المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والاستخبارات ECCI ـ وحدة الدراسات (26)
أمن دولي ـ الاستقلال الدفاعي الأوروبي: بين الطموح السياسي والقيود الواقعية
دفعت التحولات الجيوسياسية والصراعات الدولية الراهنة أوروبا إلى أن تعيد صياغة استراتيجيتها الأمنية وسياساتها الدفاعية، لا سيما وأن هذه التغيرات تزامنت مع صعود تيارات اليمين الشعبوي التي تهدد قيم وأسس الديمقراطية في أوروبا. ذلك بجانب تراجع الثقة في المظلة الأمنية الأمريكية، بعد أن أظهرت واشنطن رغبتها في التخلي عن حماية الحلفاء في أوروبا، ما جعل مسألة الاستقلال الدفاعي الأوروبي أمرًا حتميًا، ولكن تواجه أوروبا تحديات جسيمة لتحقيق هذه الخطوة، ما يطرح تساؤلات حول قدرة أوروبا على الاستقلال الدفاعي.
هل يمكن إنشاء جيش أوروبي موحد؟
الخلفية التاريخية: تعود فكرة بناء جيش أوروبي موحد إلى ما بعد الحرب العالمية الثانية، وتحديدًا في 1950 باقتراح فرنسي، وفي 10 مايو 1952 تم التوقيع من قبل “فرنسا، وألمانيا، وإيطاليا، وهولندا، وبلجيكا، ولوكسمبورغ” على نص معاهدة إنشاء “جماعة دفاع أوروبية” ذات سلطة إدارية وعسكرية مشتركة للدفاع الوطني، وميزانية وقانون عسكري مشترك. ورفضت وقتها المملكة المتحدة الانضمام للتحالف، ولكن تعهدت بالتعاون العسكري معه. وسرعان ما ألغيت المعاهدة في 31 أغسطس 1954 بعد أن رفضتها الجمعية الوطنية الفرنسية.
غابت فكرة الاستقلال الدفاعي الأوروبي بعد الحرب الباردة، مع توسع حلف الناتو وضمه عددًا من دول أوروبا، حتى أقرت قمة الناتو في 1999 حزمة “برلين بلس”، التي ضمنت عدم وجود أي انفصال بين الحلف والاتحاد الأوروبي فيما يخص الدفاع الجماعي. ظلت فكرة الجيش الأوروبي مؤجلة حتى عادت في الولاية الأولى للرئيس الأمريكي دونالد ترامب (2017 ـ 2021)، عندما ألمح إلى أن بلاده لن تقدم العون لدولة أخرى بالناتو إذا تعرضت لهجوم. الأمر الذي دفع قادة أوروبا المؤيدين للعلاقات الأطلسية لمطالبة أوروبا بالاستعداد للتعامل بمفردها. رغم مساعِ فرنسا لتطوير دفاع أوروبي مستقل، عرقل خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي هذه الخطوة، وفي المقابل استمرت الدعوات للتوجه نحو الاستقلالية الاستراتيجية، لذا أطلق التكتل الأوروبي “الاستراتيجية العالمية لأمن الاتحاد وسياسته الخارجية”، ومبادرة التعاون الهيكلي الدائم “PESCO”، ووكالة الدفاع الأوروبي المجددة “EDA”.
تعالت الدعوات باستقلال أوروبا عسكريًا بعد 31 أغسطس 2021، حينما سحب الرئيس الأمريكي جو بايدن قواته بشكل مفاجئ من أفغانستان، وما تبعها من إنشاء تحالف بين الولايات المتحدة وبريطانيا وأستراليا في منطقة المحيطين الهادئ والهندي. كانت حرب أوكرانيا في 24 فبراير 2022 نقطة تحول في استقلالية أوروبا دفاعيًا، بإصدار البوصلة الاستراتيجية للاتحاد الأوروبي في مارس 2022، وإنشاء قوة انتشار سريعة قوامها (5) آلاف جندي و(200) خبير في السياسة الأمنية والدفاعية المشتركة. وفي السابع من يناير 2024 طالبت الخارجية الإيطالية بإنشاء جيش أوروبي، وفي 25 أبريل 2024 دعا الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون إلى دفاع أوروبي أقوى ومتكامل. وتشابهت هذه المطالب مع دعوة رئيس وزراء لوكسمبورغ لوك فريدن في 5 نوفمبر 2024.
واصلت فرنسا دورها القيادي مع زيادة التحديات الأمنية وتغير السياسات الأمريكية تجاه أوروبا، بتقديم مبادرات واستضافة اجتماعات أوروبية في 2025. أطلق مفوض الاتحاد الأوروبي لشؤون الدفاع والفضاء “أندريوس كوبيليوس” في 11 يناير 2026 دعوة لتشكيل قوة عسكرية أوروبية دائمة، قوامها نحو (100) ألف جندي، على خلفية تهديدات ترامب بضم غرينلاند. وأعلن وزير الخارجية الإسباني خوسيه مانويل ألباريس في 21 يناير 2026 أن بلاده تحث الاتحاد الأوروبي على التحرك نحو تشكيل جيش أوروبي كإجراء ردع، رافضًا تعرض أوروبا للابتزاز العسكري.
المواقف داخل الاتحاد الأوروبي: تنقسم المواقف داخل التكتل الأوروبي حول إنشاء جيش أوروبي، وتعد فرنسا في مقدمة المؤيدين للفكرة بجانب إيطاليا وإسبانيا. ورغم تأييد ألمانيا للخطوة، فإنها أكثر حذرًا لتفاصيل تطبيقها، وفي الأول من أكتوبر 2025 كشف استطلاع رأي لصحيفة “شتيرن” الألمانية عن تأييد (57%) من الألمان لأن يصبح “البوندسفير” جزءًا من جيش أوروبي، وتأييد (77%) لسياسة خارجية دفاعية نشطة لبلادهم. وتشكك دول شرق أوروبا في فرص تأسيس قوة عسكرية أوروبية، أكد وزير الخارجية البولندي رادوسلاف سيكورسكي في 16 فبراير 2025 إن أوروبا لن تنشئ جيشًا موحدًا. وتبنت دول “لاتفيا، وإستونيا، وليتوانيا” نفس الموقف، وتتمسك بالمظلة الأمريكية وترى فيها السبيل الوحيد لمنع التهديدات الروسية، بينما تظل أيرلندا والنمسا ومالطا على الحياد.
العلاقات مع الناتو: تأخذ العلاقة بين الاتحاد الأوروبي والناتو شكل الشراكة الاستراتيجية والطابع المؤسسي لمواجهة التحديات المشتركة وضمان أمن منطقة اليورو الأطلسية، إذ تضم دول الاتحاد والناتو أكثر من مليار شخص وتضم أكبر عدد من اقتصادات العالم. تُعدّ (23) دولة من أصل (27) عضوًا بالاتحاد الأوروبي أعضاء بالناتو. رغم أن العلاقة بينهما في الفترة (2016 ـ 2023) ارتكزت على التصدي للتهديدات الهجينة والإرهابية، وبناء قدرات الشركاء في الجناحين الشرقي والجنوبي للناتو ومنطقة غرب البلقان، فإن العلاقات توترت بتولي دونالد ترامب رئاسة الولايات المتحدة في يناير 2025.
تعتبر العلاقة بين الناتو وأوروبا معقدة ومتطورة وفقًا لمتغيرات المشهد السياسي العالمي، وتجمع بين التقارب الاستراتيجي والاعتماد العميق، ولا تزال أوروبا تعتمد على الولايات المتحدة عسكريًا، رغم رفع الإنفاق الدفاعي لعدد من الدول. أصبح الاستقلال الاستراتيجي الشغل الشاغل لأوروبا، خوفًا من انفصال واشنطن عن الحلف، لذا صاغت دول مثل ألمانيا عقيدتها العسكرية، ونشرت قوات خارج أراضيها لأول مرة منذ عقود في ليتوانيا، وسرعت بولندا من تعزيز قدراتها العسكرية.
عمل قادة أوروبا في قمة الناتو في (24 ـ 25) يونيو 2025 على استرضاء واشنطن بعد مراجعة البنتاغون لوضع القوات الأمريكية بشرق أوروبا، بالإعلان عن التزام الأعضاء باستثمار ما لا يقل عن (5%) من الناتج المحلي الإجمالي للإنفاق العسكري بحلول 2035، ويخصص منها (3.5%) لمتطلبات الدفاع الأساسية، و(1.5%) للبنية التحتية الحيوية وضمان الجاهزية المدنية، وتوسع التعاون الصناعي العابر للأطلسي في ضوء التوقعات لهجوم روسي محتمل. أمن أوروبا ـ اتفاقية غرينلاند، هل تعيد توازن القوى في القطب الشمالي؟
خيار القوة الأوروبية للتدخل السريع
القدرات الحالية لأوروبا: أطلق الاتحاد الأوروبي صندوق الدفاع الأوروبي في يونيو 2017، ومبادرة التعاون الهيكلي الدائم “PESCO” في ديسمبر 2017، وتعمل في الوقت الحالي على (47) مشروعًا تعاونيًا. ووافق البرلمان الأوروبي على تمويل صندوق الدفاع الأوروبي بميزانية قدرها (7.9) مليار يورو كجزء من ميزانية الاتحاد طويلة الأجل (2021-2027). وأيد أعضاء البرلمان الأوروبي في 12 سبتمبر 2023 تعزيز صناعة الدفاع الأوروبي عبر قانون المشتريات المشتركة “EDIRPA” لدعم الدول في شراء المنتجات الدفاعية بشكل مشترك، لسد الفجوات وتعزيز القاعدة الصناعية والتكنولوجية الدفاعية الأوروبية.
يرى مدير المركز الأمريكي للدراسات الاستراتيجية والدولية “ماكس بيرجمان” أن على أوروبا أن تولي اهتمامًا لبناء قوة عسكرية مشتركة قادرة على القتال واستبدال الولايات المتحدة، وتقدر القوات المسلحة في فرنسا بـ(202 ـ 205) ألف جندي، وألمانيا أكثر من (184) ألف جندي، وإيطاليا (165 ـ 171) ألف جندي، والمملكة المتحدة حوالي (141) ألف جندي، واليونان نحو (132) ألف جندي، وإسبانيا (122) ألف جندي.
تشير تقديرات مركز بروغل للدراسات الاقتصادية إلى أن أوروبا بحاجة إلى (300) ألف جندي إضافي لتشكيل قوة ردع مستقلة، وستحتاج إلى ما لا يقل عن (1400) دبابة و(2000) مركبة قتالية للمشاة و(700) قطعة مدفعية ومليون قذيفة عيار (155) ملم للأشهر الثلاثة الأولى من الحرب، وإنتاج الطائرات المسيرة إلى زيادة تصل إلى (2000) ذخيرة طويلة المدى سنويًا، وزيادة الإنفاق الدفاعي بنحو (250) مليار يورو سنويًا، أي ما يقارب من (3.5%) من الناتج المحلي الإجمالي.
حدود الفاعلية دون قيادة موحدة: ترتكز أغلب القدرات العسكرية الأوروبية في ألمانيا وفرنسا وإيطاليا وإسبانيا وبولندا، وتمثل نحو (70%) من الإنفاق الدفاعي داخل التكتل الأوروبي. وتكمن معضلة من يقود الجيش الأوروبي المشترك، لا سيما وأن الاتحاد الأوروبي يتشكل من دول قومية لكل منها سياساتها وحكومتها، ما يعني أن اختيار أي دولة سيفرض نهجًا مختلفًا على باقي الدول في المسائل الدفاعية والتعامل مع التهديدات الروسية ودعم أوكرانيا. في حالة طرح اسم فرنسا أو ألمانيا لتولي المهمة، نظرًا لأنهما العصب الأساسي للاتحاد، تُطرح تساؤلات حول درجة الثقة في الدولتين بشأن الحفاظ على الأمن الأوروبي، والقدرة على حل الخلافات في الصناعات الدفاعية وشراء الأسلحة. الدفاع ـ كيف تعزز ألمانيا قدراتها الدفاعية ضمن الناتو؟
التحديات البنيوية أمام الاستقلال الدفاعي
غياب عقيدة عسكرية مشتركة: يواجه بناء جيش أوروبي إشكالية العقيدة العسكرية الموحدة، خاصة وأن مشروع الدفاع الأوروبي سيتشكل من مجموعة مبادرات لتعزيز الدفاع الأوروبي، وسيصبح تحت مظلة المؤسسات التي تنظم مسائل الدفاع والصناعات العسكرية بالاتحاد الأوروبي، الذي لا يملك عقيدة دفاعية موحدة. تتباين الأولويات الاستراتيجية، وتهتم دول بالعلاقات عبر الأطلسي، بينما تدعم دول أخرى الاستقلال الاستراتيجي لأوروبا، وضغطت دول أوروبا الشرقية مثل بولندا ودول البلطيق لزيادة الإنفاق الدفاعي، لمخاوفها من تمدد النفوذ الروسي على عكس بعض دول أوروبا الغربية.
يثير تضارب المصالح بين دول الاتحاد شكوكًا حول إمكانية تقديم عقيدة موحدة، في ضوء تمركز أغلب صناعات الدفاع الأوروبي في أوروبا الغربية، مما يجعل الاقتصاد السياسي للدفاع بأوروبا معقدًا. أظهرت حرب أوكرانيا تفاوت الجاهزية بين جيوش الدول الأوروبية، فالبعض لم يطبق التجنيد الإجباري منذ عقود مثل ألمانيا، ما يعيق التوافق على عقيدة تشغيلية موحدة، وهناك دول ترفض التخلي عن السيطرة على قواتها المسلحة، وتميل وزارات الدفاع الوطنية لدعم الشركات المحلية، ما يقلل من المنافسة بين الشركات الأوروبية ويمنع وجود عقيدة لوجستية صناعية موحدة.
تفاوت أنظمة التسليح: تتعدد أنواع الأسلحة لدى الاتحاد الأوروبي، حيث تمتلك الدول الأعضاء نحو (17) نوعًا مختلفًا من الدبابات القتالية و(20) نوعًا من الطائرات المقاتلة، في المقابل لدى الولايات المتحدة نوع دبابة قتالية واحدة و(6) أنواع من الطائرات المقاتلة. ولدى الاتحاد (27) قوة مسلحة و(27) هيئة مشتريات و(27) سوقًا صناعية دفاعية. ويصبح الجمع بين القدرات العسكرية وتحسين كفاءتها لا يتناسب مع إمكانيات جميع الجيوش الأوروبية وجاهزيتها العسكرية. وقد يحتاج الجيش الأوروبي لقدرات لا تتوافر لدى بعض الدول، وأسلحة لا تستطيع كل الدول نشرها.
مشاكل التدريب والتكامل العملياتي: يعمل صندوق الدفاع الأوروبي على توجيه المشتريات نحو الشركات الأوروبية الكبرى لتعزيز الاستقلال التقني، ولكن عمليًا اعتاد القادة العسكريون على استخدام المعدات الأمريكية، ما يجعلها المفضلة بالتدريبات، وتُمكن الجنود الأوروبيين من العمل بسلاسة مع الحلفاء الأطلسيين. يصبح الأوروبيون أمام تحدٍ لدعم الاقتصاد المحلي وضمان الكفاءة القتالية الفورية. يسعى الاتحاد الأوروبي إلى تحسين الاستجابة للتعامل مع الأزمات الإقليمية وإدارة الحدود، بجانب تولي الدفاع الجماعي والردع الاستراتيجي، وهي المسؤولية التي يتولاها الناتو حاليًا. تعد هذه المهام نقلة نوعية لدور أوروبا عسكريًا، حيث من المخطط أن يصبح الجيش الأوروبي قوة متعددة الأبعاد، يمكنها التعامل مع الهجمات السيبرانية وحماية البنية التحتية، ما يجعل أوروبا إضافة للناتو وليست عبئًا أو منافسًا للقيادة.
القيود السياسية والدستورية الوطنية: يشكل الانقسام السياسي أهم عقبة أمام الجيش الأوروبي، ويقول ستافروس أتلامازوغلو، صحفي متخصص في الشؤون الدفاعية، إن “القوة العسكرية يستطيع قائد أو حكومة دولة قومية نشرها دون تفسير للآخرين، بينما في جيش أوروبا الموحد سيصدر قائد فرنسي أوامره لوحدات ألمانية مثلًا بالقتال، ما سيخلق مشكلة سياسية”.
تمنح هذه الثغرة فرصة للسياسيين المشككين بالاتحاد لعرقلة فكرة تأسيس جيش أوروبي. تعد القوانين الوطنية لكل دولة عائقًا آخر، وهناك (4) دول هي “النمسا وأيرلندا وقبرص ومالطا” لا تتمكن من الانضمام لتحالفات عسكرية وفقًا لقوانينها الخاصة. ويلعب البوندستاغ بألمانيا دورًا في الانتشار العسكري بالخارج، كونه المسؤول عن اتخاذ القرار، وفي فرنسا يتخذ الرئيس قرار نشر القوات المسلحة. وفي كل الأحوال يتعلق الأمر بالسلطة التشريعية أو التنفيذية، ما يعني أن التكتل الأوروبي سلطته محدودة، وتدور أغلب المقترحات حول إسناد القرار للبرلمان الأوروبي، ولكن الدول الأعضاء غير ممثلة بالتساوي بالبرلمان، أو أن يتخذ المجلس الأوروبي، الذي يتشكل من رؤساء الدول والحكومات، قرار النشر. وفي حالة عدم وجود إجماع على القرار قد يلجأ الاتحاد لقاعدة الأغلبية.
هل يمكن لأوروبا الدفاع عن نفسها دون واشنطن؟
تقييم القدرات العسكرية الأوروبية: أطلقت المفوضية الأوروبية في 5 مارس 2024 أول استراتيجية للصناعات الدفاعية الأوروبية، التي حددت شراء الدول الأعضاء ما لا يقل عن (40%) من معداتها الدفاعية عبر التعاون المشترك بحلول 2030. وأقرت الاستراتيجية خريطة طريق لتسريع الطلبات الدفاعية وتوحيد المواصفات والمشتريات. حثّ المجلس الأوروبي والمفوضية الأوروبية، في الفترة (2024-2025)، الدول الأعضاء على رفع الإنفاق الدفاعي وطرح آلية عمل أوروبية لتسهيل الاستثمار في مجالات الطائرات المسيرة والصواريخ. وأكدت قمة الاتحاد الأوروبي في 26 يونيو 2025 ضرورة إزالة التحديات العاجلة والمستقبلية حتى تصبح أوروبا أكثر سيادة ومسؤولية عن دفاعها الخاص. واتفق وزراء خارجية “مثلث فايمار”، ألمانيا وفرنسا وبولندا، في سبتمبر 2025، على أهمية الاستقلال الاستراتيجي الأوروبي.
الفجوات في الردع النووي والتكنولوجي: يرتبط الاستقلال الاستراتيجي الأوروبي بتعزيز الردع النووي، ويقع العبء على فرنسا والمملكة المتحدة، القوتين النوويتين في أوروبا، بتنسيق قوات الردع النووي لديهما، مع ضمان سيادة كل دولة، كخطوة لبناء ردع نووي أوروبي أوسع. قد تلجأ أوروبا إلى وحدات الأركان في الناتو التي يديرها أوروبيون، لا سيما وأن واشنطن تمتلك (3700) رأس نووي حربي، بينما لدى باريس (290) رأسًا، وتمتلك لندن (225) رأسًا. ويُعد توسيع القدرات الفرنسية والبريطانية النووية، لتغطية أوروبا بأكملها، مكلفًا، وسيواجه مقاومة سياسية. تعتمد أوروبا على الولايات المتحدة في حماية البنية التحتية، وتحديد الأهداف الثابتة والمتحركة ومواقعها الجغرافية، من خلال “طائرات مكافحة الغواصات، وطائرات التزود بالوقود، والطائرات المسيرة”. كما تتراجع أوروبا مقارنة بواشنطن وبكين في تطوير الذكاء الاصطناعي، بسبب نقص الموارد البشرية في الصناعات الدفاعية التكنولوجية.
سيناريوهات الانقسام داخل الناتو والانسحاب الأمريكي: باتت المصالح الأمريكية والأوروبية متباعدة، رغم الاتفاق التاريخي في قمة لاهاي بشأن رفع الإنفاق الدفاعي، ومنح الرئيس الأمريكي دونالد ترامب متسعًا من الوقت لتأمين التزامه بدعم المادة (5) من ميثاق الناتو، مقابل زيادة استثمارات الأوروبيين في دفاعاتهم. وقد يصبح مستقبل الناتو كحلف موحد ذي أهداف مشتركة مهددًا، مع تأكيد استراتيجية الأمن القومي الأمريكي الجديدة في أغسطس 2025 تراجع أوروبا في أولويات واشنطن، وطرح تقليص القوات الأمريكية في أوروبا.
يأتي ذلك في ضوء التقارب الأمريكي الروسي، وانحياز واشنطن لموسكو في مفاوضات إنهاء حرب أوكرانيا، ما يهدد الثقة بين الدول الأوروبية الأعضاء في الناتو والولايات المتحدة. وقد يضعف ذلك قوة الردع للحلف، وتحديدًا في الجبهة الشرقية، لا سيما وأن نقاشات الناتو تحولت من مسائل التطوير والطموح لمواجهة التهديدات الحالية إلى تقسيم الأعباء، وإسناد مهمة الحفاظ على الأمن الأوروبي إلى أوروبا فقط. وركزت استراتيجية الدفاع الأمريكية الجديدة، في 23 يناير 2026، على نصف الكرة الغربي وتأمين الوصول إلى جزيرة “غرينلاند”، ما قد يدفع واشنطن إلى تقليص التزامها السياسي بالمادة (5) تدريجيًا، وتراكم الخلافات السياسية حول مسؤولية الدفاع في حال نشوب مواجهة مباشرة مع روسيا، واعتراض دول على الالتزام الجماعي بالدفاع. أمن أوروبا القومي ـ خطط لتمويل زيادة الإنفاق الدفاعي وتعزيز الاستقلال الاستراتيجي،”الكتاب الأبيض”
تقييم وقراءة مستقبلية
– يمثل الاستقلال الدفاعي الأوروبي خيارًا استراتيجيًا لا غنى عنه لتصحيح الأخطاء التي وقعت فيها أوروبا على مدار أكثر من ثلاثة عقود بشأن التبعية العسكرية للولايات المتحدة، ما أفقد أوروبا تأثيرها السياسي والعسكري والاقتصادي تدريجيًا. ولكن يعد التوقيت الراهن، الذي تتشابك فيه الأزمات الدولية والمصالح بين الدول، اختبارًا حقيقيًا لقدرة أوروبا على تجاوز الواقع المعقد، الأمر الذي يتطلب من أوروبا تحقيق التوازن بين تسريع خطواتها لبناء قدرة دفاعية أكثر تماسكًا، وتعزيز دورها في الناتو وخاصة في حماية الأمن القومي الأوروبي.
– ينبغي أن تقدم أوروبا حلولًا للانقسامات بشأن الاستقلال الدفاعي والصناعات الدفاعية المشتركة، عبر تدشين سوق دفاعية مشتركة بقوانين ومعايير متوافقة عليها، لدعم القدرات العسكرية الأوروبية بشكل مستدام ومستقل، وتحقيق المنافسة بين الشركات الأوروبية وتطوير الصناعات العسكرية. وفي الإطار نفسه، يجب التخلي عن نهج شراء الأسلحة من واشنطن لسد الثغرات في حالات الطوارئ، بل الاتجاه لتفعيل دور وكالة الدفاع الأوروبية ومنظمة التعاون المشترك في مجال التسلح.
– تمثل القيود السياسية والقانونية عقبات أمام الاستقلال الدفاعي بأوروبا، ومن المتوقع أن تتسع هذه الفجوات وتتزايد الخلافات بين الدول، لا سيما وأن منحنى نفوذ اليمين الشعبوي يتصاعد، الأمر الذي قد يؤثر على خطة بناء جيش أوروبي، لذا ينبغي أن تضع المؤسسات الأوروبية عقيدة عسكرية موحدة بأطر قانونية وسياسية منظمة للدفاع المشترك، بشكل يضمن مشاركة جميع الدول الأوروبية الأعضاء بالناتو وغير الأعضاء، ما يحقق الاستفادة من جميع القدرات العسكرية، وحتى لا تشعر دول بانفراد البعض بالقرار السياسي.
– ينبغي أن تراعي أوروبا عند تأسيس هيكل قيادة عسكرية أوروبية ألا يكون نسخة مكررة من هيكل الناتو، بل أن يكون مكملًا يمكن الاستفادة منه عند الضرورة، ويكون أكثر مرونة وقدرة على مواجهة التهديدات الأمنية، ويدمج أدوات القوة الدبلوماسية والإعلامية والاقتصادية مع الأدوات العسكرية.
– من المحتمل أن يصبح التعاون العسكري بين الاتحاد الأوروبي وبريطانيا في أعلى مستوياته، نظرًا لأن الأخيرة قوة نووية مهمة، ودولة ذات ثقل سياسي وعسكري في الناتو، بجانب علاقاتها مع واشنطن، ودورها في “تحالف الراغبين” الذي يضم غالبية الدول الأوروبية، ما يعد نقطة قوة ويجب توظيفها جيدًا لتعزيز قوة الردع النووي لأوروبا.
– من المرجح أن تظل الخلافات بين واشنطن وأوروبا قائمة حول تقاسم الأعباء الدفاعية، ما يجعل مستقبل الناتو مرهونًا بالقدرة على تحول أوروبا لمهمة الدفاع بمفردها، لا سيما وأن القمة الأخيرة للناتو أكدت على استمرار الحلف في الاعتماد على واشنطن، وعدم قدرة أوروبا على القتال دون واشنطن، وتآكل الثقة بين الجناحين الأوروبي والأمريكي بالناتو، وغياب خطة واضحة لتقاسم الأعباء.
– رغم التوترات الحالية مع واشنطن، ستتبع أوروبا سياسة مزدوجة، وهي احتواء الأزمات وعدم إثارة غضب واشنطن بأي صورة، بجانب الاستمرار في خطة الاستقلال الدفاعي والانفتاح على إجراء حوارات مع دول مثل الصين وروسيا. وتعد أزمة غرينلاند دليلًا على اتباع أوروبا هذه السياسة، واستيعاب نهج واشنطن الجديد نحوها، ما دفع أوروبا لفتح محادثات دبلوماسية مع الولايات المتحدة والدنمارك لتخفيف التوتر، بجانب التعزيز العسكري في غرينلاند.
رابط مختصر.. https://www.europarabct.com/?p=114318
*حقوق النشر محفوظة إلى المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والاستخبارات
الهوامش
European countries will not create one united army, says Poland’s Sikorski
http://bit.ly/4k0V37F
EU-NATO relations in a new threat environment: Significant complementarity but a lack of strategic cooperation
https://bit.ly/3LRTA6Y
The plan for a European army within Nato – archive, 1952
https://bit.ly/3YTU6o6
The European Union Is Considering a United Army—Again
https://bit.ly/3ZvHOCt
