المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والاستخبارات ECCI ـ وحدة الدراسات (26)
أمن الملاحة البحرية، التجربة الأوروبية في حماية الممرات المائية خلال النزاعات
سلطت الحروب والتوترات السياسية المتتالية العالمية، الضوء على الأمن البحري والممرات المائية، خاصة بعد أن أصبحت هذه الممرات جزءًا من النزاعات، بداية من حرب أوكرانيا في 24 فبراير 2022، وصولًا إلى توترات السابع من أكتوبر 2023، وما شهده البحر الأحمر من اضطرابات. ومع اندلاع الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران في 28 فبراير 2026، دخل مضيق هرمز ضمن المواجهات، في ظل حشد عسكري أمريكي كبير، وتوقف حركة التجارة بشكل شبه كامل، وقد هددت إيران بإغلاق المضيق بالكامل، في حال استهداف منشآت الطاقة، ولوحت أيضًا باحتمالية دخول باب المندب لدائرة التصعيد، لذا يبرز الدور الأوروبي في حماية الملاحة الدولية في إطار موقفه الرافض للتصعيد بالمنطقة.
تطور الدور الأوروبي في الأمن البحري
ـ السياسة البحرية الأوروبية: يعتمد الاتحاد الأوروبي على الدبلوماسية البحرية، والقدرات البحرية الوطنية والتنسيق السياسي على مستوى التكتل، ويستند إلى أصول الدول الأعضاء المنتشرة، كون الاتحاد لا يمتلك أسطولًا بحريًا نظاميًا موحدًا. يتولى المنسق الأعلى للأمن البحري بالاتحاد الأوروبي، مهمة تيسير التعاون بين أنشطة الاتحاد ودعم النهج المتكامل، والتنسيق مع الدول الأعضاء وقطاع النقل البحري. ويعد هذا المنصب محوريًا في الدبلوماسية البحرية، وضمن جهاز العمل الخارجي الأوروبي، كونه يضمن تماسك وفعالية مبادرات الأمن البحري، ويدعم الأهداف الأمنية والدبلوماسية في المناطق البحرية الرئيسية.
اعتمدت المفوضية الأوروبية، في 7 يونيو 2006، ورقة خضراء بشأن سياسة بحرية مستقبلية للاتحاد الأوروبي، التي أرست قواعد متينة لإدارة المحيطات والبحار، مما يسمح بتطوير سياسات وأنشطة بحرية متوازنة. لدى الاتحاد الأوروبي سياسة بحرية متكاملة “EUIMP” تتضمن، النمو الأزرق، والمعرفة البحرية والبيانات، والتخطيط المكاني البحري، والمراقبة البحرية المتكاملة، واستراتيجيات أحواض البحار. يمثل النمو الأزرق، مساهمة بحرية من أجل نمو ذكي ومستدام وشامل، وتماشيًا مع أجندة الأمم المتحدة 2030. تعد المعرفة البحرية والبيانات، جزءًا من عملية رصد المحيطات التي تعتمد على التكنولوجيا والمراقبة، لذا تعمل أوروبا على تبادل البيانات وتأمينها على المدى الطويل. تدعم مشاريع البحث والابتكار مثل “SeaDataCloud” و”SeaDataNet”.
يعمل التخطيط المكاني البحري، على تطوير الخطط الاستراتيجية لحماية البيئة البحرية، والأنشطة البحرية الجديدة مثل الطاقة المتجددة، ومنشآت تربية الأحياء المائية. توفر المراقبة البحرية المتكاملة، وسائل لتبادل المعلومات وجعل المراقبة أقل تكلفة وأكثر فعالية. ويلتزم الاتحاد الأوروبي باتفاقيات محددة وأنشطة بحثية في أحواض المحيط الأطلسي والبحر المتوسط، وبحر البلطيق والبحر الأسود. وفي 2013، وقع الاتحاد الأوروبي مع الولايات المتحدة وكندا، بيان “غالواي” للتحالف البحثي في المحيط الأطلسي. وفي 2017، وقع الاتحاد الأوروبي مع البرازيل وجنوب أفريقيا، بيان “بيليم” للتعاون من أجل محيط أطلسي آمن وقادر على الصمود.
ـ التنسيق مع الحلفاء: يتعاون التكتل الأوروبي مع الشركاء في عمليات بحرية متعددة، بالاستثمار في القدرات، ودعم الهياكل الأمنية البحرية الإقليمية في خليج “غينيا” والمحيط الهندي، والتعاون مع الشركاء بما في ذلك الأمم المتحدة، وحلف شمال الأطلسي، والمنظمات الإقليمية، للتصدي للتهديدات البحرية، والحفاظ على نظام قائم على القواعد في الممرات المائية. اعتمد التكتل الأوروبي في 2023، استراتيجية وخطة عمل منقحة للأمن البحري “EUMSS”، تماشيًا مع البوصلة الاستراتيجية للأمن والدفاع. وتظل الشراكة بين الاتحاد الأوروبي والناتو محورية في مجال الأمن البحري، عبر فرقة عمل مشتركة والتعاون في مجال الوعي الظرفي البحري، لحماية البنية التحتية الحيوية تحت سطر البحر.
يمتد التعاون إلى الأمم المتحدة والمنظمات البحرية الدولية، لاسيما فيما يتعلق بإدارة المحيطات والقانون الدولي. يركز الاتحاد الأوروبي تنسيقه مع الولايات المتحدة وكندا، بشأن إجراءات الاستخبارات وإنفاذ القانون. بينما يتعاون مع دول المحيطين الهندي والهادئ ودول الخليج، لتحقيق الاستقرار في مضيق هرمز، لضمان حرية الملاحة والأمن البحري، بجانب الشراكة مع دول جنوب شرق آسيا “آسيان” في إدارة الأمن البحري الإقليمي. كثف الاتحاد الأوروبي مع الناتو، جهود لتأمين خطوط الأنابيب والكابلات تحت سطح البحر، عبر تنسيق مخصص وشبكات معلومات، في أعقاب أحداث تخريب خط أنابيب “نورد ستريم” في 26 سبتمبر 2022. تتبع أوروبا مع الحلفاء، السفن المتورطة في أنشطة غير مشروعة، وخاصة التي تتحايل على العقوبات. أمن دولي ـ كيف يمكن لإيران إغلاق مضيق هرمز؟
العمليات البحرية الأوروبية الحديثة
ـ عملية أجينور: تمثل الذراع العسكري للمبادرة الأوروبية للتوعية البحرية في مضيق هرمز “EMASoH”، التي أطلقت في 20 يناير 2020، بقيادة فرنسا، وتهدف لحماية الملاحة وضمان المرور الآمن للسفن في مضيق هرمز، وتمتد شمالًا لمنطقة الخليج وجنوبًا لمنطقة المحيط الهندي قبالة سواحل عمان. تعتمد القيادة التكتيكية لعملية أجينور بشكل أساسي على مقر قوة متعددة الجنسيات. ويتناوب قائد القوة من (4-6) أشهر بين الدول الأوروبية المساهمة. وهي “بلجيكا، وهولندا، والدنمارك، وفرنسا، واليونان، وإيطاليا، والنرويج وألمانيا”. وشاركت البحرية الفرنسية في عمليات في المنطقة مؤخراً، وردت الفرقاطة “لانغدوك” على الهجمات التي استهدفت الناقلة النرويجية “ستريندا” في 11 ديسمبر 2023.
ـ عملية إيريني: أطلقها الاتحاد الأوروبي في مارس 2020، لدعم الجهود الدولية الرامية لتحقيق الاستقرار في ليبيا، عبر مراقبة السفن في أعالي البحار قبالة السواحل الليبية، ومشاركة البيانات مع الأمم المتحدة. تعمل “إيريني” من مقرها الرئيسي في روما، على دعم خفر السواحل الليبي والمساهمة في مكافحة تهريب البشر عبر البحر المتوسط. قرر المجلس الأوروبي في 11 مارس 2025، تمديد فترة العملية، حتى نهاية مارس 2027، ما يؤكد على التزام أوروبا بفرض حظر الأسلحة على ليبيا بموجب قرارات مجلس الأمن، بجانب منحها صلاحيات جديدة تشمل، مراقبة الأنشطة غير المشروعة الأخرى، مثل تهريب النفط والصادرات غير القانونية، وجمع المعلومات لحماية البنية التحتية البحرية. اجتمع قادة العمليات البحرية التابعة للاتحاد الأوروبي، في 25 مارس 2026، في مقر عملية “إيريني”، مع قيادة بعثات الاتحاد الأوروبي بالبحرين الأحمر والمتوسط وغرب المحيط الهندي، لبحث تطورات الوضع بمضيق هرمز. شددت مسؤولة السياسة الخارجية بالاتحاد كايا كالاس، في 18 مارس 2025، على ضرورة ضمان المرور بمضيق هرمز. وأكد قادة الاتحاد الأوروبي في 20 مارس 2026، على الاستعداد للمشاركة في ضمان حماية الملاحة بالمضيق، فقط بشرط أن تتوافر الظروف الملائمة لذلك.
ـ عملية أتلانتا: تم إطلاقها في الصومال في 2008، وتعمل قبالة القرن الأفريقي وغرب المحيط الهندي لدعم قرارات الأمم المتحدة، بشأن حماية البحرية من القرصنة، ويقع مقر العمليات في إسبانيا. تركز مهامها على سياسة الأمن والدفاع المشتركة والدبلوماسية البحرية للاتحاد الأوروبي، في منطقة المحيطين الهندي والهادئ، لمواجهة القرصنة والسطو المسلح والتهريب، وتعطيل التدفقات البحرية غير المشروعة والردع، بما في ذلك تمويل التجارة غير المشروعة والشبكات الإجرامية والإرهابية، وتوفير الحماية لمساعدات برنامج الأغذية العالمي داخل منطقة العمليات. قادت هجمات الحوثيين في 2023 و2024 إلى زيادة دور “أتلانتا”، وإدخالها آلية متطورة لتبادل المعلومات، والاتجاه مرة أخرى لدخول المياه الإقليمية الصومالية والمجال الجوي، لمراقبة السفن المقرصنة وتسليمها للسلطات الساحلية. وزادت فاعلية المهمة بإصدار الاتحاد قراراً لإسناد مهمة “المرافقة” للسفن في البحر الأحمر إليها، ما منحها حرية العمل في مهامها الرئيسية.
ـ عملية أسيبدس: تعد مهمة بحرية دفاعية، أطلقها الاتحاد الأوروبي في 19 فبراير 2024، لحماية السفن التجارية في البحر الأحمر وخليج عدن من هجمات الحوثيين، التي جاءت ردًا على حرب غزة في 7 أكتوبر 2023، بعد مباحثات أوروبية لإرسال قوة بحرية لردع الحوثيين، خاصة وأن الاتحاد الأوروبي رفض الانضمام إلى قوة “حارس الازدهار” التي أطلقتها واشنطن. قرر المجلس الأوروبي، تمديد تفويض العملية حتى 28 فبراير 2027، مع تخصيص ميزانية بنحو (15) مليون يورو. تدور مباحثات داخل الاتحاد الأوروبي، لتوسيع مهام العملية، لتشمل مضيق هرمز، في ظل الضغوط الأمريكية للمشاركة في عملية، لتأمين المضيق. يقع المقر العملياتي في مدينة “لاريسا” باليونان، تحت قيادة الأدميرال “فاسيليوس غريباريس”. نجحت المهمة في تأمين مرور ومرافقة أكثر من (1700) سفينة تجارية، واعترضت ما يزيد عن (100) طائرة مسيرة وصاروخ استهدف حركة الملاحة.
الدور الأوروبي في البحر الأسود بعد حرب أوكرانيا
تمثل منطقة البحر الأسود أهمية استراتيجية لأوروبا، فهي حلقة وصل بينها وبين جنوب القوقاز وآسيا الوسطى وشرق البحر المتوسط، وبعد حرب أوكرانيا باتت ضمن الصراع، بالتهديدات الهجينة والهجمات الإلكترونية، ما يجعل الأمن البحري بالغ الأهمية في البحر الأسود، لجميع مجالات النقل والتجارة، والاقتصاد الأزرق والأنشطة البحرية. يعد البحر الأسود ضروريًا لتطوير ممرات الطاقة والنقل والرقمنة، ما يعزز البعد الأمني لهذا الممر. يركز الاتحاد الأوروبي في نهجه الاستراتيجي تجاه البحر الأسود، على تشجيع التعاون الإقليمي في إزالة الألغام والحفاظ على الأمن البحري، بتبادل المعلومات وتقوية السلامة والأمن البحريين، وحماية البنية التحتية والبيئة البحرية، عبر تقنيات الاستشعار تحت الماء، والسفن غير المأهولة والمسيرة عن بعد، وبرامج طائرات المراقبة بدون طيار. اعتمد الاتحاد الأوروبي في 28 مايو 2025، استراتيجية جديدة للبحر الأسود، ترسم مسارًا نحو دور أمني أكبر. وتحرص بلغاريا ورومانيا على الاستفادة من هذه الاستراتيجية، وتسعى بروكسل على مساعدتهما في مكافحة التهديدات الأمنية بتعزيز الصناعات الدفاعية. هناك (3) أركان للتعاون المستقبلي بين الاتحاد الأوروبي ومنطقة البحر الأسود، تقوم على تعزيز الأمن والمرونة والاستقرار، وتعزيز النمو المستدام، وحماية البيئة وتعزيز قدرتها على التكيف مع المتغيرات البيئية والأمنية. ويخطط الاتحاد لإنشاء مركز للأمن البحري في البحر الأسود. ملف أمن دولي ـ مضيق هرمز،تهديدات أمنية وسيناريوهات محتملة
أدوات أوروبا في حماية الملاحة
ـ التواجد البحري المنسق: تتواجد الدول الأعضاء بالاتحاد، في المناطق البحرية ذات الأهمية المحددة عبر أداة التواجد البحري المنسق “CMP”. وتم إطلاق مبادرة التواجد البحري المنسق في خليج غينيا في 2021، وتستمر حتى 2027، بينما تم إطلاقها في شمال غرب بالمحيط الهندي في 2022، وتم تمديدها حتى 2026. تهدف إلى تحسين تنسيق الأصول البحرية والجوية للدول الأعضاء، وتعزيز الوعي الظرفي البحري. تُطبق هذه الأداة عبر العمليات البحرية، والتدريبات السنوية على مستوى الاتحاد، والتعاون بين خفر السواحل.
ـ الملاحة عبر الأقمار الصناعية: يطبق الاتحاد الأوروبي سياسة مرنة لمواجهة التهديدات الأمنية بالممرات البحرية، عبر أداة تكنولوجية متطورة. ويعد “غاليليو” نظام الملاحة العالمي عبر الأقمار الصناعية الأوروبية، نظامًا مستقلًا يوفر تحديد المواقع بدقة عالية. يستخدم الاتحاد الأوروبي أداة “Galileo OSNMA”، التي تسمح لأجهزة الاستقبال بالتحقق من أن بيانات الملاحة تأتي بالفعل من غاليليو، ما يحذر المستخدمين المدنيين من أي هجمات مزيفة. تضمن الخدمة العامة المنظمة “PRS”، استمرارية الخدمات أثناء الأزمات، وهي خدمة مشفرة ومقيدة ومقاومة للتشويش والهجمات الإلكترونية، مخصصة للعسكريين والمستخدمين الحكوميين. يعد نظام خدمة الملاحة الجغرافية الثابتة الأوروبية ” EGNOS”، نظامًا إقليميًا محسنًا يعزز دقة وموثوقية إشارات نظامي “غاليليو” و”جي بي إس”، ويرسل رسائل سلامة تنبه المستخدمين في حال عدم موثوقية إشارة القمر الصناعي، وهو أمر هام لتطبيق السلامة الحيوية مثل الملاحة الجوية والبحرية.
ـ المراقبة والكشف عن التهديدات: تنشر أوروبا قدرات الرصد لتسريع الاستجابة لأي أنشطة مهددة لأمنها البحري، وتمثل الشبكة الأوروبية العالمية للحماية من التداخل “EGIPRON”، مشروعًا يهدف لنشر نظام مراقبة واسع النطاق للكشف عن التشويش والتزييف على نظام “GNSS”، وتحديد موقع التهديد في الأراضي الأوروبية. تعمل المفوضية الأوروبية، على نشر أدوات قادرة على رصد وتحديد مواقع تداخل نظام الملاحة العالمي عبر الأقمار الصناعية، الذي يستهدف السفن والطائرات والبنية التحتية الحيوية.
ـ الأمن البحري والممرات المائية الداخلية: تدير أوروبا سلامة الممرات المائية من خلال نظام “كوبرنيكوس” للمراقبة البحرية، ويستخدم النظام بيانات الأقمار الصناعية، لتتبع السفن في أي توقيت وفي أي طقس، لرصد الأنشطة غير القانونية ودعم عمليات البحث والإنقاذ. تطبق أوروبا مجموعة من القواعد المنسقة للملاحة الداخلية، في إطار “المدونة الأوروبية للمرات المائية الداخلية”، التي تغطي المرور والإشارات وعلامات الممرات المائية، لضمان عبور آمن ومتسق مع شبكة الأنهار الأوروبية.
ـ الوعي بالمجال البحري “MDA”: تدمج أوروبا بين المراقبة وتبادل المعلومات الاستخباراتية، لرصد التهديدات مثل الأساطيل الخفية التي تتحايل على العقوبات، والتخريب المحتمل ضد الكابلات وخطوط الأنابيب تحت سطح البحر. نظرًا لاستغلال روسيا “أسطول الظل” الذي يضم أكثر من (800) سفينة دون المستوى المطلوب تبحر دون رقابة، للتهرب من العقوبات على قطاع الطاقة، لذا تعزز أوروبا حماية البنية التحتية البحرية الحيوية “CMI”، لمواجهة أي أعمال تخريبية قد ترتكب من قبل هذه السفن.
التحديات التي تواجه الدور الأوروبي
ـ محدودية القدرات العسكرية المشتركة: لا يمتلك الاتحاد الأوروبي قوة عسكرية موحدة، بل توزع القدرات العسكرية على (27) دولة بجهود فردية وغير متناسقة، وتعتمد عمليات الاتحاد في الممرات المائية على مساهمات دورية محدودة وعدد محدود من الجنود. رغم تأسيس التعاون المنظم الدائم “PESCO” في 2017، لإلزام الدول الأعضاء بتقاسم القدرات بين الدول، فإن أغلب مشاريع هذا النظام، لاتزال في مراحل تصميم وبحث، وبلغت نحو (75) مشروعًا بنهاية 2025، وظلت مشاريع الدفاع البحري محدودة، في ظل الخلافات في الاختيارات التقنية وجدولها الزمني. تستخدم القوات البحرية الأوروبية لغات ومعايير وأنظمة قيادة مختلفة، ما يتطلب تدريبًا مستمرًا لتحقيق تكامل في مهام حماية الأمن البحري، لغياب قيادة بحرية دائمة في بنية الاتحاد ونقص الجاهزية.
ـ التباين في المواقف السياسية: تتأثر خطط الأمن البحري بمواقف الدول السياسية من الملفات الشائكة، وقد رفضت دول في وسط وشرق أوروبا، آليات إلزامية توزيع اللاجئين القادمين من البحر المتوسط، وفي نهاية 2025، طرحت المفوضية الأوروبية نقل (30) ألف لاجئ وخصصت (600) مليون يورو كتعويضات، لكن خفضت الدول الأعضاء الأرقام إلى (21) ألف لاجئ و(420) مليون يورو، وحصلت دول مثل “إستونيا وكرواتيا، والنمسا وبولندا والتشيك” على إعفاء كلي أو جزئي من حصصها. يجد التكتل الأوروبي صعوبة في توحيد المواقف تجاه الخلافات البحرية بين تركيا واليونان وقبرص، وعلى سبيل المثال؛ أدان الاتحاد الأوروبي في مايو 2020، تحركات تركيا داخل المياه اليونانية القبرصية، بينما دعت فرنسا وألمانيا وإيطاليا إلى فتح حوار بين تركيا واليونان، ما يؤكد أن تفاوت السياسات تجاه بعض القضايا، يضعف من اتخاذ قرارات أمنية بحرية فاعلة.
ـ تعقد النزاعات الإقليمية: تؤثر التوترات الإقليمية على سياسة الأمن البحري للاتحاد الأوروبي، ومنذ 2011، أصبحت ليبيا مصدرًا لتهديدات بحرية متعددة، لعدم توافر الاستقرار السياسي والأمني، ما يرجح احتمالية نقل أسلحة أو مهاجرين عبر المتوسط، مما يضغط على إيطاليا واليونان للتعامل مع هذه التهديدات. تعد منطقة القرن الأفريقي غير مستقرة أمنيًا، لتصاعد الأنشطة الإجرامية والقرصنة وتهريب السلاح والمهاجرين، لذا استجابت أوروبا بإرسال قوافل مساعدات للمنطقة، وتنسيق معلومات استخباراتية مع الشركاء. مثلت التوترات في البحر الأسود تحديًا لأوروبا، للتعامل مع التهديدات التي تهدد البنية التحتية، لاسيما وأنه يعد نقطة استراتيجية للأمن الأوروبي في حرب أوكرانيا. عرقلت هجمات الحوثيين الملاحة في البحر الأحمر عقب حرب غزة، ما دفع أوروبا لإطلاق عملية عسكرية لردع هذه الهجمات. وأضافت حرب إيران الحالية أعباء على أوروبا، بعد تعطل حركة المرور في مضيق هرمز، في ظل حشد عسكري أمريكي بالمنطقة. أمن أوروبا ـ ما هي المخاطر التي تواجه أوروبا في حال إغلاق مضيق هرمز؟
تقييم وقراءة مستقبلية
– أثبتت التوترات السياسية التي يشهدها العالم مؤخرًا، أن الممرات المائية أصبحت جزءًا من معادلة الردع الأمني وأداة من أدوات الضغط في الحروب، وتعد حرب أوكرانيا نموذجًا في هذه المسألة، نظرًا لأن بحر البلطيق والبحر الأسود مرشحان أن يدخلا ضمن معادلة التفاوض المرحلة المقبلة، خاصة وأن روسيا تدرك جيدًا أهميتهما بالنسبة لأوروبا، التي تقتنع بأن هذه الممرات البحرية ستظل ساحة توترات مقبلة مع روسيا، حتى في حال التوصل لاتفاق بشأن أوكرانيا، لذا من المتوقع أن يعزز الاتحاد الأوروبي حضوره في هذه الممرات وأن يوسع مهامه في البحر الأسود، تحسبًا لأي مستجدات عسكرية، يمكن أن تحوله إلى خط مواجهات مباشرة بين الغرب وروسيا.
– من المرجح أن يصبح البحر الأسود، ضمن المباحثات المقبلة المرتقبة بين روسيا وأوروبا، بشأن حرب أوكرانيا، ورغم أن النقاش يدور حول الأقاليم الأربعة بأوكرانيا والتنازل عن أراضٍ لروسيا، إلا أن المجال البحري حاضر في أحاديث الطرفين الروسي والأوروبي، وربما سيشهد البحر الأسود بعض التوترات بين موسكو وكييف، كنوع من الضغط قبل إبرام اتفاق لوقف إطلاق النار.
– تسببت حرب إيران وتداعياتها على حركة الملاحة الدولية، في إثارة قلق الأوروبيين من جديد بشأن أمن الطاقة والغذاء، خاصة وأن الحرب الراهنة جاءت بعد توترات واسعة في البحر الأحمر منذ نهاية 2023، ولكن نجاح أوروبا في تجنب إدخال نفسها، طرفًا في أي صراع محتمل في مضيق هرمز، يدل على قدرتها على قراءة المشهد الجيوسياسي والأمني المتغير بالمنطقة، وإدراكها أن الانضمام لأي تحالف عسكري بالمضيق، لا يهدف للتهدئة ولا يضغط على إيران لفتح هرمز مجددًا، بل يوسع من دائرة المواجهات العسكرية، خاصة وأن هذه الخطوة ستتناقض مع سياسات أوروبا في الحفاظ على الأمن البحري.
– أكدت التجربة الأوروبية في الممرات البحرية بمنطقة الشرق الأوسط، أن هدفها الرئيسي من هذه العمليات هو الردع والدفاع فقط، والتعاون مع الشركاء لحماية الملاحة والتجارة الدولية، نظرًا لأن هذه الممرات جزء من الحفاظ على استقرار الاقتصاد العالمي، ومن المحتمل أن تكثف أوروبا عملها الاستخباراتي في هذه المنطقة، تحسبًا لأي عمليات تهريب أسلحة أو مهاجرين غير شرعيين أو أنشطة غير قانونية، لاسيما وأن الجماعات المتطرفة ومنظمات الجريمة المنظمة، تستغل هذه الأجواء لتكثف من أنشطتها وتحركاتها.
– من المحتمل أن تستهدف أوروبا تحقيق استقلالية دفاعية بحرية الفترة المقبلة، في ظل توتر العلاقات مع الولايات المتحدة، وتصاعد المواجهات العسكرية في المنطقة، ولكن ستواجه هذه الخطوة تحديات تتعلق، بتكلفة بناء قوة بحرية أوروبية فعلية، وإنهاء الانقسامات السياسية بين الدول، بشكل يسمح بالانتشار في الممرات البحرية بصورة أكبر، ومن المحتمل أن يتم تنفيذ هذه الخطوة في غضون أكثر من عشر سنوات.
– من المتوقع أن تشهد الممرات البحرية تهديدات جسيمة، في ظل تصاعد حرب إيران والترقب لتحول المواجهات العسكرية بين واشنطن وطهران إلى مضيق هرمز، لذا ستحشد أوروبا جهودًا دولية على المستويات السياسية والقانونية والأمنية، كمحاولة لحماية الأمن البحري، وتوحيد موقف دولي ضد التصعيد الراهن من جميع الأطراف، لاستعادة الأمن والاستقرار بشكل تدريجي بالممرات البحرية بالمنطقة.
رابط مختصر.. https://www.europarabct.com/?p=116614
*حقوق النشر محفوظة إلى المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والاستخبارات
الهوامش
New EU strategy for secure, prosperous and resilient Black Sea region
European Union Naval Force Operation ATALANTA – EUNAVFOR ATALANTA
Integrated Maritime Policy
Strength through Unity: How the EU Keeps Maritime Security Coordinated
