المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والاستخبارات، ألمانيا وهولندا ECCI، وحدة الدراسات والتقارير “1”
تسعى أوروبا إلى لعب دور أوسع في تأمين أوكرانيا في مرحلة ما بعد التوصل إلى وقف إطلاق النار المحتمل، في وقت تدفع فيه بريطانيا وفرنسا باتجاه تشكيل قوة متعددة الجنسيات لتعزيز الجيش الأوكراني وضمان تنفيذ أي اتفاق سلام قادم. وتعمل لندن بالفعل على الإعداد لهذه الخطة، رغم الرفض الروسي القاطع لأي وجود عسكري أجنبي داخل أوكرانيا، والذي وصفته موسكو بأنه “غير مقبول”.
الخطة التي تبحث حالياً تتضمن نشر آلاف الجنود من دول حليفة في عدد من المدن الأوكرانية، بهدف تدريب القوات المحلية وخلق قوة ردع أمام أي هجوم روسي جديد. وتأتي هذه المبادرة بعد أشهر من المشاورات بين كييف ومجموعة الدول التي توصف بـ”الائتلاف الراغب”. الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون أكد أن فريقاً عسكرياً متخصصاً يعمل على صياغة التزامات واضحة، بهدف إعادة بناء القدرات القتالية الكاملة للجيش الأوكراني. ووفق تصريحات ماكرون، من المتوقع أن تشارك نحو 20 دولة في المهمة المرتقبة، فيما خصصت بريطانيا أكثر من 100 مليون جنيه إسترليني لدعمها. أما فرنسا فتدرس نشر قوات في مدن رئيسية مثل كييف وأوديسا. في المقابل، ترفض كل من الولايات المتحدة وألمانيا إرسال قوات برية، ويظل الغموض قائماً حول الدول التي ستتحمل مسؤولية نشر قوات على الأرض فعلياً. أما روسيا، فتعترض بشدة على انتشار أي قوات أجنبية في أوكرانيا، ملوّحة بتداعيات خطيرة إذا تم تنفيذ هذا السيناريو.
اجتماع أوروبي رفيع في لندن لبحث تطورات التفاوض
وفي سياق متصل، أعلن الرئيس الفرنسي أن قادة ألمانيا وفرنسا وبريطانيا وأوكرانيا يجتمعون يوم الثامن من ديسمبر 2025 في لندن لبحث آخر تطورات مفاوضات السلام. ماكرون اتهم موسكو بأنها تسلك “مساراً تصعيدياً”، مؤكداً ضرورة مواصلة الضغط عليها “لإجبارها على السلام”. من جانبها، أكدت الحكومة الألمانية مشاركة المستشار فريدريش ميرتس في الاجتماع. تعتمد المفاوضات الحالية على مسودة خطة قدمتها الولايات المتحدة قبل نحو ثلاثة أسابيع. النسخة الأولى اعتبرت ميالة لصالح موسكو، لكن تدخل أوكرانيا وعدد من الدول الأوروبية أدى إلى تعديل نقاط جوهرية فيها. ورغم هذه التعديلات، لا تزال المفاوضات تراوح مكانها دون أي مؤشرات لاتفاق نهائي قريب.
يشارك في اجتماع لندن الرئيس الأوكراني زيلينسكي والرئيس الفرنسي ماكرون ورئيس الوزراء البريطاني إضافة إلى المستشار الألماني فريدريش ميرتس. ويهدف اللقاء إلى مراجعة الخطة الأميركية المقترحة للتسوية، وهي المسودة التي قدمتها واشنطن قبل أسابيع واعتُبرت في نسختها الأولى أقرب إلى الرؤية الروسية، قبل أن تعاد صياغة بعض بنودها بطلب من أوكرانيا وعدد من الدول الأوروبية. ويتناول الاجتماع أيضاً المبادرة الفرنسية ـ البريطانية الرامية إلى تشكيل قوة متعددة الجنسيات تُنشر في عدد من المدن الأوكرانية بعد وقف إطلاق النار، بهدف دعم الجيش الأوكراني وتوفير ضمانات تحول دون استئناف العمليات العسكرية الروسية. وقد ناقشت باريس ولندن هذا الطرح منذ أشهر، وتحاولان الآن إقناع حلفاء أوروبيين آخرين بالانضمام إليه، في مقابل تحفظ أميركي وألماني على إرسال قوات برية في هذه المرحلة. ويأتي هذا النقاش وسط تحذيرات روسية صريحة بأن أي وجود عسكري أجنبي داخل أوكرانيا سيُعتبر عملاً عدائياً يستجلب رداً مباشراً من موسكو.
النتائج
ـ يشهد الملف الأوكراني اليوم حراكاً سياسياً لافتاً مع انعقاد اجتماع مهم في لندن يجمع قادة ألمانيا وفرنسا وبريطانيا وأوكرانيا، في وقت تتكثف فيه الاتصالات الدولية لمحاولة صياغة إطار أولي لوقف إطلاق النار بين موسكو وكييف.
ـ يأتي هذا لقاء بريطانيا في ظل شعور أوروبي متزايد بأن مسار المفاوضات الذي تقوده الولايات المتحدة عبر اجتماعات فلوريدا، والمسار الموازي الذي تجريه واشنطن ومبعوثون دوليون مع روسيا في موسكو، قد لا يعكس بصورة كاملة المصالح الأوروبية، وهو ما يدفع العواصم الأوروبية الكبرى إلى تنسيق موقف مشترك قبل الدخول في أي مرحلة تفاوضية رسمية. وبينما تحاول الولايات المتحدة دفع الأطراف نحو اتفاق إطار أولي، ترى أوروبا أن من الضروري توحيد موقفها حول القضايا الحساسة قبل أي التزام سياسي أو أمني طويل الأمد.
ـ يسعى القادة الأوروبيون خلال اللقاء إلى تقييم ما يجري في مفاوضات فلوريدا، حيث يُجري المفاوضون الأميركيون والأوكرانيون محادثات غير رسمية حول تفاصيل الخطة، في حين تجري اتصالات موازية في موسكو مع وسطاء دوليين لمناقشة الالتزامات التي يمكن أن تقبل بها روسيا مقابل وقف العمليات العسكرية.
ـ يشعر الأوروبيون بأن هذه المسارات المتوازية يجب أن تتكامل مع رؤية أوروبية واضحة، خصوصاً في ما يتعلق بضمانات أمن أوكرانيا، وحدود انسحاب القوات الروسية، والعقوبات الغربية، ومستقبل علاقات كييف مع الناتو.
ـ يصبح اجتماع لندن محطة أساسية في محاولة صياغة موقف غربي مشترك قبل الانتقال إلى مرحلة تفاوضية رسمية. فبينما تتكثف الجهود الأميركية عبر مسارَي فلوريدا وموسكو، يعمل القادة الأوروبيون على ضمان أن تكون المصالح الأوروبية جزءاً من أي اتفاق محتمل، وأن لا تُفرض على أوكرانيا تسوية لا تلبي احتياجاتها الأمنية.
ـ وسط استمرار الحرب في أوكرانيا وتعقيدات المواقف الدولية، يبرز سؤال حول إمكانية مشاركة دول أوروبا في أي مفاوضات مستقبلية، وإمكانية لقاء مباشر بين الرئيس الروسي فلاديمير بوتين ونظيره الأوكراني فولوديمير زيلينسكي.
تتمتع دول الاتحاد الأوروبي، وخصوصاً فرنسا وألمانيا، بخبرة تاريخية في الوساطة خلال الأزمات الأوروبية، مثل اتفاقيات مينسك، ما يجعل مشاركتها في المفاوضات محتملة كمراقبين أو ضامنين. إلا أن الواقع العملي يفرض قيوداً واضحة: بعض الدول الأوروبية تلتزم بدعم أوكرانيا عسكرياً وسياسياً، مما يقلل من فرص تقديم نفسها كطرف محايد. وأن التنسيق مع الولايات المتحدة يظل محورياً، إذ تلعب واشنطن الدور الأساسي في تحديد مسار أي مفاوضات.
ـ المؤشرات الأخيرة تظهر رغبة بعض المسؤولين الأوروبيين في الدفع نحو حل تفاوضي، شريطة توقف التصعيد الروسي وتقديم ضمانات أمنية واضحة لأوكرانيا. وبناءً على ذلك، يمكن القول إن فرص مشاركة أوروبا موجودة، لكنها غالباً ستكون في نطاق الضامن أو المراقب، وليس كطرف رئيسي متساوي النفوذ في المفاوضات.
ـ أما بخصوص لقاء مباشر بين بوتين وزيلينسكي، فإن العقبات السياسية ضخمة. التوتر الكبير بين الطرفين يجعل أي لقاء وجهاً لوجه بعيد المنال، خاصة أن بوتين يركز على المكاسب الميدانية، في حين يرفض زيلينسكي أي لقاء بدون ضمانات أمنية ملموسة. حتى الآن، كانت جميع الاتصالات غير مباشرة، عبر وسطاء دوليين أو مؤتمرات عبر الفيديو.
من المرجح أن يبقى اللقاء المباشر احتمالاً ضعيفاً في المدى القصير والمتوسط، ما لم يحدث تقدم ملموس على الأرض أو تمارس ضغوط دولية كبيرة جداً. في الوقت الحالي، تظل أوروبا تبحث عن سبل للمشاركة ضمن أطر محددة، بينما الحرب مستمرة وتحمل في طياتها المزيد من التعقيدات. ومن المتوقع أن يحدد هذا الاجتماع ملامح المرحلة المقبلة، سواء بالاتجاه نحو تقدم في المفاوضات، أو نحو مزيد من التوتر إذا استمرت الخلافات حول دور القوات الدولية ورفض روسيا لأي وجود أجنبي داخل الأراضي الأوكرانية.
*حقوق النشر محفوظة إلى المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الارهاب والاستخبارات ـ ألمانيا وهولندا ECCI
رابط مختصر .. https://www.europarabct.com/?p=112542
