خاص ـ المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والاستخبارات ـ ألمانيا وهولندا ECCI
الأمن الدولي ـ اتفاقية غرينلاند، هل تعيد توازن القوى في القطب الشمالي؟
سيتم تحديث اتفاقية عام 1951 بشأن تمركز القوات الأمريكية في غرينلاند. وسيسمح هذا التحديث، من بين أمور أخرى، بنشر الصواريخ وأنظمة الدفاع الصاروخي. ويكتسب هذا الأمر أهمية خاصة بالنسبة لترامب لأنه يرغب في بناء نظام “القبة الذهبية” للدفاع الصاروخي هناك. علاوة على ذلك، ستتضمن الاتفاقية الجديدة ضمانًا بأن الولايات المتحدة لن تفقد حقوقها في التمركز في حال استقلال غرينلاند عن الدنمارك . بمعنى آخر، ستكون هذه الحقوق سارية “إلى أجل غير مسمى”. في المقابل، يطالب الأمريكيون بأن تكون قواعدهم العسكرية ذات سيادة، على غرار القواعد البريطانية في قبرص، التي تُعتبر جزءًا من الأراضي البريطانية.
تسعى الولايات المتحدة إلى تعزيز نفوذها على استغلال الموارد الطبيعية في غرينلاند. وتجري مناقشات حاليًا بشأن حقوق التنقيب، فضلًا عن مراقبة الاستثمارات. عمليًا، قد تُمنح الولايات المتحدة حق النقض (الفيتو)، على سبيل المثال، لمنع المستثمرين الصينيين. ينبغي على الأوروبيين والكنديين زيادة مشاركتهم في جهود حلف الناتو لحماية القطب الشمالي. لكن لم يتضح بعد الشكل الأمثل لهذه المشاركة، ومن سيساهم بماذا. لن تدخل العقوبات الجمركية التي هدد بها ترامب ألمانيا ودول أوروبية أخرى في نزاع جرينلاند حيز التنفيذ.
ذكرت صحيفة نيويورك تايمز، نقلًا عن ثلاثة مسؤولين رفيعي المستوى، أن الولايات المتحدة قد تحصل على السيادة على مناطق صغيرة من غرينلاند، ما قد يُتيح لها إنشاء قواعد عسكرية إضافية هناك. ويُقال إن روتّه كان يدرس هذه الاستراتيجية منذ فترة. إلا أن المصادر المجهولة لم تتمكن في البداية من تأكيد ما إذا كانت هذه الاستراتيجية جزءًا من الاتفاق الإطاري الذي أعلنه ترامب. ذكرت صحيفة فرانكفورتر ألجماينه تسايتونج (FAZ)، نقلًا عن مصادر في حلف الناتو، أن روتّه قدّم اقتراحًا خلال الاجتماع يتضمن، من بين أمور أخرى، سيطرة الولايات المتحدة على قواعد عسكرية في غرينلاند.
يستند هذا المخطط إلى نموذج القواعد العسكرية البريطانية في قبرص، حيث تدير الحكومة البريطانية قاعدتين جويتين هناك، تُعتبران جزءًا من أراضيها وتُستخدمان حصرًا لأغراض عسكرية لا اقتصادية. لا تحتفظ الولايات المتحدة إلا بقاعدة عسكرية واحدة في غرينلاند. ويسمح اتفاق أُبرم عام 2004 بتوسيع الوجود العسكري الأمريكي. وقد أشارت حكومتا كوبنهاغن ونوك في السابق إلى تأييدهما العام لهذا التوسع. لا تزال المفاوضات مع الولايات المتحدة، والتي قد تشارك فيها دول أوروبية أخرى، في مراحلها الأولى. وكما يتضح من التصريحات العلنية للأطراف المعنية، يُتوقع أن تطول عملية التفاوض. ومن المرجح أن تصبح تفاصيل الاتفاق، كما وصفها ترامب، “معقدة”.
النتائج
يعكس مسار تحديث اتفاقية تمركز القوات الأمريكية في غرينلاند تحوّلًا نوعيًا في الحسابات الجيوسياسية للقطب الشمالي، حيث لم تعد المنطقة مجرد فضاء جغرافي هامشي، بل تحولت إلى ساحة مركزية في منافسة القوى الكبرى. فإدراج نشر الصواريخ وأنظمة الدفاع الصاروخي، وربط الاتفاق بمشروع “القبة الذهبية”، يشير إلى انتقال الاستراتيجية الأمريكية من الوجود العسكري الرمزي إلى تمركز دفاعي دائم، بما يمنح واشنطن قدرة على مراقبة المجالين الروسي والصيني في الشمال بشكل غير مسبوق.
تكشف المطالبة بسيادة القواعد العسكرية الأمريكية، وضمان استمرار حقوق التمركز “إلى أجل غير مسمى”، عن مسعى لتثبيت حضور طويل الأمد يتجاوز الاعتبارات القانونية المرتبطة بالسيادة الدنماركية أو حتى مستقبل استقلال غرينلاند. هذا التوجه قد يفتح الباب أمام توترات سياسية داخلية في غرينلاند نفسها، حيث تتصاعد مطالب الاستقلال، ما يجعل الوجود الأمريكي عنصرًا مؤثرًا في مسار تقرير المصير المحلي.
أما البعد الاقتصادي المتعلق بالموارد الطبيعية وحقوق التنقيب، فيشير إلى أن الصراع في الشمال لن يكون عسكريًا فقط، بل اقتصاديًا. منح الولايات المتحدة حق رقابة على الاستثمارات، خاصة الصينية، يعني عمليًا إدخال غرينلاند ضمن دائرة النفوذ الغربي الحصري، وهو ما قد يدفع بكين إلى البحث عن بدائل نفوذ في مناطق قطبية أخرى، أو تعزيز شراكاتها مع موسكو.
على المستوى الأوروبي، يبدو أن غموض دور الاتحاد الأوروبي والناتو في ترتيبات القطب الشمالي يعكس حالة تردد استراتيجي. فإذا لم تبادر أوروبا إلى بلورة سياسة واضحة، فقد تجد نفسها لاحقًا أمام واقع أمني جديد تُرسم معالمه أمريكيًا دون شراكة متكافئة.
من المرجح أن تتحول مفاوضات غرينلاند إلى اختبار لتوازن القوى داخل حلف الناتو ذاته، وإلى مؤشر على شكل النظام الأمني في الشمال خلال العقد المقبل. وفي حال نجحت واشنطن في تثبيت اتفاق طويل الأمد، فإن القطب الشمالي قد يصبح خط التماس الجديد بين القوى الكبرى، بما يحمله ذلك من فرص ردع، ولكن أيضًا من مخاطر تصعيد غير محسوب.
رابط مختصر.. https://www.europarabct.com/?p=114013
