المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والاستخبارات، ألمانيا وهولندا، وحدة الدراسات والتقارير ECCI
أمن الخليج – الموقف الأوروبي والدولي: لماذا لا يوجد تحالف عسكري ضد إيران؟
يُمثل أمن منطقة الخليج العربي المعضلة الكبرى في النظام العالمي الراهن، حيث يتقاطع فيها أمن الطاقة الدولي مع توازنات القوى الجيوسياسية الكبرى، مما يجعل استقرارها ضرورة وجودية تتجاوز الحدود الإقليمية، ورغم تصاعد التهديدات التي تمس سلامة الملاحة الدولية في مضيق هرمز، لا يزال المشهد الدولي يفتقر إلى تحالف عسكري موحد وصلب لمواجهة التحركات الإيرانية، ما يثير تساؤلات جوهرية حول طبيعة المصالح المتضاربة والحسابات المعقدة للقوى الفاعلة.
المصالح الأوروبية في الخليج
يمثل أمن الطاقة حجر الزاوية في السياسة الخارجية الأوروبية تجاه منطقة الخليج، حيث تعتمد الدول الأوروبية بشكل متزايد على واردات النفط والغاز الخليجي لتعويض النقص الناجم عن التوترات الجيوسياسية في مناطق أخرى، لا سيما بعد الأزمة الأوكرانية، ولذلك فإن أي اضطراب في تدفقات الطاقة من الخليج لا يعني فقط ارتفاعًا في الأسعار، بل يهدد بشلل الصناعات الأوروبية الكبرى وتفاقم أزمات التضخم. كما أن أي تهديد لهذه الممرات ينعكس سلبًا على سلاسل الإمداد العالمية التي ترتبط بها الشركات الأوروبية بعمق، وهذا الاعتماد المتبادل يجعل من استقرار المنطقة ضرورة اقتصادية أوروبية؛ فالاستثمارات الأوروبية الضخمة في البنية التحتية والمشاريع التنموية الخليجية تتطلب بيئة أمنية مستقرة لضمان العوائد وحماية الأصول، مما يجعل المقاربة الأوروبية تركز على “الأمن الاقتصادي” كمدخل أساسي للاستقرار السياسي والعسكري في المنطقة.
وتدرك العواصم الأوروبية أن إيران تمتلك القدرة على تعطيل الملاحة في مضيق هرمز، ما يمثل “كابوسًا جيوسياسيًّا” قد يؤدي إلى انهيار منظومات اقتصادية كاملة. لذلك، تتبنى أوروبا استراتيجية الحضور البحري الهادئ، مثل بعثة (EMASoH)، بهدف تأمين الملاحة دون استفزاز مباشر قد يؤدي لإغلاق المضيق. إن الحفاظ على حرية الملاحة في مضيق هرمز يمثل بالنسبة للأوروبيين خطًا أحمر، لكنهم يفضلون حمايته عبر أدوات القانون الدولي والضغط الدبلوماسي المدعوم بوجود عسكري دفاعي يمنع الانزلاق نحو المواجهة العسكرية المفتوحة.
تؤمن الدول الأوروبية بأن استقرار مضيق هرمز لا يمكن تحقيقه عبر الحلول العسكرية المنفردة، بل من خلال بناء تفاهمات إقليمية تضمن سلامة السفن التجارية. ويضع إغلاق هذا الممر البحري بروكسل في موقف صعب، إذ يجب عليها أن تختار بين الحفاظ على التضامن مع الولايات المتحدة في إطار الشراكة الأطلسية، أو اتخاذ إجراءات دبلوماسية مستقلة كقوة أمنية عالمية، وغالبًا ما تكون قدرة الاتحاد الأوروبي على نشر نفوذه خارج المنطقة محدودة بسبب اختلاف المصالح الوطنية لدوله الأعضاء. ولكن، يجب أن تكون أزمة الطاقة هذه حافزًا للاتحاد الأوروبي لتعزيز دور خدمة العمل الخارجي الأوروبية في التوسط وضمان أمن الممرات البحرية، دون الاعتماد بشكل كامل على القوى الخارجية. أمن دول مجلس التعاون الخليجي والتحولات الجيوسياسية ما بعد حرب إيران والولايات المتحدة
أسباب غياب تحالف عسكري أوروبي
يعد الخوف من رد الفعل الإيراني العنيف أحد أهم العوائق أمام تشكيل تحالف عسكري أوروبي هجومي، فالقوى الأوروبية، مثل فرنسا وألمانيا، تدرك أن إيران تمتلك شبكة واسعة من الوكلاء الإقليميين وقدرات صاروخية يمكنها استهداف المصالح الغربية والملاحة الدولية بشكل غير تقليدي. ولذلك فالدخول في تحالف عسكري صريح ضد طهران قد يؤدي إلى إنهاء الاتفاق النووي بشكل كامل وتحفيز إيران على تسريع برنامجها النووي، وهو ما تخشاه أوروبا كونه يهدد أمنها القومي بشكل مباشر.
ويعاني الاتحاد الأوروبي من انقسامات داخلية حادة حول كيفية التعامل مع “المعضلة الإيرانية”. فبينما تدفع بعض الدول نحو موقف أكثر صرامة، تصر دول أخرى على ضرورة الحفاظ على قنوات الحوار الدبلوماسي لتجنب أزمات لاجئين جديدة أو انقطاع في إمدادات الطاقة. هذا التباين في المصالح الوطنية يجعل من الصعب الوصول إلى إجماع أوروبي لتشكيل قوة عسكرية موحدة تحت مظلة الاتحاد. إن غياب “السياسة الأمنية والدفاعية المشتركة” القوية يجعل التحركات الأوروبية تقتصر على مبادرات تطوعية من بعض الدول، مما يضعف فكرة وجود تحالف عسكري صلب ومنظم يمتلك استراتيجية هجومية واضحة تجاه التهديدات الإيرانية في منطقة الخليج.
وكما أوضحت شبكة القيادة الأوروبية، فإن عدم قدرة الدول الأوروبية على التوحد فيما يتعلق بقضايا الشرق الأوسط، فهناك ثلاثة أو أربعة مواقف مختلفة داخل الاتحاد الأوروبي بشأن القضايا المتعلقة بالشرق الأوسط. ويزداد الأمر تعقيدًا عندما يبدو أن بعض المسؤولين الأوروبيين يعبرون عن آراء لا تمثل رأي الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي. إذا أراد الاتحاد الأوروبي أن يكون فاعلاً جيوسياسيًّا حقيقيًّا، فيجب عليه التغلب على هذه المشكلة، فالخطر هو أن التركيز على التوافق قد يؤدي إلى صدور بيانات عامة لا تعكس وجهات النظر الحقيقية للدول الأعضاء.
بالإضافة إلى ذلك، يمثل غياب تفويض واضح من الأمم المتحدة أو مجلس الأمن الدولي عائقًا قانونيًّا وسياسيًّا كبيرًا أمام الدول الأوروبية التي تحرص دائمًا على الالتزام بالشرعية الدولية. وفي ظل الفيتو الروسي والصيني المتوقع ضد أي عمل عسكري أو تحالف دولي يستهدف إيران، تجد العواصم الأوروبية نفسها عاجزة عن تبرير الانخراط في تحالف عسكري هجومي أمام برلماناتها ورأيها العام. بالنسبة للأوروبيين، فإن العمل خارج إطار القانون الدولي يمثل مغامرة تهدد مصداقية الاتحاد الأوروبي كمدافع عن النظام القائم على القواعد، كما يفتح الباب أمام قوى أخرى للقيام بتحركات مماثلة في مناطق نزاع أخرى، وهو ما ترفضه بروكسل جملة وتفصيلًا كونه يقوض الاستقرار العالمي. الدفاع ـ الشراكة الأوروبية الخليجية.. هل تؤسس لمنظومة أمنية جديدة؟
الفجوة بين أوروبا وواشنطن
تجلت الفجوة بين ضفتي الأطلسي بشكل واضح في عهد إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، حيث تبنت واشنطن سياسة “الضغوط القصوى” والانسحاب من الاتفاق النووي، بينما حاولت أوروبا جاهدة الحفاظ على الاتفاق وآليات الحوار. ويرى الأوروبيون أن المقاربة الأمريكية تميل إلى التصعيد العسكري والسياسي الذي قد يؤدي إلى نتائج عكسية، بينما تؤمن أوروبا بأن الدبلوماسية الاقتصادية هي السبيل الوحيد لتغيير سلوك إيران. هذا الاختلاف الجذري في “فلسفة المواجهة” جعل من الصعب بناء تحالف عسكري موحد؛ فالأوروبيون يرفضون أن يكونوا مجرد تابعين لاستراتيجية أمريكية قد تجرهم إلى صراع لا يخدم مصالحهم المباشرة في استقرار الشرق الأوسط وتجنب موجات الهجرة واللجوء.
من ناحية أخرى، تظهر أوروبا تحفظًا شديدًا تجاه الحلول العسكرية المباشرة نتيجة لتقديراتها بأن القوة العسكرية وحدها لا يمكنها حل المعضلات الجيوسياسية المعقدة في الخليج، فالأوروبيون يميلون إلى استخدام “القوة الناعمة” والعقوبات الذكية كأدوات للضغط، معتبرين أن العمل العسكري ضد إيران سيفتح باب النزاعات الطائفية والإقليمية على مصراعيه.
وقد ألقت تجارب الحروب في العراق وأفغانستان بظلال كثيفة على صانع القرار الأوروبي، حيث أدت تلك النزاعات إلى استنزاف الموارد البشرية والمالية وتسببت في زعزعة استقرار المنطقة بشكل أعمق، ويسود في أوروبا اعتقاد بأن التدخلات العسكرية الكبرى لم تحقق أهدافها النهائية في بناء دول مستقرة، بل خلقت فراغات أمنية استفادت منها التنظيمات الإرهابية وإيران نفسها.
ومن جهة أخرى، أصبح الرأي العام في أوروبا أكثر معارضة للتدخلات العسكرية الخارجية، مما يفرض ضغوطًا سياسية على القادة لتجنب الانخراط في تحالفات قتالية. يرى الناخب الأوروبي أن الأولوية يجب أن تكون للأمن الداخلي والتنمية الاقتصادية بدلًا من المغامرات العسكرية في الشرق الأوسط. أمن الخليج ـ العدوان الإيراني على دولة الإمارات، الدوافع الاستراتيجية
مواقف القوى الدولية الأخرى
تلعب الصين دورًا محوريًّا في إعاقة تشكيل أي تحالف عسكري دولي ضد إيران، نظرًا لمصالحها الاقتصادية الضخمة وشراكتها الاستراتيجية مع طهران، فالصين تعتبر إيران موردًا رئيسيًّا للطاقة ووجهة حيوية لمبادرة “الحزام والطريق”، وبالتالي فإن أي عمل عسكري يستهدف استقرار إيران يهدد الأمن القومي الصيني ومصالحها في غرب آسيا، ولذلك تتبنى بكين نهجًا يرفض العقوبات الأحادية والتحالفات العسكرية خارج إطار الأمم المتحدة، وتستخدم نفوذها الدبلوماسي لتوفير شبكة أمان لإيران، مما يجعل أي تحرك دولي يواجه جدارًا صينيًّا صلبًا يمنع عزلة طهران العسكرية الكاملة.
أما روسيا، فتعتبر إيران حليفًا جيوسياسيًّا لا يمكن الاستغناء عنه، وترى موسكو أن أي تحالف عسكري تقوده أمريكا ضد إيران هو تهديد لمجال نفوذها وتغيير قسري لموازين القوى في المنطقة. لذلك، تعمل روسيا على تزويد إيران بالتقنيات العسكرية المتقدمة والغطاء السياسي في المحافل الدولية. وهذا الدعم الروسي–الصيني يخلق حالة من التوازن تمنع الغرب من الانفراد بالقرار العسكري، ويجعل من فكرة تشكيل “تحالف دولي” ضد إيران أمرًا شبه مستحيل دون موافقة أو على الأقل تحييد هذه القوى الكبرى، وهو ما لا يبدو متاحًا في الأفق المنظور.
قراءة مستقبلية
– الاحتمال الأرجح ليس تشكيل تحالف عسكري هجومي شامل، بل الانتقال نحو “سيناريو التدخل المحدود” أو ما يعرف بـ “الحصار مقابل الحصار”. في حال استمرت إيران في تهديد الملاحة، قد نرى تحالفات ظرفية تهدف إلى تأمين ممرات محددة أو الرد على عمليات التخريب بشكل جراحي ومحدود دون السعي لتغيير النظام أو الدخول في حرب برية. هذا النوع من التدخلات يتوافق مع العقيدة الأمنية الأوروبية الحالية التي تركز على “الدفاع النشط” والردع المتناسب، وهو ما قد يلقى قبولًا أوسع لدى الرأي العام والبرلمانات الأوروبية مقارنة بفكرة الحرب الشاملة.
– من المتوقع أن تشهد السنوات القادمة محاولات أوروبية لتعزيز “الاستقلال الاستراتيجي” في المجال البحري، عبر تطوير قدرات مراقبة وردع ذاتية لا تعتمد كليًّا على المظلة الأمريكية. ستستمر أوروبا في لعب دور “المهدئ” في المنطقة، مع السعي لبناء آليات أمنية إقليمية تضم دول الخليج وإيران نفسها (في حال تغيرت الظروف السياسية) لضمان أمن الملاحة. إن الاتجاه العام للسياسة الأوروبية سيظل متمسكًا بـ “تعددية الأطراف” والحلول الدبلوماسية، مع استعداد متزايد للمشاركة في بعثات حماية بحرية تقنية ومعلوماتية، مما يجعل التعاون الأمني المستقبلي يتخذ طابعًا وظيفيًّا وتكنولوجيًّا أكثر منه طابعًا عسكريًّا تقليديًّا صداميًّا.
– ستظل السياسة الأوروبية تجاه الخليج محكومة بالتوازن الدقيق بين حماية المصالح الاقتصادية وتجنب الأزمات الأمنية الكبرى. مع تزايد الاعتماد على الغاز الخليجي، قد نرى موقفًا أوروبيًّا أكثر صرامة تجاه التهديدات الإيرانية، ولكن دون الانزلاق إلى تحالف عسكري تقوده واشنطن إذا كان يفتقر إلى الرؤية السياسية. التحدي الأكبر لأوروبا سيكون في كيفية الحفاظ على وحدتها الداخلية أمام الضغوط الأمريكية المتزايدة والانتهاكات الإيرانية المستمرة، مما قد يدفعها في النهاية إلى تشكيل “ائتلافات الراغبين” من بعض الدول القوية (مثل فرنسا وبريطانيا) للقيام بمهام أمنية محددة في الخليج بعيدًا عن غطاء الاتحاد الأوروبي الرسمي.
– وجود الصين وروسيا داعمَيْن استراتيجيين لإيران يرفع من كلفة أي مغامرة عسكرية غربية إلى مستويات غير مسبوقة، ويدرك المخططون العسكريون في الغرب أن مواجهة إيران قد تعني الدخول في صدام غير مباشر مع القوى الكبرى، مما قد يحول النزاع الإقليمي إلى صراع عالمي، ما يفرض على الدول الأوروبية والولايات المتحدة التفكير مليًّا قبل الإقدام على خطوة تشكيل تحالف عسكري هجومي.
– يبدو أن تشكيل تحالف عسكري دولي ضد إيران سيظل مستبعدًا ما لم تحدث “نقطة تحول” كبرى، مثل تجاوز إيران للعتبة النووية أو القيام بعملية عسكرية كبرى تغلق مضيق هرمز تمامًا. دون هذه الصدمات، سيظل الموقف الدولي منقسمًا، وستظل أوروبا تفضل أدوات القوة الناعمة والحضور العسكري الدفاعي. إن مستقبل أمن الخليج سيعتمد على مدى نجاح القوى الدولية في بناء نظام أمني إقليمي مستقر يقلل من الحاجة للتحالفات العسكرية الخارجية، وهو مسار طويل وشائك يتطلب إرادة سياسية وتوافقات كبرى لا تزال مفقودة في المشهد الجيوسياسي الحالي.
رابط مختصر.. https://www.europarabct.com/?p=118343
*حقوق النشر محفوظة إلى المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والاستخبارات
هوامش
What is Europe’s plan to secure the Strait of Hormuz?
The Iran War Serves as a Stress Test for European Strategic Autonomy
Europe and the Arab Gulf Must Come Together
Gimme fuel, hold the fire: How Europe can safeguard its energy security against Gulf shocks
How the US and Europe Can Open the Strait of Hormuz and Empower Ukraine
The EU-GCC Strategic Partnership in the Shadow of the tensions in the Middle East
The Strait of Hormuz: A Geopolitical Test for EU Foreign Policy and Security
Network reflections: The Iran war – what role should Europe be playing?
