خاص ـ المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والاستخبارات، ألمانيا وهولندا ECCI، وحدة الدراسات والتقارير “1”
الترويكا الأوروبية وإيران: بين ضغوط العقوبات وفرص التفاهم في أسطنبول
يلتقي دبلوماسيون إيرانيون وأوروبيون يوم 25 يوليو 2025 في إسطنبول في محاولة جديدة لكسر الجمود المستمر بشأن برنامج طهران النووي. شارك ممثلون عن بريطانيا وفرنسا وألمانيا، المعروفة باسم دول “E3″، في المحادثات التي عُقدت في مبنى القنصلية الإيرانية، وهي أول محادثات من نوعها منذ اندلاع الحرب التي استمرت 12 يومًا بين إيران وإسرائيل في يونيو، والتي شهدت قيام القاذفات الأميركية بقصف منشآت مرتبطة بالبرنامج النووي الإيراني. أمن دولي ـ الاتفاق النووي، هل تنجح ” الترويكا” الأوروبية في إعادة إيران إلى طاولة المفاوضات؟
تركّزت المحادثات على إمكانية إعادة فرض العقوبات على إيران، وهي العقوبات التي رُفعت في عام 2015 مقابل قبول إيران بفرض قيود وإجراءات رقابية على برنامجها النووي. ووفقًا لدبلوماسي أوروبي تحدّث بشرط عدم الكشف عن هويته نظرًا لحساسية المحادثات، فإن العودة إلى العقوبات، المعروفة بآلية “العودة التلقائية ” (Snapback)، “لا تزال مطروحة على الطاولة”. وقال الدبلوماسي: “تم طرح احتمال تأجيل تفعيل آلية العودة التلقائية على الإيرانيين بشرط وجود انخراط دبلوماسي جاد من جانب إيران، واستئنافها التعاون الكامل مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية، ومعالجة المخاوف بشأن مخزونها من اليورانيوم عالي التخصيب”. وقد صرّح قادة أوروبيون بأن العقوبات ستُعاد بحلول نهاية أغسطس 2025 ما لم يتحقق تقدم ملموس في كبح البرنامج النووي الإيراني.
طهران : ” إعادة بناء الثقة”
قالت طهران إن الولايات المتحدة – التي انسحبت من الاتفاق النووي لعام 2015 خلال الولاية الأولى للرئيس دونالد ترامب – بحاجة إلى إعادة بناء الثقة في دورها التفاوضي. وصرّح نائب وزير الخارجية الإيراني كاظم غريب آبادي أن انخراط إيران يعتمد على “عدة مبادئ رئيسية” من ضمنها “إعادة بناء الثقة، حيث إن إيران لا تثق مطلقًا في الولايات المتحدة”. وفي منشور على وسائل التواصل الاجتماعي يوم 24 يوليو 2025 ، قال أيضًا إن المحادثات لا ينبغي استخدامها “كمنصة لأجندات خفية مثل الأعمال العسكرية”. وأكد غريب آبادي على ضرورة احترام حق إيران في تخصيب اليورانيوم “وفق احتياجاتها المشروعة” ورفع العقوبات عنها.
وقد هددت إيران مرارًا بالانسحاب من معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية (NPT) – التي تلزمها بالامتناع عن تطوير أسلحة نووية – إذا ما أعيد فرض العقوبات عليها. وأُجريت المحادثات على مستوى نواب الوزراء، حيث أوفدت إيران نائب وزير الخارجية مجيد تخت روانجي. وكان قد عُقد اجتماع مماثل في إسطنبول في شهر مايو2025 . ولم تتضح على الفور هوية ممثلي الدول الأوروبية الثلاث، إلا أنه يُعتقد أن نائب المفوض الأعلى للسياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي قد حضر الاجتماع.تجدر الإشارة إلى أن بريطانيا وفرنسا وألمانيا كانت من الدول الموقعة على اتفاق 2015 إلى جانب الولايات المتحدة وروسيا والصين. وعندما انسحب ترامب من الاتفاق عام 2018، أصرّ على أن الاتفاق “ليس صارمًا بما فيه الكفاية”. ووفقًا لنص الاتفاق الأصلي، لا تملك روسيا أو الصين حق النقض (الفيتو) على إعادة فرض العقوبات. مكافحة الإرهاب ـ ما دلالات تصنيف بلجيكا للحرس الثوري الإيراني منظمة إرهابية؟
ومنذ الضربات الإسرائيلية والأميركية على إيران، والتي شملت قاذفات أميركية من طراز B-52 قصفت ثلاثة مواقع نووية، اتهم وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي دول “E3” بالنفاق، قائلاً إنها فشلت في الوفاء بالتزاماتها، بينما دعمت الهجمات الإسرائيلية.وفي ظل الصراع الذي ردّت فيه إيران بهجمات صاروخية على إسرائيل، وضربة استهدفت قاعدة أميركية في قطر، لا يزال المستقبل غامضًا. وبينما يؤكد المسؤولون الأوروبيون أنهم يسعون لتجنّب مزيد من التصعيد ومستعدون لحل تفاوضي، إلا أنهم حذروا من أن الوقت ينفد. وتُصرّ طهران على أنها منفتحة على الدبلوماسية، رغم تعليقها مؤخرًا التعاون مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية.
وقد سلطت الوكالة الدولية الضوء في تقرير صدر في مايو على واحدة من أبرز المخاوف الغربية، حيث كشفت أن مخزون إيران من اليورانيوم المخصب بنسبة 60% – وهي نسبة تقترب من مستوى صنع السلاح – قد تجاوز 400 كيلوغرام 882 رطلاً.وفي مقابلة مع قناة الجزيرة بثّت في وقت سابق ، قال الرئيس الإيراني مسعود بيزشكيان إن إيران مستعدة لحرب جديدة، وأكد أن برنامجها النووي سيستمر ضمن إطار القانون الدولي، مشددًا في الوقت نفسه على أن بلاده لا تنوي السعي وراء امتلاك أسلحة نووية. من جانبه، قال متحدث باسم منظمة الطاقة الذرية الإيرانية إن “الصناعة النووية الإيرانية ستتعافى وتنمو من جديد” بعد الهجمات الإسرائيلية الأخيرة.
أدوات الضغط الإيرانية على الترويكا الأوروبية: نفوذ محدود
رغم أن موازين القوة تميل لصالح الدول الأوروبية الثلاث (ألمانيا، فرنسا، بريطانيا)، إلا أن إيران لا تدخل طاولة المفاوضات خالية الوفاض، بل تحتفظ بجملة من أوراق الضغط التي توظفها بحذر في مواجهة الترويكا. هذه الأدوات لا تمنح طهران القدرة على فرض شروطها، لكنها تُمكّنها من التأثير على سير المفاوضات، وتعقيد الحسابات الأوروبية، لا سيما في ظل البيئة الجيوسياسية المتوترة. أمن دولي ـ إلى أي مدى يمنع تغيير النظام الإيراني من امتلاك سلاح نووي؟
رفع مستوى تخصيب اليورانيوم
تُعدّ الورقة النووية أبرز أدوات الضغط الإيرانية، إذ لطالما لوّحت طهران بإمكانية رفع مستوى تخصيب اليورانيوم، أو الانسحاب من معاهدة عدم الانتشار النووي (NPT)، في حال أعيد فرض العقوبات الدولية عليها. ويُدرك الأوروبيون أن فقدان المسار الدبلوماسي قد يدفع إيران إلى تصعيد نووي يُقوّض نظام الحد من الانتشار، ويُحرج العواصم الأوروبية أمام الرأي العام والمؤسسات الدولية. مكافحة الإرهاب في ألمانيا ـ هل ينبغي الاستعداد لتهديد إيراني أكبر في المستقبل؟
نفوذ إيران الإقليمي
إلى جانب ذلك، تستثمر إيران في نفوذها الإقليمي الواسع عبر شبكة من الفصائل المسلحة في لبنان والعراق وسوريا واليمن. وفي ظل هشاشة الاستقرار الإقليمي، تُعد طهران قادرة على تحريك هذه الملفات بشكل يُهدد مصالح أوروبا الاقتصادية والأمنية، لا سيما ما يتعلق بأمن الطاقة والملاحة، وهو ما يمثل عنصر ردع إضافي.
ملف الهجرة
وعلى نحو غير مباشر، تملك إيران القدرة على التأثير في ملف الهجرة، من خلال احتضانها لعدد كبير من اللاجئين الأفغان، وباعتبارها دولة عبور محتملة لموجات هجرة إضافية نحو أوروبا. هذا العامل يُقلق صانعي القرار في الاتحاد الأوروبي الذين يواجهون ضغوطًا داخلية متزايدة بشأن سياسات الهجرة واللجوء.وتُجيد طهران أيضًا توظيف التباينات داخل الترويكا نفسها. فهي تلوّح بإمكانية التعاون التجاري أو التقني مع دول بعينها مثل ألمانيا، في مقابل موقف أكثر تشددًا من باريس أو لندن. كما أنها لا تتردد في انتقاد الأوروبيين علنًا، واتهامهم بازدواجية المعايير، بما يضعف موقفهم التفاوضي ويحرجهم أمام قواعدهم السياسية والإعلامية.
وفي السياق ذاته، تستخدم إيران خطابًا سياسيًا وإعلاميًا موجهًا ضد العواصم الأوروبية، يُحمّلها مسؤولية الفشل في تنفيذ الاتفاق النووي، ويصورها كأداة في يد واشنطن. وإلى جانب ذلك، يُعتقد أن لدى إيران قدرات إلكترونية متقدمة قد تُوظف – ولو في حدود ضيقة – لاستهداف مصالح أوروبية عند تصاعد التوتر.
النتائج
مؤشرًا جديدًا على استمرار الجهود الدبلوماسية
تشكّل اللقاءات التي عقدت مؤخرًا بين دبلوماسيي الترويكا الأوروبية (بريطانيا، فرنسا، ألمانيا) ونظرائهم الإيرانيين في إسطنبول يوم 25 يوليو 2025 مؤشرًا جديدًا على استمرار الجهود الدبلوماسية لتجاوز الجمود في الملف النووي الإيراني، رغم تصاعد التوترات الإقليمية والضربات الأميركية الأخيرة التي استهدفت منشآت نووية في إيران. وتأتي هذه المحادثات في لحظة دقيقة، حيث تلوح في الأفق إمكانية تفعيل آلية “سناب باك” لعودة العقوبات، وهو ما من شأنه أن يعيد المشهد إلى نقطة المواجهة.أمن أوروبا ـ كيف تتأثر أوروبا بعد الضربات الأمريكية للمواقع النووية الإيرانية؟
فرص محدودة
تبدو فرص التوصل إلى اتفاق شامل محدودة في الوقت الراهن، إلا أن إمكانية التفاهم المؤقت لا تزال قائمة. فالدول الأوروبية الثلاث تدفع باتجاه “صفقة فنية محدودة” تتضمن تجميد إيران لتخصيب اليورانيوم عند مستويات دون عتبة الاستخدام العسكري، مقابل تجنب إعادة فرض العقوبات. من جانبها، تُبدي إيران استعدادًا مبدئيًا للانخراط في هذا المسار، لكنها تشترط اعترافًا بحقها في التخصيب، ورفعًا ملموسًا للعقوبات، وإعادة بناء الثقة، خصوصًا في ظل انعدام الثقة التام تجاه الولايات المتحدة، حسب تصريحات نائب وزير الخارجية الإيراني كاظم غريب آبادي. يمكن القول إن أدوات الضغط الإيرانية تتركز في قدرتها على التعطيل والتصعيد، أكثر من قدرتها على الإملاء. لكنها تظل مؤثرة بما يكفي لفرض الحذر الأوروبي، ودفع الترويكا لتجنب الانزلاق إلى مواجهة شاملة. وهذا ما يجعل من إيران طرفًا تفاوضيًا صعبًا، وإن كان لا يملك اليد العليا.
التأثير الأوروبي: محدود ولكنه ضروري
رغم أن الترويكا الأوروبية لا تملك نفس النفوذ العسكري أو الاقتصادي الذي تملكه واشنطن، إلا أنها لا تزال تمثل شريكًا تفاوضيًا ضروريًا بالنسبة لإيران. تمتلك الدول الأوروبية أوراق ضغط مهمة تتمثل في قدرتها على تفعيل العقوبات الدولية، وتحريك الملف داخل مجلس الأمن والوكالة الدولية للطاقة الذرية. لكنها تواجه في المقابل واقعًا إقليميًا ودوليًا متغيرًا، حيث تعززت علاقات إيران مع روسيا والصين، في ظل تآكل نفوذ أوروبا في طهران. ويلاحظ أن الخطاب الإيراني بات أكثر انتقادًا للدور الأوروبي، خاصة بعد الضربات التي استهدفت منشآت نووية، واتهام وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي لدول الترويكا بـ”النفاق”، لعدم التزامها بتعهداتها في الاتفاق النووي، وتغاضيها عن الضربات الإسرائيلية.
تنسيق واضح مع واشنطن
رغم غياب واشنطن رسميًا عن محادثات إسطنبول، إلا أن تنسيقها مع الترويكا يبدو وثيقًا. فالمواقف الأوروبية، ولا سيما ما يتعلق بإمكانية تفعيل آلية “سناب باك”، تتطابق إلى حد كبير مع الموقف الأميركي الذي يميل إلى التصعيد والضغط. ويعكس ذلك إدراكًا غربيًا مشتركًا لضرورة فرض خطوط حمراء على البرنامج النووي الإيراني، لا سيما بعد التقرير الأخير للوكالة الدولية للطاقة الذرية، الذي أشار إلى تجاوز مخزون إيران من اليورانيوم عالي التخصيب 400 كغم بنسبة 60%. هذا التنسيق لا يغيب عن الإيرانيين، الذين باتوا ينظرون إلى الأوروبيين كامتداد للموقف الأميركي، ما يقلّص من هامش المناورة الدبلوماسية الأوروبية، ويجعل فرص اختراق الجمود مرهونة بتغير في البيئة الإقليمية والدولية.
هل نحن أمام تحول دراماتيكي؟
المشهد الحالي يقف على مفترق طرق. فإما أن تنجح الجهود الدبلوماسية في بلورة تفاهم مؤقت يجنّب التصعيد ويؤسس لمرحلة جديدة من المفاوضات، أو أن تفشل المساعي الأوروبية، وتجد إيران نفسها أمام عودة شاملة للعقوبات، وهو ما قد يدفعها للانسحاب من معاهدة عدم الانتشار النووي، وتصعيد برنامجها بشكل غير مسبوق. وفي هذا السياق، قد يشهد الملف النووي تحولًا دراماتيكيًا في حال فشل محادثات إسطنبول، خصوصًا مع استمرار تعليق التعاون الإيراني مع الوكالة الدولية، وتنامي الخطاب العسكري في طهران، كما جاء في تصريحات الرئيس الإيراني مسعود بيزشكيان، الذي أكد استعداد بلاده لحرب جديدة، مع الإصرار على مواصلة البرنامج النووي في إطار ما وصفه بـ”القانون الدولي”.
يمكن القول تحاول الترويكا الأوروبية الحفاظ على موقعها كوسيط بين واشنطن وطهران، لكن قدرتها على التأثير تتآكل أمام تصلب المواقف الإيرانية والتنسيق الأميركي- الأوروبي المتصاعد. وفي ظل ضيق الوقت، وتزايد مؤشرات التصعيد، يبقى المسار الدبلوماسي مع إيران هشًا، ويتطلب مقاربة جديدة أكثر مرونة، وربما تنازلات متبادلة، لتفادي انزلاق المنطقة نحو مواجهة مفتوحة.
https://www.europarabct.com/?p=106544
المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والاستخبارات، ألمانيا وهولندا ECCI
