المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والاستخبارات، ألمانيا وهولندا ECCI
أمن الممرات المائية أثناء الحروب: الأمور التنظيمية والاتفاقيات الدولية
أصبح أمن الممرات المائية أثناء الحروب من القضايا المحورية في منظومة الأمن الدولي، وذلك لدورها الحيوي في حركة التجارة العالمية ونقل الطاقة. وفي ظل تصاعد الأزمات الدولية والإقليمية خلال السنوات الأخيرة، برزت أهمية الاتفاقيات الدولية والقواعد المنظمة للملاحة البحرية باعتبارها أدوات أساسية للحفاظ على حرية العبور وضمان أمن التجارة العالمية. وقد كشفت النزاعات الحديثة، من حرب أوكرانيا، إلى حرب غزة التي امتدت تداعياتها إلى البحر الأحمر، فضلًا عن حرب إيران، عن التحديات المتزايدة التي تواجه أمن الممرات المائية، وأظهرت الحاجة إلى توازن دقيق بين المتطلبات العسكرية للدول المتحاربة وحقوق الملاحة للدول الأخرى.
الإطار القانوني للممرات البحرية زمن الحرب
يستند القانون الدولي البحري المنظم لبيئة النزاعات المسلحة إلى حزمة من المعاهدات والأعراف التي تقيد السلوك العسكري للدول المتحاربة وتضمن الحد الأدنى من سلامة الملاحة الدولية. تبرز في مقدمة هذا الإطار اتفاقيات لاهاي، لا سيما الاتفاقيتان الثامنة والثالثة عشرة لعام 1907، التي وضعت القواعد الأساسية للألغام البحرية الأوتوماتيكية وحقوق الدول المحايدة، بالتكامل مع اتفاقيات جنيف لعام 1949 وبروتوكولاتها الإضافية لعام 1977، والتي وسعت نطاق الحماية القانونية لتشمل السفن المدنية، وسفن الإغاثة الإنسانية، وطواقم الإغاثة الطبية في عرض البحر.
وفي ذات السياق، يفرض القانون الدولي الإنساني قواعد صارمة تضبط السلوك العسكري أثناء المعارك البحرية، مرتكزًا على مبادئ التمييز بين الأهداف المدنية والعسكرية، والتناسب في استخدام القوة، والضرورة العسكرية. وتتكامل هذه المبادئ مع الأعراف البحرية الدولية التي استقرت عبر القرون، لضمان احترام حق العبور وحرية الملاحة في المضائق والممرات المائية الحيوية، مما يحول دون تحويل المياه الحرة إلى ساحات تدمير عشوائي تعطل شريان الاقتصاد العالمي أو تهدد استقراره أثناء الحروب.
مفهوم الحصار البحري
الحصار البحري في قانون النزاعات المسلحة هو عملية عسكرية تفرضها دولة أو تحالف لمنع حركة الملاحة من وإلى سواحل وموانئ العدو، بغرض قطع إمداداته العسكرية والاقتصادية. ويعتبر الحصار البحري عملًا من أعمال الحرب التي ينظمها القانون الدولي – وتحديدًا بموجب إعلان باريس المتعلق بقانون الملاحة البحرية لسنة 1856 وكذلك الموادّ (1) إلى (22) من إعلان لندن لسنة 1909 المتعلق بقوانين الحروب البحرية.
ولكي يكتسب هذا الإجراء مشروعيته القانونية وفقًا للأعراف الدولية ومبادئ “دليل سان ريمو لعام 1994″، يُشترط الإعلان عنه رسميًّا وإبلاغ الدول المتحاربة والمحايدة به، مع تحديد تاريخ بدئه، ونطاقه الجغرافي، والمهلة الممنوحة للسفن المحايدة للمغادرة؛ وذلك منعًا للحصار السري. كما يجب أن يكون الحصار فعالًا ومستمرًا على أرض الواقع، ومدعومًا بقوة عسكرية كافية قادرة فعليًّا على مراقبة المنطقة ومنع المرور، حيث يحظر القانون الدولي “الحصار الورقي” أو “الوهمي” الذي يفتقر للقدرة التنفيذية الفيدرالية.
ويضع القانون الدولي الإنساني محددات صارمة تحظر فرض الحصار إذا كان يستهدف المدنيين بشكل مباشر، أو يُتخذ كوسيلة للعقاب الجماعي وتجويع السكان عبر حرمانهم من المواد الغذائية والطبية الأساسية للبقاء. كما تنص القواعد الدولية على عدم مشروعية الحصار إذا كانت آثاره الإنسانية المتوقعة غير متناسبة مع المكاسب العسكرية المرجوة منه، مما يُلزم القوى المحاصِرة بالسماح بمرور المساعدات الإنسانية والإغاثية تحت ترتيبات رقابية مناسبة لتفادي إلحاق معاناة مفرطة بالمدنيين.
الاتفاقيات المنظمة للملاحة زمن النزاعات
1- اتفاقية لاهاي 1907: أرست اتفاقية لاهاي لعام 1907، وتحديدًا الاتفاقية الثالثة عشرة، التزامات ومحددات قانونية صارمة تنظم حقوق وواجبات الدول المحايدة وموانئها أثناء الحروب البحرية، وقد منعت الاتفاقية الدول المتحاربة من اتخاذ المياه الإقليمية أو الموانئ التابعة لدول محايدة كقواعد للعمليات العسكرية، أو لإقامة محطات اتصالات عسكرية، أو لتزويد السفن الحربية بالذخيرة والمؤن العسكرية. وفي المقابل، فرضت على الدولة المحايدة التزامًا بالحياد التام ومنع أي خرق لسيادتها البحرية من قبل الأطراف المتصارعة، مع السماح للسفن الحربية المتحاربة بالبقاء في الموانئ المحايدة لمدة لا تتجاوز (24) ساعة فقط إلا في حالات الضرورة القسرية كالظروف الجوية الصعبة أو الإصلاحات الهيكلية غير العسكرية.
2- اتفاقيات جنيف: ركزت اتفاقيات جنيف الأربع لعام 1949، والبروتوكول الإضافي الأول لعام 1977، بشكل مباشر على تحييد العنصر الإنساني وحماية المدنيين والسفن الإنسانية من أتون المعارك البحرية. نصت الاتفاقية الثانية من اتفاقيات جنيف على توفير الحماية المطلقة لـ “سفن المستشفيات” التابعة للدول أو لجمعيات الإغاثة المعترف بها مثل الصليب الأحمر والهلال الأحمر، ومنعت تدميرها أو الاستيلاء عليها أو تفتيشها بطرق تعوق مهامها في إسعاف جرحى ومرضى وغرقى القوات المسلحة في البحر. كما امتدت هذه الحماية لتشمل السفن المدنية المخصصة لنقل الشحنات الإغاثية والغذائية للمدنيين في المناطق المحاصرة، شريطة خضوعها لرقابة وتفتيش يؤكد خلوها من أي إمدادات حربية.
3- دليل سان ريمو 1994: يُعد “دليل سان ريمو بشأن القانون الدولي المطبق في النزاعات المسلحة في البحار” لعام 1994 المرجع الحديث والأكثر شمولًا للقانون الدولي البحري أثناء الحروب والنزاعات المسلحة، وعلى الرغم من أنه لا يعد معاهدة ملزمة رسميًّا من الناحية القانونية بذاته، إلا أنه كُتب بواسطة خبراء دوليين وضباط بحريين لتوثيق القانون العرفي وتطويره؛ حيث وضع الدليل القواعد التفصيلية لتحديد الأهداف البحرية العسكرية المشروعة، وحدد آليات التفتيش العسكري للسفن التجارية المحايدة، ووضع قيودًا صارمة على استخدام الألغام البحرية والغواصات، مما جعله الوثيقة المعتمدة لدى المحاكم الدولية والأكاديميات العسكرية حول العالم لإدارة العمليات البحرية في العصر الحديث.
أبرز الأمثلة التاريخية
1- أزمة قناة السويس 1956: مَثّلت أزمة قناة السويس عام 1956، عقب إعلان مصر تأميم الشركة العالمية لقناة السويس في يوليو، واحدة من أخطر الأزمات الدولية التي مست أمن الممرات المائية، حيث أدى العدوان الثلاثي (البريطاني-الفرنسي-الإسرائيلي) في أكتوبر 1956 إلى إغلاق القناة بالكامل بعد غرق وتدمير نحو (40) سفينة ووحدة بحرية داخل المجرى المائي، ما تسبب في شلل الملاحة الدولية وقطع إمدادات النفط عن أوروبا لعدة أشهر، مما استدعى تدخلًا دوليًّا من هيئة الأمم المتحدة وتأسيس أول قوة طوارئ دولية (UNEF) لتأمين انسحاب القوات المعتدية وإعادة فتح القناة في مارس 1957، في تأكيد تاريخي على أن سلامة الممرات البحرية ترتبط بالاستقرار السياسي والأمني الدولي.
2- الحرب العراقية الإيرانية: شهدت الحرب العراقية الإيرانية (1980-1988) فصلًا دمويًّا عُرف بـ “حرب الناقلات” في الفترة بين 1984 و1988، حيث استهدف الطرفان ناقلات النفط التجارية والسفن التجارية المحايدة في مياه الخليج العربي ومضيق هرمز للضغط اقتصاديًّا على الآخر. وبحسب توثيق وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية ومؤسسات الرصد البحري، تضررت أكثر من (540) سفينة تجارية جراء الهجمات بالصواريخ والألغام البحرية العشوائية، مما هدد أسواق الطاقة العالمية ودفع بالولايات المتحدة ودول غربية لإطلاق عمليات عسكرية واسعة مثل عملية “إيرنست ويل” عام 1987 لإعادة رفع الأعلام الأمريكية على الناقلات الكويتية وحمايتها عسكريًّا في مياه الخليج.
3- الحرب الروسية الأوكرانية: أعادت الحرب الروسية الأوكرانية رسم مشهد الأمن البحري في البحر الأسود، حيث فرضت القوات البحرية الروسية حصارًا بحريًّا محكمًا على الموانئ الأوكرانية، لاسيما ميناء أوديسا، مما تسبب في احتجاز ملايين الأطنان من الحبوب وتوليد أزمة غذاء عالمية غير مسبوقة، وأدى هذا الحصار الاستراتيجي إلى توقيع “مبادرة شحن الحبوب عبر البحر الأسود” في يوليو 2022 برعاية الأمم المتحدة وتركيا لتأمين ممر بحري إنساني، إلا أن الصراع شهد لاحقًا استخدامًا كثيفًا لتقنيات حديثة مثل الطائرات والزوارق المسيرة الانتحارية، لاستهداف موانئ الطاقة والناقلات، مما كشف عن هشاشة الاتفاقيات الدولية التقليدية أمام أنماط الحروب المعاصرة.
4- باب المندب والبحر الأحمر: شهد البحر الأحمر ومضيق باب المندب تصعيدًا عسكريًّا غير مسبوق، حيث شنت جماعة الحوثي في اليمن هجمات متكررة باستخدام الصواريخ الباليستية المضادة للسفن والطائرات المسيرة والزوارق المفخخة ضد السفن التجارية المرتبطة بإسرائيل أو المتجهة إلى موانئها، والتي توسعت لاحقًا لتشمل السفن الأمريكية والبريطانية. وأدى هذا التصعيد إلى اضطراب شديد في سلاسل التوريد العالمية، حيث أعلنت كبرى شركات الشحن العالمية، مثل “ميرسك” و”إم إس سي”، تحويل مسار سفنها نحو طريق رأس الرجاء الصالح حول إفريقيا، مما رفع تكاليف الشحن بنسبة تجاوزت (150%)، وزاد من انبعاثات الكربون وزمن الرحلات البحرية بنحو (10 إلى 14) يومًا، مما دفع نحو تشكيل تحالف عسكري دولي بقيادة واشنطن تحت اسم عملية “حارس الازدهار” لردع تلك الهجمات.
أمن الطاقة وعلاقته بالممرات البحرية
يرتبط أمن الطاقة العالمي ارتباطًا وثيقًا بسلامة واستمرارية الملاحة البحرية عبر الممرات الدولية الحيوية، والتي تُصنف جيوسياسيًّا كـ “نقاط اختناق” (Choke points)، يمر عبر مضيق هرمز وحده ما يقارب (21) مليون برميل من النفط يوميًّا، أي ما يعادل نحو (20%) من الاستهلاك العالمي للسوائل النفطية، في حين يتدفق عبر مضيق باب المندب وقناة السويس أكثر من (12%) من إجمالي النفط المنقول بحرًا و(8%) من الغاز الطبيعي المسال المتجه نحو الأسواق الأوروبية والأمريكية. وأي توتر عسكري أو تهديد بإغلاق هذه الممرات يؤدي فورًا إلى قفزات حادة وفورية في أسعار النفط العالمية في بورصات لندن ونيويورك نتيجة زيادة كلفة التأمين البحري على السفن، ومخاوف انقطاع الإمدادات، ما يعكس الحساسية المفرطة للاقتصاد العالمي تجاه سلامة أمن الممرات البحرية.
أدى تصاعد الحرب في إيران إلى ارتفاع أسعار الوقود في جميع أنحاء أوروبا، وتضررت ألمانيا بذلك بشكل أكثر حدة من معظم الدول الأخرى، فقد ارتفع سعر البنزين بنسبة (5%) وهو أعلى بكثير من متوسط الاتحاد الأوروبي. كما شهدت فرنسا والنمسا زيادات بنحو (2%)، وإستونيا (3.6%)، ولوكسمبورغ (3.5%)، بينما سجلت سلوفاكيا والمجر زيادات بنسبة (0.1%) فقط.
عسكرة الممرات البحرية
تحولت عسكرة الممرات البحرية والمضائق الاستراتيجية إلى ظاهرة بارزة في استراتيجيات الدفاع الدولية، حيث تسعى القوى العظمى والإقليمية إلى تكثيف وجودها العسكري المباشر عبر بناء القواعد البحرية وتسيير الدوريات المسلحة لحماية مصالحها الاقتصادية أو لفرض نفوذها الجيوسياسي. ويتجلى هذا بوضوح في منطقة القرن الأفريقي وجيبوتي المشرفة على مضيق باب المندب، والتي باتت تضم أكبر تجمع للقواعد العسكرية الأجنبية في العالم (الولايات المتحدة، والصين، وفرنسا، وغيرها). هذا الاحتشاد العسكري، ورغم طرحه كآلية لتأمين الملاحة ومكافحة القرصنة والإرهاب، فإنه يحمل في طياته مخاطر جسيمة تتعلق باحتمالية حدوث احتكاكات عسكرية مباشرة أو سوء تقدير استراتيجي بين القوى المتنافسة، مما قد يحول هذه الممرات الدولية من شريان للتجارة السلمية إلى بؤر صدام مسلح مباشر.
تقييم وقراءة مستقبلية
– تشير المعطيات الراهنة إلى أن فاعلية الاتفاقيات الدولية الحالية المنظمة للملاحة زمن الحروب بها فجوة واضحة بين النصوص القانونية الكلاسيكية والواقع العملي المعاصر، فالمعاهدات التي صيغت في القرن العشرين لم تكن مصممة للتعامل مع “الفاعلين غير الدوليين” الذين لا يلتزمون بالقانون الدولي الإنساني، ولا مع التقنيات العسكرية الناشئة كالمسيرات البحرية والألغام الذكية الرخيصة.
– ستظل الممرات البحرية خلال السنوات المقبلة محورًا مركزيًّا للصراعات الدولية، مع تزايد توظيفها كأدوات ضغط جيوسياسي واقتصادي. فالتجارب الحديثة، من البحر الأسود إلى البحر الأحمر ومضيق هرمز، تؤكد أن التحكم في هذه الممرات لم يعد مجرد هدف عسكري، بل أصبح وسيلة استراتيجية للتأثير في الأسواق العالمية وسلاسل الإمداد.
– من الضروري البحث عن مسارات برية وبديلة، حيث تسارع دول العالم لتطوير طرق بديلة عابرة للقارات، مثل الممر الاقتصادي بين الهند والشرق الأوسط وأوروبا، أو طريق بحر الشمال القطري المعتمد على ذوبان الجليد، لتقليل الاعتماد الاستراتيجي على نقاط الاختناق التقليدية في الشرق الأوسط.
– يظل العامل الاقتصادي المرتبط بأمن الطاقة أحد أهم المحددات في مستقبل أمن الممرات المائية. فمرور نسبة كبيرة من التجارة العالمية عبر هذه الممرات يجعل أي اضطراب فيها مسألة يتجاوز إطارها الإقليمي لتصبح قضية ذات تأثير عالمي مباشر.
– من المتوقع أن يتحول أمن الممرات البحرية إلى أحد أبرز محددات الاستقرار الدولي، حيث يتطلب التعامل معه مقاربة شاملة تجمع بين الأدوات العسكرية والقانونية والاقتصادية، مع التركيز على الوقاية وبناء آليات استجابة سريعة للحد من تداعيات الأزمات المستقبلية.
رابط مختصر.. https://www.europarabct.com/?p=119374
*حقوق النشر محفوظة إلى المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الارهاب والاستخبارات ـ ألمانيا وهولندا ECCI
الهوامش
Breaking the Black Sea blockade: How to counter Russia’s war on Ukraine’s grain
Trump announces naval blockade of Iran after Islamabad talks yield no deal
Between warships and merchant ships: The legal status, operational functions and targeting rules of auxiliary vessels
Navigating Troubled Waters: The Impact on Global Trade of Disruptions in the Red Sea and Black Sea
Maritime Activities and Energy Security: Contemporary Challenges and Multifaceted Interactions
The Red Sea Crisis and the Militarization of Global Trade Routes
