المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والاستخبارات، ألمانيا وهولندا ECCI، وحدة الدراسات (26)
الناتو وروسيا بين التصعيد والتفاوض
تتجه العلاقات بين روسيا والناتو إلى مرحلة توترات غير مسبوقة منذ بداية حرب أوكرانيا في 24 فبراير 2022، في ظل تصاعد الحرب الهجينة بين الطرفين والتقارير الاستخباراية التي تشير إلى تصاعد مخاطر المواجهة المباشرة بين الناتو وروسيا خلال المرحلة المقبلة، نظرًا لاقتراب نيران حرب أوكرانيا من حدود الناتو، في ضوء الاتهامات الغربية لروسيا بشن هجمات على دول أوروبية، وتنديد روسي بالحشد العسكري للناتو بالقرب من حدودها.
العلاقات الأوروبية – الروسية بعد حرب أوكرانيا
انتقلت العلاقات بين أوروبا وروسيا من مرحلة الاستقرار النسبي الحذر إلى توترات متصاعدة في أعقاب حرب أوكرانيا. وشهدت تراجعًا حادًا في درجة التمثيل الدبلوماسي وإغلاق سفارات بين الجانبين. وبحسب تقديرات الخارجية الروسية، في مارس 2024، تجاوز عدد الدبلوماسيين الروس المطرودين من دول الناتو وأوروبا، حاجز الـ (1000) موظف. اتخذت دول مثل ألمانيا، في مايو 2023، إجراءات صارمة بإغلاق نحو (4) من أصل (5) قنصليات روسية على أراضيها. وفرضت التشيك وبلغاريا ورومانيا مبدأ “المعاملة بالمثل”، ما أدي لتقليص البعثات الروسية بها لعشرات الأشخاص.
وخفضت دول البلطيق “إستونيا، ولاتفيا، وليتوانيا” تمثيلها الدبلوماسي مع روسيا، إلى مستوى القائم بالأعمال بعد سحب سفرائها وطرد السفراء الروس من عواصمها. في المقابل اعتمدت موسكو الرد الصارم، فكل قرار طرد أوروبي لسفرائها كان يقابله طرد فوري للدبلوماسيين الأوروبيين من روسيا. وأعلن الاتحاد الأوروبي، في 15 سبتمبر 2026، وضع سقف للبعثة الروسية عند (40) موظفًا، ووضع متطلبات جديدة للسفر داخل منطقة شنغن.

على مستوى الاقتصاد، بين الربع الأول من 2022، والربع الأخير من 2025، تراجعت صادرات الاتحاد الأوروبي إلى روسيا، بنسبة (61%) وانخفضت وارداته منها بنسبة (90%). وتراجعت حصة روسيا من صادرات الاتحاد خارج حدوده من (3.2%) إلى (1.2%). وانخفض اعتماد الاتحاد على الغاز الروسي من (45%) إلى (12%) في 2025 من إجمالي وارداته، وحُظر الفحم الروسي بالكامل. وتقلصت واردات النفط الروسي من (27%) إلى (2%). أقر الاتحاد الأوروبي، في 26 يناير 2026، خطة للتخلص التدريجي والكامل من واردات الغاز الروسي عبر الأنابيب والغاز الطبيعي المسال قبل نهاية 2027، ودخل حيز التنفيذ في 3 فبراير 2026، وبدأ تطبيق الحظر التدريجي في 18 مارس 2026، ومن المقرر أن ينتهي استيراد الغاز الطبيعي المسال الروسي بالكامل نهاية 2026، بينما يكتمل حظر الغاز الروسي عبر الأنابيب في خريف 2027.
بلغت العقوبات الأوروبية على روسيا (21) حزمة، واعتمد الاتحاد الأوروبي، في 23 أبريل 2026، الحزمة الـ (20). وأقر الاتحاد وبريطانيا بالتزامن، في 13 يوليو 2026، أول حزمة عقوبات سيبرانية، إذ استهدفت بريطانيا (24) فردًا وكيانًا، بينما فرض الاتحاد عقوبات على (9) أفراد و(4) كيانات، في سياق الرد على الهجوم السيبراني على شبكة الكهرباء البولندية في ديسمبر 2025. وفي 23 يوليو 2026، اعتمد الاتحاد الحزمة الـ (21)، والتي تضمنت (218) إدراجًا جديدًا بين أفراد وكيانات.
احتدم سباق التسليح التقليدي، إذ ارتفع الإنفاق الدفاعي لدول الاتحاد من (218) مليار يورو في 2021 إلى (418) مليار يورو في 2025. ومن (1.6%) من الناتج المحلي في 2023، إلى (1.9%) في 2024، ونحو (2.1%) في 2025. ويستهدف الاتحاد تعبئة (800) مليار يورو حتى 2029 للجاهزية الدفاعية. بينما يقدر إجمالي الإنفاق العسكري الروسي في 2025، بنحو (190) مليار دولار، بزيادة (5.9%) عن 2024، بما يعادل (7.5%) من الناتج المحلي الإجمالي، ويقدر الإنفاق العسكري المخطط في 2026، بنحو (14.9) تريليون روبل.
يرى ستيفان مايستر، رئيس برنامج النظام الدولي والديمقراطية بالمجلس الألماني للعلاقات الخارجية، أن حرب أوكرانيا دفعت الاتحاد الأوروبي إلى الانتقال من دور معياري واقتصادي إلى فاعل جيوسياسي وأمني، مشيرًا إلى أن السياسة الروسية تنطلق من مفاهيم مناطق النفوذ والعمق الاستراتيجي وتوازن القوى، ما أدى لتحول البيئة الأمنية في أوروبا واحتمالية توسع المواجهة الروسية – الأطلسية، مع توسع الحرب الهجينة الروسية ضد أوروبا. يوضح يوجين رومر، مدير برنامج روسيا وأوراسيا بمؤسسة كارنيغي للسلام الدولي، أن المواجهة الجغرافية بين روسيا والناتو تتسع، نظرًا لأن موسكو ترى زيادة القدرات العسكرية الأوروبية قرب حدودها تهديدًا لأمنها، لذا تبقى القدرات النووية الروسية تحديًا أمنيًا لأوروبا.
أوروبا بين دعم أوكرانيا وتجنب الحرب مع روسيا
تواجه أوروبا معضلة في التوازن بين مساندتها لأوكرانيا وتجنب التصعيد مع روسيا. وعقب اختراق نحو (19) مسيرة روسية لأجواء بولندا في 10 سبتمبر 2025، أطلق الناتو عملية “الحارس الشرقي” لتعزيز الجناح الشرقي، بينما حين انتهكت (3) مقاتلات “ميغ-31” الأجواء الإستونية لمدة (12) دقيقة، اكتفى الحلف بمرافقتها للخارج لا إسقاطها، ما يعني اتباع الناتو وأوروبا سياسة الردع مقابل تجنب الانخراط في حرب مباشرة مع موسكو، التي هددت مسبقًا بإن إسقاط المسيرات الروسية يعني حربًا بين روسيا والناتو. مع تصاعد الحرب الهجينة بين روسيا وأوروبا، وفي 19 مايو 2026، حدث أول إسقاط لمسيرة أجنبية بأجواء دول البلطيق بواسطة مقاتلة للناتو، رغم تبين أنها طائرة مسيرة أوكرانية انحرفت عن مسارها، فإن الحادث يشير إلى تشدد استجابة الناتو في بعض حالات الانتهاك الجوي.
التزم (35) عضوًا في تحالف “الراغبين” في باريس، في 6 يناير 2026، بضمانات ملزمة سياسيًا وقانونيًا تُفعل عقب دخول وقف إطلاق النار حيز التنفيذ، ووقعت فرنسا وبريطانيا وأوكرانيا إعلان نوايا لنشر قوات على الأرض في حال التوصل لاتفاق سلام، دون تحديد حجم القوة أو المساهمات. بينما تظل المعضلة في رفض روسيا نشر قوات أوروبية بأوكرانيا، معتبرة أنها بمثابة حرب مباشرة معها. يشير تحليل للمجلس الأطلسي إلى أن أوروبا تسير على حبل مشدود، بين تقديم مساعدات عسكرية ومالية حاسمة لأوكرانيا، وتجنب مواجهة عسكرية مباشرة كارثية مع روسيا، ومع تزايد حديث الأوروبيين عن أوكرانيا باعتبارها درعًا يحمي القارة من روسيا، يظهر الخطر في تراخي أوكرانيا بشأن تحمل العبء الأمني الحالي لأجل غير مسمى. ويوضح أن التفاؤل المتزايد في أوروبا يعود لتغير ديناميكيات روسيا في خطط المعارك، حيث يواجه الجيش الروسي صعوبة في التقدم في أوكرانيا، مع تصاعد الضربات الأوكرانية في العمق الروسي. ملف أمن دولي ـ حرب أوكرانيا، أوروبا بين إدارة الصراع والتقارب الدبلوماسي مع روسيا
هل أصبحت أوروبا طرفًا مباشرًا في الصراع؟
رغم تقديم أوروبا لأوكرانيا، أكثر من (235) مليار دولار ما بين يناير 2022 حتى فبراير 2026 ، مقابل نحو (135) مليار دولار من الولايات المتحدة، ما يعني تجاوز أوروبا الولايات المتحدة كممول وداعم لأوكرانيا في حربها، فإن أوروبا ليست منخرطة في الحرب، بينما يعد استخدام القوة العسكرية المباشرة ضد روسيا، أو فرض حظر جوي بالتنسيق مع أوكرانيا، انخراطًا في النزاع. قال نائب وزير الدفاع الليتواني كارولس أليكسا “نحن في المنطقة الرمادية بين السلم والحرب”، متوقعًا تجهيز روسيا لعمل ضد الغرب خلال (5) سنوات.
يرى مايكل شميت، باحث بمعهد ليبر بأكاديمية ويست بوينت، أن تزويد أوكرانيا بالمساعدات العسكرية لا ينتهك قانون الحياد، ولم يتسبب في نزاع مسلح بين الدول الأوروبية الداعمة وروسيا. ويوضح معهد الأبحاث الاستراتيجية للجيش الفرنسي، أنه بالرغم من تنامي الدعم المقدم لأوكرانيا، لم تصبح هذه الدول طرفًا في النزاع. بينما يرى إيفو دالدر، سفير أمريكي سابق بالناتو، أن روسيا في حرب مع أوروبا، مستشهدًا بتصاعد الحرب الهجينة من الهجمات السيبرانية والاغتيالات وحملات التضليل. خلال سبتمبر 2026، اتهم الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، بعض القادة الأوروبيين بأنهم يدقون طبول الحرب، مع التأكيد على عدم وجود نوايا هجومية لدى موسكو.
تصاعد الحرب الهجينة وتأثيرها على العلاقات الدبلوماسية
تضاعف عدد الهجمات الروسية الهجينة (4) مرات بين عامي (2023-2024)، ووقعت (151) حادثة ما بين (فبراير 2022- مارس 2026)، وسجلت رومانيا وحدها (29) اختراقًا لمسيرات روسية لمجالها الجوي وأكثر من (100) هجوم روسي قرب حدودها منذ 2022. وشملت الحوادث انتهاكًا لأجواء بولندا وإستونيا، وتسببت في إغلاق مطارات دنماركية. يوضح ديلاور خان، متخصص في الجغرافيا السياسية لجنوب آسيا والدراسات الاستراتيجية، أن حرب أوكرانيا أدت لتصعيد الحرب الهجينة، التي تجمع بين الأدوات العسكرية وغير العسكرية لتحقيق أهداف استراتيجية، وباتت الهجمات الإلكترونية على البنية التحتية الحيوية والأنظمة المالية والمؤسسات الحكومية سمة أساسية للصراع. مع كل حادث، توجه أوروبا اتهامات للدبلوماسيين الروس بالعمل كغطاء لإدارة شبكات تخريب وهجمات سيبرانية داخل الأراضي الأوروبية. أمن قومي ـ استهداف البنى التحتية، حرب أوكرانيا نموذجاً
ألمانيا وروسيا: هل تتجه العلاقات إلى القطيعة ؟
عثر موظفو مطار “لايبزيغ” الألماني في ليلة الخامس من أغسطس 2026، على طائرة مسيرة مصنعة يدويًا ومزودة بـ (600) غرام من المتفجرات العسكرية شديدة الانفجار. وفي الأول من سبتمبر 2026، اتهمت الحكومة الألمانية روسيا، بالوقوف وراء هذا الهجوم، ما دفعها لتحويل وكالة الاستخبارات الخارجية الألمانية إلى سلاح أكثر فاعلية لمواجهة التهديدات الهجينة، وتشديد الخناق على الأسطول الروسي الخفي. أغلقت ألمانيا القنصلية الروسية في بون ومركزًا ثقافيًا روسيًا في برلين. وشددت الرقابة الحدودية على المواطنين الروس، مع مناقشة تقييد تأشيرات السياحة وتقييد تنقل الدبلوماسيين.
وقالت رئيسة الوفد الروسي إلى مفاوضات فيينا بشأن الأمن العسكري والحد من التسلح، يوليا جدانوفا، في 16 سبتمبر 2026، إن “السياسة الحالية للحكومة الألمانية تشير إلى استعدادها لنزاع محتمل مع روسيا”، منوهة إلى تدريب الجيش وقطاع الصحة بألمانيا على إجراءات استقبال (1000) جريح يوميًا، وأن الناتو يرى في ألمانيا مركزًا لوجستيًا للحلف وأوروبا، لنقل ما يصل إلى (800) ألف جندي و(200) ألف قطعة من المعدات الثقيلة للجناح الشرقي للحلف.
الناتو وروسيا: حدود الردع ومخاطر سوء التقدير
يشير تقرير مركز “GLOBSEC” لعام 2026، إلى جاهزية الجناح الشرقي للناتو، وتحول الدول الأمامية من الحضور الرمزي إلى وضعية جاهزة للقتال، ولكن الردع يبقى معلنًا لا تشغيليًا فعليًا، إن لم تتوافق السرعة السياسية مع سرعة التعبئة العسكرية والصناعية. حول الناتو تدريبات مؤقتة إلى عمليات يقظة مفتوحة زمنيًا، وفي 14 يناير 2025، أطلق عملية “الحارس البلطيقي” وتحولت لاحقًا لبرنامج تسليح دائم باسم “قوة العمل X-Baltic” لمراقبة بحرية مستقلة. وأطلق عملية “الحارس الشرقي”، في 12 سبتمبر 2025، عقب اختراق (19) مسيرة روسية لأجواء بولندا. أنشأ الناتو، في يونيو 2026، كتيبته القتالية التاسعة “القوات البرية الأمامية – فنلندا” بقيادة السويد، لتعزيز الجناح الشمالي الشرقي، ما يعني الانتقال من الفعالية المؤقتة إلى الوضعية الدائمة.
بينما أطلقت روسيا مناورات “زاباد 2025” العسكرية المشتركة مع بيلاروسيا، في (12-16) سبتمبر 2025، بالقرب من حدود بولندا وليتوانيا. ولم تكن مجرد تدريب تقليدي، وشارك فيها نحو (7) آلاف جندي، في مواقع داخل بيلاروسيا وجيب كالينينغراد الروسي وبحري البلطيق والبارنتس. وكان التدريب على التخطيط واستخدام أسلحة نووية غير استراتيجية، ونشر منظومة “أوريشنيك” الباليستية متوسطة المدى القابلة لحمل رؤوس نووية، إلى جانب صواريخ “زركون” فرط الصوتية. كررت روسيا وبيلاروسيا التدريب، في مايو 2026، وشمل التدريب تجهيز وإطلاق ذخائر نووية من مواقع غير مجهزة مسبقًا على الأراضي البيلاروسية، بالتزامن مع اختبار ناجح لصاروخ “سارمات” العابر للقارات. جرت التدريبات في موقع “غوزها” الملاصق لممر سوفالكي، لذا أغلقت بولندا حدودها بالكامل مع روسيا وقتها، ونشرت (40) ألف جندي، وأغلقت لاتفيا حدودها مع روسيا وبيلاروسيا طوال فترة التدريبات. ملف حرب أوكرانيا : العلاقات الأوروبية ـ الروسية، الانفتاح وحدود التقارب،قراءة استشرافية
مصير المفاوضات الروسية – الأوكرانية
تتجه توقعات أوكرانية إلى إجراء مباحثات ثلاثية (كييف، وموسكو، وواشنطن)، في أكتوبر 2026، عقب زيارة المبعوثين الأمريكيين ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر، لموسكو وكييف، في الأسبوع الأول من سبتمبر 2026. ووصف المسؤولون الأوكرانيون والروس، المحادثات مع المبعوثين بـ “البناءة”. جاءت الزيارة عقب توقف المباحثات الروسية الأوكرانية منذ فبراير 2026، ووسط تصعيد الهجمات المتبادلة على البنية التحتية للبلدين. شهد سبتمبر 2026، أعنف موجة تصعيد متبادل في الحرب، وشنت أوكرانيا، في(19سبتمبر 2026، أكبر هجوم بطائرات مسيرة منذ بدء الحرب، بإطلاق أكثر من (1600) مسيرة استهدفت العمق الروسي، وتم توجيه نحو (450) مسيرة نحو موسكو، التي ردت بشن هجمات جوية مكثفة، على قطاعي الطاقة والصناعة الأوكرانية، باستخدام موجات ضخمة من الطائرات المسيرة. أفادت الاستخبارات الأوكرانية، نقلًا عن نائب رئيس المكتب الرئاسي الأوكراني بافلو باليسا، بأن الرئيس الروسي أمر جيشه بإعداد عدة سيناريوهات عملياتية لهجوم في شمال أوكرانيا، مستهدفًا كييف وتشرنيهيف.
الدور الأمريكي في إدارة التصعيد الأوروبي- الروسي
تسبب موقف إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب تجاه الأوروبيين، في تشجيع روسيا على تصعيد الحرب الهجينة في بحر البلطيق وشرق أوروبا، كنوع من الضغط واستغلال التوترات الأمريكية الأوروبية. وفي مؤتمر ميونيخ 2025، اتهم نائب الرئيس الأمريكي جي دي فانس، أوروبا بالتراجع عن الديمقراطية، منتقدًا إلغاء نتائج الانتخابات الرئاسية الرومانية بذريعة التدخل الروسي. وفي المقابل اعترض المسؤولون الأوروبيون على هذه التصريحات، رافضين أي تدخل خارجي في ديمقراطية بلادهم وانتخاباتها.
يعد التقارب الروسي الأمريكي عاملًا لزيادة التوترات بين أوروبا وروسيا، كانت قمة ألاسكا، في 15 أغسطس 2025، بين الرئيسين الأمريكي دونالد ترامب ونظيره الروسي فلاديمير بوتين دليلًا على هذا التقارب وتهميش أوروبا في مباحثات إنهاء حرب أوكرانيا. وفي الوقت الذي تبدي فيه أوكرانيا رغبتها لانعقاد قمة ثلاثية، أعلن المتحدث باسم الكرملين ديمتري بيسكوف، في 23 سبتمبر 2026، استعداد بوتين للقاء ترامب فقط. يوضح المجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية، أن موسكو وواشنطن ترسمان خطوط عالم معاد تنظيمه بدون أوروبا على الطاولة. ويقيم معهد تشاتام هاوس، تأجيل العقوبات الأمريكية لفترة، منحت بوتين مساحة أكبر للمناورة وكسب الوقت. ويوضح تحليل بمؤسسة كارنيغي للسلام الدولي، أن تراجع الارتباط الأمني بين واشنطن وأوروبا، ترى فيه موسكو فرصة لتحقيق هدف طالما سعت إليه، وقد يؤدي تراجع الدور الأمريكي، إلى ظهور قدرات نووية وصاروخية أوروبية أكبر، مما قد يزيد الضغوط الأمنية على روسيا.
هل تستطيع أوروبا إعادة فتح قنوات الاتصال مع موسكو؟
طرح الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، في 19 ديسمبر 2025، فكرة إعادة التواصل مع روسيا، محذرًا من انتهاء الأمر بالتفاوض مع واشنطن فقط دون أوروبا. بينما قالت الممثلة العليا للاتحاد الأوروبي للشؤون الخارجية والسياسة الأمنية، كايا كالاس، في 1 مايو 2025، إنه “لا يمكن العودة إلى الوضع السابق مع روسيا، حتى بعد انتهاء الحرب”. تشير مباحثات وزير الخارجية الروسي، سيرغي لافروف، مع رئيس منظمة الأمن والتعاون بأوروبا، إغناسيو كاسيس، في فبراير 2026، إلى رغبة أوروبا في عودة الاتصالات مع موسكو.
أجرى مساعد لرئيس المجلس الأوروبي أنطونيو كوستا، في 15 يونيو 2026، اتصالات مع الكرملين، لفتح قنوات اتصال وكسر الصمت بين موسكو وبروكسل. ودعا المستشار النمساوي كريستيان شتوكر، لاستغلال الزخم حول محادثات السلام في أوكرانيا، لإعادة فتح المفاوضات مع بوتين. بينما طالب رئيس الوزراء الهولندي روب جيتن، بالجاهزية لأي محادثات مستقبلية، قبل تحديد من يمثل أوروبا. يظل موقف أوروبا الشرقية تحديًا لاتخاذ خطوة، إذ أكد مجلس دول بحر البلطيق، في 29 مايو 2026، في بيان، أن روسيا لاتزال تمثل التهديد المباشر لأمن أوروبا والأطلسي. وأوضح رئيس الوزراء اللاتفي أندريس كولبيرغس، أنه لا جدوى من القنوات الدبلوماسية مع روسيا إذا كانت روسيا لا ترغب في ممارسة الدبلوماسية. وقال وزير الخارجية البولندي رادوسواف سيكورسكي، إن “موسكو لا تبدي حسن نية في مفاوضات سلام ذات معنى”. قمة مجموعة السبع “G7 2026” ـ ما فرص التوصل إلى توافق حول حرب أوكرانيا وإيران؟
ما فرص وقف إطلاق النار والتسوية السياسية؟
– سيناريو الحرب الباردة الجديدة: يعتمد على استمرار الحرب دون الوصول لتسوية سياسية شاملة، وانتقال الصراع من مواجهات عسكرية مكثفة إلى عمليات طويلة الأمد، تجمع بين الردع العسكري والعقوبات والحرب الهجينة والهجمات السيبرانية. وفي هذه الحالة، تستمر المباحثات وسط خلافات بين روسيا وأوكرانيا، ما يعني عدم تحول الهدن المؤقتة إلى سلام مستدام. وقد يؤدي هذا السيناريو إلى إعادة تشكيل الأمن الأوروبي على أساس الردع طويل الأمد، وبقاء قنوات المفاوضات قائمة مع تعزيز الناتو حشده العسكري في الجناح الشرقي، واستمرار تسليح روسيا لقواتها.
– سيناريو الانزلاق إلى مواجهة مباشرة: يعتمد على استمرار التوترات بين روسيا وأوروبا، ما قد يرفع احتمالية وقوع حادث عسكري أو أمني يتجاوز حدود أوكرانيا، وتحديدًا في بحر البلطيق وشرق أوروبا. وتصبح فرص هذا السيناريو قائمة، في ظل ارتفاع وتيرة الحرب الهجينة وحوادث اختراق المسيرات الروسية للأجواء الجوية لدول أوروبا. وقد يبدأ هذا السيناريو نتيجة سقوط مسيرة داخل أراضي عضو في الناتو، أو احتكاك بين طائرات أو سفن روسية وأوروبية، ما يدخل الطرفان في مواجهة عسكرية مباشرة.
تقييم وقراءة مستقبلية
– انتقلت العلاقات بين أوروبا وروسيا من شراكة اقتصادية غير متكافئة إلى ما يشبه القطيعة، ومن المتوقع أن تنكمش هذه العلاقة بصورة أكبر، لاسيما وأن المصالح باتت متضاربة تمامًا، بعد أن تحول ملف الطاقة من علاقة تعاقدية إلى حظر تشريعي بجدول زمني، إضافة إلى أن الطرفين ينظران إلى بعضهما البعض كمصدر تهديد لأمنهما القومي، وقد تواصل أوروبا فرض العقوبات المشددة على القطاعات الروسية، وتستمر روسيا في شن الهجمات السيبرانية واستهداف البنية التحتية لدول أوروبا.
– رغم أن أوروبا ملتزمة بحدود الردع وقواعد الاشتباك مع روسيا، منعًا للانخراط في حرب أوكرانيا بشكل مباشر، أو اندلاع حرب مباشرة مع روسيا، فإن معادلة الأمن والردع والتسليح باتت هي أساس التعامل بين أوروبا وروسيا، بهدف إيصال رسائل واضحة وللجاهزية في حال حدوث أي صدام عسكري.
– تشبه المرحلة الحالية في أوروبا، المرحلة التي سبقت حرب أوكرانيا، من حيث حشد الرأي العام وتوقعات الاستخبارات، بشأن احتمالية وقوع حرب مباشرة بين الناتو وروسيا، ولكن يظل الأمر محكومًا بعدة عوامل وهي؛ الرغبة والقدرة العسكرية للطرفين، وتوقيت المواجهة العسكرية بالتزامن مع حرب إيران وتشابك الأوضاع بالشرق الأوسط. ومن المرجح تجنب الجانبان الروسي والأوروبي التصعيد المباشر، منعًا لاستغلال واشنطن هذا التصعيد لصالح الحرب على إيران، لاسيما وأن أوروبا وروسيا ترفضان استمرار هذه الحرب أو الانخراط فيها.
– يظل موقف أوروبا الشرقية عائقًا أمام فتح قنوات الاتصال بين أوروبا وروسيا، ولكن من المتوقع أن تكون مواقف فرنسا وألمانيا وإيطاليا، المحرك الرئيسي وراء هذه الخطوة، في ظل تقبل الدول الثلاث عودة الحوار مع موسكو، لإدراكها خطورة إغلاق هذا الباب في ظل التقارب الأمريكي الروسي، ورغبة روسيا في الضغط على أوروبا والاستفادة من علاقاتها بالولايات المتحدة، لتمرير صفقة بشأن أوكرانيا دون ضمانات أمنية ودور أوروبي.
– رغم تدهور العلاقة بين ألمانيا وروسيا بعد حادث مطار “لايبزيغ”، واتخاذ ألمانيا إجراءات مشددة، فإن الاعتبارات في الداخل الألماني، عقب الانتخابات المحلية 2026، والتي تصدر فيها تيارا اليسار واليمين، تصبح مؤثرة في أي قرار بشأن التصعيد مع روسيا، التي تراهن على تغير الحكومات الأوروبية في ظل صعود غير مسبوق لأحزاب اليمين.
– من المتوقع أن تعود المفاوضات بين روسيا وأوكرانيا، عبر بوابة الولايات المتحدة، في ضوء التصعيد غير المسبوق بين موسكو وكييف، وضغط واشنطن على الأخيرة لوقف الهجمات على منشآت الوقود والطاقة الروسية، وقد تجد روسيا عودة المباحثات في هذا التوقيت مناسبة لها، كونها المفاوضات الأولى بعد حرب إيران، ما يمنح موسكو فرصة لاستخدام أوراق سياسية أخرى مع واشنطن، لتمارس ضغوطًا على كييف وتمرر شروطها.
رابط مختصر.. https://www.europarabct.com/?p=124926
*حقوق النشر محفوظة إلى المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والاستخبارات ECCI
الهوامش
Putin threat pushes Germany to give spies major new powers
Belligerent and Beleaguered: Russia After the War with Ukraine
The Russia-Ukraine War and Its Political Risk in European Security, 2022-2026
Germany preparing for potential conflict with Russia

