الإشتراك في نشرتنا الإخبارية المجانية

 

تابعنا على تويتر

تابعنا على فيسبوك

آخر المشاركات التلفزيونية

استطلاع رأي

هل المركز مصدر موثوق في البحث ؟

جاري التحميل ... جاري التحميل ...

أمن الممرات البحرية في القانون الدولي وأثره على الأمن الطاقوي والأمن الدولي: مضيق هرمز نموذجاً. ملف

يونيو 16, 2026

المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والاستخبارات ـ ألمانيا وهولندا ـ ECCI ـ وحدة الدراسات والتقارير

تصفح الملف نسخة PDF ‏‏ملف أمن الممرات البحرية في القانون الدولي وأثره على الأمن الطاقوي والأمن الدولي مضيق هرمز نموذجاً

أمن الممرات البحرية في القانون الدولي وأثره على الأمن الطاقوي والأمن الدولي: مضيق هرمز نموذجاً. ملف

المقدمة

تمثل الممرات البحرية والمضائق الدولية أحد أهم المرتكزات الحيوية في النظام الدولي المعاصر، إذ ترتبط بصورة مباشرة بحركة التجارة العالمية، وأمن الطاقة، والاستقرار الجيوسياسي، ومصالح القوى الكبرى والإقليمية. وقد اكتسبت هذه الممرات أهمية مضاعفة مع تزايد الاعتماد العالمي على النفط والغاز المنقول بحراً، فضلاً عن ارتباطها بالأمن القومي للدول الساحلية والدول الصناعية المستهلكة للطاقة.

ومن هذا المنطلق، سعت المواثيق الدولية والاتفاقيات البحرية إلى تنظيم حرية الملاحة وضمان انسياب التجارة الدولية، خاصة خلال أوقات النزاعات والحروب. غير أن الواقع الجيوسياسي أظهر أن العديد من المضائق والممرات البحرية تحولت إلى أدوات ضغط استراتيجي تستخدمها الدول لتحقيق مكاسب سياسية أو عسكرية أو اقتصادية، كما هو الحال في مضيق هرمز الذي يُعد من أكثر الممرات حساسية في العالم.

ويهدف هذا الملف إلى دراسة الإطار القانوني الدولي للممرات البحرية، وتحليل الاتفاقيات المتعلقة بالممرات المائية زمن الحروب، ثم دراسة مضيق هرمز نموذجاً لفهم التهديدات الإيرانية للملاحة البحرية وانعكاساتها على الأمن الطاقوي والأمن الدولي والأمن القومي للدول.

1ـ أمن الممرات البحرية في المواثيق الدولية والقانون الدولي للبحار

تمثل الممرات البحرية أحد الركائز الحيوية للنظام الاقتصادي العالمي، إذ ترتبط مباشرة بحركة التجارة الدولية وإمدادات الطاقة وسلاسل التوريد. ومع اتساع نطاق الاعتماد الدولي على النقل البحري، تزداد أهمية الممرات البحرية كنقاط استراتيجية حساسة. وفي ظل تصاعد التوترات الجيوسياسية والتحديات الأمنية كحرب أوكرانيا وإيران، باتت حماية الممرات البحرية وتأمين حركة الملاحة قضية ذات أولوية قصوى للأمن الدولي.

 

مفهوم الممرات البحرية وأهميتها الاستراتيجية

– البعد الاقتصادي: تُمثل الممرات البحرية الرئيسية للشحن في العالم جزءًا من التحديات الأوسع التي تواجه سلاسل التوريد في قطاع النقل، حيث لا تزال تُشحن عن طريق البحر (90%) من السلع والبضائع المتداولة عبر الممرات البحرية. شدد المستشار الألماني فيريدريش ميرز في أبريل من العام 2026 على أهمية العبور الأمن على طول الممرات البحرية العالمية. وتابع المستشار الألماني: “بالنسبة لدولة صناعية وتجارية مثل ألمانيا، يعد الاستخدام غير المقيد للممرات البحرية العالمية، وبالتأكيد الأمن البحري، شرطًا أساسيًا لنجاح الاقتصاد”.

– البعد الطاقوي: يعتمد نظام الطاقة العالمي اعتمادًا كبيرًا على النقل البحري لتوصيل موارد الطاقة الحيوية، بما في ذلك النفط الخام والغاز الطبيعي المسال والمنتجات البترولية المكررة. تضطلع الممرات البحرية العالمية بدور استراتيجي متزايد الأهمية في سلسلة إمداد الطاقة. على سبيل المثال يمر حوالي (20%) من إمدادات النفط العالمية عبر ممرات بحرية رئيسية كـ”مضيق هرمز”. وفي سياق الممرات البحرية الحيوية، مثل “مضيق ملقا” وبحر الصين الجنوبي، التي تستوعب غالبية تدفقات ونقل الطاقة، يعتبر العالم الأمن البحري شرطًا أساسيًا لضمان أمن الطاقة.

– البعد العسكري: تُستخدم الممرات البحرية في الانتشار العسكري وتحريك الأساطيل البحرية، ما يجعلها ذات أهمية استراتيجية في التوازنات الدولية. فعلى سبيل المثال تحتفظ القوى العظمى كالولايات المتحدة والصين وفرنسا بوجود أساطيل دائمة وقواعد خارجية بالقرب من الممرات البحرية العالمية لضمان بقاء خطوط الإمداد التجارية الخاصة بها مفتوحة أثناء الأزمات. ومن جهة أخرى قد تستخدم بعض الدول التهديدات غير المتماثلة كالطائرات بدون طيار والألغام البحرية لانتزاع تنازلات دبلوماسية أثناء الحروب والصراعات.

– البعد الجيوسياسي: تتحكم بعض الدول بمواقع استراتيجية تمنحها القدرة على التأثير في الاقتصاد والسياسة الدوليين، ويتمحور البُعد الجيوسياسي للممرات البحرية العالمية حول حماية الطرق البحرية الحيوية والسيطرة عليها أو تعطيلها، ولأن أكثر من (90%) من التجارة العالمية تمر عبر البحر، فإن السيطرة على الممرات البحرية تُعد أداةً أساسيةً للتأثير الجيوسياسي، وبسط النفوذ، وتحقيق مكاسب اقتصادية على الصعيد الإقليمي والدولي.

الممرات البحرية في القانون الدولي

اعتُمدت اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار في العام 1982 ودخلت حيز التنفيذ في عام 1994، وهي تضع نظامًا شاملًا للقانون والنظام لمحيطات العالم، وتحدد قواعد لتوزيع حقوق الدول وولايتها في المجالات البحرية، واستخدام المحيطات في الأغراض السلمية وإدارة مواردها. كما توفر الاتفاقية إطارًا لمواصلة تطوير مجالات محددة من قانون البحار، بما في ذلك من خلال عمل المنظمات الدولية المختصة مثل المنظمة البحرية الدولية. وقد تم توسيع نطاق النظام المنصوص عليه أصلًا في الاتفاقية منذ ذلك الحين لاستيعاب أولويات الدول وسد الثغرات في الإطار التنظيمي.

تمنح اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار “UNCLOS” السفن والطائرات التابعة لجميع الدول الحق فيما يُعرف بـ “حق المرور العابر” عبر المضائق الدولية التي تربط بين جزأين من أعالي البحار، ولتتمكن السفن من الاستفادة من هذا الحق عليها عبور المضيق دون تأخير، ودون التوقف لإلقاء المرساة إلا في حالات الطوارئ القصوى. تنص الاتفاقية على وجوب السماح بمرور هذه السفن دون أي تدخل من جانب الدولة الساحلية المشاطئة للمضيق، ولا يحق للدول الساحلية فرض سوى رسوم خدمة محدودة، تشمل رسوم الإرشاد البحري وخدمات القطر التي تقتصر على مساعدة السفن الكبيرة في الحالات الطارئة، وهو ما ينطبق على مضيق هرمز كونه ممرًا مائيًا طبيعيًا.

قامت اتفاقية “جامايكا” لعام 1982 بتوضيح أن “لكل دولة الحق في أن تحدد عرض بحرها الإقليمي بمسافة لا تتجاوز (12) ميلًا بحريًا بدءًا من خطوط الأساس المقررة وفقًا لأحكام هذه الاتفاقية”. فمن حق كل دولة ممارسة سيادتها على مجالها الإقليمي البحري، ابتداءً من الأعمال الشرطية، وتحديد المراسم البحرية التي يجب على السفن البحرية اتباعها، وتنظيم الملاحة والتجارة داخلها. وتمتد السيادة إلى قاع البحر، حيث بإمكان الدولة الاستفادة مما يضمه قاع البحر واستغلاله. تمتد سيادة الدولة إلى “النطاق الجوي الذي يعلو البحر الإقليمي وكذا قاع هذا البحر وما تحته من طبقات”. شبكات التجسس الإيرانية في أوروبا ـ ألمانيا: البنية، أدوات العمل، ومستويات التهديد

 أهم الممرات البحرية الدولية

مضيق هرمز: يُعدّ مضيق هرمز، نقطة محورية في الملاحة البحرية فهو الممر البحري الرئيسي لنقل النفط من الشرق الأوسط، حيث يعبره أكثر من (20) مليون برميل من النفط يوميًا. وفي عام 2022، شهد المضيق عبور أكثر من (20) ألف سفينة، ما جعله من أبرز الممرات الملاحية في العالم. ومن مضيق هرمز، تنطلق السفن في جميع الاتجاهات، حاملةً الوقود الأحفوري إلى آسيا وأوروبا والولايات المتحدة الأمريكية.مضيق باب المندب: مضيق ذو أهمية جيوسياسية بالغة، يربط البحر الأحمر بخليج عدن، بين اليمن وجيبوتي في الطرف الجنوبي للبحر الأحمر. مع تزايد التكامل الاقتصادي العالمي والطلب على الطاقة، برزت الأهمية الاستراتيجية لمضيق باب المندب بشكل متزايد. تكمن أهمية باب المندب في موقعه الجغرافي وقيمته الجيوسياسية كممر ملاحي. فهو لا يؤثر فقط على أنشطة التجارة العالمية، بل له كذلك تأثير مباشر على المشهد الجيوسياسي للشرق الأوسط.

– قناة السويس: تعتبر قناة السويس أقصر طريق يربط بين الشرق والغرب وذلك بسبب موقعها الجغرافي، تصل القناة بين البحر المتوسط والبحر الأحمر. تتعاظم أهمية القناة بقدر تطور وتنامي النقل البحري والتجارة العالمية؛ حيث يعد النقل البحري أرخص وسائل النقل ولذلك يتم نقل ما يزيد عن (90%) من حجم التجارة العالمية عبر الطرق والقنوات، كما توفر القناة الوقت والمسافة وبالتالي وفر في تكاليف تشغيل السفن العابرة لها.

– مضيق ملقا: يقع بين إندونيسيا وماليزيا وسنغافورة، وهو شريان حيوي في الملاحة البحرية. ففي عام 2022، سجّل المضيق عبور أكثر من (80000) سفينة. ويمتدّ هذا الممرّ الملاحي لمسافة (550) ميلًا، وهو الطريق التجاري الرئيسي الذي يربط آسيا بأوروبا. وتعبر البضائع القادمة من دول مثل الصين واليابان وكوريا الجنوبية هذا المضيق في طريقها إلى الشرق الأوسط وأوروبا. مضيق ملقا هو ممر هام لشحنات النفط، حيث تنقل ناقلات النفط الخام من الشرق الأوسط إلى وجهات آسيوية مختلفة وما وراءها.

– مضيق البوسفور والدردنيل: يربط المضيق بين البحر الأسود وبحر مرمرة، ويمر عبر مدينة إسطنبول في تركيا، يمتد المضيق لمسافة نحو (30) كيلومترًا ويشكل حدودًا طبيعية بين قارة آسيا وقارة أوروبا، ويعد ممرًا رئيسيًا لصادرات الطاقة من روسيا وآسيا الوسطى. تكمن الأهمية الاقتصادية للمضيق في أنه نقطة عبور رئيسية لصادرات النفط والغاز من بحر قزوين، حيث يمر عبره نحو (3) ملايين برميل من النفط يوميًا، كما يعتبر المضيق محورًا حيويًا للتجارة بين الدول المطلة على البحر الأسود ودول البحر الأبيض المتوسط.

 التحديات المعاصرة للممرات البحرية

– القرصنة البحرية: يتأثر أمن الممرات البحرية بعمليات القرصنة، فعلى سبيل المثال، بعد حرب إيران عاد ظهور القرصنة الصومالية. يقول “تيم ووكر” الباحث الرئيسي في مجال التهديدات العابرة للحدود والجريمة المنظمة في معهد الدراسات الأمنية بجنوب إفريقيا: “إن القراصنة يرون وسائل ردع أقل على امتداد ساحل الصومال البالغ طوله (3300) كيلومتر وهو الأطول في قارة إفريقيا بأكملها”. وتابع “تيم ووكر”: “تسعى بعض الجماعات، التي ينظمها زعماء القرصنة، الآن إلى الاستيلاء على السفن واحتجازها مقابل فدية، إلى جانب الطاقم الموجود على متنها ويطالبون أحيانًا بفدية كبيرة مقابل عودتهم سالمين”.

– الإرهاب البحري: يتراوح الإرهاب البحري بين الأمن السيبراني على متن السفن والقرصنة والأنشطة البحرية غير المشروعة وزرع الألغام. فعلى سبيل المثال تُهدد مئات الألغام البحرية منذ بداية حرب أوكرانيا، حركة الملاحة في البحر الأسود، ومياه دول أعضاء في حلف شمال الأطلسي، مثل بلغاريا ورومانيا وتركيا. كما زرعت إيران ألغامًا بحرية في مضيق هرمز، وأفادت التقارير الاستخباراتية أنه لم ينتشر زرع الألغام على نطاق واسع بعد، إذ لم يُزرع سوى بضع عشرات منها. لكن إيران لا تزال تحتفظ بما يزيد عن (80%) إلى (90%) من زوارقها الصغيرة وآلات زرع الألغام، ما يجعل من الممكن لقواتها زرع مئات الألغام في الممر المائي.

– النزاعات الإقليمية: أدت حرب أوكرانيا منذ بدايتها إلى تهديد الأمن والملاحة البحرية، ففي العام 2025 زادت الهجمات على السفن التجارية في البحر الأسود في أعقاب الهجمات الأوكرانية على منشآت الطاقة في موسكو من بحر قزوين إلى مناطق أخرى. ينظر الخبراء إلى تزايد الهجمات على السفن التجارية في البحر الأسود على أنها اتجاه مقلق ذو تداعيات إقليمية وعالمية. يوضح “أوزغور كوربي” وهو محاضر زائر في جامعة الدفاع الوطني: “إن هذه الحوادث الأخيرة في البحر الأسود تُظهر خطر امتداد الصراع الأوكراني إلى المناطق المحيطة”.

– عسكرة المضائق: تسعى القوى الكبرى إلى تعزيز حضورها العسكري في المحيطات والمضائق الاستراتيجية لضمان أمن طرق التجارة والطاقة. أكد وزير خارجية الولايات المتحدة الأمريكية “ماركو روبيو” في 14 مايو من العام 2026 أثناء وجوده في الصين: “إن واشنطن وبكين متفقتان في معارضة عسكرة مضيق هرمز وإدخال نظام رسوم المرور عبر الممر المائي الاستراتيجي”. وتابع “ماركو روبيو”: “قال الجانب الصيني إنه لا يؤيد عسكرة مضيق هرمز ولا يؤيد نظام الرسوم، وهذا هو موقفنا، فمن الجيد أن يكون لدينا تحالف، أو على الأقل اتفاق، بشأن هذه النقطة”.

– التنافس الدولي على النفوذ البحري: يُعدّ التنافس الدولي على النفوذ البحري ديناميكية جيوسياسية محورية. وتتنافس القوى الدولية والإقليمية للسيطرة على نقاط الاختناق التجارية الحيوية، وسلاسل الإمداد، والهيمنة البحرية، مستخدمة مزيجًا من القوة العسكرية التقليدية والأدوات الجيواقتصادية. لا تزال منطقة المحيطين الهندي والهادئ الساحة الرئيسية للتنافس. وتسعى دول مثل الولايات المتحدة الأمريكية والهند واليابان وأستراليا إلى مواجهة النفوذ الصيني المتزايد. كما يعتبر البحر الأحمر وباب المندب والقرن الإفريقي هي بؤر ساخنة لإنشاء القواعد البحرية مايؤثر على الأمن البحري وحركة الملاحة. الأمن الدولي في الرؤية الأوروبية للتهديدات الإيرانية: المحددات والمقاربات السياسية والأمنية

ارتباط الممرات البحرية بالأمن الدولي

أصبحت الممرات البحرية جزءًا من مفهوم الأمن الجماعي، إذ إن أي اضطراب فيها يؤدي إلى:

– ارتفاع أسعار الطاقة: كتب باحثون من مجموعة من الأكاديميين في جامعة فيينا للتكنولوجيا وجامعة أكسفورد والجامعة النرويجية للعلوم والتكنولوجيا “NTNU” وجامعة باريس دوفين: “أن أوروبا أكثر عرضة لصدمات أسعار الغاز، وليس أقل مقارنة بالعام 2022”. وكان تنويع الموردين بعد بدء حرب أوكرانيا في فبراير من العام 2022 فعالًا في تقليل الاعتماد على الغاز الروسي. لكن ذلك زاد كذلك من الاعتماد على إمدادات الغاز الخارجية، وهذا ما جعل أوروبا أكثر حساسية لتقلبات الأسعار في حال انقطاع الإمدادات العالمية.

– تعطل سلاسل الإمداد: تشكل الاضطرابات في الممرات المائية، وتحديدًا في مضيق هرمز وباب المندب، تهديدًا مباشرًا لخطوط الإمداد المتجهة إلى العواصم الأوروبية، إذ أن أي تصعيد عسكري أو تهديد لحرية الملاحة وسلامة ناقلات النفط والغاز المسال ينعكس فورًا على الأسواق الأوروبية في صورة قفزات حادة في الأسعار واضطراب في سلاسل التوريد، وهو أمر لا تحبذه الاقتصادات الأوروبية التي تسعى جاهدة لضمان استقرار أسواقها وتأمين بدائل موثوقة.

– توترات عسكرية: يحذر دبلوماسيون أوروبيون من أن توسيع نطاق عملية “أسبيدس” قد يؤدي إلى تنافس على الموارد البحرية بين مهام مختلفة، بما في ذلك دوريات بحر البلطيق ومهام الردع التابعة لحلف الناتو. أكد الدبلوماسيون: “الأصول البحرية مطلوبة بشدة في كل مكان، بما في ذلك بحر البلطيق وبحر العرب، ولا يمكننا أن نغفل عن البحرية الروسية كذلك”. لا تزال المخاطر التشغيلية في منطقة الخليج كبيرة، كما أن قدرات الدفاع الجوي لا تضمن الأمن بنسبة (100%)، لا سيما في مواجهة هجمات الطائرات المسيرة واسعة النطاق. وفي مقال كتبه لمعهد الخدمات الملكية المتحدة، سلط “ديفيد ب. روبرتس” الضوء على بيئة تهديد “متعددة الطبقات”، تتراوح من “الذخائر البطيئة منخفضة الارتفاع في الطرف الأدنى إلى الصواريخ المضادة للسفن سريعة الحركة والألغام الأرضية في الطرف الأعلى”.

– أزمات اقتصادية عالمية: تؤدى الاضطرابات في أمن الملاحة البحرية والممرات المائية إلى حالة من عدم اليقين الحاد في الأسواق العالمية، كما يمتد التأثير ليشمل مجموعة أوسع من السلع الاستهلاكية، وتعطيل إمدادات المواد الخام الأساسية وقد ترتفع أقساط التأمين على الشحن، وأوقات النقل، مما يرفع التكاليف على الشركات والمستهلكين. وفي محاولة جديدة لوضع الدول الأوروبية تحت ضغط اقتصادي، تطرح إيران فكرة فرض “رسوم وصول” على كابلات الإنترنت البحرية التي تعبر مضيق هرمز، وهي خطوة قد تزيد من توتر الاقتصاد العالمي. الأمن الدولي في الرؤية الأوروبية للتهديدات الإيرانية: المحددات والمقاربات السياسية والأمنية

**

2ـ أمن الممرات المائية أثناء الحروب: الأمور التنظيمية والاتفاقيات الدولية

أصبح أمن الممرات المائية أثناء الحروب من القضايا المحورية في منظومة الأمن الدولي، وذلك لدورها الحيوي في حركة التجارة العالمية ونقل الطاقة. وفي ظل تصاعد الأزمات الدولية والإقليمية خلال السنوات الأخيرة، برزت أهمية الاتفاقيات الدولية والقواعد المنظمة للملاحة البحرية باعتبارها أدوات أساسية للحفاظ على حرية العبور وضمان أمن التجارة العالمية. وقد كشفت النزاعات الحديثة، من حرب أوكرانيا، إلى حرب غزة التي امتدت تداعياتها إلى البحر الأحمر، فضلًا عن حرب إيران، عن التحديات المتزايدة التي تواجه أمن الممرات المائية، وأظهرت الحاجة إلى توازن دقيق بين المتطلبات العسكرية للدول المتحاربة وحقوق الملاحة للدول الأخرى.

الإطار القانوني للممرات البحرية زمن الحرب

يستند القانون الدولي البحري المنظم لبيئة النزاعات المسلحة إلى حزمة من المعاهدات والأعراف التي تقيد السلوك العسكري للدول المتحاربة وتضمن الحد الأدنى من سلامة الملاحة الدولية. تبرز في مقدمة هذا الإطار اتفاقيات لاهاي، لا سيما الاتفاقيتان الثامنة والثالثة عشرة لعام 1907، التي وضعت القواعد الأساسية للألغام البحرية الأوتوماتيكية وحقوق الدول المحايدة، بالتكامل مع اتفاقيات جنيف لعام 1949 وبروتوكولاتها الإضافية لعام 1977، والتي وسعت نطاق الحماية القانونية لتشمل السفن المدنية، وسفن الإغاثة الإنسانية، وطواقم الإغاثة الطبية في عرض البحر.

وفي ذات السياق، يفرض القانون الدولي الإنساني قواعد صارمة تضبط السلوك العسكري أثناء المعارك البحرية، مرتكزًا على مبادئ التمييز بين الأهداف المدنية والعسكرية، والتناسب في استخدام القوة، والضرورة العسكرية. وتتكامل هذه المبادئ مع الأعراف البحرية الدولية التي استقرت عبر القرون، لضمان احترام حق العبور وحرية الملاحة في المضائق والممرات المائية الحيوية، مما يحول دون تحويل المياه الحرة إلى ساحات تدمير عشوائي تعطل شريان الاقتصاد العالمي أو تهدد استقراره أثناء الحروب.

مفهوم الحصار البحري

الحصار البحري في قانون النزاعات المسلحة هو عملية عسكرية تفرضها دولة أو تحالف لمنع حركة الملاحة من وإلى سواحل وموانئ العدو، بغرض قطع إمداداته العسكرية والاقتصادية. ويعتبر الحصار البحري عملًا من أعمال الحرب التي ينظمها القانون الدولي – وتحديدًا بموجب إعلان باريس المتعلق بقانون الملاحة البحرية لسنة 1856 وكذلك الموادّ (1) إلى (22) من إعلان لندن لسنة 1909 المتعلق بقوانين الحروب البحرية.

ولكي يكتسب هذا الإجراء مشروعيته القانونية وفقًا للأعراف الدولية ومبادئ “دليل سان ريمو لعام 1994″، يُشترط الإعلان عنه رسميًّا وإبلاغ الدول المتحاربة والمحايدة به، مع تحديد تاريخ بدئه، ونطاقه الجغرافي، والمهلة الممنوحة للسفن المحايدة للمغادرة؛ وذلك منعًا للحصار السري. كما يجب أن يكون الحصار فعالًا ومستمرًا على أرض الواقع، ومدعومًا بقوة عسكرية كافية قادرة فعليًّا على مراقبة المنطقة ومنع المرور، حيث يحظر القانون الدولي “الحصار الورقي” أو “الوهمي” الذي يفتقر للقدرة التنفيذية الفيدرالية.

ويضع القانون الدولي الإنساني محددات صارمة تحظر فرض الحصار إذا كان يستهدف المدنيين بشكل مباشر، أو يُتخذ كوسيلة للعقاب الجماعي وتجويع السكان عبر حرمانهم من المواد الغذائية والطبية الأساسية للبقاء. كما تنص القواعد الدولية على عدم مشروعية الحصار إذا كانت آثاره الإنسانية المتوقعة غير متناسبة مع المكاسب العسكرية المرجوة منه، مما يُلزم القوى المحاصِرة بالسماح بمرور المساعدات الإنسانية والإغاثية تحت ترتيبات رقابية مناسبة لتفادي إلحاق معاناة مفرطة بالمدنيين.

الاتفاقيات المنظمة للملاحة زمن النزاعات

 1- اتفاقية لاهاي 1907: أرست اتفاقية لاهاي لعام 1907، وتحديدًا الاتفاقية الثالثة عشرة، التزامات ومحددات قانونية صارمة تنظم حقوق وواجبات الدول المحايدة وموانئها أثناء الحروب البحرية، وقد منعت الاتفاقية الدول المتحاربة من اتخاذ المياه الإقليمية أو الموانئ التابعة لدول محايدة كقواعد للعمليات العسكرية، أو لإقامة محطات اتصالات عسكرية، أو لتزويد السفن الحربية بالذخيرة والمؤن العسكرية. وفي المقابل، فرضت على الدولة المحايدة التزامًا بالحياد التام ومنع أي خرق لسيادتها البحرية من قبل الأطراف المتصارعة، مع السماح للسفن الحربية المتحاربة بالبقاء في الموانئ المحايدة لمدة لا تتجاوز (24) ساعة فقط إلا في حالات الضرورة القسرية كالظروف الجوية الصعبة أو الإصلاحات الهيكلية غير العسكرية.

2- اتفاقيات جنيف: ركزت اتفاقيات جنيف الأربع لعام 1949، والبروتوكول الإضافي الأول لعام 1977، بشكل مباشر على تحييد العنصر الإنساني وحماية المدنيين والسفن الإنسانية من أتون المعارك البحرية. نصت الاتفاقية الثانية من اتفاقيات جنيف على توفير الحماية المطلقة لـ “سفن المستشفيات” التابعة للدول أو لجمعيات الإغاثة المعترف بها مثل الصليب الأحمر والهلال الأحمر، ومنعت تدميرها أو الاستيلاء عليها أو تفتيشها بطرق تعوق مهامها في إسعاف جرحى ومرضى وغرقى القوات المسلحة في البحر. كما امتدت هذه الحماية لتشمل السفن المدنية المخصصة لنقل الشحنات الإغاثية والغذائية للمدنيين في المناطق المحاصرة، شريطة خضوعها لرقابة وتفتيش يؤكد خلوها من أي إمدادات حربية.

3- دليل سان ريمو 1994: يُعد “دليل سان ريمو بشأن القانون الدولي المطبق في النزاعات المسلحة في البحار” لعام 1994 المرجع الحديث والأكثر شمولًا للقانون الدولي البحري أثناء الحروب والنزاعات المسلحة، وعلى الرغم من أنه لا يعد معاهدة ملزمة رسميًّا من الناحية القانونية بذاته، إلا أنه كُتب بواسطة خبراء دوليين وضباط بحريين لتوثيق القانون العرفي وتطويره؛ حيث وضع الدليل القواعد التفصيلية لتحديد الأهداف البحرية العسكرية المشروعة، وحدد آليات التفتيش العسكري للسفن التجارية المحايدة، ووضع قيودًا صارمة على استخدام الألغام البحرية والغواصات، مما جعله الوثيقة المعتمدة لدى المحاكم الدولية والأكاديميات العسكرية حول العالم لإدارة العمليات البحرية في العصر الحديث.

أبرز الأمثلة التاريخية

 1- أزمة قناة السويس 1956: مَثّلت أزمة قناة السويس عام 1956، عقب إعلان مصر تأميم الشركة العالمية لقناة السويس في يوليو، واحدة من أخطر الأزمات الدولية التي مست أمن الممرات المائية، حيث أدى العدوان الثلاثي (البريطاني-الفرنسي-الإسرائيلي) في أكتوبر 1956 إلى إغلاق القناة بالكامل بعد غرق وتدمير نحو (40) سفينة ووحدة بحرية داخل المجرى المائي،  ما تسبب في شلل الملاحة الدولية وقطع إمدادات النفط عن أوروبا لعدة أشهر، مما استدعى تدخلًا دوليًّا من هيئة الأمم المتحدة وتأسيس أول قوة طوارئ دولية (UNEF) لتأمين انسحاب القوات المعتدية وإعادة فتح القناة في مارس 1957، في تأكيد تاريخي على أن سلامة الممرات البحرية ترتبط بالاستقرار السياسي والأمني الدولي.

 2- الحرب العراقية الإيرانية: شهدت الحرب العراقية الإيرانية (1980-1988) فصلًا دمويًّا عُرف بـ “حرب الناقلات” في الفترة بين 1984 و1988، حيث استهدف الطرفان ناقلات النفط التجارية والسفن التجارية المحايدة في مياه الخليج العربي ومضيق هرمز للضغط اقتصاديًّا على الآخر. وبحسب توثيق وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية ومؤسسات الرصد البحري، تضررت أكثر من (540) سفينة تجارية جراء الهجمات بالصواريخ والألغام البحرية العشوائية، مما هدد أسواق الطاقة العالمية ودفع بالولايات المتحدة ودول غربية لإطلاق عمليات عسكرية واسعة مثل عملية “إيرنست ويل” عام 1987 لإعادة رفع الأعلام الأمريكية على الناقلات الكويتية وحمايتها عسكريًّا في مياه الخليج.

 3- الحرب الروسية الأوكرانية: أعادت الحرب الروسية الأوكرانية رسم مشهد الأمن البحري في البحر الأسود، حيث فرضت القوات البحرية الروسية حصارًا بحريًّا محكمًا على الموانئ الأوكرانية، لاسيما ميناء أوديسا، مما تسبب في احتجاز ملايين الأطنان من الحبوب وتوليد أزمة غذاء عالمية غير مسبوقة، وأدى هذا الحصار الاستراتيجي إلى توقيع “مبادرة شحن الحبوب عبر البحر الأسود” في يوليو 2022 برعاية الأمم المتحدة وتركيا لتأمين ممر بحري إنساني، إلا أن الصراع شهد لاحقًا استخدامًا كثيفًا لتقنيات حديثة مثل الطائرات والزوارق المسيرة الانتحارية، لاستهداف موانئ الطاقة والناقلات، مما كشف عن هشاشة الاتفاقيات الدولية التقليدية أمام أنماط الحروب المعاصرة.

4- باب المندب والبحر الأحمر: شهد البحر الأحمر ومضيق باب المندب تصعيدًا عسكريًّا غير مسبوق، حيث شنت جماعة الحوثي في اليمن هجمات متكررة باستخدام الصواريخ الباليستية المضادة للسفن والطائرات المسيرة والزوارق المفخخة ضد السفن التجارية المرتبطة بإسرائيل أو المتجهة إلى موانئها، والتي توسعت لاحقًا لتشمل السفن الأمريكية والبريطانية. وأدى هذا التصعيد إلى اضطراب شديد في سلاسل التوريد العالمية، حيث أعلنت كبرى شركات الشحن العالمية، مثل “ميرسك” و”إم إس سي”، تحويل مسار سفنها نحو طريق رأس الرجاء الصالح حول إفريقيا، مما رفع تكاليف الشحن بنسبة تجاوزت (150%)، وزاد من انبعاثات الكربون وزمن الرحلات البحرية بنحو (10 إلى 14) يومًا، مما دفع نحو تشكيل تحالف عسكري دولي بقيادة واشنطن تحت اسم عملية “حارس الازدهار” لردع تلك الهجمات.

أمن الطاقة وعلاقته بالممرات البحرية

يرتبط أمن الطاقة العالمي ارتباطًا وثيقًا بسلامة واستمرارية الملاحة البحرية عبر الممرات الدولية الحيوية، والتي تُصنف جيوسياسيًّا كـ “نقاط اختناق” (Choke points)، يمر عبر مضيق هرمز وحده ما يقارب (21) مليون برميل من النفط يوميًّا، أي ما يعادل نحو (20%) من الاستهلاك العالمي للسوائل النفطية، في حين يتدفق عبر مضيق باب المندب وقناة السويس أكثر من (12%) من إجمالي النفط المنقول بحرًا و(8%) من الغاز الطبيعي المسال المتجه نحو الأسواق الأوروبية والأمريكية. وأي توتر عسكري أو تهديد بإغلاق هذه الممرات يؤدي فورًا إلى قفزات حادة وفورية في أسعار النفط العالمية في بورصات لندن ونيويورك نتيجة زيادة كلفة التأمين البحري على السفن، ومخاوف انقطاع الإمدادات، ما يعكس الحساسية المفرطة للاقتصاد العالمي تجاه سلامة أمن الممرات البحرية.

أدى تصاعد الحرب في إيران إلى ارتفاع أسعار الوقود في جميع أنحاء أوروبا، وتضررت ألمانيا بذلك بشكل أكثر حدة من معظم الدول الأخرى، فقد ارتفع سعر البنزين بنسبة (5%) وهو أعلى بكثير من متوسط ​​الاتحاد الأوروبي. كما شهدت فرنسا والنمسا زيادات بنحو (2%)، وإستونيا (3.6%)، ولوكسمبورغ (3.5%)، بينما سجلت سلوفاكيا والمجر زيادات بنسبة (0.1%) فقط.

عسكرة الممرات البحرية

تحولت عسكرة الممرات البحرية والمضائق الاستراتيجية إلى ظاهرة بارزة في استراتيجيات الدفاع الدولية، حيث تسعى القوى العظمى والإقليمية إلى تكثيف وجودها العسكري المباشر عبر بناء القواعد البحرية وتسيير الدوريات المسلحة لحماية مصالحها الاقتصادية أو لفرض نفوذها الجيوسياسي. ويتجلى هذا بوضوح في منطقة القرن الأفريقي وجيبوتي المشرفة على مضيق باب المندب، والتي باتت تضم أكبر تجمع للقواعد العسكرية الأجنبية في العالم (الولايات المتحدة، والصين، وفرنسا، وغيرها). هذا الاحتشاد العسكري، ورغم طرحه كآلية لتأمين الملاحة ومكافحة القرصنة والإرهاب، فإنه يحمل في طياته مخاطر جسيمة تتعلق باحتمالية حدوث احتكاكات عسكرية مباشرة أو سوء تقدير استراتيجي بين القوى المتنافسة، مما قد يحول هذه الممرات الدولية من شريان للتجارة السلمية إلى بؤر صدام مسلح مباشر.

**

3ـ أمن مضيق هرمز نموذجًا ـ التهديد الإيراني للملاحة البحرية وانعكاساته الدولية

ترتبط أهمية الممرات المائية بالاقتصاد العالمي، فهي تقلل تكلفة شحن السلع والبضائع وموارد الطاقة، وتختصر الوقت في نقلها من دولة إلى أخرى، ومن قارة إلى أخرى أيضًا، ما يجعلها محركًا رئيسيًا واستراتيجيًا في النزاعات الحديثة. ويعد مضيق هرمز نموذجًا لأهمية الممرات البحرية في الصراعات، نظرًا لأن إيران اعتمدت عليه كورقة ضغط في الحرب والمفاوضات مع الولايات المتحدة، وفي المقابل لجأت الأخيرة إلى حصار المضيق والموانئ الإيرانية، لفرض ضغوط على إيران، في إطار النقاط الخلافية في المحادثات الراهنة، ما يطرح تساؤلات حول مصير هذا الصراع في المضيق وتداعياته على توازنات القوى العالمية.

الأهمية الجيوسياسية لمضيق هرمز

إن فهم جغرافيا مضيق هرمز، يوضح أهميته للملاحة البحرية والتجارة العالمية، لاسيما وأن القيود المؤقتة التي فُرضت عليه، أدت إلى تحويل هيكلي في الخدمات اللوجستية بالشرق الأوسط، وأثرت على أمن الطاقة العالمي. يحد مضيق هرمز من الشمال إيران، ومن الجنوب سلطنة عمان والإمارات، ويربط الممر الذي يبلغ عرضه حوالي (50) كم عند مدخله ومخرجه، وحوالي (33) كم عند أضيق نقطة فيه، الخليج ببحر العرب. ويسمح عمق المضيق، بنقل أكبر ناقلات النفط الخام العالمي، ويستخدمه كبار منتجي النفط والغاز الطبيعي المسال بالشرق الأوسط.

بحسب معهد أطلس للشؤون الدولية، فإن المضيق يمثل أحد أهم الممرات المائية الاستراتيجية بالعالم، حيث مر عبره نحو (20) مليون برميل من النفط ومشتقاته يوميًا في 2025، ويمثل هذا الرقم نحو (600) مليار دولار من تجارة الطاقة سنويًا. ويتم شحن حوالي (20%) من الغاز الطبيعي المسال العالمي عبر المضيق.

البعد الاستراتيجي للمضيق

أظهرت حرب إيران البعد الاستراتيجي لمضيق هرمز، لتداعيات إغلاقه الخطيرة على أمن الطاقة وديناميكيات القوى الإقليمية، والاستقرار الاقتصادي العالمي. وتكمن أهمية المضيق باعتباره، أحد أكثر نقاط الضغط حساسية في النظام الاقتصادي الدولي، وفي الظروف العادية، تعبره ناقلات نفط ضخمة محملة بالنفط والغاز، من الخليج إلى الهند وآسيا وأوروبا.

يصبح المضيق مفترق طرق استراتيجيًا واختبارًا لفاعلية قانون البحار، نظرًا لأنه ساحة محورية تتقاطع فيها المصالح الدولية والتنافسات الإقليمية، وتتلاقى فيه الجغرافيا، والسياسة، والأمن، والاقتصاد. وبإغلاق مضيق هرمز، أصبحت هناك صعوبة في مغادرة السفن الخليج العربي إلى المحيط المفتوح، من البصرة في العراق إلى موانئ الكويت، ورأس تنورة والجبيل بالسعودية، ومرافق التصدير في الإمارات وقطر وإيران، ولا تتمكن شحنات الطاقة من الوصول لخليج عمان والمحيط الهندي.

رغم البعد الجغرافي بين المضيق والصين وروسيا، إلا أن الصين تعتمد عليه، لاستيراد الجزء الأكبر من احتياجاتها النفطية، وبالأخص من إيران والخليج. وقد لجأت روسيا للمياه المتاخمة للمضيق، للالتفاف على العقوبات الغربية عبر “أسطول الظل” لتمرير وتصدير شحناتها البحرية. وفي 10 مارس 2025، أجرت بكين وموسكو، تدريبات عسكرية بالذخيرة الحية مع طهران بالمنطقة، لتعزيز نفوذهما العسكري بمنطقة الخليج. مضيق هرمز ـ ماذا تعني الاستعدادات الأوروبية بشأن تأمين الملاحة البحرية؟

الاستراتيجية الإيرانية في مضيق هرمز

اعتمدت إيران على مضيق هرمز في حربها الحالية، لتحقيق مكاسب جيوسياسية واستراتيجية، وفي 2 مارس 2026، بات المضيق مغلقًا بشكل شبه كامل أمام حركة الملاحة. وفي 27 مارس 2026، أعلن الحرس الثوري الإيراني، إغلاقه رسميًا أمام السفن المتجهة من وإلى الولايات المتحدة وإسرائيل. وفي إطار اتفاق وقف إطلاق النار بين واشنطن وطهران، أعلنت الأخيرة، في 17 أبريل 2026، إعادة فتح المضيق أمام الملاحة التجارية، وتراجعت عن القرار، بعد أقل من (24) ساعة، لاستمرار الحصار البحري الأمريكي والحرب على لبنان.

أشار موقع “بي بي سي الفارسية”، إلى عبور حوالي (3) آلاف سفينة المضيق كل شهر في الظروف العادية، ولكن انخفض هذا العدد بشكل كبير خلال الحرب، وتهديد إيران بمهاجمة ناقلات النفط والسفن الأخرى. قالت منظمة “متحدون ضد إيران النووية” غير الربحية، “اعتبارًا من 2 أبريل 2026، أصيبت نحو (24) سفينة تجارية، وكادت أن تُصاب (3) سفن. أوضح آرني لومان راسموسن، كبير المحللين بشركة إدارة المخاطر العالمية، أن خطورة استراتيجية طهران بالمضيق، تعرض السفن للهجوم دون فرصة للحصول على تأمين. عقب عودة الضربات الأمريكية على إيران، أعلن الحرس الثوري الإيراني، في 11 يونيو 2026، أن مضيق هرمز سيغُلق أمام جميع السفن. بينما أكدت واشنطن أن المضيق لا يزال مفتوحًا أمام حركة العبور.

أدوات التهديد الإيرانية

اعتادت إيران على تهديد الخصوم بإغلاق مضيق هرمز، حتى جاءت الحرب الأمريكية الإسرائيلية، لتنفذ هذا التهديد، لأنها تنظر إلى هذه الحرب بأنها وجودية، في ظل تهديدات واشنطن لها بتدمير قدراتها الصاروخية والنووية. يسهم ضيق المضيق، في سيطرة القوات الأصغر حجمًا والأقل تقدمًا تكنولوجيًا المتمثلة في البحرية الإيرانية، لمواجهة البحرية الأمريكية الأكثر تقدمًا.

طورت إيران من أسلحتها في المضيق لتهديد الملاحة والتجارة الدولية، بالألغام وزوارق الهجوم السريع، والغواصات التي تعمل بالديزل، وصواريخ كروز المضادة للسفن، والمدفعية الساحلية، والطائرات والمركبات البحرية غير المأهولة. بحسب معهد “دراسات الحرب”، تمتلك طهران ما يقرب من (6) آلاف لغم بحري متنوع. وأفادت شبكة “سي بي إس”، أن تقديرًا استخباراتيًا أمريكيًا يشير إلى رصد (10) ألغام بحرية بمضيق هرمز، بينما أشارت تقديرات سابقة، إلى وجود (12) لغمًا بالمضيق، وأوضحت صحيفة “تلغراف” أن مسؤولين بالبنتاغون أشاروا إلى أن إزالة الألغام قد تستغرق (6) أشهر.

تطلق إيران طائرات بدون طيار رخيصة وسهلة النشر بالقرب من المضيق، لتهديد السفن التجارية أو استهداف الأصول البحرية الأمريكية، وتستخدم الزوارق السريعة لاعتراض السفن، بدعم من الجزر الاستراتيجية مثل “أبو موسى” و”طنب” التي تعمل كنقاط اختباء للزوارق. وفرضت إيران سيطرتها على المضيق، بتقاضي (2) مليون دولار على كل سفينة تمر بالمضيق.

يرى سبنسر كيمبال، مراسل شؤون الطاقة بموقع “سي إن بي سي”، أن ترامب يواجه خطر إغلاق إيران مضيق باب المندب، كونه متنفسًا حيويًا لسوق النفط، عقب انخفاض الصادرات من هرمز، وتضاعفت صادرات النفط والمنتجات عبر باب المندب، (7.2) مليون برميل يومًا في أبريل 2026، وهدد الحرس الثوري الإيراني في 8 يونيو 2026، بإغلاق باب المندب إذا لم توقف إسرائيل حربها على لبنان. أمن أوروبا بين الدفاع والطاقة ـ تداعيات حرب إيران ـ مضيق هٌرمز على الاستراتيجية الأوروبية

أبرز الأزمات المرتبطة بالمضيق

– حرب الناقلات في الثمانينيات: خلال الحرب الإيرانية العراقية (1980- 1988)، هاجمت طهران السفن النفطية القادمة للخليج العربي، ردًا على الضربات العراقية على النفط الإيراني. وتصاعدت حدة الاشتباكات في 1984، بعد قصف الطيران العراقي (58) ناقلة نفط إيرانية، وأعلنت إيران أن طرق الملاحة البحرية لن تكون آمنة في حال عرقلة تصدير النفط الإيراني. دخل الأسطول الأمريكي على خط الأزمة لحماية ناقلات نفط كويتية، وتطور الأمر بإصابة الفرقاطة الأمريكية “ستارك” بصاروخ عراقي، وارتطام ناقلة كويتية بألغام إيرانية، وإسقاط البحرية الأمريكية لطائرة مدنية إيرانية، وانتهت الحرب بغرق (223) ناقلة نفط.

– أزمة العقوبات الأمريكية: بانسحاب واشنطن من الاتفاق النووي الإيراني في مايو 2018، وفرض العقوبات على النفط الإيراني، هددت طهران بإغلاق مضيق هرمز، ومع فرض إدارة ترامب في 2020، عقوبات على الحرس الثوري الإيراني، اتخذت إيران إجراءات مضادة بالمضيق.

– احتجاز الناقلات الأجنبية: في 19 يوليو 2019، احتجز الحرس الثوري الإيراني، ناقلة النفط البريطانية “ستينا إمبيرو”، ردًا على احتجاز بريطانيا ناقلة إيرانية بجبل طارق، وفي 16 يوليو 2025، أعلنت إيران احتجاز ناقلة أجنبية في خليج عمان بحوزتها مليون لتر من الوقود المهرب، وفي 13 ديسمبر 2025، أعلنت عن احتجاز ناقلة أخرى بحمولتها (6) ملايين لتر من الوقود المهرب.

انعكاسات تهديد الملاحة في مضيق هرمز

– أمن الطاقة: قالت بعثة إيران بالأمم المتحدة في 24 مارس 2026، إن بلادها ستسمح للسفن غير المعادية، بالمرور عبر مضيق هرمز، شريطة أن تنسق مع السلطات الإيرانية. أوضح تحليل أجرته “بي بي سي”، انخفاض حركة المرور اليومية بالمضيق بنحو (95%) منذ بداية الحرب، ومرور حوالي (100) سفينة عبر المضيق في الفترة (1 مارس- 30 مارس 2026). وعبور سفينة حاويات فرنسية و(3) ناقلات مرتبطة بسلطنة عمان وناقلة غاز يابانية المضيق في 3 أبريل 2026.

تجبر قيود إيران على المضيق، توقف سفن الشحن عن الإبحار والانتظار لمدة أيام أو حتى أسابيع. وتُكبد فترة الانتظار شركات الشحن ملايين الدولارات، والمستهلك رسوم إضافية على الشحن. وارتفعت أسعار الشحن القياسية للسفن بأكثر من (90%)، ويتسبب هذا الاضطراب في فقدان الثقة في هذا الممر المائي مستقبلًا.

– أمن الخليج: حظر إيران للملاحة أدى لشلل شبه كامل لصادرات الهيدروكربون، من الكويت وقطر والعراق، وصادرات السعودية، والإمارات، وعمان. وحرم الأسواق العالمية من نحو (12-15) مليون برميل يوميًا، ما رفع أسعار النفط لتتجاوز (100) دولار للبرميل، وسط توقعات بوصولها إلى (150) دولارًا في حال استمرار الصراع. ويمر النفط من دول الخليج مثل العراق والكويت وقطر والسعودية والإمارات عبر المضيق.

تراجعت الإمدادات العالمية من الكبريت، وتمثل دول الخليج نحو (45%) من الإنتاج العالمي. ويعد المضيق ممرًا رئيسيًا لتصدير الأسمدة من الشرق الأوسط، بنحو ثلث تجارة الأسمدة العالمية. وفي منتصف مارس 2026، تعطلت (20%) من واردات المنطقة من الغذاء، مما أدى لارتفاع الأسعار بنسبة تتراوح بين (40%- 120%).

– الأمن الدولي: تقول نيكيتا شاه، زميلة أولى في برنامج الاستخبارات والأمن القومي والتكنولوجيا بمركز الدراسات الاستراتيجية والدولية، إن “استراتيجية إيران في الحرب، تشير إلى احتمالية توسعها في التهديدات الهجينة، والاغتيالات، والهجمات الإلكترونية، بجانب العمليات العسكرية التقليدية”.

قال لويس مورينو أوكامبو، المدعي العام المؤسس للمحكمة الجنائية الدولية، إن “النظام العالمي القائم على القواعد مصمم لحماية المدنيين ومنع لجوء الدول للحرب، إلا في حالة الدفاع عن النفس، أو عندما يوافق عليها مجلس الأمن”، مشيرًا إلى أن هذه الحرب تضع ضغوطًا على النظام العالمي. ويوضح دانيال بايمان، مدير برنامج الحرب والتهديدات غير النظامية والإرهاب بمركز الدراسات الاستراتيجية والدولية، أن الحرب أدت لزيادة خطر الإرهاب الدولي على المدى القريب من جانب إيران والجماعات المسلحة الموالية لها.

الموقف الدولي من التهديدات الإيرانية

– الموقف الأمريكي: نشرت الولايات المتحدة (15) ألف جندي، وعشرات الطائرات ومدمرات بحرية بالتزامن مع نشر (3) حاملات طائرات أمريكية هي “يو إس إس جورج بوش” و”لينكولن” و”جيرالد فورد” موزعة بين البحر الأحمر وبحر العرب ومنطقة المحيط الهندي. سعت واشنطن، في 15 مارس 2026، لبناء تحالف دولي عسكري، لإعادة فتح مضيق هرمز. وأفاد الجيش الأمريكي في 18 مارس 2026، بقصف مواقع صواريخ كروز الإيرانية المضادة للسفن على طول المضيق. فرضت واشنطن، في 13 أبريل 2026، حصارًا على الموانئ الإيرانية ومضيق هرمز، ردًا على استمرار إغلاق إيران للمضيق. وأطلق الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، مشروع “الحرية” في 4 مايو 2026، مبررًا المشروع بهدف مساعدة السفن المحايدة على مغادرة المنطقة بأمان. ولكنه علق المشروع لإتاحة الفرصة للمفاوضات مع إيران.

وقعت مواجهات بمضيق هرمز، في 4 و5 مايو 2026، ودمرت خلالها القوات الأمريكية (7) زوارق إيرانية صغيرة، كانت تحاول عرقلة مرور السفن التجارية المحمية. أعلنت واشنطن تدمير (6) زوارق إيرانية وطائرات مسيرة، بعد استخدام السفن أنظمة الدفاع القريب “CIWS”ومروحيات أباتشي لصد هجوم إيراني مباغت على (3) مدمرات أمريكية. وعاد ترامب في 9 مايو 2026، ليهدد باستئناف مشروع الحرية بلس، في حال فشل المحادثات. أعلن الجيش الأمريكي في 8 يونيو 2026، مع تجدد المواجهات بين إيران وإسرائيل، بأن قواته منعت مرور ناقة نفط خاوية في خليج عمان، كانت تحاول الإبحار لميناء إيراني.

– الموقف الأوروبي: تحفظت أوروبا على أن يتحول الناتو لأداة اشتباك لفتح المضيق أو مع إيران. اعتمد مجلس الاتحاد الأوروبي في 30 مارس 2026، قرارين بتعديل ولايات العمليات البحرية للاتحاد الأوروبي، “أسبيدس” و”أتلانتا”، للمساهمة في حماية الملاحة بالبحر الأحمر والمنطقة المحيطة به. أكدت أوروبا في 8 و9 أبريل 2026، على المسار الدبلوماسي لحل الأزمة، واتفق الاتحاد الأوروبي في 20 أبريل 2026، على توسيع العقوبات لتشمل المسؤولين الإيرانيين المتورطين في انتهاك حرية الملاحة.

تقود فرنسا وبريطانيا جهود إنشاء بعثة متعددة الجنسيات، لحماية الملاحة عبر مضيق هرمز. وتعهد القادة الأوروبيون في 17 أبريل 2026، بتسريع الجهود متعددة الجنسيات، لتأمين مضيق هرمز. في 25 أبريل 2026، اجتمع مخططون عسكريون، من (30) دولة لمناقشة آليات تنفيذ هذه العملية عمليًا وكيفية حماية السفن التجارية. واقترح التكتل الأوروبي، في 3 يونيو 2026، تولي عملية “أسبيدس” مهمة إزالة الألغام، عندما تسمح الظروف بذلك.

– الموقف الروسي والصيني: يظل الموقفان الروسي والصيني داعمًا بلا تورط، برفض الإجراءات العسكرية الأحادية، ومعارضة قرارات مجلس الأمن التي تجيز القوة لفتح المضيق. استخدمت موسكو وبكين “الفيتو”، ضد مشاريع أمريكية تهدف لتشكيل دوريات دفاع لمرافقة السفن بالمضيق، وبررت الأمر بأن القرارات تتجاهل أصل الأزمة وتحمل إيران المسؤولية كاملة. وتتبنى الدولتان خطابًا محايدًا، يؤكد أن أزمة الملاحة لا تحل إلا بوقف التصعيد. حرب إيران ـ هل يمثل الاتحاد الأوروبي فاعلا محوريا في إدارة النزاعات الدولية؟

البدائل الاستراتيجية للدول الخليجية

تشغل الإمارات خط أنابيب يتجاوز مضيق هرمز، لتقليل مخاطر الهجمات على الشحنات العابرة للمضيق، وربطت حقولها النفطية الداخلية بميناء الفجيرة على خليج عمان، عبر خط أنابيب تبلغ طاقته اليومية (1.5) مليون برميل على الأقل. ذكرت “رويترز”، أن تحويل النفط عبر البنية التحتية البديلة لتجاوز مضيق هرمز، سيؤدي لانخفاض في الإمدادات بمقدار (8-10) ملايين برميل يوميًا، بجانب تعطل تحميل النفط في الفجيرة بسبب الطائرات المسيرة.

تدير السعودية خط أنابيب النفط الخام، الذي يمتد من الشرق إلى الغرب بطول (1200) كم، وهو قادر على نقل ما يصل إلى (5) ملايين برميل من النفط الخام يوميًا، بحسب تقديرات الحكومة الأمريكية. وسيتعين على الكويت والبحرين وقطر، تصدير منتجاتها عبر خطوط أنابيب عبر السعودية أو العراق.

**

تقييم وقراءة مستقبلية

– تظل الممرات ابحرية محورًا أساسيًا في بنية الاقتصاد والأمن الدولي، وقد يظل التنافس على الممرات البحرية عاملًا حاسمًا في تشكيل توازنات القوة الدولية.

– من المتوقع أن تزداد أهمية نقاط الاختناق البحرية، كما ستزداد الحاجة إلى تطوير آليات حوكمة مشتركة لضمان استقرار حركة الملاحة الدولية، بالتزامن مع تنامي التوترات الجيوسياسية وتنامي الاعتماد على التجارة البحرية.

– من المحتمل أن تشهد الممرات البحرية وتأمين حركة الملاحة تطورًا متسارعًا في أدوات الرقابة والمراقبة الرقمية، بما في ذلك الاعتماد على الذكاء الاصطناعي وأنظمة الاستشعار المتقدمة.

– من المرجح أن تساهم التقنيات الحديثة في تحسين تتبع السفن وتقليل المخاطر المرتبطة بالقرصنة والتهديدات غير المتكافئة. وقد يؤدي هذا التطور إلى رفع كفاءة سلاسل الإمداد وتقليل التكاليف التشغيلية.

– ستعمل الدول المتوسطة القوى والصاعدة على تنويع شراكاتها البحرية لتقليل الاعتماد على قوة واحدة. وقد يؤدي ذلك إلى زيادة احتمالات التوترات الإقليمية ما لم يتم تعزيز أطر التعاون الدولي.

– على المستوى الاقتصادي ستبقى الممرات البحرية شريانًا رئيسيًا للاقتصاد العالمي، لكن تعرضها للاضطرابات قد يفرض تحديات متزايدة على استقرار الأسواق وأسعار الطاقة. وقد تتجه الدول إلى تعزيز سلاسل الإمداد المحلية وتنويع مصادر الاستيراد لتقليل المخاطر.

**

– تشير المعطيات الراهنة إلى أن فاعلية الاتفاقيات الدولية الحالية المنظمة للملاحة زمن الحروب بها فجوة واضحة بين النصوص القانونية الكلاسيكية والواقع العملي المعاصر، فالمعاهدات التي صيغت في القرن العشرين لم تكن مصممة للتعامل مع “الفاعلين غير الدوليين” الذين لا يلتزمون بالقانون الدولي الإنساني، ولا مع التقنيات العسكرية الناشئة كالمسيرات البحرية والألغام الذكية الرخيصة.

– ستظل الممرات البحرية خلال السنوات المقبلة محورًا مركزيًّا للصراعات الدولية، مع تزايد توظيفها كأدوات ضغط جيوسياسي واقتصادي. فالتجارب الحديثة، من البحر الأسود إلى البحر الأحمر ومضيق هرمز، تؤكد أن التحكم في هذه الممرات لم يعد مجرد هدف عسكري، بل أصبح وسيلة استراتيجية للتأثير في الأسواق العالمية وسلاسل الإمداد.

– من الضروري البحث عن مسارات برية وبديلة، حيث تسارع دول العالم لتطوير طرق بديلة عابرة للقارات، مثل الممر الاقتصادي بين الهند والشرق الأوسط وأوروبا، أو طريق بحر الشمال القطري المعتمد على ذوبان الجليد، لتقليل الاعتماد الاستراتيجي على نقاط الاختناق التقليدية في الشرق الأوسط.

– يظل العامل الاقتصادي المرتبط بأمن الطاقة أحد أهم المحددات في مستقبل أمن الممرات المائية.  فمرور نسبة كبيرة من التجارة العالمية عبر هذه الممرات يجعل أي اضطراب فيها مسألة يتجاوز إطارها الإقليمي لتصبح قضية ذات تأثير عالمي مباشر.

– من المتوقع أن يتحول أمن الممرات البحرية إلى أحد أبرز محددات الاستقرار الدولي، حيث يتطلب التعامل معه مقاربة شاملة تجمع بين الأدوات العسكرية والقانونية والاقتصادية، مع التركيز على الوقاية وبناء آليات استجابة سريعة للحد من تداعيات الأزمات المستقبلية.

**

– منح الصراع الحالي إيران أداة قوة، وهي السيطرة على مضيق هرمز، بعد أن أصبح جزءًا من المباحثات وأدوات الضغط، في ظل تمسك واشنطن بتسليم أو تدمير اليورانيوم المخصب ورفضها لرفع العقوبات، ومن المحتمل أن يتحول مضيق هرمز وجميع الموانئ بالمنطقة، لتكتيك استراتيجي طويل الأمد لدى إيران، التي تمكنت من وضع المضيق على قائمة المطالب.

– من المتوقع ألا تقدم إيران تنازلات بشأن مضيق هرمز، نظرًا لأنها تُحصل إيرادات من رسوم العبور على السفن التي تمر، ويمثل لها ضمانات أمنية، لإظهار قدرتها على تعطيل الاقتصاد العالمي، بدلًا من استخدام الحل العسكري التقليدي الأكثر كُلفة، ويمنحها نفوذًا جيوسياسيًا لموقعه الجغرافي، ولأهميته بالنسبة لدول آسيا وأوروبا والخليج، ما يضع إيران ضمن معادلة توازنات القوى عالميًا المرحلة المقبلة، لطبيعة علاقتها بدول الجنوب العالمي.

– يمثل إصرار واشنطن على حصار الموانئ الإيرانية ومضيق هرمز، مرحلة جديدة من التوترات الحالية، لاسيما وأن الخسائر المادية التي تكبدتها واشنطن من الحرب، جعلتها تلجأ إلى الحرب الاقتصادية على إيران، ما قد يؤجج الانقسامات بالداخل الإيراني لتدهور الأوضاع الاقتصادية.

– رغم أن الأزمة في مضيق هرمز، لم تصل إلى حرب “الناقلات” في الثمانينيات، إلا أنها مرشحة للتصاعد، نظرًا لأن طول أمد الصراع وانتقال المواجهات إلى المضيق، يعني إمكانية دخول دول على خط المواجهات، لاسيما وأن التداعيات الاقتصادية والأمنية لإغلاق المضيق تتفاقم، ومن المحتمل أن تقدم إيران وقتها على إغلاق باب المندب كورقة ضغط أخرى، في حال استمرار إسرائيل في حربها على لبنان، أو شن ضربات ضد أهداف استراتيجية بإيران.

– إن تعامل واشنطن مع عودة المواجهات العسكرية المباشرة بين طهران وتل أبيب، للمرة الأولى بعد إعلان وقف إطلاق النار في أبريل 2026، مؤشر إلى احتمالية فصل واشنطن ملف التفاوض عن ملف التصعيد ضد إسرائيل، التي ترفض ربط إيران بين المباحثات ووقف الحرب على لبنان، ما يزيد من أهمية مضيق هرمز في المباحثات بين واشنطن وطهران.

– يعد الموقف الأوروبي تجاه التصعيد بمضيق هرمز، حائط صد لمنع تفاقم المشهد بالمضيق، ووسيلة ضغط على واشنطن لإنهاء الحرب والتوصل لاتفاق مع طهران، وفي الوقت نفسه يتخوف الأوروبيون من سياسة واشنطن التفاوضية، والتوصل إلى اتفاق هش لا يحقق الأهداف المرجوة منه، ومن المحتمل أن تدخل أوروبا إلى التفاوض، ولكن بصورة غير مباشرة، لاسيما وأنها تسعى لفتح حوار مع موسكو بشأن كييف، ما يرجح أن يصبح الملف النووي الإيراني ضمن هذه المباحثات المرتقبة بين أوروبا وروسيا.

– من المتوقع أن تشهد الأسابيع المقبلة، تطورات في المسارين العسكري والدبلوماسي، في ظل تكثيف الوسطاء جهودهم لاحتواء الوضع، والتخوف من تفاقم أزمة مضيق هرمز، ورغبة إدارة ترامب في تحقيق إنجاز يتمثل في اتفاق مع إيران، قبل انتخابات التجديد النصفي للكونغرس، وللتأكيد على أن واشنطن لا تزال تمتلك الكلمة الأخيرة بشأن إيران، ولا تسير وفقًا لرغبة حليفتها إسرائيل، في ضوء الانتقادات الداخلية التي تتعرض لها الإدارة الأمريكية الحالية بشأن حرب إيران، كما ستسعى إسرائيل لتوسيع عملياتها العسكرية في لبنان، كمحاولة لجر إيران إلى مزيد من التصعيد، وفي المقابل ستواصل إيران فرض سيطرتها على مضيق هرمز لتعرقل حركة الملاحة والتجارة العالمية.

رابط مختصر..  https://www.europarabct.com/?p=119623

*حقوق النشر محفوظة إلى المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والاستخبارات 

الهوامش

Iran begins laying mines in Strait of Hormuz, sources say
https://tinyurl.com/yzcjakh7

How the Ukraine war is increasingly threatening Black Sea security
https://tinyurl.com/2k7dn94v

Dire straits: The handful of marine choke points holding Europe’s economy hostage
https://tinyurl.com/2fdar2up

UK and France Finalize Postwar Hormuz Mine-Clearing Mission
https://tinyurl.com/yc6u87md

**

Breaking the Black Sea blockade: How to counter Russia’s war on Ukraine’s grain

https://shorturl.at/fwlen

Trump announces naval blockade of Iran after Islamabad talks yield no deal

https://bit.ly/4alLxZd

Between warships and merchant ships: The legal status, operational functions and targeting rules of auxiliary vessels

https://bit.ly/43m7dk4

 Navigating Troubled Waters: The Impact on Global Trade of Disruptions in the Red Sea and Black Sea

https://bit.ly/4g69Az0

 Maritime Activities and Energy Security: Contemporary Challenges and Multifaceted Interactions

https://bit.ly/3SrXiHl

The Red Sea Crisis and the Militarization of Global Trade Routes

https://bit.ly/4fxyEyQ

**

Iran has a powerful new tool in the Strait of Hormuz that it can leverage long after the war

https://shorturl.at/x9PXf

Iran’s threats against this Red Sea choke point are a big vulnerability for the oil market

https://shorturl.at/WNsDx

The Strait of Hormuz: A Key Point for Global Energy and Security

https://shorturl.at/iy4u3

Why the Strait of Hormuz matters so much in the Iran war

https://shorturl.at/rSVHZ

الإشتراك في نشرتنا الإخبارية المجانية

 

تابعنا على تويتر

تابعنا على فيسبوك

استطلاع رأي

هل المركز مصدر موثوق في البحث ؟

جاري التحميل ... جاري التحميل ...