خاص ـ المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والاستخبارات ـ ألمانيا وهولندا ECCI
أمن أوروبا ـ جرينلاند، ماخيارات أوروبا في مواجهة طموحات ترامب ؟
أكد البيت الأبيض إن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب “ناقش بجدية” وفريقه للأمن القومي شراء المنطقة القطبية الشمالية المملوكة للدنمارك، ولم يستبعد استخدام القوة العسكرية. ويجري فريقه نقاشًا حول الشكل الذي قد تبدو عليه عملية الشراء المحتملة. يعتبر ترامب عملية الشراء في مصلحة الولايات المتحدة لردع التهديدات الروسية والصينية في منطقة القطب الشمالي. صرحت المتحدثة باسم البيت الأبيض، كارولين ليفيت: “الخيار الأول لترامب، دائمًا، هو الدبلوماسية، وإن الرئيس الأمريكي لن يستبعد استخدام القوة العسكرية ضد الدنمارك”، وتابعت: “جميع الخيارات مطروحة دائمًا أمام الرئيس ترامب”. كما أكد وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو أنه “يعتزم الاجتماع مع المسؤولين الدنماركيين خلال يناير 2026″، وذلك بعد أن طلبت كوبنهاغن إجراء محادثات لمعالجة تهديدات ترامب بالاستيلاء على جرينلاند.
ما هي ردود فعل مثلث فايمار؟
يُعدّ مثلث فايمار منتدىً غير رسميًّا للمناقشات السياسية الخارجية بين ألمانيا وفرنسا وبولندا، وتهدف الدول الثلاث من خلال هذا الحوار إلى التوصل إلى اتفاقيات سياسية وتعزيز التكامل الأوروبي. وبشأن جرينلاند، يقول وزير الخارجية الفرنسي جان نويل بارو: “نريد اتخاذ إجراء، لكننا نريد القيام بذلك بالتعاون مع شركائنا الأوروبيين”. وكان يشير إلى ردود الفعل المحتملة من الأوروبيين على غزو أمريكي محتمل لجرينلاند. وقد تحدث بارو بوضوح ضد الحكم الأمريكي في جرينلاند قائلًا: “جرينلاند ليست للبيع ولا للاستيلاء عليها. إنها أرض أوروبية”. كما تحدث بارو مع وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو قائلًا: “لقد استبعد إمكانية تكرار الأحداث التي وقعت في فنزويلا في جرينلاند”.
كان وزير الخارجية الألماني يوهان فاديفول أكثر تحفظًا، إذ اكتفى بالقول إن جرينلاند جزء من مملكة الدنمارك. وأضاف فاديفول: “وبما أن الدنمارك عضو في حلف شمال الأطلسي، فإن جرينلاند ستخضع، من حيث المبدأ، للدفاع عن حلف الناتو”. وتابع: “إذا كانت هناك حاجة إلى تعزيز الجهود الدفاعية المتعلقة بجرينلاند، فسيتعين علينا مناقشة هذا الأمر في إطار التحالف”. من جانبه، ينظر وزير الخارجية البولندي رادوسلاف سيكورسكي إلى مطالب ترامب بنظرة نقدية قائلًا: “تدعم بولندا بطبيعة الحال وحدة أراضي حليفتها، مملكة الدنمارك، وبغض النظر عن الخلافات السياسية، يجب الدفاع عن القانون الدولي”.
مخاوف من فقدان الدعم الأمريكي لإنهاء حرب أوكرانيا
دعت أورسولا فون دير لاين أوروبا إلى التحلي بـ”الصبر” في مواجهة التهديدات الأمريكية بضم جرينلاند، وأضافت أن “مبدأ القانون أقوى من القوة ينطبق ليس فقط على الاتحاد الأوروبي، ولكن كذلك على جرينلاند، وهي منطقة دنماركية شبه مستقلة، لكنها ليست جزءًا رسميًا من الاتحاد الأوروبي”. وأكد رئيس المجلس الأوروبي، أنطونيو كوستا، مجددًا “دعم الاتحاد الأوروبي الكامل” للدنمارك وجرينلاند، موضحًا: “إن التكتل لن يقبل انتهاكات القانون الدولي. جرينلاند ملك لشعبها. لا يمكن اتخاذ أي قرار بشأن الدنمارك وجرينلاند من دون الدنمارك، أو من دون جرينلاند”.
وانضم قادة فرنسا وألمانيا وإيطاليا وبولندا وإسبانيا والمملكة المتحدة إلى رئيسة الوزراء الدنماركية مته فريدريكسن في بيان صدر في يناير 2026، أكدوا فيه أن الجزيرة الغنية بالمعادن، والتي تحمي مداخل القطب الشمالي وشمال المحيط الأطلسي إلى أمريكا الشمالية، “تنتمي إلى شعبها”.
وبينما يسعى الأوروبيون للدفاع عن جرينلاند ضد تهديدات دونالد ترامب بضمها، فإن الخوف من فقدان الدعم الأمريكي لإنهاء حرب أوكرانيا يجعل الأمر أشبه بعملية توازن دقيقة. على مدار عام 2024، أصبح الحفاظ على علاقة جيدة مع دونالد ترامب أولوية قصوى للقادة الأوروبيين، الذين بذلوا قصارى جهدهم لاسترضاء الرئيس الأمريكي وإبقائه منخرطًا بقوة فيما يمثل غايتهم القصوى: حرب أوكرانيا. وعلى الرغم من أن أوروبا هي أكبر مانح لكييف بفارق كبير، إلا أنه لا يوجد أحد في القارة يتوهم أن التهديد الروسي يمكن مقاومته من دون أسلحة أمريكية الصنع، أو أن الحرب يمكن أن تنتهي في نهاية المطاف من دون وجود واشنطن على طاولة المفاوضات. في الواقع، ترجمت الحسابات الاستراتيجية إلى تضحيات، أبرزها التعريفات العقابية التي أجبر ترامب الأوروبيين على تحملها.
أوضح ماروش شيفكوفيتش، المفوض الأوروبي للتجارة، في يونيو 2025، وهو يدافع عن الاتفاقية التجارية التي فرضت تعريفة جمركية شاملة بنسبة 15% على سلع الاتحاد الأوروبي: “الأمر لا يتعلق بالتجارة فقط، إنه يتعلق بالأمن، إنه يتعلق بأوكرانيا، إنه يتعلق بالتقلبات الجيوسياسية”. ويتكرر هذا التفكير بشأن مستقبل جرينلاند. ومع تصعيد البيت الأبيض لتهديداته بالاستيلاء على الجزيرة الشاسعة شبه المستقلة، بما في ذلك، إذا لزم الأمر، بالقوة العسكرية، يسير الأوروبيون على خط رفيع للغاية بين واجبهم الأخلاقي في الدفاع عن سلامة أراضي الدنمارك وخوفهم المتأصل من التعرض لغضب ترامب.
تجلى مدى هشاشة الوضع في اجتماع “تحالف الراغبين” في باريس، الذي دعا إليه الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون للنهوض بالعمل على ضمانات الأمن لأوكرانيا. وكان هذا التجمع رفيع المستوى جديرًا بالملاحظة نظرًا للمشاركة الأولى على الإطلاق لكل من ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر، كبيري المفاوضين اللذين عيّنهما ترامب. في ختام الاجتماع، أشاد ماكرون بـ”التقارب العملياتي” الذي تحقق بين أوروبا والولايات المتحدة بشأن السلام في أوكرانيا. وإلى جانبه، كان رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر متفائلًا بالمثل، متحدثًا عن “تقدم ممتاز”. لكن لم يمض وقت طويل حتى ظهرت المشكلة الواضحة التي كان الجميع يتجاهلها.
عدم وضوح رد موحد بشأن جرينلاند
سلط الرئيس الفرنسي الضوء على مشاركة الولايات المتحدة في الضمانات الأمنية، بالتزامن مع مخاوف أوروبا بشأن “الاستمرار في الوثوق” بأمريكا في ضوء التهديدات ضد جرينلاند. وأكد ماكرون: “ليس لدي أي سبب للتشكيك في صدق هذا الالتزام. فالولايات المتحدة، بصفتها دولة موقعة على ميثاق الأمم المتحدة وعضوًا في حلف شمال الأطلسي، موجودة هنا كحليف لأوروبا، وعلى هذا النحو عملت جنبًا إلى جنب معنا”. وأوضح رئيس الوزراء البريطاني: “إن العلاقة بين المملكة المتحدة والولايات المتحدة هي من أقوى علاقاتنا، لا سيما في قضايا الدفاع والأمن والاستخبارات، ونحن نعمل مع الولايات المتحدة في هذه القضايا”.
وأشار ستارمر بإيجاز إلى بيان نُشر من قبل قادة فرنسا وألمانيا وإيطاليا وبولندا وإسبانيا والمملكة المتحدة والدنمارك دفاعًا عن جرينلاند. وقد ذكّر البيان الولايات المتحدة بشكل غير مباشر بضرورة التمسك بـ”مبادئ السيادة والسلامة الإقليمية وحرمة الحدود” المنصوص عليها في ميثاق الأمم المتحدة، وهي المبادئ نفسها التي تنتهكها موسكو على نطاق واسع في أوكرانيا. ولم يتضمن النص أي إدانة صريحة لهدف ضم جرينلاند بالقوة، كما لم يوضح أي رد فعل أوروبي محتمل.
الأوروبيون في مأزق مزدوج
كان غياب اللوم يذكّر برد الفعل الأوروبي على العملية الأمريكية التي أطاحت، قبل أيام قليلة، بنيكولاس مادورو من السلطة في فنزويلا. فباستثناء إسبانيا، التي خالفت الصفوف وأدانت التدخل باعتباره انتهاكًا صارخًا للقانون الدولي، التزم الأوروبيون صمتًا ملحوظًا حيال المسائل القانونية، وبدلًا من الإدانة ركزوا على التحول الديمقراطي في فنزويلا. ويعترف المسؤولون والدبلوماسيون بأن الدخول في صراع مع ترامب بشأن إزاحة مادورو كان سيؤدي إلى نتائج عكسية وغير مسؤولة، في خضم العمل على تعزيز الضمانات الأمنية لأوكرانيا. إلا أن هذا النهج محكوم عليه بالفشل عندما يتعلق الأمر بجرينلاند، وهي منطقة تابعة لعضو في كل من الاتحاد الأوروبي وحلف شمال الأطلسي.
يرى ماركوس زينر، الزميل البارز في صندوق مارشال الألماني، أن “الأوروبيين في مأزق مزدوج، فبما أنهم في حاجة ماسة إلى دعم الولايات المتحدة في أوكرانيا، فإن ردود أفعالهم على الإجراءات الأمريكية، سواء بشأن فنزويلا أو تهديد ترامب للدنمارك بضم جرينلاند، تبدو ضعيفة أو حتى خافتة”. ويخشى الأوروبيون أن يتيح انتقاد ترامب ذريعةً للرئيس الأمريكي لإبرام اتفاقية سلام على حساب أوكرانيا وأوروبا.
ما إمكانية وقوع مواجهة عسكرية مباشرة بين كوبنهاغن وواشنطن؟
صدر توجيه عام عام 1952 يهدف إلى منع الجيش الدنماركي من التعرض للمفاجأة مرة أخرى، بعد أن اجتاحت ألمانيا النازية البلاد في الحرب العالمية الثانية. ويعطي هذا التوجيه الحق للقوات الدنماركية بالتدخل فورًا إذا تعرضت الأراضي الوطنية أو القوات الدنماركية في الخارج لهجوم، حتى من دون إعلان حرب رسمي. وينص الأمر على أن الوحدات “يجب أن تنخرط في القتال دون تأخير ودون انتظار أوامر”، وأن تستمر في المقاومة لكسب الوقت اللازم للتعبئة العامة. كما يُلزم هذا الأمر الشرطة بدعم الجهود العسكرية ضد أي تعاون داخلي، ويُلزم أفراد الحرس الوطني بالالتحاق بواجباتهم.
وقد أكدت القيادة الدفاعية الدنماركية أن القوات المسلحة في كوبنهاغن ستقاتل القوات الأمريكية في حال غزوها جزيرة جرينلاند، ما يسلط الضوء على إمكانية وقوع قتال مباشر بين حليفين عسكريين. فبحسب تأكيدات صادرة عن قيادة الدفاع الدنماركية ووزارة الدفاع، فإن الجيش لديه أوامر دائمة بمقاومة أي محاولة مسلحة للاستيلاء على جرينلاند، بما في ذلك من قبل الولايات المتحدة.
رابط مختصر.. https://www.europarabct.com/?p=113344
