أزمة أوكرانيا، نقطة تحول لقواعد الغرب في مكافحة الإرهاب. بقلم اكرام زيادة

مارس 9, 2022 | أمن دولي, الإتحاد الأوروبي, تقارير, دراسات, دفاع, مكافحة الإرهاب

الإشتراك في نشرتنا الإخبارية المجانية

تابعنا على تويتر

تابعنا على فيسبوك

آخر المشاركات التلفزيونية

استطلاع رأي

هل المركز مصدر موثوق في البحث؟

جاري التحميل ... جاري التحميل ...

المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والإستخبارات ـ ألمانيا  وهولندا

 إعداد : اكرام زيادة – باحثة في المركز الأوروبي 

أزمة أوكرانيا، نقطة تحول في قواعد الغرب في مكافحة الارهاب

أسست الأزمة الأوكرانية تحولات مهمة على مستوى القارة الأوروبية، أبرزها إحياء مفهوم الأمن الأوروبي، والاتجاه إلى إمكانية اختفاء بعض الظواهر الأوروبية مثل الحياد الفنلندى والسويدى، والتحول الأهم في هذا السياق تمثل في خروج ألمانيا عن أحد ثوابت مرحلة ما بعد الحرب العالمية الثانية، والمتمثل في تحجيم الإنفاق العسكري وعدم التورط في أي أعباء عسكرية خارجية. كما خلقت الأزمة سياقاً جديداً لإعادة النقاش حول فكرة الجيش الأوروبي الموحد، وتعميق الشراكة عبر الأطلنطي. ملف: أمن دولي – أزمة أوكرانيا و الرهان على الدور الأوروبي

التحولات في الأمن الأوروبي

تغير الأمن الأوروبي بعد الغزو الروسي لأوكرانيا أكثر مما تغير في السنوات الـثلاث والثلاثون السابقة، فقد جاءت التغييرات السياسية والدفاعية للدول والمؤسسات الأوروبية مفاجئة ودرامتيكية، لقد كان تحول غير مسبوق، لكنه أيضاً وقت غير مسبوق – حرب وأزمة لاجئين في أوروبا تعمل على تفكيك نظام ما بعد الحرب الباردة- . علاوة على ذلك، أثبتت الإرادة الأوكرانية للقتال أنها حاسمة في التأثير على التغييرات في السياسة الأوروبية. وتتثمل أبرز هذه التحولات في:

 التغيير الأهم، أعلنت الحكومة الألمانية عن استثمار إضافي بقيمة (100) مليار يورو في الدفاع، وبأنها سترسل مساعدات دفاعية إلى أوكرانيا.  جاء ذلك في أعقاب إجراءات غير عسكرية، وعقوبات اقتصادية يما في ذلك وقف خط أنابيب نورد ستريم (2)، وعزل روسيا عن نظام سويفت المالي. وبذلك، تكون الحكومة الجديدة قد قلبت عقوداً من السياسة الوطنية الدبلوماسية المتسقة.  في حين يمكن اعتبار هذه الزيادة في الإنفاق بمثابة تراجعاً لسنوات من الإنفاق الدفاعي المنخفض، والتي يمكن أن تغير التوازن العسكري الأوروبي بشكل كبير.

أعلن الاتحاد الأوروبي عن حزمة دعم عسكري بقيمة (500) مليون يورو لأوكرانيا، والتي وصفتها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين بأنها “لحظة فاصلة”. لتشكل قفزة في السياسة الدفاعية والخارجية والأمنية للاتحاد الأوروبي وذلك بعد تفاعل بطيئ في بداية هذه الأزمة. بالإضافة إلى ذلك، وافقت جميع الدول الأعضاء على استقبال اللاجئين الأوكرانيين لمدة ثلاث سنوات دون أوراق لجوء، مع توقعات بنزوح سبعة ملايين اوكراني، مما يدل على الدعم القاطع في منطقة حساسة بالنسبة للاتحاد الأوروبي. كذلك خطوة الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي بالتقدم رسميا بطلب للحصول على عضوية الاتحاد الأوروبي وناشد بتسريع العملية.

تراجعت فنلندا والسويد، الدولتان غير المنتسبتين تاريخياً إلى الناتو، لأول مرة عن رفضهما الانضمام إلى المنظمة، وأنهتا فعلياً حيادهما بإرسال مساعداتهما العسكرية إلى أوكرانيا، من جهة أخرى، حولت سويسرا وإيرلندا حيادهما ودعمتا العقوبات التي تستهدف روسيا.  كل هذه تمثل تحولات مهمة لعقود من السياسة الوطنية المتسقة.

اقتربت السويد وفنلندا من الانضمام إلى حلف الناتو، الأمر الذي سيجعل سبعة من الأعضاء الثمانية في مجلس القطب الشمالي أيضاً أعضاء في الناتو. حيث طلبت كوسوفو إنشاء قاعدة عسكرية أمريكية دائمة وعضوية الناتو. علاوة على ذلك، يعمل الحلف بشكل كبير على تعزيز تواجده المتقدم في دول البلطيق، وقد أنشأ قوة جديدة بقيادة فرنسية في رومانيا، ونشر عناصر من فرقة العمل ذات الجاهزية العالية جداً للمرة الأولى.الناتو ـ تحديات تصدع العلاقة مابين ضفتي الاطلسي

كانت الميزة الاستراتيجية الحقيقية الوحيدة لروسيا هي تعزيز سيطرتها على بيلاروسيا، مما يمثل تهديداً إضافياً لأوروبا فيما يتعلق بوضع الأسلحة النووية في القواعد الأمامية وتسليح الهجرة نحو أوروبا.

ألمانيا الجديدة، تحول دراماتيكي في سياسات الدفاع

اتبعت ألمانيا خلال الحرب الباردة، التي بدأت في أواخر الستينيات، سياسة “السياسة الشرقية” – مبدأ “الأوستبوليتيك”- أي سياسة التقارب مع موسكو وتطبيع العلاقات مع الاتحاد السوفيتي التي بدأها المستشار فيلي برانت في السبعينيات، والتي لا يزال يُنظر إليها على أنها احتمال لتحقيق التقدم الديموقراطي من خلال الحوار. وهذا يعني تفضيل الدبلوماسية، ومحاولة الانخراط مع روسيا على جبهات متعددة، وتنمية العلاقات الاقتصادية بين البلدين مثل نورد ستريم (2)، والإيمان بهذه الأدوات باعتبارها مخرجاً لأي صراع. حيث ترى ألمانيا نفسها كجسر بين الحلفاء الغربيين وموسكو، في محاولة لتحقيق التوازن بين التزاماتها تجاه الشركاء بينما تحاول أيضاً الحفاظ على علاقات جيدة مع روسيا.

حرصت المستشارة الألمانية السابقة أنجيلا ميركل من جهتها، طيلة سنواتها الـ (16) في السلطة، على المحافظة على العلاقة مع روسيا، في محاولة لفصل الخلافات الجيوسياسية عن المصالح الاقتصادية بين البلدين.  ودافع المستشار أولاف شولز، الذي تولى منصبه في ديسمبر 2021، عن السياسات التي كانت قائمة. أمن أوروبا ـ الأزمة الأوكرانية، ماذا عن الموقف الألماني ؟

  كانت الأزمة على مدار الأسابيع تنحصر بتقديم التعزيزات العسكرية الروسية لأوكرانيا، رفضت الحكومة الألمانية مراراً وتكراراً مناشدات كييف وحلفائها بإرسال أسلحة إلى أوكرانيا. وبدلاً من ذلك، أرسلت إلى كييف (5000) خوذة ومستشفى ميداني بقيمة (5) ملايين دولار. كما منعت دول الناتو الأخرى من إرسال أسلحة ألمانية الصنع إلى أوكرانيا، اذ علقت محاولة إستونيا لتسليم ثمانية مدافع هاوتزر قديمة إلى كييف تم شراؤها من ألمانيا الشرقية الشيوعية السابقة.

كان المستشار الألماني الجديد قد تعرض بالفعل لانتقادات شديدة، في الداخل والخارج، لكن شولتس رفع من نبرته واجراءاته الحاسمة بعد الغزو الروسي لأوكرانيا يوم 24 فبراير 2022، اذ سارعت حكومته بإرسال (1000) سلاح مضاد للدبابات و (500) من أنظمة الدفاع المضادة للطائرات من طراز Stinger إلى أوكرانيا.  كما رفعت برلين الحظر عن دول الاتحاد الأوروبي الأخرى من إرسال معدات ألمانية الصنع. وقال شولتز في بيان يوم 26 فبراير 2022 إن الغزو الروسي لأوكرانيا كان “نقطة تحول”.

أظهر شولز بعدها بيوم واحد بالضبط، مدى دراماتيكية نقطة التحول هذه، في خطاب أمام البوندستاغ – البرلمان الألماني، وصف فيه حرب بوتين بـ “تسايتنويندي” أي لحظة فاصلة، وقال إن ألمانيا ستحتاج إلى استثمار المزيد في أمنها، “من أجل حماية حريتنا وديمقراطيتنا.  ويتمثل هذا التحول بعدة خطوات جذرية:

زيادة الانفاق العسكري، حيث قدم شولتز صندوقاً خاصاً بقيمة (100) مليار يورو للاستثمارات في القوات المسلحة الألمانية “البوندسوير”. وبذلك لقد ألزم ألمانيا بإنفاق أكثر من (2%) من ناتجها المحلي الإجمالي على الدفاع – وهو هدف وافقت جميع الدول الأعضاء في الناتو على تحقيقه، لكن ألمانيا لم تلتزم به فعلياً، إذ بلغ اجمالي نفقات ألمانيا على الدفاع في عام 2021 ما مجموعه حوالي (47) مليار يورو، بنسبة (1.5%) من ناتجها المحلي الإجمالي.

 تعزيز القوات الألمانية في الجناح الشرقي لحلف شمال الأطلسي، بما في ذلك عمليات نشر جديدة في سلوفاكيا، كذلك أعرب شولتز عن استعداده للانضمام إلى الدفاع عن المجال الجوي للحلفاء بصواريخ مضادة للطائرات.

خفض الشراكة الألمانية الروسية، وضمان إمدادات طاقة أكثر أماناً بعيداً عن الاعتماد على روسيا وغازها الطبيعي، بعد أيام من تجميد العمل باتفاقية خط انابيب نورد ستريم (2).أمن دولي ـ العلاقة بين موسكو و برلين في ظل إدارة بايدن، نورد ستريم 2

بهذه الخطوات، فك شولتز عقوداً من السياسة الخارجية والدفاعية الألمانية، وهذا ما يمكن وصفه بتحول زلزالي ليس فقط بالنسبة للبلد، ولكن يحتمل أن يكون لأوروبا والعلاقة عبر الأطلسي.

وما يجعل التحول في سياسة ألمانيا أمراً بالغ الأهمية هو الدعم السياسي والشعبي الواسع له.  إذ تظهر الاستطلاعات الأولية الحية التي أجرتها شركة Civey ، وهي شركة اقتراع ألمانية ، دعماً واضحاً لمسار ألمانيا الجديد، أظهر إحداها أن (74%) من المستطلعين أيدوا قرارات شولتز بزيادة الانفاق العسكري . ما يبين سرعة التحول بالرأي العام الألماني بعد غزو بوتين لأوكرانيا، ففي استطلاع للرأي سابق أجراه معهد “إينزا” لقياس الرأي لصالح صحيفة “بيلد” الألمانية بتاريخ 23 فبراير 2022 أي قبل الغزو بيوم واحد، أوضح أن غالبية كبيرة من سكان ألمانيا حوالي (68%) تعارض توريد أسلحة إلى أوكرانيا.

 تمثّل الأزمة الأوكرانية نقطة تحوّل في السياسة الدولية والأمن الدولي، وستكون تداعياتها أبعد مدىً وأعمق أثراً مما تكشف. وفيما يبدو أن أوروبا ستكون الأكثر تأثراً بها.

التقييم

اتخذ الاتحاد الأوروبي نهجاً حذراً تجاه أمن دول الشراكة الشرقية مع بداية الأزمة، إذ حاول الاتحاد الأوروبي الابتعاد عن الصراع الروسي الأوكراني وتجنب الدفاع عن أوكرانيا.  وبين عشية وضحاها، أصبح الاتحاد الأوروبي لاعباً رئيسياً في مواجهة التهديد الروسي.

بات متوقعا أن تؤدي حرب روسيا إلى وجود أمريكي أكبر في أوروبا، ووجود أقوى لحلف شمال الأطلسي على الجانب الشرقي، وتوثيق العلاقات بين الاتحاد الأوروبي والناتو

أدرك الأوروبيون الخطأ الكبير في أن تستمر ألمانيا قلباً اقتصادياً للقارة الأوروبية من غير قوة عسكرية تتحمل جزءاً يليق بها من الأعباء الأمنية في القارة التي باتت تتهددها المخاطر، لا سيما بعد انسحاب بريطانيا التي تمثل الثقل الأكبر أوروبياً على صعيد العسكرة.

أثبتت الأزمة أنه لاتزال روسيا تشكل تهديداً بارزاً للأمن الأوروبي، بالطريقة التقليدية (من خلال الانتشار العسكري) وبطريقة غير تقليدية (من خلال الهجمات الإلكترونية وحملات التضليل). لذا سيكون على الاتحاد الأوروبي وألمانيا في المستقبل أن يساهم بشكل كبير في تطوير نوع القدرات الدفاعية الأوروبية اللازمة للدفاع والردع في مواجهة روسيا.  وتكثيف سياسات الأمن السيبراني وتقليل اعتماده على الطاقة الروسية.

هنالك تحول كبير ونوعي للموقف الألماني على مستوى سياسي وعسكري أمني، فإرسال أسلحة فتاكة إلى أوكرانيا أخرجت ألمانيا من سياستها شبه الحيادية، ما يعني بأن ألمانيا ودول أوروبا تشهد منعطف جديد في سياساتها الخارجية، واستنزاف اوروبا ليس في اقتصاداتها وانما في دفاعاتها، عبر التوجه نحو الإنفاق العسكري على حساب التنمية الاقتصادية.

رابط مختصر.. https://www.europarabct.com/?p=80488

*حقوق النشر محفوظة إلى المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والاستخبارات

الهوامش

1- EU agrees to give €500M in arms, aid to Ukrainian military in ‘watershed’ move
https://politi.co/3I4A5QZ

2- The European Union will ask states to grant asylum to Ukrainian refugees for up to 3 years.
https://nyti.ms/3tDqBa7

3- Switzerland will forego “Swiss neutrality” and adopt same sanctions as EU against Russia
https://cnn.it/361uGfO

4- كيف غير غزو روسيا لأوكرانيا جوانب ثابتة في السياسة الألمانية منذ عقود؟
https://bbc.in/3vMD91r

5- Inside Olaf Scholz’s historic shift on defense, Ukraine and Russia
https://politi.co/375GKxb

6- ‘A new era’: Germany rewrites its defence, foreign policies
https://bit.ly/3sNgjoy

7- Live-Lagebericht: Russland-Ukraine-Krieg
https://bit.ly/3vS2rLA

8- استطلاع: غالبية كبيرة في ألمانيا تعارض توريد أسلحة لأوكرانيا
https://bit.ly/35T9KYx

9- Germany to ship anti-aircraft missiles to Ukraine — reports
https://bit.ly/3HV9PYW

الإشتراك في نشرتنا الإخبارية المجانية

تابعنا على تويتر

تابعنا على فيسبوك

استطلاع رأي

هل المركز مصدر موثوق في البحث؟

جاري التحميل ... جاري التحميل ...