المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والاستخبارات، ألمانيا وهولندا ECCI
بون ـ شهلاء الهاشمي، عضوة منتدى خبراء الأمن منتدى خبراء الأمن ـ ECCI
أمن العراق ـ جهود تعزيز سلطة الدولة والحد من نفوذ الجماعات المسلحة
يعتبر ملف الفصائل المسلحة في العراق من أكثر القضايا تعقيدًا وحساسية في المشهد السياسي والأمني، نظرًا لارتباطه المباشر بمفهوم سيادة الدولة وقدرتها على فرض القانون وبسط سلطتها على جميع أراضيها. وخلال السنوات الأخيرة، اكتسب هذا الملف أهمية متزايدة نتيجة تصاعد النقاشات بشأن مستقبل الفصائل المسلحة ودورها في الحياة السياسية والأمنية، خاصة في ظل المتغيرات الإقليمية والدولية التي تشهدها المنطقة. وتسعى الحكومة العراقية إلى بناء مؤسسات أمنية قوية وموحدة تكون الجهة الوحيدة المسؤولة عن حماية البلاد وإدارة الملف الأمني. ومن هذا المنطلق، برزت جهود رسمية تهدف إلى إعادة تنظيم وضع الفصائل المسلحة وحصر السلاح بيد الدولة، وهي خطوة ينظر إليها على أنها جزء من مشروع أوسع لإعادة تعزيز سلطة الدولة وترسيخ الاستقرار الداخلي. تحولات الصراع في العراق: من الحرب التقليدية إلى بيئة الحرب الرمادية
وتحظى هذه التحركات باهتمام كبير من جانب القوى الإقليمية والدولية، لأن مستقبل الفصائل المسلحة في العراق لا يؤثر في الوضع الداخلي فحسب، بل يمتد تأثيره إلى التوازنات السياسية والأمنية في المنطقة بأكملها. برز دور الفصائل المسلحة بصورة واضحة خلال الحرب ضد تنظيم داعش، حيث شاركت في العمليات العسكرية إلى جانب القوات الأمنية العراقية وأسهمت بشكل كبير في استعادة المناطق التي سيطر عليها التنظيم. وقد اكتسبت هذه الفصائل خلال تلك الفترة نفوذًا عسكريًا وشعبيًا وسياسيًا واسعًا، الأمر الذي جعلها عنصرًا مؤثرًا في المشهد العراقي.
ومع تراجع خطر التنظيم الإرهابي، بدأت تظهر تساؤلات بشأن مستقبل هذه الفصائل وآليات تنظيم عملها. فقد رأت العديد من القوى السياسية أن المرحلة الجديدة تتطلب وجود مؤسسة عسكرية وأمنية موحدة تخضع بشكل كامل لسلطة الدولة، بينما تمسكت بعض الفصائل باستمرار دورها الأمني والعسكري، معتبرة أن التحديات الأمنية لم تنتهِ بصورة كاملة. وأدى هذا التباين في الرؤى إلى استمرار الجدل حول طبيعة العلاقة بين الدولة والفصائل المسلحة، وكيفية تحقيق التوازن بين الاعتراف بالدور الذي قامت به هذه الفصائل في مواجهة الإرهاب وبين ضرورة تعزيز سلطة المؤسسات الرسمية.
تدابير حكومية
اتخذت الحكومة العراقية خطوات جديدة تهدف إلى الحد من نفوذ الفصائل المسلحة خارج إطار الدولة، وذلك من خلال طرح مبادرات لإعادة تنظيم وضعها العسكري والإداري. وتركز هذه الخطوات على مبدأ أساسي يتمثل في أن الدولة هي الجهة الوحيدة التي يحق لها امتلاك السلاح واستخدامه. وتؤكد الحكومة أن هذه الإجراءات لا تستهدف أي جهة بعينها، بل تأتي ضمن خطة شاملة لإصلاح القطاع الأمني وتعزيز سيادة القانون. كما ترى أن تعدد الجهات المسلحة يؤدي إلى إضعاف هيبة الدولة ويجعل عملية اتخاذ القرار الأمني أكثر تعقيدًا. وتحاول الحكومة تنفيذ هذه الخطوات بصورة تدريجية ومن خلال الحوار والتفاهم مع مختلف الأطراف، تجنبًا لأي توترات أو مواجهات داخلية قد تؤثر في الاستقرار السياسي والأمني. كما تسعى إلى إيجاد حلول تضمن دمج المقاتلين ضمن المؤسسات الرسمية والاستفادة من خبراتهم العسكرية في إطار قانوني وتنظيمي واضح.
ردود فعل الفصائل المسلحة
أثارت التحركات الحكومية ردود فعل متباينة بين الفصائل المسلحة. فقد أعلنت بعض الفصائل دعمها لجهود الحكومة واستعدادها للتعاون في سبيل تعزيز سلطة الدولة، مؤكدة أن بناء مؤسسات قوية يمثل مصلحة وطنية عليا. أبدت فصائل مسلحة أخرى تحفظات على هذه الخطوات، معتبرة أن الظروف الأمنية والإقليمية لا تزال تتطلب وجود قوى مسلحة قادرة على مواجهة التحديات المحتملة. وترى هذه الفصائل أن دورها لم ينتهِ بعد، وأن وجودها يمثل عنصرًا مهمًا في حماية البلاد. تخشى بعض الفصائل المسلحة أن يؤدي التخلي عن سلاحها إلى تراجع نفوذها السياسي والعسكري، أو إلى إضعاف قدرتها على التأثير في القرارات المتعلقة بالأمن الوطني. لذلك فإن الوصول إلى تسوية شاملة يتطلب حوارًا معمقًا وضمانات متبادلة بين الحكومة وهذه الفصائل. مكافحة الإرهاب: أهمية التعاون الأمني بين العراق وسوريا في ملف عائلات داعش
الموقف الأمريكي
تدعم الولايات المتحدة الجهود العراقية الرامية إلى حصر السلاح بيد الدولة، وترى أن وجود جماعات مسلحة خارج إطار المؤسسات الرسمية يشكل تحديًا أمام استقرار العراق وبناء مؤسساته. وتؤكد واشنطن أن تعزيز دور القوات الأمنية الرسمية يعد خطوة ضرورية لضمان الأمن الداخلي وتحقيق التنمية الاقتصادية وجذب الاستثمارات الأجنبية. كما تعتقد أن وجود مؤسسة عسكرية موحدة يسهم في تقوية الدولة العراقية ويحد من التدخلات الخارجية في شؤونها. وفي الوقت نفسه، تدرك الولايات المتحدة أن معالجة ملف الفصائل المسلحة يتطلب وقتًا وحلولًا تدريجية، بسبب الطبيعة المعقدة للمشهد السياسي العراقي وتشابك المصالح المحلية والإقليمية.
معركة استعادة الدولة على طاولة المباحثات
تحولت زيارة رئيس الوزراء علي الزيدي إلى واشنطن إلى أكثر من مجرد محطة دبلوماسية اعتيادية، إذ تمثل اختبارًا حقيقيًا لقدرة الحكومة العراقية على المضي في مشروع استعادة هيبة الدولة وإعادة ترتيب المشهد الأمني والسياسي. وفي صدارة الملفات المطروحة يبرز ملف الفصائل المسلحة، الذي يعد من أكثر القضايا حساسية وتعقيدًا في العراق منذ هزيمة تنظيم داعش. وتكتسب الزيارة أهمية إضافية بعد تحديد يوم 30 سبتمبر2026 موعدًا نهائيًا للفصائل المسلحة لحسم ملف تنظيم السلاح وحصره بيد الدولة، في خطوة تعكس إصرار الحكومة على المضي في تنفيذ برنامجها الرامي إلى تعزيز سلطة المؤسسات الرسمية وإنهاء حالة تعدد مراكز القوة.
وتأتي هذه التطورات في ظل قناعة متنامية، داخليًا ودوليًا، بأن استقرار العراق على المدى الطويل يرتبط بقدرة الدولة على احتكار السلاح وفرض سيادة القانون على جميع الأطراف دون استثناء، وهو ما يجعل من المهلة المحددة اختبارًا عمليًا لجدية الحكومة وقدرتها على ترجمة تعهداتها إلى إجراءات تنفيذية وتشير المعطيات إلى أن الرسائل التي يحملها الزيدي إلى واشنطن لا تقتصر على الجانب الأمني فحسب، بل تمتد إلى طمأنة المجتمع الدولي بأن العراق يسعى إلى الدخول في مرحلة جديدة من الإصلاح السياسي والمؤسسي، وأن الحكومة عازمة على بناء دولة قوية قادرة على حماية مصالحها وإدارة علاقاتها الإقليمية والدولية بصورة مستقلة ومتوازنة.
في المقابل، تدرك الولايات المتحدة أن نجاح بغداد في هذا المسار يواجه تحديات كبيرة نتيجة تشابك الاعتبارات الأمنية والسياسية والإقليمية. ومن هنا، تركز المباحثات بين الجانبين على دعم المؤسسات العراقية وتعزيز قدراتها، مع التأكيد على أهمية معالجة القضايا الخلافية عبر الحوار والتوافق الوطني، بما يضمن الحفاظ على الاستقرار الداخلي. ومن المرجح أن تتجاوز نتائج الزيارة إطار العلاقات العراقية–الأمريكية، لتنعكس على طبيعة التوازنات السياسية والأمنية داخل العراق ومستقبل العلاقة بين الدولة والفصائل المسلحة. فإذا تمكنت بغداد من تأمين دعم سياسي واقتصادي وأمني لخطة الإصلاح، فقد تشكل هذه الزيارة بداية مرحلة جديدة عنوانها ترسيخ سلطة الدولة واستعادة القرار الوطني.
أما في حال تعثرت الجهود أو واجهت مقاومة داخلية وإقليمية، فإن ملف الفصائل المسلحة سيبقى أحد أكثر التحديات إلحاحًا أمام الدولة العراقية، وسيظل معيارًا أساسيًا لقياس قدرة مؤسساتها على فرض السيادة وبناء دولة قوية وقادرة على مواجهة الاستحقاقات المستقبلية
الموقف الإيراني
تحظى التطورات المتعلقة بالفصائل المسلحة باهتمام كبير من قبل إيران، نظرًا للعلاقات السياسية والأمنية التي تربطها بعدد من هذه الفصائل. وتخشى طهران أن يؤدي تقليص نفوذ الجماعات المسلحة إلى تراجع دورها وتأثيرها داخل العراق. ومن جهة أخرى، تؤكد إيران دعمها لاستقرار العراق ووحدته، وتحرص على استمرار العلاقات السياسية والاقتصادية والأمنية بين البلدين. إلا أن أي تغييرات تتعلق بمستقبل الفصائل المسلحة تمثل قضية حساسة بالنسبة لها، لأنها ترتبط بتوازنات إقليمية أوسع. ولهذا السبب، تتابع إيران التطورات الجارية باهتمام كبير، وتسعى إلى الحفاظ على مصالحها الاستراتيجية، مع التأكيد في الوقت نفسه على أهمية تجنب أي صراعات داخلية قد تؤثر في أمن العراق والمنطقة. محاربة التطرف عبر الإنترنيت في العراق ـ الواقع والتحديات
التحديات التي تواجه الحكومة العراقية
تواجه الحكومة العراقية مجموعة من التحديات في تنفيذ خطتها الرامية إلى حصر السلاح بيد الدولة، ومن أبرزها:
ـ النفوذ السياسي الذي تمتلكه بعض الفصائل المسلحة داخل المؤسسات السياسية.
ـ حساسية الملف الأمني واحتمال حدوث توترات في حال اتخاذ إجراءات متسرعة.
ـ وجود تباين في مواقف القوى السياسية بشأن آليات معالجة القضية.
ـ التأثيرات الإقليمية والدولية في مسار الأحداث داخل العراق.
ـ الحاجة إلى توفير ضمانات للفصائل بشأن مستقبل عناصرها ودورها داخل المؤسسات الرسمية.
ـ ضرورة الحفاظ على الاستقرار الداخلي وتجنب أي مواجهات مسلحة.
الآثار المحتملة لنجاح الخطة
إذا نجحت الحكومة العراقية في تنفيذ خطتها، فمن المتوقع أن تنعكس نتائج إيجابية عديدة على الدولة والمجتمع، من أبرزها:
- تعزيز سيادة الدولة وترسيخ مبدأ احتكار السلاح بيد المؤسسات الرسمية.
- تقوية الأجهزة الأمنية والعسكرية وزيادة قدرتها على فرض القانون.
- إنهاء ظاهرة تعدد مراكز القوة وتوحيد القرار الأمني.
- تحسين صورة العراق أمام المجتمع الدولي وزيادة فرص الاستثمار والتنمية.
- تقليل احتمالات الصراعات الداخلية وتهيئة بيئة أكثر استقرارًا.
- تعزيز ثقة المواطنين بمؤسسات الدولة وقدرتها على إدارة شؤون البلاد.
أما في حال تعثر هذه الجهود، فقد يستمر الجدل بشأن مستقبل الفصائل المسلحة، وقد تواجه الدولة تحديات إضافية تتعلق بفرض القانون وتحقيق الاستقرار السياسي والأمني.
قراءة مستقبلية
ـ يمثل ملف الفصائل المسلحة أحد أبرز التحديات التي تواجه العراق في المرحلة الراهنة، لأنه يرتبط بصورة مباشرة بمفهوم السيادة وبناء الدولة الحديثة. وتسعى الحكومة العراقية إلى معالجة هذا الملف من خلال اعتماد سياسة تقوم على الحوار والتدرج وإيجاد حلول توافقية تضمن الحفاظ على الاستقرار الداخلي.
ـ يعتمد نجاح هذه الجهود على قدرة الحكومة في تحقيق توازن بين متطلبات الإصلاح الأمني وبين الظروف السياسية المعقدة التي يمر بها العراق. كما يتطلب الأمر تعاونًا من جميع القوى السياسية والفصائل المختلفة، ودعمًا إقليميًا ودوليًا يساهم في تعزيز مؤسسات الدولة وتمكينها من أداء دورها الكامل.
ـ يبدو أن مستقبل الفصائل المسلحة سيبقى أحد الملفات الرئيسية التي ستؤثر في مسار الدولة العراقية خلال السنوات المقبلة، وأن نجاح الحكومة في إدارة هذا الملف سيشكل خطوة مهمة نحو ترسيخ الاستقرار وتعزيز سيادة القانون وبناء دولة قوية وقادرة على مواجهة التحديات الداخلية والخارجية.
رابط نشر .. https://www.europarabct.com/?p=121122
حقوق النشر محفوظة إلى المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الارهاب والاستخبارات ـ ألمانيا وهولندا ECCI
هوامش
1.International Crisis Group – Iraq
2.Arab Reform Initiative – Iraq in Wartime: Armed Factions, Political Deadlock, and the Wait for an External Factor
3.Reuters – Iraqi Prime Minister to Visit Washington; Oil and Gas Deals Expected
4.Human Rights Watch – World Report 2026: Iraq
5.The Wall Street Journal – Iraq Agrees to U.S. Demands to Halt Dollar Flows to Iran-Backed Militias
6.Chatham House – Can Iraq’s New Prime Minister Finally Rein In Its Armed Factions?

