أزمة أوكرانيا، تداعيات الأزمة على دول الشرق الأوسط ومجلس التعاون الخليجي. بقلم سهام عبدالرحمن

مارس 11, 2022 | أمن دولي, الاستخبارات, تقارير, دراسات, مكافحة الإرهاب

الإشتراك في نشرتنا الإخبارية المجانية

تابعنا على تويتر

تابعنا على فيسبوك

آخر المشاركات التلفزيونية

استطلاع رأي

هل المركز مصدر موثوق في البحث؟

جاري التحميل ... جاري التحميل ...

المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والاستخبارات ـ ألمانيا  وهولندا

 إعداد: سهام عبدالرحمن، باحثة في المركز الأوروبي، مختصه في الارهاب الدولي

أزمة أوكرانيا، تداعيات الأزمة على دول الشرق الأوسط ومجلس التعاون الخليجي

تسعي العديد من دول الشرق الأوسط والخليج العربي  إلى موازنة علاقاتها مع الولايات المتحدة وروسيا في ظل الغزو الروسي علي أوكرانيا، وإتخذ كتير منها موقف محايد لحين إنتهاء هذه الأزمة، لكن الأهم من ذلك أن هذا العزو سيكون له تداعيات مستقبلا على العديد من القطاعات الحيوية لاقتصادات تلك الدول، بدءا من النفط والغاز وصولا إلى الواردات الزراعية والسياحة، وربما قد نرى تداعيات إضافية ستؤدي حتما إلى زيادة عدم الاستقرار في المنطقة وفي أماكن أخرى، إذ أن القلق الكبير من تقليص واشنطن تركيزها على الشرق الأوسط، قد يرسم معه الرد الأميركي على الأزمة في أوكرانيا معالم التصورات إزاء النوايا الأميركية في المنطقة مستقبلا، لا سيما ما يخص البلدان العربية.

ومنذ بداية الأزمة الروسية الأوكرانية وبدأت المخاوف من تأثير أسواق القمح والغلال العالمية تزداد من  تلك الازمة نظراً لأن روسيا وأوكرانيا من أكبر الدول المصدرة للقمح، وبالتالي فأن البلدين يمثلنا جانب مهم من صادرات القمح والغلال عالمياً. وتمر معظم هذه الصادرات عبر البحر الأسود الذي يقع في محور الأزمة الحالية، وتشكل روسيا وأوكرانيا (29%) من صادرات القمح العالمية، و(19%) من صادرات الذرة، و(80%) من الصادرات العالمية لزيت دوار الشمس. وتعتبر أوكرانيا مصدّر رئيسي للذرة التي يتجه معظمها إلى الصين والاتحاد الأوروبي، لكن الجانب الأكثر تهديداً في العالم يقع في منطقة الشرق الأوسط الذي تعتمد اعتماداً كلياً علي استرداد القمح والمواد الغذائية من روسيا وأوكرانيا، كونها المنطقة الأعلى كثافة في استيراد القمح من البلدين.

تداعيات أزمة أوكرانيا على دول منطقة الشرق الأوسط

أمنياً: تحتل قوات روسيا تحتل المركز الثاني عالميا في السلاح والأول في السلاح النووي، ولكن ما ستسفر عنه مساعدات الدول الاوروبية لأوكرانيا هو إطالة أمد هذه الحرب واستنزاف القوات الروسية حتى تؤتي العقوبات الأوروبية والأمريكية أهدافها بالضغط على روسيا.  أن الصراع العسكري الروسي الأوكراني واحد من أبرز الأزمات الدولية بين روسيا والعالم الغربي وأمريكا من بعد انتهاء الحرب الباردة. وأن هذه الأزمة سيكون لها تداعيات عدة والتأثيرات على العالم كله بشكل عام وعلى دول الجوار بشكل خاص في ظل وجود صراع آخر يجري بصورة موازية للصراع العسكري، هو صراع العقوبات والتي فرضت على روسيا، وعلى الجهة الأخرى قالت روسيا إنها ستفرض عقوبات على عدد من الدول المتداخلة في الأزمة الأوكرانية.

وسيكون لتجارة الأسلحة الروسية دون شك دورا في حسم مواقف الدول العربية، إذ عملت موسكو خلال السنوات الأخيرة على استعادة مكانتها في دول عربية كان لديها نفوذ فيها في الحقبة السوفياتية، واعتمدت على تجارة الأسلحة بشكل كبير لتحقيق هذا الهدف. إذ ضاعفت روسيا صادراتها من الأسلحة إلى الجزائر، أكبر الدول العربية والأفريقية مساحة، محافظة على مكانتها كأول مزود للجيش الجزائري الذي تبلغ ميزانيته السنوية الخاصة بالتسليح نحو عشرة مليارات دولار، تحصل روسيا على نصيب الأسد منها. كذلك عادت روسيا لتزويد العراق بالسلاح على الرغم من التحولات التي شهدها بعد الغزو الأمريكي وإعادة بناء الجيش الذي اعتمد منذ ذلك الحين على الأسلحة القادمة من الولايات المتحدة وحلفائها الغربيين.

سياسياً: لا يتوقف تأثير الأزمة الأوكرانية على منطقة شرق أوروبا، بل إن له تداعياته على الشرق الأوسط، باعتبار أن أطراف الصراع ترتبط بمصالح حيوية بدول المنطقة، وتنخرط في صراعاتها بصورة أو أخرى وبدرجة لا تقل على الصراع القائم في أوكرانيا. وبدون شك إن دول الخليج حليفٌ مهمٌ للولايات المتحدة وأوروبا، وإيران لديها تحالفٌ مهمٌ مع روسيا والصين، وكلما احتدم الصراع في أوكرانيا، فإن صداه سيتردَّد في المنطقة باعتبارها أحد ساحات المنافسة الإستراتيجية بين القوى الكبرى. وفي هذا السياق أعلنت روسيا اعتزامها إجراء تدريبات بحرية في البحر المتوسط، وأنها نقلت قاذفات وطائرات مجهزة بصواريخ أسرع من الصوت إلى قاعدتها الجوية في سوريا، ويعد هذا مؤشراً على أن المنطقة ليست بعيدةً عن الصراع والتجاذبات التي تتجلى حاليًا في أزمة أوكرانيا، وقد تتجلى غدًا في أي من بؤر التوتر والصراع في الشرق الأوسط.

اقتصادياً : أثرت الأزمة الأوكرانية على منطقة الشرق الأوسط من عدة جوانب اقتصادية ومالية، امتدت لكل دول المنطقة بحكم ارتباطاتها الوثيقة في كثير من المجالات تمثلت في الارتفاع الكبير في أسعار البترول والغاز، وهو ما سيؤدى بالضرورة إلى ارتفاع أسعار النقل والإنتاج بالنسبة لجميع السلع سواء الصناعية أو الزراعية والحيوانية لجميع الدول وخاصة بالنسبة للدول النامية. وفي خضم هذه المعضلة السياسية، فإن دول الشرق الأوسط، وعلى رأسها مصر ولبنان والعراق ودول المغرب العربي، ربما تواجه مشكلة جسيمة، إذ إنها تعتمد بشكل متفاوت بين الكبير إلى المتوسط على القمح الأوكرانية والروسية، وبكميات كبرى يصعب تعويضها من السوق المفتوحة.

أثرت الأزمة علي الدول التي تعتمد بدرجة كبيرة على استيراد القمح من روسيا وأوكرانيا، ومنها مصر حيث تستورد منهما نحو (80%) من وارداتها من القمح ، (30%) منها من أوكرانيا ولبنان إذ لا يملك البلد مكاناً كافياً لتخزين الاحتياطيات منذ دمار مخازن القمح في انفجار المرفأ عام 2020، بما جعل لبنان لا يمتلك سعة تخزينية إلا لما يتراوح حول شهر واحد.

واليمن الذي يقبع وسط أزمة غذائية حادة لا ينقصها ما يفاقمها، أصبح الوضع قاب قوسين أو أدنى من درجة عالية المخاطر، والمغرب العربي كشفت وزارة الفلاحة  التونسية عن توفر مخزون من الحبوب يكفي لتغطية الحاجيات المحلية حتى مايو 2022، وذلك رداً على انتقادات تتعلق بالانعكاسات السلبية المحتملة للأزمة، إذ إن تونس تستورد نحو نصف حاجياتها من الحبوب من روسيا وأوكرانيا. أما الجزائر فإن روسيا تعتبر هي المزود الرئيسي للقمح فيها وتليها أوكرانيا، خاصة بعدم أدى توتر العلاقات مع باريس لتراجع صادرات القمح الفرنسية إلى هذا البلد. فيما تزود كييف ليبيا بـ(43%) من وارداتها من القمح، والمغرب بـ(26%).

موقف دول الشرق الاوسط تجاه الأزمة الأوكرانية

حاولت أغلبية دول الشرق الأوسط اتخاذ موقفا محايدا من هذا الصراع بين القوى الكبرى وناشدت الأطراف المتصارعة باللجوء إلى الحوار والدبلوماسية لتسوية الخلافات والعمل على حماية الحقوق الإنسانية. وقد كان هذا المفهوم واضحا في البيان الصادر عن اجتماع المندوبين الدائمين في جامعة الدول العربية في 28 فبراير 2022 والذى دعا إلى تأييد الجهود الرامية إلى حل الأزمة الأوكرانية من خلال الحوار والدبلوماسية، وأهمية احترام مبادئ القانون الدولى وميثاق الأمم المتحدة، واتخاذ إجراءات التهدئة وضبط النفس واستمرار التنسيق بين الدول العربية للحفاظ على أمنها وسلامتها، وسلامة الجاليات والبعثات الدبلوماسية العربية في أوكرانيا، وإجراء المشاورات والاتصالات اللازمة مع الأطراف المعنية.

أوضحت مصر بعد التصويت بتأييد القرار بأن موقفها مبنى على إيمانها الراسخ بقواعد القانون الدولى ومبادئ ميثاق الأمم المتحدة، وضرورة البحث عن حل سياسى عبر الحوار وبحث جذور الأزمة ومسبباتها، ورفض توظيف منهج العقوبات الاقتصادية خارج إطار آليات النظام الدولى متعدد الأطراف من منطلق التجارب السابقة والتى كان لها آثارها الإنسانية السلبية البالغة، والتحذير من مغبة الآثار الاقتصادية والاجتماعية للأزمة الراهنة على الاقتصاد العالمى برمته والذى مازال يعانى من تداعيات جائحة كورونا.

ولم تستجب مصر لطلب منع السفن الحربية الروسية من قناة السويس؛ لأن ذلك لا يتفق مع اتفاقية القسطنطينية لقواعد العبور فى القناة فى حالات الحروب، شهد لبنان خلافات وتبادل اتهامات بعد بيان لوزير الخارجية اللبنانى بإدانة العمليات العسكرية الروسية فى أوكرانيا ولم يعتمده مجلس الوزراء، وقد صوت لبنان مع قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة الذى يدين التدخل العسكرى الروسى. وكان نائب رئيس السيادة السودانى اللواء حميدتى فى زيارة لموسكو عند نشوب الأزمة الأوكرانية ونسب له قوله إن من حق روسيا الدفاع عن مصالحها، ولكن صدر توضيح من السفارة السودانية فى موسكو بأنه لم يصدر تصريحات مؤيدة لطرف معين، وامتنع السودان عن التصويت على قرار الأمم المتحدة الذى أدان التدخل العسكرى الروسى فى أوكرانيا.

تداعيات الأزمة الاوكرانية على دول مجلس التعاون الخليجي

البعض يعتقد بان نقص صادارات الطاقة الروسية ممكن ان يصب  أقتصاديا في صالح الدول المصدرة للنفط والغاز، ومنها دول مجلس التعاون الخليجي، وكذلك إيران  من الأزمة الأوكرانية ولكن ما ستحصل عليه ربما يكون أقل من الزيادات في أسعار المواد الغذائية والسلع الأخرى التي تستوردها. وسعت روسيا مؤخراً إلى بناء علاقات تعاون اقتصادي أقوى مع دول مجلس التعاون الخليجي من خلال جذب استثمارات واسعة النطاق من دول مجلس التعاون الخليجي.

– أمنياً: رفعت واشنطن تحفظاتها على صفقات سلاح كبيرة للسعودية و دولة الإمارات، بعد أن كانت الدولتان الخليجيتان تحت وطأة ضغوط حرب اليمن والصراع مع إيران، قد فتحتا قنوات تعاون عسكري مع روسيا والصين.

– اقتصادياً: بالنسبة لدول الخليج المنتجة للغاز والنفط الأزمة تصب في صالحها اقتصادياً، حيث تتزايد أهمية مواردها من الغاز والنفط، باعتبارها بديلًا للنفط والغاز الروسي. وبالفعل قامت الولايات المتحدة وبعض الدول الأوروبية بإجراء اتصالات مع عدد من الدول في منطقة الخليج، ومع شركات غربية عاملة في قطاعي الغاز والنفط، لبحث فرصِ تزويد أوروبا بإمدادات من الطاقة كبدائل للغاز الروسي، بل وفتحت أزمة أوكرانيا الباب أمام دول منطقة الخليج لتقدم نفسها لأوروبا كمصدر بديل للطاقة،  أما بالنسبة تأثر دول الخليج باضطرابات سوق القمح، استبعدت مجلة “ميد” البريطانية الاقتصادية المتخصصة في 4 مارس 2022  أن تتأثر دول الخليج باضطرابات سوق القمح الناتجة عن غزو روسيا لأوكرانيا.

– سياسياً: اتصالاً بالجانب الاقتصادي فإن هذه الأزمة تمنح دول الخليج مكانه سياسية في الترتيبات الراهنة على الساحة الدولية، من مدخل سياسات الطاقة التي ستتابعها للتخفيف من ارتفاع الأسعار، لا سيما في حال تفاقمت الأزمة ونشب الصراع وتوقفت الإمدادات الروسية، فضلاً عن أن تصاعد الصراع من شأنه أن يمنح دول الخليج فرصًا أكبر للمناورة وحرية الحركة.

موقف دول مجلس التعاون الخليجي تجاة الأزمة الأوكرانية

الخليج العربي وبالرغم من ارتباط الدول الست الأعضاء بمجلس التعاون الخليجي بشراكة قوية بالولايات المتحدة والدول الغربية عموما، تبنت تلك الدول موقفين مختلفين بشكل واضح من الأزمة. غير أن المملكة السعودية أبلغت حليفها الأمريكي بعجزها عن تلبية الطلب لأنها ملتزمة باتفاق أوبك لعام 2020 مع روسيا القاضي بخفض الإنتاج والحد من انهيار الأسعار.  أما الإمارات فقد امتنعت في مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة عن التصويت على مشروع قرار رعته واشنطن يدين تصرف روسيا ويطالب بانسحابها، اتخذت البحرين وعمان وقطر والكويت مواقف عبرت عنها في بيانات وتصريحات مختلفة بعبارات ديبلوماسية فضفاضة من قبيل “تتابع بقلق بالغ تطورات الأزمة الأوكرانية” و”تدعو طرفي النزاع الى الالتزام بالحوار وإجراء مفاوضات” و”تعبر عن مخاوفهما بشأن التصعيد العسكري” و”تدعو إلى حماية وحدة أراضي أوكرانيا” ، أصدرت الجامعة العربية بيانها يوم 28 فبراير2022 جاءت صيغته مبهمة. فلا هو أدان الغزو الروسي بصريح العبارة ولا هو أعرب عن دعمه لدولة أوكرانيا التي انتهكت سيادة أراضيها.

التقييم

من المتوقع أن تكون لهذه الأثار تداعيات وتبعات سلبية مضاعفة على مستويات الأمن العالمي سياساُ واقتصادياُ في مختلف أرجاء منطقة الشرق الأوسط، حيث كان الأمن الغذائي العالمي في خطر حتى قبل الغزو الروسي على أوكرانيا بسبب جائحة كورونا. من المتوقع اقتصادياً  أن أزمة الغاز الروسي ستؤدي إلى هزة كبيرة في أسعار الغاز العالمية وزيادة أسعاره، ما ستمتد معه الانعكاسات إلى زيادة أسعار المواد الصناعية والبتروكيماوية التي تستوردها الأسواق الأجنبية، وبعض الأسواق العربية، كما سيؤدي ارتفاع سعر الغاز إلى زيادة الطلب على المنتجات النفطية وحتى الفحم الحجري، نظراً للأجواء السلبية التي ستحول دون سرعة طاقات تنفيذ برامج الاستدامة حال ازدياد وتيرة الحرب.

 عززت الأزمة الأوكرانية من الواقعية الأمريكية في التعامل مع دول الخليج، فقد أظهر الصراع حاجة الولايات المتحدة إلى دعم حلفائها التقليديين في الخليج، لا سيما على الجانب الإستراتيجي والاقتصادي ويمكن القول إن حاجة الولايات المتحدة لدول الخليج في الصراعها، وتبقى كل هذه الآثار السياسية والاقتصادية للأزمة الأوكرانية والعقوبات الاقتصادية على روسيا قائمة طالما بقي الصراع محتدماً. أما إذا أدت المفاوضات بين روسيا وأوكرانيا مع الوساطات والجهود الدولية إلى انفراجه في الأزمة والتوصل إلى حلول توافقية فقد يؤدى ذلك إلى تهدئة نسبية وتخفيف التصعيد بين الناتو وروسيا.

رابط مختصر: https://www.europarabct.com/?p=80542

*جميع الحقوق محفوظة إلى المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والاستخبارات

الهوامش

1- “سيف القمح” على رقبة الشرق الأوسط
https://bit.ly/3CwOgNd

2- الأزمة الأوكرانية: أين تقف الدول العربية في التوتر بين روسيا والغرب؟
https://bit.ly/34tZiGu

3- الهجوم الروسي على أوكرانيا وتداعياته على الخليج وإيران
https://bit.ly/3IcJBS9

4- تداعيات غزو أوكرانيا تطال 500 مليون شخص.. خطر يهدد مصر وتونس
https://bit.ly/3t55Epz

Middle East faces severe wheat crisis over war in Ukraine -5
https://bit.ly/3MB1Tjd

الإشتراك في نشرتنا الإخبارية المجانية

تابعنا على تويتر

تابعنا على فيسبوك

استطلاع رأي

هل المركز مصدر موثوق في البحث؟

جاري التحميل ... جاري التحميل ...