المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والاستخبارات، ألمانيا وهولندا ECCI
بقلم : د. سماء سليمان ، متخصصة في الانذار المبكر وادارة الازمات الدولية
تشهد الساحة الدولية تحولات عميقة تعيد رسم موازين القوة، وتضع أوروبا في موقع بالغ الحساسية. فالقارة التي طالما اعتبرت نفسها مركز النظام الدولي، تجد اليوم أنها محاصَرة بين قوتين عظميين: روسيا شرقًا، والولايات المتحدة غربًا. وبين تهديدات موسكو الصريحة، وضغوط واشنطن غير المسبوقة، يبرز سؤال جوهري: هل أصبحت أوروبا عالقة بين فكي كماشة أمريكية–روسية؟
من الناحية الشرقية، جاءت تصريحات الرئيس الروسي فلاديمير بوتين لتزيد درجة القلق الأوروبي. فقد لوح بوتين بإمكانية خوض حرب ضد أوروبا إذا قامت الأخيرة بهجوم مفاجئ على روسيا، محذرًا من أن الرد الروسي سيكون حاسمًا، وأن موسكو “لن تجد من تتفاوض معه” داخل أوروبا. هذا التصريح لا يحمل فقط تهديدًا عسكريًا، بل يكشف نظرة روسية ترى ان الحرب مع أوروبا لن تبقي انظمة للتفارض معها. وهنا يظهر الفَكّ الأول للكماشة والذي يتمثل في روسيا التي تنظر إلى أوروبا كساحة صراع لا كشريك سياسي متكافئ.دور الإنذار المبكر في منع الصراعات في الدول الإفريقية. بقلم د. سماء سليمان
أما الفَكّ الثاني يتمثل في أمريكا، والذي يعد أكثر إرباكًا وخطورة، لأنه يأتي من “الحليف”، وهي تهديدات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بالاستيلاء على جرينلاند بالقوة، بحجة موقعها الاستراتيجي وثرواتها الطبيعية ومنع روسيا والصين من الوصول إليها، مما شكّل صدمة غير مسبوقة. فجرينلاند إقليم تابع لدولة أوروبية ذات سيادة هي الدنمارك، وعضو في حلف الناتو. ولذا فإن تلويح رئيس أمريكي باستخدام القوة ضد حليف أوروبي يعني أن منطق “القوة فوق القانون” لم يعد حكرًا على الخصوم، بل تسلل إلى قلب المعسكر الغربي ذاته.
وفي هذا المناخ المتوتر، جاءت تصريحات الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون بمثابة جرس إنذار مدوٍ: “استيقظوا… أوروبا التي نعرفها انتهت !”، وقد عبر ماكرون عن إدراك عميق لتحول النظام الدولي. وبالتالي فـ”المسلّمات” التي حكمت أوروبا لعقود – من استقرار القواعد الدولية، وضمان الحماية الأمريكية، واحترام سيادة الدول – أصبحت اليوم موضع شك. فالولايات المتحدة، بحسب ماكرون، تنسحب تدريجيًا من التزاماتها، وتعيد تعريف مصالحها بمنطق أحادي، بينما تتصرف روسيا بعدوانية متزايدة.
الخطوة الأكثر دلالة كانت إعلان فرنسا إرسال وحدات برية وبحرية وجوية إلى جرينلاند، والمشاركة في المناورات العسكرية التي دعت لها الدنمارك، دعمًا لسيادتها. هذه الخطوة تحمل رسالة سياسية واضحة: أوروبا لم تعد مستعدة للاكتفاء بالكلام. لكنها في الوقت نفسه تفتح سؤالًا بالغ الخطورة: هل تجرؤ أوروبا فعلًا على رفع السلاح في وجه “الحليف” الأمريكي إذا لزم الأمر؟
ولفهم حدود هذا التحدي، لا بد من النظر إلى الواقع الاقتصادي والعسكري الأوروبي. فعلي المستوى الاقتصادي، لا تزال أوروبا قوة كبرى؛ فالاتحاد الأوروبي من أكبر اقتصادات العالم، ويملك قاعدة صناعية وتكنولوجية ضخمة، وعملة قوية مثل اليورو. لكن هذه القوة تعاني تصدعات واضحة مثل تباطؤ النمو، أزمة الطاقة بعد الانفصال عن الغاز الروسي، ارتفاع الديون في دول الجنوب، وتبعية كبيرة للتكنولوجيا والأسواق الأمريكية. مما يعني أن أوروبا قادرة على الصمود، لكنها غير مهيأة لتحمل أعباء حرب كبرى طويلة ضد قوى عظمى.
وعلي المستوى العسكرى، تبدو المشكلة أكثر تعقيدًا. صحيح أن دولًا مثل فرنسا وبريطانيا تمتلك قدرات متقدمة، بما فيها السلاح النووي، لكن أوروبا ككل تعاني من تفكك عسكري واضح، حيث لا يوجد جيش أوروبي موحد، ولا قيادة استراتيجية واحدة، ولا استقلال كامل في الاستخبارات والفضاء والقيادة والسيطرة، إذ يعتمد معظم ذلك على الولايات المتحدة عبر حلف الناتو. ومن الناحية الأخرى، في مواجهة روسيا، قد تمتلك أوروبا تفوقًا اقتصاديًا نظريًا، لكن موسكو تتفوق في حرب برية واسعة وممتدة. وفي مواجهة أمريكا، فالتفوق الأمريكي كاسح ولا مجال لمقارنته. من هنا، يصبح الجواب واضحًا، أن أوروبا لا تستطيع، في وضعها الحالي، مواجهة روسيا وأمريكا في آن واحد. لا عسكريًا، ولا اقتصاديًا، ولا سياسيًا. أمن دولي ـ حين لا تكون الحرب هي الهدف
لكنها في المقابل لا تسعى إلى حرب مباشرة، بل إلى منع التهميش. وما تفعله اليوم هو محاولة بناء ردع سياسي، وإظهار حد أدنى من الاستقلالية، وبدء مسار طويل نحو سيادة استراتيجية حقيقية. ويعكس الحديث المتجدد عن “جيش أوروبي موحد” هذا القلق الوجودي. والخلاصة هي في قدرة أوروبا أن تخطط خلال العقد القادم في بناء قوة مستقلة القرار، بدلا من أن تستمر ساحة صراع بين القوى الكبرى.
وهذا بالضبط ما قصده ماكرون حين قال إن أوروبا التي نعرفها انتهت: إما ولادة أوروبا جديدة قادرة على الدفاع عن نفسها، أو أفول قارة تُدار من الخارج. فالخطر الأكبر على أوروبا ليس في اندلاع حرب شاملة، بل في فقدان الوزن والقرار. وأن تكون بين فكي كماشة، يعني أن أي خطأ في الحساب قد يجعلها الضحية الأولى في عالم لم يعد يرحم الضعفاء.
رابط مختصر ..https://www.europarabct.com/?p=113711
خاص ـ المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والاستخبارات، ألمانيا وهولندا ECCI
