرير اليوروبول لعام 2025، فقد أثرت الصراعات الدولية، بما في ذلك النزاع في غزة، على خطاب التطرف داخل الاتحاد الأوروبي، حيث ساهم ذلك في تعزيز روايات العنف والتحريض بين مجموعات صغيرة، لا سيما عبر الفضاء الرقمي.
شهدت العديد من الدول الأوروبية زيادة ملحوظة في الجرائم وخطابات الكراهية المعادية للسامية منذ اندلاع الحرب في غزة. وقد سُجّلت (1,676) حادثة معادية للسامية في فرنسا عام 2023، مقارنة بـ (436) حادثة في عام 2022، أي بزيادة تفوق ثلاثة أضعاف تقريبًا بعد اندلاع الحرب. كما أشار تقرير لوزارة الخارجية الإسرائيلية إلى ارتفاع يصل إلى (400%) في الأنشطة المعادية للسامية في أوروبا منذ اندلاع الحرب في غزة.
إيران والتهديدات غير المباشرة لأوروبا
تُعبّر العديد من العواصم الأوروبية عن قلق متزايد من أبعاد السياسات الإيرانية التي تُشكّل تهديدًا مباشرًا أو غير مباشر للأمن الأوروبي، سواء من خلال الأنشطة العسكرية والإقليمية، أو التدخلات الاستخبارية داخل القارة، أو التوترات الإقليمية التي يمكن أن تتدحرج نحو صراع شامل. يُشكّل برنامج إيران الصاروخي الضخم، الذي يُعد من بين الأكبر في المنطقة، وسعيها المتواصل لامتلاك القدرات النووية، مخاطر إقليمية وعالمية جسيمة. تُراقب أوروبا التطورات في الملف النووي الإيراني؛ إذ حذّرت من أن طهران لا تزال تقترب من قدرات تخصيب اليورانيوم التي تثير مخاوف استراتيجية، مما قد يضطر الاتحاد إلى تفعيل آليات رقابية وعقابية دولية.
أشار مجلس الاتحاد الأوروبي في نوفمبر 2024 إلى أن إيران ساهمت في تزويد روسيا بصواريخ باليستية وطائرات مسيّرة استُخدمت في حرب أوكرانيا، وهو ما وصفته المؤسسات الأوروبية بأنه خطر مباشر على أمن القارة وسبب لتوسيع العقوبات ضد طهران. أصدرت مجموعة من الدول، بينها ألمانيا، فرنسا، إسبانيا، هولندا، السويد، والمملكة المتحدة، بيانًا مشتركًا في 31 يوليو 2025 يُدين ارتفاع محاولات القتل والخطف والمضايقات التي يقوم بها جهاز المخابرات الإيراني داخل أوروبا، معتبرةً أن هذه الأعمال انتهاك صارخ للسيادة الأوروبية وتُشكّل تهديدًا مباشرًا للأمن الداخلي. وعلاوة على ذلك، وبفضل موقعها الاستراتيجي ونفوذها الإقليمي، تمتلك إيران القدرة على بسط نفوذها على مضيق هرمز ومنطقة الخليج العربي، فضلًا عن باب المندب والبحر الأحمر، وهي مناطق حيوية للتجارة العالمية وأمن الطاقة. أمن دولي ـ تداعيات التصعيد العسكري بين إسرائيل وإيران على الأمن الإقليمي والدولي . ملف
السودان وسوريا ـ الأزمات المنسية وتداعياتها
تتجاوز تداعيات الحروب والصراعات في مناطق الشرق الأوسط، مثل السودان، حدودها الجغرافية لتؤثر في الأمن الأوروبي من خلال الهجرة والنزوح، وانتقال التطرف والإرهاب، والتوترات السياسية والاجتماعية الداخلية. وهذه التأثيرات متعددة الأبعاد، وتنعكس على السياسات الأوروبية من ناحية الأمن، والاقتصاد، والاندماج الاجتماعي. أسفرت الحرب في السودان منذ أبريل 2023 عن أكبر أزمة نزوح في العالم، مع أكثر من (11.5) مليون شخص نزحوا داخل البلاد، و(3.5) مليون فرّوا إلى دول الجوار بحلول 2025، فيما تشهد أعداد اللاجئين ارتفاعًا مستمرًا. ويواصل بعض هذه التدفقات رحلته نحو شمال إفريقيا ثم أوروبا عبر البحر الأبيض المتوسط ومسارات الهجرة غير النظامية، ما يضيف ضغطًا إضافيًا على أنظمة اللجوء الأوروبية ويثير جدلًا سياسيًا حول سياسات الحدود واللجوء.
حذّرت وكالات الاستخبارات الأوروبية في 12 مايو 2025 من أن عدم استقرار سوريا يمكن أن يعيد تنشيط جماعات جهادية قد تُشكّل تهديدًا أمنيًا داخل القارة، سواء من خلال تمدد نفوذها إلى الخارج أو عبر تنشيط الخلايا المتطرفة داخل أوروبا. ينسجم هذا التحذير مع الهجمات التي نفذها مواطنون أوروبيون شاركوا في مناطق الصراعات أو عادوا منه في العواصم الأوروبية، ما يجعل ملف مكافحة الإرهاب أحد أولويات السياسات الأمنية الأوروبية المرتبطة بالنزاع السوري، سواء في سياسات الحدود أو تبادل المعلومات الاستخباراتية.
تقييم وقراءة مستقبلية
ـ تُبرز حرب أوكرانيا عودة الصراع العسكري الواسع إلى القارة، وتفرض على الدول الأوروبية إعادة بناء قدراتها الدفاعية بسرعة تفوق إيقاع المؤسسات التقليدية، وكشف البلقان هشاشة الأمن الأوروبي في خاصرته الجنوبية الشرقية، وقدرة الفاعلين الخارجيين على توظيف النزاعات المجمّدة كورقة ضغط استراتيجية.
– أثبتت النزاعات الإقليمية على صعيد التهديدات غير المباشرة، ، مثل حرب غزة، والصراعات في سوريا والسودان، أنها تؤثر مباشرة في الاستقرار الداخلي الأوروبي. فالجرائم وخطابات الكراهية المعادية للسامية، والنشاطات المتطرفة، والانقسامات الاجتماعية والسياسية، أصبحت تمثل تحديات مستمرة للسلام الاجتماعي الأوروبي.
ـ تمثل إيران عامل ضغط على أوروبا من خلال دعمها العسكري لحلفائها، وأنشطتها الاستخبارية، وقدرتها على التحكم في مسارات الطاقة والتجارة العالمية.
ـ من المرجح أن يستمر الأمن الأوروبي في مواجهة تهديدات متعددة المستويات على مدى السنوات القادمة، نتيجة تداخل النزاعات الإقليمية والتهديدات الداخلية، فحرب أوكرانيا ستظل محورًا أساسيًا للضغط العسكري، حيث يُتوقع استمرار الاستثمارات في الردع والجاهزية العسكرية.
ـ من المحتمل أن تظل أوروبا تواجه ضغوطًا داخلية من التطرف والهجرة غير النظامية، خاصة مع تداعيات الأزمات في غزة وسوريا والسودان. سيكون لذلك تأثير مباشر في الأمن المجتمعي، مع احتمال استمرار زيادة الجرائم المعادية للسامية ونشاطات الجماعات المتطرفة، وهذا سيستدعي تطوير قدرات الاستخبارات والأمن السيبراني، وتعزيز برامج الاندماج والتوعية لمواجهة الاستقطاب الاجتماعي.
ـ بات متوقعًا أن تتعزز جهود الاتحاد الأوروبي لدعم أمن الجناح الشرقي والجنوب، عبر بناء أطر مؤسسية للتعاون الدفاعي، ومشاركة الموارد الاستخباراتية، وتعزيز القدرة على الاستجابة السريعة للأزمات. وسيكون هذا التعاون عاملًا حاسمًا لتخفيف تأثيرات النزاعات الخارجية على القارة.
رابط مختصر.. https://www.europarabct.com/?p=113243
*حقوق النشر محفوظة إلى المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والاستخبارات
الهوامش
European security in a time of war: Standing with Ukraine, against Russia and without the US
2025 in the Western Balkans: A year-end SITREP
2025 – FINAL – IRAN’S THREAT TO REGIONAL AND EURO-ATLANTIC SECURITY
EU sees Syria instability as terror risk
