خاص ـ المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والاستخبارات ـ ألمانيا وهولندا ECCI
تسعى فرنسا وألمانيا إلى تهدئة التوترات التي اندلعت بسبب مشروع طائرة مقاتلة من الجيل التالي، في اختبار لجهود استمرت عدة أشهر لإحياء التعاون. يناقش الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون والمستشار الألماني فريدريش ميرز سُبل حل الخلافات حول مشروع نظام القتال الجوي المستقبلي (FCAS) خلال لقائهما في برلين في 23 يوليو 2025، قبل الموعد النهائي المحدد بنهاية العام للاتفاق على مسار المرحلة التالية.
اختبار حاسم لجهود باريس وبرلين لتحسين العلاقات
يُمثل هذا المشروع اختبارًا حاسمًا لجهود باريس وبرلين لتحسين علاقتهما بعد انتخاب ميرز مستشارًا، بعد أن أدى الانقسام الفرنسي الألماني في عهد سلفه أولاف شولتز إلى عرقلة وتعقيد العديد من القرارات على مستوى الاتحاد الأوروبي. دارت خلافات علنية بين الشركات المعنية، ولا سيما شركتا “داسو للطيران” و”إيرباص” الفرنسيتان، حول الحوكمة وكيفية توزيع العمل بينهما. يقول إريك ترابييه، رئيس شركة داسو: “أن نظام دولة واحدة صوت واحد، يُغرق المشروع في مفاوضات مستمرة”. وتدفع داسو، صاحبة الخبرة الأكبر في صناعة الطائرات المقاتلة، نحو دور قيادي أقوى يُمكّنها من تحمل عبء العمل بشكل أكبر.
عارضت شركة إيرباص، المدعومة من الحكومات الفرنسية والألمانية والإسبانية، مراجعة الاتفاقيات القائمة، لا سيما تلك المتعلقة بالحوكمة، أما الشريك الثالث، شركة “إندرا” الإسبانية، فقد التزم الحياد. أكد ترابييه في 22 يوليو 2025: “حان الوقت لوضع كل شيء على الطاولة”. وتابع: “أن مشروعًا معقدًا ومكلفًا كهذا يتطلب تبسيط عملية اتخاذ القرارات، وإلا فإنه سيقع فريسة للتأخير وتجاوز التكاليف”. وأضاف: “لا جدوى من وضع خطط سياسية بحتة؛ بل نحتاج إلى خطة تعمل على أسس صناعية وتقنية”.
أكد مسؤول فرنسي إن الزعيمين يهدفان إلى التوصل إلى اتفاق لعقد اجتماع وزاري فرنسي ألماني في أغسطس 2025. وأوضح مسؤول ألماني: “إن طلب داسو تولي زمام المبادرة يُعد تناقضًا واضحًا مع الاتفاق الأولي”، مضيفًا: “أن المستشار سيَسعى لتوضيح ما إذا كان ماكرون يهدف إلى الالتزام بالهيكل الأصلي، الذي يمنح كلًا من فرنسا وألمانيا وإسبانيا ثلث العمل وقوة تصويت متساوية”.
التوترات تزداد صعوبة بين فرنسا وألمانيا
عُيّنت داسو قائدةً لتطوير الطائرة المقاتلة، بينما تتولى إيرباص قيادة الطائرات بدون طيار والبرمجيات، وتتولى إندرا قيادة أجهزة الاستشعار. وقد وصل النزاع بشأن نظام FCAS إلى ذروته لأن فرنسا وألمانيا وإسبانيا تتفاوض بشأن المرحلة الثانية، حيث سيتم بناء طائرة عرض بميزانية تبلغ عدة مليارات من اليورو. وتواجه الشركات ضغوطًا لتسريع العمل، وكانت تهدف إلى بدء المرحلة التالية بحلول العام المقبل.
تُبرز هذه التوترات صعوبة تغيير الممارسات العسكرية والتجارية، في ظل سعي الدول الأوروبية للتعاون في برامج الأسلحة لمواجهة التهديد المتزايد من روسيا. ويُعدّ مشروع FCAS أكبر مشروع دفاعي في أوروبا، ومن المتوقع أن تبلغ تكلفته حوالي 100 مليار يورو.
ميرز وماكرون يناقشان القدرة التنافسية للاتحاد الأوروبي، ودعم أوكرانيا
يناقش ميرز وماكرون، القدرة التنافسية للاتحاد الأوروبي، ودعم أوكرانيا ضد روسيا. وترغب باريس وبرلين في تقديم جبهة موحدة بشأن التجارة خلال مفاوضات التعريفات الجمركية بين الاتحاد الأوروبي وواشنطن، قبل الموعد النهائي في الأول من أغسطس 2025. صُمّمت طائرة FCAS لتكون طائرة نفاثة من الجيل التالي، مصممة للعمل بسلاسة مع الطائرات المُسيّرة، ومجهزة بأنظمة اتصالات متطورة. الهدف هو دخولها الخدمة بحلول عام 2040، لتحلّ محل طائرات “يوروفايتر” و”رافال” الفرنسية.
صرّح مسؤول في قصر الإليزيه: “أن ماكرون لا يزال ملتزمًا بنظام FCAS، بالإضافة إلى مشروع منفصل مع ألمانيا لتطوير دبابة تُعرف باسم نظام القتال الأرضي الرئيسي”. وأضاف المسؤول: “أنه من المتوقع أن تظهر مثل هذه النقاشات الصناعية في مراحل مهمة من التعاون في مجال الأسلحة”. وأشار ميرز مرارًا وتكرارًا إلى رغبته في المضي قدمًا في مشروع FCAS كما تم الاتفاق عليه سابقًا، وأوضح: “إنه واثق من أن وجهات النظر المختلفة حول كيفية عمل الكونسورتيوم سوف يتم حلها”. وأكد خلال يوليو 2025 “أنا مصمم تمامًا على الالتزام بالاتفاقيات التي توصلنا إليها مع فرنسا وإسبانيا”.
وفي برلين، هناك أمل في أن يؤكد ماكرون، أنه لا يدعم طلب داسو بالسيطرة على حصة أكبر من المشروع وهو الطلب الذي أثار ناقوس الخطر في ألمانيا، حيث يقع المقر الرئيسي لأعمال الدفاع في شركة إيرباص.
يقول كريستوف شميد، البرلماني الألماني في لجنة الدفاع في البرلمان: “إن شركة داسو طلبت على ما يبدو تحمل 80% من عبء العمل، وأضاف أنه متفائل بحذر بأن باريس سوف ترفض طلب الشركة الفرنسية”. حذّر شميد إذا أصبح مشروعًا فرنسيًا، وتكفلت ألمانيا بتمويله في النهاية، “فسيكون للبرلمان الألماني تحفظات عليه”، وتابع “إذن، من وجهة نظر ألمانية، لماذا نبقى في هذا المشروع؟”
نفى ترابييه التقارير التي تفيد بأن داسو قدمت طلب الـ80%، لكنه قال : “إنه يعتقد أن الشركة بحاجة إلى أن تكون قادرة على اتخاذ القرارات بشأن الطائرة، مثل اختيار الموردين أو المقايضات في التصميم، دون المساومة مع شركائها”. وتابع: “لا أعتقد أن الإدارة المشتركة هي أفضل طريقة لتحقيق النجاح أو الطموح يكفي توضيح المهام وتعيين قائد حقيقي”.
تقييم وقراءة مستقبلية
يُعدّ مشروع FCAS اختبارًا بالغ الحساسية للعلاقات الفرنسية الألمانية، في ظل مساعٍ متواصلة لإعادة بناء الثقة بين البلدين بعد فتور شاب علاقتهما خلال السنوات الماضية.
على الرغم من الأهمية الاستراتيجية الهائلة للمشروع كونه يُمثل مستقبل القدرات الدفاعية الجوية الأوروبية إلا أن الخلافات بين شركائه الرئيسيين، خاصة “داسو” و”إيرباص”، تكشف ثغرات التعاون الصناعي داخل أوروبا، حين تتداخل المصالح الوطنية.
من الواضح أن فرنسا تسعى لتعزيز دورها القيادي، مستندة إلى خبرتها الطويلة في تصنيع المقاتلات. في المقابل، تُصر ألمانيا على الالتزام بالبنية التشاركية المتفق عليها سابقًا، مدعومة بقلق برلماني متزايد من أن تتحول الشراكة إلى مشروع تهيمن عليه باريس، بينما تتحمل برلين الجزء الأكبر من التمويل.
يُعيد الوصول إلى حل توفيقي، ضبط الأدوار بين الشركاء دون المساس بمبدأ التكافؤ، وهو السيناريو المرجّح سياسيًا في ظل رغبة القادة في تجنب فشل المشروع.
يدفع إعادة هيكلة المشروع برؤية فرنسية مهيمنة، ألمانيا إلى تقليص التزاماتها، ما يعرض المشروع لهشاشة تنفيذية وتمويلية.
إن تعثر المشروع وتأجيله إلى أجل غير مسمى، يوجه ضربة لطموحات الدفاع الأوروبي المشترك في مواجهة روسيا.
رابط مختصر.. https://www.europarabct.com/?p=106476
