خاص ـ المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والاستخبارات ـ ألمانيا وهولندا ECCI
برلين ولندن تعقدان فعليًا تحالفًا عسكريًا
بريطانيا وألمانيا تقتربان من بعضهما البعض في وقتٍ بات فيه أمن أوروبا مهددًا، والاقتصاد في حالة ركود، والديمقراطية تمر بأزمة. لذا، فإن أي دعم مرحّب به.
فعندما يوقّع المستشار الألماني فريدريش ميرتس ورئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر يوم 17 يوليو 2025 في لندن على ما يُعدّ على الأرجح أوسع اتفاق صداقة بين البلدين منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، فإن ذلك يتجاوز الرمزية السياسية. تقترب بريطانيا وألمانيا من بعضهما البعض في وقتٍ يواجه فيه أمن أوروبا تهديدات جدّية، ويعاني فيه الاقتصاد من الركود، وتغرق فيه الديمقراطية في أزمة عميقة. ولذلك، فإن أي نوع من المساعدة يُعد موضع ترحيب.
أما ما يُعرف بـ “اتفاق كنسينغتون”، فيقرأ وكأنه مجموعة من النوايا الحسنة. والجديد فعليًا فيه هو أن برلين ولندن تلتزمان بتقديم الدعم العسكري المتبادل في حال تعرّض أحد البلدين لهجوم خارجي. أي أنهما يعقدان، في جوهر الأمر، تحالفًا عسكريًا. وقد سبق لألمانيا أن تعهّدت بمثل هذا الالتزام في اتفاق آخن لعام 2019 مع فرنسا. كما أن الدول الثلاث – ألمانيا وفرنسا وبريطانيا – ملزمة أصلًا بتقديم الدعم العسكري المتبادل في إطار عضويتها في حلف الناتو، في حال حدوث طارئ أمني جماعي.
ومع ذلك، فإن هذه الضمانة الأمنية المزدوجة تُعد إشارة واضحة إلى الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، وربما أيضًا إلى الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، مفادها أن برلين وباريس ولندن تعتبر أمن أوروبا مسؤولية مشتركة بينها. ولذلك، ليس من قبيل المصادفة أن تأتي زيارة ميرتس إلى لندن بعد أسبوع فقط من زيارة الدولة التي قام بها الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون إلى العاصمة البريطانية. لكن يبقى السؤال ما إذا كان مثلث برلين – باريس – لندن قويًا بما يكفي لكي تتمكن أوروبا من إثبات وجودها ليس فقط على المستوى الأمني، بل أيضًا في الصراع الاقتصادي بين القوى العظمى.
وأن تعزيز التعاون في مجال الأسلحة، وكبح الهجرة غير النظامية، وتسهيل السفر بشكل ملموس، وإنشاء خط سكك حديدية بهذه الطريقة سيتم تجديد الصداقة الألمانية البريطانية. فبعد خمس سنوات من خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، أرست ألمانيا وبريطانيا علاقاتهما على أسس جديدة بتوقيع معاهدة صداقة شاملة. وقّع المستشار فريدريش ميرز ورئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر الوثيقة المكوّنة من 27 صفحة، والمرفقة بخطة عمل من 17 نقطة، في حفل أُقيم في متحف فيكتوريا وألبرت بلندن. ووصف ميرز ذلك بأنه “يوم تاريخي”.
تهدف الاتفاقية إلى تعميق التعاون في السياسات الدفاعية والاقتصادية، والحد من الهجرة غير النظامية، ومكافحة الجريمة العابرة للحدود. كما تتضمن تدابير ملموسة لتسهيل السفر، مثل السفر بدون تأشيرة للرحلات المدرسية، وخط سكك حديدية مباشر بين البلدين.
تنص المعاهدة على أن كلا البلدين “مدفوعان برغبتهما، في مواجهة التغيرات الجذرية في البيئة الجيوسياسية، في توحيد جهودهما لتوفير مستقبل مزدهر وآمن ومستدام لمواطنيهما ومجتمعيهما المنفتحين والديمقراطيين”. وقد غادرت المملكة المتحدة الاتحاد الأوروبي عام 2020 بعد استفتاء، وهي تسعى إلى تعزيز علاقاتها مع الدول الأعضاء من خلال اتفاقيات ثنائية. وهذه هي أهم النقاط الواردة في الاتفاق وخطة العمل مع ألمانيا:
التنقل: السفر بدون تأشيرة والاتصال بالسكك الحديدية
من المقرّر أن يدخل السفر بدون تأشيرة للمجموعات المدرسية الألمانية المسافرة إلى المملكة المتحدة في رحلات مدرسية حيّز التنفيذ بنهاية العام 2025. إحدى المشكلات هي أن الطلاب الذين لا يحملون جواز سفر ألمانيًا مثل الطلاب القادمين من سوريا أو أفغانستان يجب عليهم التقدّم بطلب للحصول على تأشيرة بريطانية، وهو أمر غالبًا ما يكون صعبًا. ولتجنّب استبعاد هؤلاء الأطفال من الرحلة، تتخلى بعض المدارس عن برنامج التبادل البريطاني تمامًا.
وبالإضافة إلى ذلك، ستسعى مجموعة من الخبراء إلى إيجاد حلول لمشاكل التنقّل الأخرى الناجمة عن خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي وخاصة في مجالات التعليم، والعلوم، والثقافة، وكذلك بالنسبة للمنظمات السياسية. من المقرر أن تنطلق أولى القطارات مباشرةً من ألمانيا إلى بريطانيا العظمى خلال عشر سنوات، عبر القناة الإنجليزية. حتى يوليو 2025، لم يكن هذا ممكنًا إلا من خلال تحويل مسار القطار، ويعود ذلك جزئيًا إلى ضرورة تدقيق جوازات السفر. ويجري حاليًا تشكيل فريق عمل لتنفيذ مشروع الربط بالسكك الحديدية.
سيتمكن المسافرون البريطانيون الأوائل من استخدام نقاط مراقبة الحدود الآلية (البوابات الإلكترونية) اعتبارًا من نهاية أغسطس 2025. وسيُوسّع نطاق استخدام هذه الأنظمة لاحقًا بالسرعة التي تسمح بها الإمكانيات التكنولوجية.
الدفاع: المساعدة والتعاون في مجال التسليح
يؤكد كلا البلدين على الالتزام العسكري القائم بتقديم المساعدة في حال وقوع هجوم، وهو التزام متأصّل في عضويتهما في حلف شمال الأطلسي (الناتو). ويكتسب هذا أهمية خاصة لأن بريطانيا العظمى قوة نووية.
خلال عقد من الزمن، من المقرّر تطوير نظام أسلحة أوروبي قادر على ضرب أهداف على مسافة 2000 كيلومتر، بمشاركة البلدين. لا يوجد مثل هذا النظام حتى يوليو 2025 في أوروبا. مع ذلك، تمتلك روسيا صواريخ متوسطة المدى. ويسعى الأوروبيون إلى استخدام هذه الأسلحة لتحقيق توازن بين الردع والقدرة الدفاعية.
كما سيتم تسهيل تصدير المعدات العسكرية المُنتجة بشكل مشترك. لطالما تردّدت ألمانيا في القيام بذلك بسبب لوائحها الصارمة للغاية. ويأمل البريطانيون أن يُسفر تغيير المسار عن زيادة الصادرات بمليارات الدولارات.
الهجرة: مكافحة التهريب
للحد من الهجرة غير النظامية، يعتزم البلدان وضع خطة عمل. وسيتم تعزيز مكافحة التهريب من خلال جملة أمور، منها المساعدة القانونية المتبادلة، ودعم ملاحقة المجرمين، وفرض ضوابط حدودية فعّالة.
تتعرّض حكومة حزب العمال بزعامة رئيس الوزراء ستارمر لضغوط محلية هائلة للحد من أعداد المهاجرين الذين يعبرون القناة الإنجليزية عبر قواربهم، والتي تزايدت مؤخرًا. وتُعتبر هذه القضية حاسمة في كبح جماح حزب الإصلاح، بزعامة الشعبوي اليميني نايجل فاراج، والذي يتصدّر حاليًا استطلاعات الرأي.
مع عبور أكثر من 20 ألف شخص هذا المضيق الخطير في العام 2025، من المتوقع أن يكون عام 2025 عامًا قياسيًا. تُعتبر ألمانيا نقطة عبور للقوارب المطاطية وغيرها من المعدات، وكذلك نقطة عبور للمهاجرين. كما ينبغي تعزيز التعاون في مكافحة الجريمة العابرة للحدود، لا سيما غسل الأموال، والتدفقات المالية غير المشروعة، والاتجار بالمخدرات.
تقييم وقراءة مستقبلية
تحول نوعي في العلاقات الدفاعية الثنائية: يُعتبر اتفاق “كنسينغتون” تطورًا غير مسبوق في العلاقات الألمانية-البريطانية، خاصة بعد خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي. فرغم الخلافات التي أحدثها البريكست، يفتح الاتفاق صفحة جديدة من التعاون الأمني والعسكري العابر للقنوات الأوروبية التقليدية.
رسالة ردع موجهة إلى روسيا: الاتفاق يتضمن التزامًا متبادلًا بالدفاع في حال تعرّض أي من الطرفين لهجوم خارجي، وهو بمثابة تحالف دفاعي ثنائي إضافي يُكمل عضويتهما في الناتو، ويُرسل رسالة قوية إلى الكرملين بأن أوروبا الغربية ستواجه العدوان بشكل موحد، بصرف النظر عن تقلبات السياسة الأمريكية.
تكامل أمني بين ثلاثي أوروبي ألمانيا – فرنسا – بريطانيا: تزامن توقيع الاتفاق مع زيارة الرئيس الفرنسي ماكرون إلى لندن يُبرز محاولة واضحة لإنشاء محور أمني ثلاثي، يعوّض عن غياب سياسة أمنية ودفاعية موحدة في إطار الاتحاد الأوروبي، ويوفر ثقلاً مضادًا لأي انسحاب أمريكي محتمل من التزامات الدفاع عن أوروبا في ظل قيادة ترامب المرتقبة.
الانعكاسات المستقبلية على أمن أوروبا: تعزيز الردع الجماعي في مواجهة التهديدات الشرقية، الاتفاقية تضيف طبقة ردعية جديدة في وجه روسيا، خصوصًا في ظل الحرب في أوكرانيا وتزايد المخاوف من تمدد الصراع. التحالف البريطاني-الألماني يعزز جاهزية أوروبا للرد الفوري دون الاعتماد الكلي على الولايات المتحدة.
إعادة تشكيل العمق الاستراتيجي الأوروبي: من خلال تكثيف التعاون الاستخباراتي والعسكري والتكنولوجي بين لندن وبرلين، تتوسع القدرات الأوروبية لتشمل مجالات الأمن السيبراني، الذكاء الاصطناعي الدفاعي، والردع النووي (عبر بريطانيا)، مما يمنح أوروبا قدرة أكبر على الاستقلالية الاستراتيجية.
تحفيز دول أوروبية أخرى على عقد اتفاقيات دفاع ثنائية أو ثلاثية: قد تدفع هذه الاتفاقية دولًا مثل بولندا وإيطاليا وإسبانيا إلى تقوية روابطها الدفاعية الثنائية مع بريطانيا أو ألمانيا، في ظل التردد الأوروبي في بناء جيش موحد. ومن شأن ذلك أن يخلق شبكة أمنية أوروبية موازية للناتو ولكن غير تابعة بالكامل له.
تأثير محتمل على بنية الناتو: رغم أن الاتفاق لا يتعارض مع التزامات الناتو، إلا أن تكرار مثل هذه الاتفاقات الثنائية قد يثير تساؤلات حول فاعلية الحلف وتماسكه، خاصة إذا بدأت الدول الكبرى تنسّق أمنيًا خارج إطاره.
اتفاق “كنسينغتون” ليس مجرد إعلان نوايا، بل خطوة استراتيجية، نحو بناء منظومة أمنية أوروبية متعددة المستويات. يُعيد رسم التوازنات داخل أوروبا ويمنحها أدوات أكبر للتعامل مع عالم متعدد الأقطاب، مليء بالمخاطر الجيوسياسية. وإذا تم دعمه بخطوات تنفيذية وتنسيق فعّال مع فرنسا ودول أخرى، فقد يشكّل نواة لتحالف أوروبي أمني أكثر استقلالية وفاعلية في المستقبل.
