خاص ـ المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والاستخبارات ـ ألمانيا وهولندا ECCI
أمن أوروبا ـ الاستقلال الفضائي الأوروبي، وتداعياته على السياسات الدفاعية
يجري تجميع ثمانية أقمار صناعية من خمس دول أعضاء مختلفة ضمن مشروع GOVSATCOM. وتأمل المفوضية أن تكون هذه الخطوة الأولى نحو تقليل الاعتماد على الولايات المتحدة، التي تتمتع أنظمة اتصالاتها بنضج أكبر بكثير. أعلن مفوض الدفاع والفضاء في الاتحاد الأوروبي أن الدول الأعضاء باتت تتمتع بإمكانية الوصول إلى اتصالات الأقمار الصناعية “الآمنة والمشفرة” المصنّعة في أوروبا. أكد أندريوس كوبيليوس، من المؤتمر الأوروبي للفضاء، في إشارة إلى برنامج الاتصالات الحكومية عبر الأقمار الصناعية التابع للاتحاد الأوروبي: “بدأنا عمليات برنامج GOVSATCOM. وهذا يعني أن جميع الدول الأعضاء بات بإمكانها الآن الوصول إلى اتصالات فضائية سيادية، عسكرية وحكومية، آمنة ومشفرة، مصممة في أوروبا، وتُشغَّل في أوروبا، وتحت إشراف أوروبي”.
وصف ذلك بأنه “الخطوة الأولى في مجال الاتصال عبر الأقمار الصناعية”. ومن المقرر توسيع نطاق التغطية وعرض النطاق الترددي في عام 2027، بينما من المتوقع تشغيل البنية التحتية للمرونة والترابط والأمن عبر الأقمار الصناعية (IRIS²)، وهي كوكبة متعددة المدارات تضم 290 قمرًا صناعيًا، في عام 2029 بدلًا من عام 2030. تُعدّ هذه الجهود جزءًا من خطط لتقليل اعتماد الاتحاد الأوروبي على خدمات الفضاء الأجنبية، مثل “ستارلينك” المملوكة لإيلون ماسك. كما تتكامل مع جهود الاتحاد الأوروبي لتعزيز قدراته الدفاعية وجاهزيته قبل نهاية العقد، وهي الفترة التي تُقدّر فيها بعض وكالات الاستخبارات أن روسيا قد تشنّ هجومًا على دولة أوروبية أخرى.
GOVSATCOM، يوفر بالفعل خدمات ضرورية للغاية
تُقدّم خدمة الاتصالات الحكومية عبر الأقمار الصناعية (GOVSATCOM)، التي توفر نطاقًا تردديًا للدول الأعضاء لنقل البيانات، حاليًا ثمانية أقمار صناعية تابعة لخمس دول أعضاء مختلفة، لكنها متاحة للجميع. وتدرس المفوضية الأوروبية طلبًا أوكرانيًا للحصول على حق الوصول، أوضح كوبيليوس، إن إطلاق GOVSATCOM “يوفر بالفعل خدمات ضرورية للغاية، على وجه التحديد، لأفراد جيشنا وأمننا”، ويظهر أن أوروبا “بدأت تصبح أقل اعتمادًا” على خدمات الفضاء الأمريكية. وردًا على سؤال حول تأخر أوروبا، بالنظر إلى أن خدمة ستارلينك أصبحت تعمل بكامل طاقتها في عام 2021، أعرب كوبيليوس عن ثقته في أن خدمة IRIS² ستقدم في النهاية خدمة أفضل.
يقول كوبيليوس: “الأمور تتطور بسرعة كبيرة على مستوى العالم، وتظهر تقنيات جديدة. نحن نخطط بالفعل لاستخدام تقنيات جيدة ومتطورة، مثل تلك المستخدمة في الملاحة. كانت هناك خدمة نظام تحديد المواقع العالمي (GPS) موجودة، وهي خدمة أمريكية، ولكننا قمنا بعد ذلك ببناء نظام غاليليو”. أضاف: “لقد بنينا نظام غاليليو كنسخة أفضل من نظام الملاحة: أكثر دقة بثلاث مرات، وخمسة مليارات مستهلك إذا كنت على صواب. لذا فالمنافسة هي المنافسة”.
قيادة الفضاء الأوروبية الافتراضية
أقرّ كوبيليوس بأن أوروبا متأخرة عندما يتعلق الأمر بإطلاق الأقمار الصناعية السيادية، وخاصة في ما يتصل بالصواريخ القابلة لإعادة الاستخدام. تابع كوبيليوس: “نعم، نحن ندعم إيلون ماسك، لكننا ندرك مدى أهمية وجود أنظمة نقل جيدة وفعالة، وسنقوم ببنائها”، مضيفًا أن الأموال في ميزانية الكتلة القادمة ستُخصص لهذا الغرض. اقترحت المفوضية زيادة الأموال المخصصة للفضاء والدفاع في الإطار المالي متعدد السنوات للفترة 2028-2034 إلى 131 مليار يورو.
كما حثّ مفوض الفضاء الدول الأعضاء على التركيز على قابلية التشغيل البيني أثناء تطوير أصولها الفضائية. فعلى سبيل المثال، أعلنت ألمانيا أنها ستنفق 35 مليار يورو على القدرات الفضائية العسكرية بحلول عام 2030، وتحذو دول أعضاء أخرى حذوها. تم تحديد العوامل التمكينية الاستراتيجية، التي تشمل الأصول الفضائية، ضمن مجالات القدرات الدفاعية التسعة ذات الأولوية التي يتعين على الدول الأعضاء الاستثمار فيها كجزء من خارطة طريق الجاهزية الدفاعية للمفوضية لعام 2030.
أكدت المفوضية الأوروبية أن الدول الأعضاء التي اشتركت في برنامج قروض الدفاع الآمنة (SAFE) طلبت أموالًا لشراء معدات تغطي جميع المجالات التسعة ذات الأولوية، بما في ذلك العوامل التمكينية الاستراتيجية. اختتم كوبيليوس قائلًأ: “إذا اقتصرت حمايتكم على بلدكم وجيشكم فقط، فلن نتعلم القتال كأوروبا. ولن نردع بوتين. ولن ننجح في الدفاع عن أنفسنا، لا توجد آلية لتعبئة الأصول الأوروبية للدفاع المشترك. ليس من الواضح من يقوم بماذا. أرى هذه الشراكة كإطار للتعاون”.
النتائج
تعكس الخطوات الأوروبية المتسارعة في مجال الاتصالات الفضائية السيادية إدراكًا متزايدًا بأن السيطرة على الفضاء لم تعد ترفًا تقنيًا، بل شرطًا أساسيًا للاستقلال الاستراتيجي والأمن القومي. فإطلاق برنامج GOVSATCOM والشروع في بناء منظومة IRIS² يشيران إلى تحوّل نوعي في العقيدة الأوروبية، من الاعتماد على الشركاء الخارجيين إلى امتلاك بنية فضائية مستقلة قادرة على دعم العمليات العسكرية والأمنية وصنع القرار السيادي.
من المحتمل ان تساهم هذه البرامج في تقليص الفجوة التقنية مع الولايات المتحدة، إلا أن أوروبا ستظل تواجه تحديات في سرعة الإطلاق، والقدرات الصاروخية القابلة لإعادة الاستخدام، وحجم الاستثمارات المطلوبة. ومن المرجح أن يؤدي ذلك إلى تعزيز الشراكات بين الحكومات والقطاع الخاص الأوروبي لتسريع الابتكار الفضائي، وتطوير صناعات دفاعية أكثر تكاملًا.
من المتوقع أن يتحول الفضاء إلى ساحة التنافس الرئيسية بين القوى الكبرى، ما سيدفع الاتحاد الأوروبي إلى إدراج الأصول الفضائية ضمن منظومة الردع الشامل، إلى جانب القدرات السيبرانية والنووية. وفي هذا السياق، سيصبح امتلاك شبكات اتصال فضائية مشفرة عاملًا حاسمًا لضمان استمرارية القيادة والسيطرة في أوقات الأزمات والصراعات.
من المرجح أن تسعى روسيا والصين إلى توسيع حضورهما الفضائي العسكري، ما سيضع أوروبا أمام ضرورة بناء قدرات مراقبة واستجابة فضائية لحماية بنيتها التحتية المدارية من الهجمات أو التشويش. كما أن انخراط أوكرانيا المحتمل في البرامج الأوروبية سيمنح هذه المشاريع بعدًا جيوسياسيًا إضافيًا في مواجهة موسكو.
يمكن القول أنه على المستوى المؤسسي، قد تمهد فكرة “قيادة الفضاء الأوروبية الافتراضية” الطريق نحو إنشاء هيكل دفاعي فضائي مشترك، يشبه إلى حد ما نموذج الناتو ولكن في المجال المداري. غير أن نجاح هذا المسار سيظل مرهونًا بقدرة الدول الأعضاء على تجاوز الحسابات الوطنية الضيقة وتوحيد أولوياتها الاستثمارية.
رابط مختصر.. https://www.europarabct.com/?p=114247
