المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والاستخبارات، ألمانيا وهولندا ECCI 
بقلم : د. خالد العزي
أمن بحر قزوين والتحولات الجيوسياسية في الممر الأوسط
مع تزايد أهمية الممر الأوسط باعتباره أحد الطرق التجارية والاستراتيجية الصاعدة بين آسيا وأوروبا، وخاصة في ظل تصاعد التوترات الجيوسياسية مع إيران وروسيا، أصبحت مسألة أمن واستقرار بحر قزوين أكثر أهمية من أي وقت مضى. فبقاء هذا الطريق العابر للقارات فعالًا لا يعتمد فقط على البنية التحتية التجارية، بل يرتبط أيضًا بوجود بيئة أمنية مستقرة قادرة على حماية خطوط النقل والطاقة والتجارة الدولية.
إن تأمين الممر الأوسط يتطلب حماية المجال الجوي من التهديدات الصاروخية والطائرات المسيّرة الإقليمية، كما ظهر في الهجمات التي استهدفت مطار نخجوان خلال الأيام الأولى من النزاع الأخير. كما يحتاج هذا الطريق إلى تعزيز المرونة الأمنية على امتداد الطرق البرية التي تمر عبر منطقة جنوب القوقاز، بما يضمن استمرار حركة التجارة في ظل التوترات المتزايدة.
وفي هذا السياق، يبرز مشروع “طريق ترامب للسلام والازدهار الدوليين” باعتباره أحد المسارات التي يمكن أن تعزز شبكات النقل القائمة، وتوفر مزيدًا من البدائل والمرونة أمام حركة التجارة الدولية. إلا أن نجاح أي مشروع مرتبط بالممر الأوسط يبقى مرهونًا بوجود بيئة آمنة في بحر قزوين، إذ إن غياب ممر بحري مستقر سيحوّل هذا الطريق التجاري إلى مسار غير مكتمل.
التحولات في ميزان القوى داخل بحر قزوين
حتى وقت قريب، كانت روسيا تمثل القوة البحرية الأكثر نفوذًا في بحر قزوين، تليها إيران من حيث القدرات العسكرية البحرية. إلا أن الدول الساحلية الأخرى، وهي أذربيجان وكازاخستان وتركمانستان، بدأت خلال السنوات الأخيرة في تطوير قدراتها البحرية وتعزيز حضورها في هذا المجال.
وفي إطار أمن بحر قزوين، تبرز تطورات متزامنة يمكن أن تؤثر بشكل كبير على ميزان القوى والاستقرار الإقليمي خلال السنوات المقبلة. فهناك تغيرات بدأت تظهر آثارها على المدى القريب، بينما تمثل بعض التحديات الأخرى مصادر قلق طويلة الأمد لا يمكن تجاهلها. فعلى المدى القريب، يشهد بحر قزوين تحولًا في ميزان القوى البحرية، مع تراجع نسبي في القدرات الروسية والإيرانية، مقابل صعود دور الدول الأخرى المطلة على البحر، الأمر الذي قد يمنحها مساحة أكبر للمشاركة في إدارة الأمن البحري الإقليمي.
تراجع النفوذ البحري الروسي والإيراني
خلال السنوات الأربع والعشرين الماضية، طورت أوكرانيا قدراتها على تنفيذ ضربات بعيدة المدى داخل الأراضي الروسية، وقد بدأت خلال الأشهر الأخيرة باستخدام هذه القدرات ضد أهداف مرتبطة بالأسطول الروسي في بحر قزوين. وتشير بعض التقديرات إلى أن عددًا من السفن التابعة للأسطول الروسي في بحر قزوين، بما في ذلك سفن حربية صغيرة وزوارق دورية وكاسحات ألغام، تعرضت للهجوم أو لأضرار نتيجة العمليات الأوكرانية الأخيرة. وإذا صحت هذه التقديرات، فإن ذلك يمثل تأثيرًا مهمًا على حجم الوجود البحري الروسي في المنطقة.
ورغم صعوبة تحديد مستوى الضرر الذي تعرضت له كل سفينة بشكل دقيق، تشير المعطيات إلى أن بعض القطع البحرية ربما تعرضت لأضرار كبيرة، فيما قد تكون قطع أخرى فقدت قدرتها على العمل بشكل دائم. كما استهدفت الهجمات الأوكرانية موانئ روسية لعبت دورًا مهمًا في حركة البضائع بين روسيا وإيران، إضافة إلى منشآت نفطية روسية في بحر قزوين.
كما شهد بحر قزوين تطورًا جديدًا تمثل في استهداف سفينة شحن إيرانية، حيث أعلنت أوكرانيا أن السفينة كانت تستخدم لنقل بضائع عسكرية بين إيران وروسيا، وهو ما قد يشير إلى توسع نطاق العمليات العسكرية المرتبطة بالصراع. وفي الجانب الآخر من بحر قزوين، تعرضت قاعدة بندر أنزلي البحرية الإيرانية لهجوم جوي كبير ضمن العمليات العسكرية التي قادتها الولايات المتحدة ضد إيران. وأشارت تقارير إلى تعرض عدد من السفن الإيرانية لأضرار، بما في ذلك فرقاطة وزوارق صاروخية، إضافة إلى استهداف منشآت الصيانة والأحواض الجافة ومبنى قيادة الأسطول الشمالي الإيراني.
صعود الدور البحري لأذربيجان ودول بحر قزوين
مع تراجع القدرات البحرية لكل من روسيا وإيران، بدأت الدول الأخرى المطلة على بحر قزوين في تعزيز إمكاناتها البحرية. وتبرز أذربيجان باعتبارها إحدى الدول التي تعمل بشكل واضح على تطوير قدراتها العسكرية والأمنية في المنطقة. فقد اتجهت أذربيجان إلى تحديث أسطولها البحري، وبناء سفن محلية، وتطوير قدرات خفر السواحل، وتنفيذ مناورات مشتركة، إضافة إلى تحسين أنظمة المراقبة البحرية في بحر قزوين.
كما أن تعزيز العلاقات بين أذربيجان والولايات المتحدة قد يساهم في دعم هذه القدرات، من خلال التعاون العسكري وتوفير بعض المعدات البحرية. ومن الممكن أن تصبح أذربيجان خلال السنوات القادمة القوة البحرية الأكثر تأثيرًا في بحر قزوين، الأمر الذي قد يشجع كازاخستان وتركمانستان على تعزيز قدراتهما البحرية أيضًا. ولا يقتصر التحول الاستراتيجي في بحر قزوين على تراجع النفوذ الروسي والإيراني فقط، بل يرتبط كذلك بتحديات طويلة الأمد، وعلى رأسها الانخفاض المستمر في مستوى مياه البحر.
انخفاض منسوب بحر قزوين وتأثيراته المستقبلية
يمثل انخفاض مستوى مياه بحر قزوين أحد أبرز التحديات التي قد تؤثر على مستقبل المنطقة من الناحية الأمنية والاقتصادية والجيوسياسية. وتشير بيانات الأقمار الصناعية إلى أن مستويات المياه بدأت بالتراجع منذ منتصف تسعينيات القرن الماضي، وسط توقعات باستمرار هذا الانخفاض خلال العقود القادمة. ويرتبط هذا التراجع بعدة عوامل، من بينها بناء السدود على نهر الفولغا داخل روسيا، والذي يمثل المصدر الأكبر للمياه التي تصب في بحر قزوين، إضافة إلى تأثيرات تغير المناخ وارتفاع درجات الحرارة العالمية.
ورغم التركيز الكبير على الآثار البيئية لانخفاض المياه، فإن التداعيات الأمنية والجيوسياسية قد تكون كبيرة أيضًا. فانخفاض مستوى المياه قد يؤثر على حركة الملاحة والتجارة والطاقة، ويجعل بعض الموانئ والقواعد البحرية أقل قدرة على العمل.
وتعد قاعدة أستراخان البحرية الروسية مثالًا واضحًا على هذه المشكلة، إذ تقع في منطقة ضحلة من بحر قزوين، وقد تواجه صعوبات متزايدة في المستقبل إذا استمر انخفاض مستوى المياه، مما قد يفرض على روسيا تنفيذ عمليات تجريف واسعة أو نقل جزء من قدراتها البحرية. كما قد يؤثر هذا الوضع على قدرة روسيا على استخدام قناة الفولغا-دون التي تربط بحر قزوين بالبحر الأسود، الأمر الذي قد يغير من طبيعة انتشارها البحري في المنطقة.
مستقبل الأمن الإقليمي في بحر قزوين
مع استمرار تراجع القدرات العسكرية الروسية والإيرانية، إلى جانب التحديات البيئية المرتبطة بانخفاض مياه بحر قزوين، تصبح الحاجة أكبر إلى اتخاذ خطوات استراتيجية تضمن بقاء المنطقة مركزًا آمنًا للتجارة والطاقة والتواصل الدولي. وفي هذا الإطار، يمكن للولايات المتحدة والدول الصديقة في المنطقة أن تلعب دورًا في دعم قدرات الدول الساحلية، سواء من خلال توفير المعدات الدفاعية، مثل زوارق الدوريات وأنظمة الدفاع الساحلي والرادارات، أو عبر تعزيز التعاون الأمني وتبادل الخبرات.
كما يمكن تعزيز التعاون مع أوكرانيا للاستفادة من الخبرات التي اكتسبتها في مجال الأنظمة غير المأهولة والحرب البحرية الحديثة، خاصة بعد التجارب التي شهدها البحر الأسود. ومن بين المقترحات المطروحة إعادة تفعيل مبادرات أمنية سابقة، مثل مبادرة حرس بحر قزوين التي أطلقت عام 2003 بهدف تعزيز التعاون في مجالات الأمن البحري والجوي والحدودي بين دول المنطقة.
خاتمة
سيبقى بحر قزوين خلال السنوات المقبلة منطقة ذات أهمية جيوسياسية كبيرة، ليس فقط بسبب موقعه وثرواته، بل أيضًا بسبب ارتباطه بالممر الأوسط وشبكات التجارة العالمية. فالتغيرات العسكرية والسياسية والبيئية التي يشهدها البحر ستؤثر بشكل مباشر على مستقبل التوازنات الإقليمية.
ومن خلال تعزيز التعاون بين دول المنطقة، وتطوير القدرات البحرية والأمنية، يمكن ضمان أن يبقى بحر قزوين منطقة عبور واستقرار، لا ساحة جديدة للتنافس والصراعات. إن القرارات التي ستُتخذ اليوم ستحدد قدرة دول المنطقة على مواجهة التحولات الجيوسياسية القادمة والحفاظ على أمن هذا الممر الحيوي.
رابط مختصر.. https://www.europarabct.com/?p=121814
*حقوق النشر محفوظة إلى المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الارهاب والاستخبارات ـ ألمانيا وهولندا ECCI

