بون ـ المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والاستخبارات ECCI ـ وحدة الدراسات (3)
أمن دولي ـ الاتفاق النووي، هل تنجح ” الترويكا” الأوروبية في إعادة إيران إلى طاولة المفاوضات؟
تعتزم بريطانيا وفرنسا وألمانيا إجراء محادثات جديدة مع إيران بشأن برنامجها النووي، وأكد مسؤول ألماني في 20 يوليو 2025: “إن القوى الأوروبية المعروفة باسم الثلاثي الأوروبي تتواصل مع إيران لتحديد موعد لمزيد من المحادثات”، وذلك بعد تحذيرات من الثلاثي من إمكانية إعادة تفعيل العقوبات الدولية ضد إيران إذا لم تستأنف طهران المفاوضات.
طهران توافق على إجراء محادثات مع الدول الأوروبية
ذكرت تقارير أن طهران وافقت على إجراء محادثات مع الدول الأوروبية الثلاث، وأن المشاورات جارية بشأن موعد ومكان المحادثات. أجرى وزير الخارجية الإيراني “عباس عراقجي” في 18 يوليو 2025 اتصالًا مع نظرائه البريطاني والفرنسي والألماني، بالإضافة إلى مسؤولة السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي “كايا كلاس”. ,حذر الأوروبيون من أنه إذا لم تعد إيران إلى المحادثات، فإنهم سيفعلون ما يسمى بآلية “العودة السريعة” لإعادة فرض العقوبات التي تم رفعها بموجب اتفاق عام 2015 للحد من إنتاج طهران النووي.
كانت إيران والولايات المتحدة قد عقدتا عدة جولات من المفاوضات النووية عبر وسطاء عمانيين، قبل أن تشن إسرائيل حربها التي استمرت 12 يومًا ضد إيران في 13 يونيو 2025. لكن قرار الرئيس الأميركي دونالد ترامب الانضمام إلى إسرائيل في ضرب المنشآت النووية الإيرانية أنهى المحادثات فعليًا.
أكد المسؤول الألماني: “يجب ألا يُسمح لإيران أبدًا بامتلاك سلاح نووي. ولهذا السبب، تواصل ألمانيا وفرنسا والمملكة المتحدة العمل بشكل مكثف ضمن مجموعة الدول الأوروبية الثلاث (E3) لإيجاد حل دبلوماسي مستدام وقابل للتحقق للبرنامج النووي الإيراني”، في حين تنفي إيران سعيها للحصول على أسلحة نووية.
فرض الاتفاق النووي المبرم عام 2015 بين إيران والقوى العالمية، والذي أُطلق عليه اسم خطة العمل الشاملة المشتركة، قيودًا كبيرة على البرنامج النووي لطهران مقابل تخفيف العقوبات. لكن الاتفاق، الذي تم التوصل إليه، بدأ ينهار في عام 2018، خلال رئاسة ترامب الأولى عندما انسحبت الولايات المتحدة منه وأعادت فرض العقوبات على إيران. أضاف المصدر الألماني: “إذا لم يتم التوصل إلى حل خلال العام 2025، فإن إعادة فرض العقوبات تظل خيارًا أمام مجموعة الدول الأوروبية الثلاث”. أمن دولي ـ سياسات ألمانيا تجاه الملف النووي الإيراني في ظل حكومة ميرتس؟
ردود الفعل الأوروبية على الضربات الإسرائيلية والأمريكية
كانت ردود الفعل الأوروبية على الضربات الإسرائيلية والأمريكية لافتة للنظر، نظرًا لقلة مناقشتها لشرعية الهجمات. ولم يكن هناك أي تردد من هذا القبيل عندما استهدفت روسيا البنية التحتية للطاقة النووية المدنية في أوكرانيا عام 2022. لكن الرد الفعل أبرز دور المتفرج الأوروبي، على النقيض من نهجها السابق في هذا الشأن. كان البرنامج النووي الإيراني محورًا رئيسيًا للدبلوماسية الأوروبية لسنوات.
بدأت دول مجموعة E3 مفاوضات مع طهران عام 2003. كما ساهمت في تسهيل توقيع الاتفاق النووي الإيراني لعام 2015، الذي ضم روسيا والاتحاد الأوروبي والصين والولايات المتحدة وإيران. سعى الأوروبيون إلى الحفاظ على الاتفاق، حتى بعد الانسحاب الأمريكي الأحادي الجانب عام 2018 خلال الولاية الأولى للرئيس “دونالد ترامب”.
يعتقد “غاريت مارتن” أستاذ محاضر أول، مدير مشارك لمركز السياسات عبر الأطلسي، كلية الخدمة الدولية بالجامعة الأمريكية” “أن أوروبا تواجه صعوبات كبيرة في استعادة دور مؤثر في تعزيز قضية منع الانتشار النووي مع إيران”. أضاف: “في الواقع، يتطلب الإسهام في اتفاق نووي جديد مع إيران من أوروبا رأب الصدع الكبير مع طهران، والتغلب على انقساماتها الداخلية بشأن الشرق الأوسط، والتعامل مع إدارة ترامب التي تبدو أقل حرصًا على أن تكون حليفًا موثوقًا به لأوروبا”.
بُني اتفاق عام 2015 بالنسبة للدبلوماسيين الأوروبيين، على افتراضات عملية للغاية. فقد غطى الملف النووي فقط، بدلًا من تضمين مجالات خلافية أخرى مثل حقوق الإنسان أو برنامج الصواريخ الباليستية الإيراني. كما قدم صفقة واضحة في مقابل فرض قيود أكبر على برنامجها النووي، يمكن لإيران أن تتوقع رفع بعض العقوبات القائمة وإعادة اندماجها في الاقتصاد العالمي.
شكّل انسحاب الولايات المتحدة من الاتفاق عام 2018 نتيجةً لذلك، تحديًا جوهريًا للوضع الراهن. فإلى جانب الانسحاب، أعاد البيت الأبيض في عهد “ترامب” فرض عقوبات ثانوية شديدة على إيران، مما أجبر الشركات الأجنبية فعليًا على الاختيار بين الاستثمار في السوقين الأمريكية والإيرانية. فشلت الجهود الأوروبية للتخفيف من أثر هذه العقوبات الأمريكية، مما قوّض الفائدة الرئيسية للاتفاق بالنسبة لإيران، دعم اقتصادها المنهك. كما أضعف ثقة طهران بقيمة أوروبا كشريك، إذ كشف عن عجزها عن تحقيق استقلال حقيقي عن الولايات المتحدة.
تدهور العلاقات بين أوروبا وإيران
تدهورت العلاقات بين أوروبا وإيران بشكل ملحوظ بعد عام 2018، وأسهمت الأدلة على تورط إيران بعمليات إرهابية ف أوروبا، والمؤامرات المرتبطة بإيران على الأراضي الأوروبية، في تفاقم الوضع. علاوة على ذلك، اعترض الأوروبيون بشدة على تزويد إيران روسيا بطائرات مسيرة دعمًا لروسيا في حرب أوكرانيا، ثم بالصواريخ الباليستية. من جانب آخر، اعترضت إيران بشدة على الدعم الأوروبي لحرب إسرائيل على قطاع غزة في أعقاب هجمات السابع من أكتوبر 2023.
لا تزال هذه التوترات العميقة تُشكّل عائقًا كبيرًا أمام المفاوضات البناءة على الصعيد النووي. لا يملك أيٌّ من الطرفين حاليًا الكثير ليُقدّمه للآخر، ولا يُمكن لأوروبا التعويل على أي نفوذ يُذكر للتأثير على إيران. وتُفاقم التحديات الأوسع التي تواجهها أوروبا في سياستها تجاه الشرق الأوسط هذه المشكلة.
الانقسامات الداخلية في أوروبا
كان بإمكان أوروبا في عام 2015، أن تُشكّل جبهة موحدة بشأن الاتفاق النووي الإيراني، ويعود ذلك جزئيًا إلى محدوديته. لكن مع انهيار نظام منع الانتشار النووي في ظلّ إجراءات “ترامب” الأحادية الجانب وانتشار الحرب في المنطقة، بات من الصعب جدًا على الدبلوماسيين الأوروبيين إعادة الأمور إلى نصابها. يصدق هذا بشكل خاص في ظلّ الخلافات الحالية حول قضايا سياسة الشرق الأوسط التي تزداد انقسامًا، وطبيعة دبلوماسية الاتحاد الأوروبي.
لا تزال أوروبا قلقة للغاية بشأن الاستقرار في الشرق الأوسط، بما في ذلك احتمالية أن تُطلق الصراعات موجات هجرة جديدة، كما حدث في عامي 2015 و2016، عندما فرّ مئات الآلاف من السوريين إلى أوروبا القارية. كما لا يزال الاتحاد الأوروبي نشطًا اقتصاديًا في المنطقة، وهو الممول الأكبر للسلطة الفلسطينية. إلا أنه كان أكثر ميلًا إلى دور “الدافع” منه إلى “اللاعب” في المنطقة، حيث يكافح لترجمة الاستثمار الاقتصادي إلى نفوذ سياسي.
يعود ذلك جزئيًا إلى الميل طويل الأمد إلى الاعتماد على القيادة الأمريكية في المنطقة، مما يسمح لواشنطن بتولي زمام المبادرة في محاولة حل الصراع الإسرائيلي الفلسطيني. ولكنه يعكس الانقسامات العميقة بين الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي. في ظلّ تطلب قرارات السياسة الخارجية الإجماع، كثيرًا ما واجه أعضاء الاتحاد الأوروبي صعوبة في التحدث بصوت واحد بشأن الشرق الأوسط. أمن دولي ـ ما أسباب تهميش الأوروبيين في محادثات أميركا وإيران حول الملف النووي؟
سلّطت النقاشات حول تعليق اتفاقية الشراكة الاقتصادية مع إسرائيل بسبب أفعالها في غزة، أو الاعتراف بدولة فلسطينية، الضوءَ بوضوح على الخلافات الداخلية القائمة في الاتحاد الأوروبي. ما لم تتمكن أوروبا من تطوير نهج مشترك تجاه الشرق الأوسط، فمن الصعب أن يكون لها نفوذ إقليمي كافٍ يُذكر في المفاوضات المستقبلية بشأن البرنامج النووي الإيراني، وهذا بدوره سيؤثر على كيفية إدارتها لعلاقاتها الحيوية، وإن كانت شائكة، مع الولايات المتحدة.
أوروبا في ظل ترامب
كان الاتحاد الأوروبي مهتمًا بشكل خاص بالاتفاق النووي لعام 2015، إذ مثّل رمزًا قويًا للدبلوماسية متعددة الأطراف. فقد جمع قوى عظمى لتعزيز قضية منع الانتشار النووي. بعد مرور عشر سنوات، تبدو احتمالات تكرار هذا التعاون الدولي بعيدة المنال. فقد تدهورت علاقات أوروبا مع الصين وروسيا وهما من أبرز الموقعين على الاتفاق النووي السابق. كما اتسمت العلاقات مع الولايات المتحدة في عهد “ترامب” بتحديات خاصة. وإن التعامل مع واشنطن، في سياق البرنامج النووي الإيراني، يمثل معضلة حادة للغاية بالنسبة لأوروبا.
تبدو محاولة رسم مسار واضح، تفتقر إلى المصداقية في هذه المرحلة. لم تُسفر المحادثات المباشرة الأخيرة مع المفاوضين الإيرانيين عن نتائج تُذكر، وأوروبا ليست في وضع يسمح لها بتقديم ضمانات لإيران بعدم مواجهة ضربات إسرائيلية جديدة.
يثير اتباع مسار مستقل غضب “ترامب” بسهولة، وهو ما يحرص الأوروبيون على تجنبه. وقد نشبت بالفعل قائمة طويلة من النزاعات عبر الأطلسي، سواءً بشأن التجارة أو أوكرانيا أو الإنفاق الدفاعي. ومن المفهوم أن يتردد صانعو السياسات الأوروبيون في استثمار الوقت والموارد في أي اتفاق قد يُلغيه ترامب في أي لحظة.
ويبدو إن ترامب بشعر بلآحباط حول مايمكن أن تحققه الدبلوماسية الأوروبية، مُعلنًا مؤخرًا أن إيران لا ترغب في التحدث مع أوروبا. وبدلًا من ذلك، أعطى الأولوية للمفاوضات الثنائية مع طهران. لذا، قد لا يُترجم الانحياز إلى الولايات المتحدة إلى أي تأثير كبير. فقرار ترامب بقصف إيران، في نهاية المطاف، جاء دون سابق إنذار لحلفائه. مستقبل البرنامج النووي الإيراني، الدور الأوروبي وتحولات سياسات ترامب . ملف
ومن المرجح أن تواصل أوروبا إيلاء اهتمام وثيق للبرنامج النووي الإيراني. ولكن، نظرًا لقيود علاقاتها المتوترة مع طهران وانقساماتها الداخلية بشأن الشرق الأوسط، فمن غير المرجح أن تتمكن من الاضطلاع بدور رئيسي في الملف النووي طالما ظل ترامب في منصبه.
تقييم وقراءة مستقبلية
ـ تُظهر التطورات في ملف إيران النووي تصاعدًا في التحديات التي تواجه أوروبا، لا سيّما في ظل انعدام الثقة بين طهران والعواصم الأوروبية، وتدهور قدرة الاتحاد الأوروبي على ممارسة نفوذ فعّال.
ـ يعتبر السياق الجيوسياسي الجديد، الذي يتسم بتصعيد عسكري تقوده إسرائيل بدعم أميركي، يُقوّض فرص التوصل إلى تسوية دبلوماسية. رغم محاولات “الترويكا الأوروبية” لإحياء الحوار مع إيران.
ـ أصبحت أوروبا أسيرة الانقسامات الداخلية، وضعف الإرادة السياسية والارتهان للسياسات الأميركية، خاصة في ظل عودة ترامب، الذي ينتهج نهجًا أحاديًا ويقلل من شأن العمل الجماعي الأوروبي. في المقابل، لا ترى طهران أوروبا شريكًا موثوقًا، ما يدفعها لتقوية تحالفاتها الشرقية.
ـ من المرجّح أن تستمر أوروبا في أداء دور هامشي، ما لم تُراجع استراتيجيتها تجاه الشرق الأوسط، وتبني استقلالية دبلوماسية واقعية. أما إعادة فرض العقوبات فلن تفضي سوى إلى مزيد من الجمود، ما لم تُرافقها مسارات تفاوضية جديدة تشمل ضمانات أمنية واقتصادية حقيقية لإيران.
يبقى مستقبل الاتفاق النووي مرهونًا بإرادة سياسية غائبة، وتحولات إقليمية قد تُجبر الأطراف على التفاوض مجددًا تحت ضغط الأزمات؛ لذلك ينبغي على الاتحاد الأوروبي والدول الأوروبية بناء استقلالية دبلوماسية حقيقية بعيدًا عن عن الولايات المتحدة الأمريكية. وتجاوز الانقسامات داخل لاتحاد الأوروبي بشأن قضايا الشرق الأوسط، وتبنّي موقف موحّد وفعّال. من الضروري أن تُعيد أوروبا تصميم إطار التفاوض، ليشمل قضايا أوسع تتعلق بالأمن الإقليمي.
رابط مختصر.. https://www.europarabct.com/?p=106377
*حقوق النشر محفوظة إلى المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والاستخبارات

