المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والاستخبارات ECCI ـ وحدة الدراسات (27)
أمن دولي ـ الانعكاسات الاقتصادية لسياسات ترامب على أوروبا
تمثل سياسات إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الاقتصادية تجاه الاتحاد الأوروبي تكريساً لتحوّل هيكلي في الرؤية الأمريكية للنظام الاقتصادي الدولي، وليس مجرد عودة لخطاب شعبوي أو سياسات ظرفية. إن سياسة “أمريكا أولاً” لم تعد إطاراً انتخابياً، بل تحوّلت إلى عقيدة حاكمة تعيد تعريف موقع الولايات المتحدة داخل الاقتصاد العالمي، وتعيد ترتيب علاقاتها مع الحلفاء، وفي مقدمتهم الاتحاد الأوروبي. فيما تواجه الشراكة الاقتصادية عبر الأطلسي تحدياً وجودياً، إذ لم تعد تقوم على منطق التكامل الاستراتيجي، بل باتت محكومة باعتبارات القوة، والضغط، وإعادة التفاوض القسري حول قواعد التجارة، والطاقة، وسلاسل التوريد.
تراجع مفهوم الشراكة الاستراتيجية الاقتصادية
قامت الشراكة الاقتصادية بين الولايات المتحدة وأوروبا لعقود طويلة على افتراض أن التكامل الاقتصادي يخدم في نهاية المطاف الأمن الجماعي للمعسكر الغربي. غير أن إدارة ترامب الحالية تنطلق من رؤية مغايرة ترى أن هذا النموذج لم يعد يخدم المصالح الأمريكية، بل أسهم، من وجهة نظرها، في تقويض القدرة التنافسية للاقتصاد الأمريكي وتعميق العجز التجاري، خصوصاً مع الاتحاد الأوروبي. ووفق هذا التصور، لم تعد الشراكة قيمة بحد ذاتها، بل أصبحت عبئاً يجب إعادة التفاوض حوله أو تفكيكه جزئياً.
هذا التحول يعكس انتقالاً من منطق الاقتصاد التحالفي إلى منطق الاقتصاد السيادي، حيث تُقاس العلاقات الخارجية بمردودها المباشر على الداخل الأمريكي، لا بمساهمتها في استقرار النظام الدولي. وفي هذا الإطار، باتت أوروبا تُعامل باعتبارها كياناً اقتصادياً يستفيد من السوق الأمريكية دون تقديم تنازلات متكافئة، وهو ما يبرر، في الخطاب الأمريكي، استخدام أدوات ضغط اقتصادية لإعادة “تصحيح” ميزان العلاقات.ملف الأمن الدولي ـ هل تقترب أوروبا من مرحلة ما بعد الناتو؟ استشراف التحولات الأمنية
الاقتصاد كأداة ضغط سياسي
أصبح الاقتصاد، في ظل هذا التحول، أداة مركزية في السياسة الخارجية الأمريكية، تُستخدم للضغط والإكراه وإعادة تشكيل سلوك الحلفاء. ويتجلى ذلك في الربط المتزايد بين التعاون الاقتصادي ومواقف أوروبا السياسية، سواء فيما يتعلق بالإنفاق الدفاعي داخل حلف شمال الأطلسي، أو بالعلاقات مع الصين، أو بالسياسات تجاه روسيا. هذا التداخل بين الاقتصاد والأمن القومي يعكس تصاعد النزعة الواقعية في التفكير الاستراتيجي الأمريكي، حيث تُختزل العلاقات الدولية في ميزان القوة لا في منظومات القيم المشتركة. بالنسبة للاتحاد الأوروبي، أدى هذا النهج إلى تآكل الثقة في استدامة الالتزامات الأمريكية، وأعاد إلى الواجهة نقاشاً قديماً حول حدود الاعتماد على الشريك الأمريكي، لا سيما في القطاعات الحيوية التي تمس الأمن الاقتصادي الأوروبي.أمن دولي ـ الاستقلال الدفاعي الأوروبي، بين الطموح السياسي والقيود الواقعية
الحروب التجارية والرسوم الجمركية
تمثل الحروب التجارية إحدى أبرز أدوات “أمريكا أولاً”، وقد اتخذت شكل فرض رسوم جمركية على منتجات أوروبية استراتيجية، وفي مقدمتها الصلب والألمنيوم. استخدام ذريعة “الأمن القومي” لتبرير هذه الرسوم شكّل صدمة في العواصم الأوروبية، ليس فقط بسبب الأثر الاقتصادي المباشر، بل لما يحمله من دلالة سياسية عميقة مفادها أن الولايات المتحدة لم تعد تميّز بين الحليف والخصم في حساباتها التجارية. وقد انعكست هذه السياسات سلباً على قطاعات صناعية أوروبية تعتمد بدرجة كبيرة على السوق الأمريكية، خاصة في الاقتصادات الصناعية الكبرى مثل ألمانيا. فإلى جانب الخسائر المباشرة، أدت حالة عدم اليقين التجاري إلى تعطيل قرارات استثمارية طويلة الأجل، وإلى إعادة تقييم استراتيجيات التوسع في السوق الأمريكية. كذلك دفعت بعض الشركات الأوروبية إلى البحث عن أسواق بديلة أو إعادة هيكلة سلاسل إنتاجها لتفادي الرسوم.
سلاسل التوريد العابرة للأطلسي
أحد أخطر تداعيات هذه السياسات يتمثل في تفكيك سلاسل التوريد العابرة للأطلسي، التي شكّلت لعقود ركيزة أساسية للتكامل الاقتصادي بين أوروبا والولايات المتحدة. فالتوجه الأمريكي نحو إعادة توطين الصناعات وسلاسل التوريد داخل الولايات المتحدة، حتى على حساب الكفاءة الاقتصادية، يهدد النموذج الأوروبي القائم على الاندماج في سلاسل القيمة العالمية. إن هذا التحول لا يقتصر على البعد الاقتصادي، بل يحمل أبعاداً جيو-سياسية، إذ يعكس استعداد واشنطن للتضحية بمصالح حلفائها الاقتصادية في سبيل تعزيز قدرتها التنافسية الداخلية، وهو ما يفرض على أوروبا التفكير في استراتيجيات بديلة لتأمين سلاسل التوريد الحيوية وتقليل الاعتماد على السوق الأمريكية.
سياسات ترامب تجاه الاتحاد الأوروبي
تتسم نظرة إدارة ترامب إلى الاتحاد الأوروبي بطابع تنافسي واضح، حيث يُنظر إلى بروكسل بوصفها قوة تنظيمية واقتصادية قادرة على تحدي النفوذ الأمريكي، لا شريكاً طبيعياً. ويتجلى ذلك في الانتقادات المتكررة للمعايير الأوروبية في مجالات البيئة، والضرائب الرقمية، وقوانين المنافسة، التي تُصوَّر في الخطاب الأمريكي كأدوات تستهدف الشركات الأمريكية.
إن واشنطن لا تتعامل مع الاتحاد الأوروبي كوحدة متماسكة، بل تسعى إلى استغلال التباينات بين الدول الأعضاء عبر مقاربات ثنائية، وهو ما يضعف الموقف التفاوضي الأوروبي ويقوّض فكرة السوق الموحدة. كما أن الدعم السياسي غير المباشر لتيارات قومية وشعبوية داخل أوروبا أسهم في تعميق الانقسامات الداخلية، وأضعف قدرة الاتحاد على بلورة موقف موحد في مواجهة الضغوط الأمريكية. أدت هذه السياسات إلى خلق ضغوط غير متكافئة داخل الاتحاد الأوروبي، حيث تختلف درجة تعرض الدول الأعضاء للإجراءات الأمريكية تبعاً لبنية اقتصاداتها. هذا التفاوت يعمّق الانقسامات بين الدول الصناعية الكبرى وتلك الأكثر هشاشة، ويضعف التضامن الاقتصادي الذي يشكل أحد أعمدة المشروع الأوروبي. كما يعقّد قدرة بروكسل على صياغة رد موحد، ويجعل الاتحاد أكثر عرضة للابتزاز الخارجي.
أعرب عدد من القادة الأوروبيين، في السنوات الأخيرة، عن قلقهم من التوجهات الأمريكية في ظل تطبيق شعار “أمريكا أولاً”، سواء في التجارة أو السياسة الخارجية، معتبرين أنها تؤثر على الشراكة عبر الأطلسي وتضعف الثقة التقليدية بين الجانبين. رئيسة وزراء إيطاليا جورجيا ميلوني رفضت فكرة أن أوروبا يجب أن تختار بين واشنطن وبروكسل ووصفت هذا الخيار بأنه “طفولي وسطحى”، مؤكدة في الوقت نفسه أهمية العلاقات مع الولايات المتحدة، لكنها رأته يتطلب تفهما واقعيا لمصالح كل طرف في مواجهة النزاعات التجارية والسياسية الحالية.
حذر عدد من كبار الدبلوماسيين الأوروبيين من تآكل العلاقات إذا استمر هذا النهج. ميشال بارنييه، الوزير الفرنسي السابق والمفاوض الأوروبي في ملف بريكست، انتقد ما وصفه بالتقصير في التفكير طويل الأمد الأمريكي، معتبراً أن سياسات ترامب “تضحي بالمستقبل من أجل الحاضر” وأكد على ضرورة تعزيز القدرة الذاتية الأوروبية وعدم التخلي عن التحالفات الاستراتيجية. عبّر أنتونيو كوستا، رئيس المجلس الأوروبي، عن قلقه من تدخلات تأثير سياسي خارجي في شؤون أوروبا محذراً من دعم أحزاب قومية وشعبوية تقوض الاستقرار الأوروبي، وأكد أن بلدان الاتحاد يجب أن تكون العنصر الحاسم في تحديد مستقبلها السياسي والاقتصادي. ملف أمن دولي ـ مستقبل السياسات الأمنية الألمانية ـ داخليًا وخارجيًا في بيئة دولية متغيرة
قطاع الطاقة والبعد “الجيو- اقتصادي”
يشكّل قطاع الطاقة أحد أبرز ميادين الصراع الجيو- اقتصادي بين الولايات المتحدة وأوروبا في ظل “أمريكا أولاً”. فقد مارست واشنطن ضغوطاً متواصلة لوقف مشاريع استراتيجية مثل “نورد ستريم 2”، مبررة ذلك بمخاوف تتعلق بالأمن الطاقي الأوروبي. غير أن هذا الخطاب يخفي في جوهره سعياً أمريكياً لإعادة تشكيل سوق الطاقة الأوروبية بما يخدم مصالحها الاقتصادية. التنافس على سوق الغاز الأوروبي يعكس تداخلاً معقداً بين الاقتصاد والسياسة، حيث تسعى الولايات المتحدة إلى توسيع صادراتها من الغاز الطبيعي المسال، مستخدمة أدوات سياسية وقانونية للحد من الخيارات الأوروبية الأخرى. هذا الوضع يضع الاتحاد الأوروبي أمام معادلة صعبة بين تقليص الاعتماد على روسيا، وتجنب الارتهان الكامل للولايات المتحدة، ما يبرز هشاشة استقلاله الطاقي.
وجدت أوروبا نفسها في قلب صراع جيو-اقتصادي بين قوتين، كل منهما تسعى إلى توظيف الطاقة كأداة نفوذ. هذا الواقع أعاد تعريف مفهوم الأمن الطاقي الأوروبي بوصفه قضية سيادة استراتيجية، لا مجرد ملف اقتصادي، ودفع بعض الدول الأوروبية إلى المطالبة بتسريع الانتقال نحو مصادر طاقة بديلة وتعزيز الإنتاج المحلي، رغم الكلفة الاقتصادية العالية.
تقييم وقراءة مستقبلية
– دفعت سياسات “أمريكا أولاً” الاتحاد الأوروبي إلى إعادة التفكير في موقعه داخل النظام الاقتصادي العالمي، وتسريع النقاش حول مفهوم الاستقلالية الاستراتيجية. غير أن قدرة أوروبا على تحصين اقتصادها من الصدمات الأمريكية تظل رهناً بمدى قدرتها على تجاوز الانقسامات الداخلية وبناء سياسة اقتصادية خارجية موحدة، وهو تحدٍ لم يُحسم بعد.
– تشير المعطيات الحالية إلى أن العلاقة الاقتصادية عبر الأطلسي تتجه نحو نمط جديد أقل استقراراً وأكثر قابلية للصدام، حيث لم تعد الخلافات محكومة بآليات الاحتواء المؤسسي التي سادت لعقود، بل باتت خاضعة لتوازنات القوة وتقلّبات القرار السياسي في واشنطن.
– تبدو احتمالات تكرار المواجهات الاقتصادية مرتفعة، بل مرشحة لأن تصبح سمة دائمة للعلاقات عبر الأطلسي. وفي هذا السياق، قد يجد الاتحاد الأوروبي نفسه مضطراً إلى الانتقال من سياسة إدارة الأزمات إلى سياسة الاستعداد الهيكلي للصدام الاقتصادي، مع الحفاظ في الوقت ذاته على قنوات التعاون الضرورية لتفادي انهيار كامل في الشراكة.
– العلاقة الاقتصادية بين الولايات المتحدة وأوروبا، تشهد تحول تحوّل يضع نهاية افتراضية لفكرة الشراكة الاقتصادية غير المشروطة. وبالنسبة للاتحاد الأوروبي، تمثل هذه المرحلة اختباراً حاسماً لقدرته على التحول من فاعل تابع في النظام الاقتصادي الغربي إلى قوة قادرة على الدفاع عن مصالحها في بيئة دولية تتسم بتصاعد الصراعات الجيو-اقتصادية وتراجع منطق التحالفات التقليدية.
– الاتحاد الأوروبي يقف عند مفترق طرق استراتيجي، حيث لم يعد خيار الاكتفاء بإدارة الخلافات مع الولايات المتحدة كافيًا لضمان الاستقرار الاقتصادي طويل الأمد. فاستمرار التعرض للصدمات الأمريكية، سواء عبر الرسوم الجمركية أو سياسات الطاقة أو إعادة توطين سلاسل التوريد، سيدفع أوروبا على الأرجح إلى تسريع مسار بناء استقلالية اقتصادية نسبية، تقوم على تعزيز السوق الداخلية، وتوسيع الشراكات مع قوى اقتصادية أخرى، وتقوية الأدوات الحمائية في القطاعات الاستراتيجية.
رابط مختصر..https://www.europarabct.com/?p=114692
*حقوق النشر محفوظة إلى المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والاستخبارات
هوامش
Italy’s Giorgia Meloni rejects ‘childish’ choice between Trump and Europe
Michel Barnier: ‘We have no interest in breaking with the US’
EU leader warns of US interference in Europe’s affairs as Russia praises Trump’s security vision
After Trump’s broad tariffs, Europe reels from the loss of an old ally
