المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والاستخبارات ـ ألمانيا وهولندا ECCI
أمن أوروبا ـ الاستقلالية الدفاعية بين الضغوط الأمريكية والتحديات الروسية
في عام 2025، ارتفع الإنفاق العسكري العالمي بنسبة 2.5% ليصل إلى 2.63 تريليون دولار، وهو معدل أبطأ مما كان عليه خلال السنوات الخمس الماضية. حيث أفاد تقرير جديد صدر في 24 فبراير 2026 أن أوروبا تعاني من “قصور” كبير في قدراتها العسكرية، مما يجعلها “غير مستعدة” مع استمرار حرب أوكرانيا. أفاد المعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية IISS في تقريره السنوي إن استراتيجية الأمن الجديدة لإدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب تجبر الدول الأوروبية على إعادة التفكير في سياسات الدفاع، كما أن أربع سنوات من الحرب في أوكرانيا قد حفزت الجهود لتعزيز القدرات العسكرية. يشير تقرير التوازن العسكري لعام 2026 الصادر عن المعهد الذي يتخذ من لندن مقرا له إلى أن الولايات المتحدة تسعى إلى إعادة تركيز جهودها على حماية أراضيها. ونتيجة لذلك، يواصل الزعيم الأمريكي الضغط على الحلفاء من أجل “تقاسم أكبر للأعباء” في الإنفاق العسكري، سواء في أوروبا أو في منطقة آسيا والمحيط الهادئ، ردا على النفوذ الصيني المتزايد.
الإنفاق العسكري
في عام 2025، ارتفع الإنفاق العسكري العالمي بنسبة 2.5% ليصل إلى 2.63 تريليون دولار، بوتيرة أبطأ مما كانت عليه خلال السنوات الخمس الماضية. ويرجع ذلك جزئيا إلى انخفاض في ميزانية الدفاع الأمريكية، وهو انخفاض من غير المرجح أن يستمر، حيث من المتوقع أن يتجاوز الإنفاق الدفاعي لإدارة ترامب تريليون دولار في عام 2026 لأول مرة. ذكر المعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية إن جزءا من ذلك سيخصص بشكل خاص لتمويل مشروع الدرع الصاروخي “القبة الذهبية” الأمريكي. في المقابل، استمر الإنفاق العسكري في النمو عند “مستويات قياسية” في أوروبا، ليصل إلى 562.9 مليار دولار، بزيادة قدرها 12.6% في عام واحد، مدفوعا بألمانيا. تعهدت دول الناتو، تحت ضغط من أمريكا وفي مواجهة تهديد متزايد من روسيا، برفع ميزانيات الدفاع الوطني إلى 5.0% من الناتج المحلي الإجمالي بحلول عام 2035. لكن المعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية حذر من أن هذه القيود قد تكون مقيدة بـ “المساحة المالية المحدودة” المتاحة لها.
حرب أوكرانيا
ذكر تقرير المعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية، الذي نشر في الذكرى السنوية الرابعة لحرب أوكرانيا، أنه من الصعب تصور أن الحرب ستنتهي في أي وقت قريب. وأضاف التقرير: “تختلف التقديرات الغربية للخسائر في الأفراد الروس، ولكن قد يصل مجموعها الآن إلى أكثر من مليون قتيل أو جريح”. على الرغم من ذلك، “تمكنت روسيا من التكيف وتجديد قدراتها والحفاظ عليها”. ووفقا للمعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية، فقد أدت الحرب الروسية في أوكرانيا إلى “تطور سريع ومستمر في التقنيات، لا سيما في تصميم واستخدام الأنظمة غير المأهولة والذكاء الاصطناعي، وكذلك في التكتيكات ودورات الإنتاج الدفاعي”. لكن أي نهاية للصراع ستعتمد على “القرارات المتخذة في العواصم الأجنبية” والتي “ستلعب دورا مهما في تشكيل مسار الحرب”. وهذا ينطبق بشكل خاص “بالنظر إلى اعتماد كلا الجانبين على الدعم الخارجي للمواد”.
الجناح الشرقي لحلف الناتو
سلط تقرير المعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية الضوء على جهود الناتو لتعزيز جناحه الشرقي ضد تهديد محتمل، مشيرا إلى توغلات الطائرات بدون طيار في بولندا في سبتمبر 2025. وأضاف البيان: “لسوء حظ القوات المسلحة الأوروبية، هناك نقص في القدرات، مما يجعلها غير مستعدة لمواجهة نوع الهجمات واسعة النطاق التي تواجهها أوكرانيا”. دعا الأمين العام لحلف الناتو مارك روته في يونيو 2025 إلى زيادة قدرة الحلف على الدفاع الجوي والصاروخي المتكامل بنسبة 400%. ووصف المعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية الهدف بأنه “طموح”، وخلص إلى أن “الناتو لا يزال أمامه طريق طويل”. وقد بدأت التحركات لمعالجة هذه “الأوجه القصور”، بما في ذلك مبادرة الدرع السماوي الأوروبية التي تقودها ألمانيا، “والتي تهدف إلى سد ثغرات الدفاع الجوي من خلال شراء الأنظمة الجاهزة”. انضمت فنلندا إلى دول البلطيق وبولندا في برنامج جدار الطائرات بدون طيار في البلطيق الذي تم الإعلان عنه في أوائل عام 2025. وأعلنت الدول نفسها أنها ستنسحب من معاهدة رئيسية، مما قد يؤدي إلى تجديد استخدامها للألغام المضادة للأفراد على طول حدودها.
النتائج
تشير المعطيات إلى مرحلة انتقالية دقيقة في بنية الامن الدولي، حيث يتجه النظام الدفاعي الغربي نحو اعادة توزيع الادوار والمسؤوليات. من المتوقع ان يتواصل الضغط الامريكي على الحلفاء الاوروبيين لزيادة الانفاق الدفاعي، ليس فقط استجابة للحرب في اوكرانيا، بل كذلك في سياق اعادة تموضع استراتيجي يركز بصورة اكبر على التنافس مع الصين. هذا التحول قد يدفع اوروبا الى تسريع خطواتها نحو قدر اكبر من الاستقلالية الدفاعية، سواء عبر مبادرات مشتركة مثل الدرع السماوي الاوروبية او من خلال تعزيز الصناعات العسكرية المحلية.
على المدى المتوسط، سيبقى الجناح الشرقي لحلف الناتو محور التركيز الرئيسي، مع استمرار الاستثمار في الدفاع الجوي والصاروخي والانظمة غير المأهولة. غير ان التحدي الاكبر لن يكون في التعهدات السياسية، بل في القدرة المالية والاقتصادية على هذا المستوى المرتفع من الانفاق حتى عام 2035، خاصة في ظل ضغوط اقتصادية داخلية وتباطؤ محتمل في النمو.
في ما يتعلق بحرب اوكرانيا، من المرجح ان تستمر كحرب استنزاف طويلة، تعتمد بدرجة كبيرة على الدعم الخارجي والتفوق التكنولوجي. التطور السريع في مجالات الذكاء الاصطناعي والطائرات بدون طيار قد يعيد تشكيل طبيعة الصراعات مستقبلا، ما يفرض على الجيوش الاوروبية اعادة هيكلة عقائدها القتالية بسرعة اكبر.
رابط مختصر… https://www.europarabct.com/?p=115517
*حقوق النشر محفوظة إلى المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والاستخبارات
