ملف أمن ألمانيا القومي ـ ما هي جاهزية الجيش الألماني لمواجهة التحديات المستقبلية ؟
1 ـ أمن ألمانيا القومي ـ ما أسباب زيادة الانفاق الدفاعي؟
يتجه الجيش الألماني نحو تحديث شامل لتعزيز قدراته الدفاعية. يأتي هذا التحول في سياق التحديات والتوترات المتزايدة، مثل حرب أوكرانيا مما يُبرز الحاجة الملحة لتطوير الأسلحة والمعدات العسكرية. يواجه هذا التحديث بعض الخلافات السياسية حول الأولويات والميزانية، مما يعكس تنوع الآراء حول مستقبل الدفاع في البلاد. يبقى تحديث الجيش الألماني محوريا ليس فقط لضمان الأمن القومي الألماني، بل أيضًا لتعزيز الاستقرار لأوروبا وحلف شمال الأطلسي.
تعزيز القدرة الدفاعية الألمانية
تفترض وزارة الدفاع الألمانية، بناءً على “متطلبات الحد الأدنى للقدرة” (MCR) الخاصة بحلف شمال الأطلسي، أنه بالإضافة إلى الألوية القتالية العشرة للقوات البرية الألمانية التي تم التعهد بها، سيتعين إضافة (5 إلى 6) ألوية أخرى عام 2031. ويتكون اللواء الألماني من حوالي (5000) رجل وامرأة. دعا وزير الدفاع الألماني “بوريس بيستوريوس” إلى زيادة كبيرة في الإنفاق الدفاعي وأوضح أيضاً أن هناك حاجة إلى مزيد من الجنود لتعزيز القدرة الدفاعية. ويقوم “بيستوريوس” بإعداد تفاصيل حول نموذج التجنيد الإجباري الجديد. ودعا المتحدث باسم السياسة الدفاعية للمجموعة البرلمانية للحزب الديمقراطي الحر، “ألكسندر مولر” إلى زيادة كبيرة في ميزانية الدفاع وأشار إلى رقم قياسي في طلب المعدات، وأضاف: “لقد سلكنا الطريق الصحيح”.
تمويل الجيش الألماني
سوف يصبح تمويل الجيش الألماني بعد عام 2025، “ضيقا على نحو متزايد”. ومن المرجح أيضا أن يؤدي التمويل طويل المدى للجيش الألماني بعد عام 2025 إلى مناقشات وخلافات. وكان قد تحدث المستشار الألماني “أولاف شولتس” عن ميزانية دفاع عادية قدرها (80) مليار يورو اعتبارا من عام 2028، أي بعد إنفاق الصندوق الخاص للجيش بالكامل. يقول وزير الاقتصاد الألماني ” روبرت هابيك” “بالكاد سنصل إلى عام 2025. وبعد ذلك، ستصبح الأمور أكثر صرامة”. لم يتم بعد العثور على تمويل أخر بعد انتهاء صندوق “البوندسوير” الخاص البالغ قيمته (100) مليار يورو. وأكد “لا أريد أن أرى أي تخفيضات في التعليم أو البحث أو الثقافة أو الخدمات الاجتماعية بسبب قدرة جمهورية ألمانيا الاتحادية على الدفاع عن نفسها.”
زيادة القدرات الدفاعية لمواجهة التهديدات المستقبلية
تسعى وزارة الدفاع الألمانية أن تجعل الجيش الألماني جاهزا لمواجهة التهديدات المستقبلية في أسرع وقت ممكن. وتؤكد الوزارة مسؤولية ألمانيا باعتبارها أكبر شريك أوروبي في حلف شمال الأطلسي، خاصة وأن من المتوقع أن تكون روسيا قد أكملت إعادة تشكيلها العسكري وستكون قادرة على شن ضربة عسكرية ضد أراضي الناتو، في ضوء حرب أوكرانيا، ولهذا السبب من يستعد الجيش الألماني لسيناريو التهديد هذا في أسرع وقت ممكن. من الطاقة و الذكاء الاصطناعي ـ الاستراتيجية المزدوجة لدولة الإمارات العربية المتحدة
أكدت ألمانيا في فبراير 2024 إن على القوات المسلحة الألمانية أن تكون مؤهلة لخوض حرب في غضون خمس سنوات، وتشكل هذه التصريحات مؤشرا على تغيير ملحوظ في العقيدة الألمانية السائدة منذ نهاية الحرب العالمية الثانية فيما يتعلق بتسليحها ومستوى أداء جيشها. ويبدو أن الجيش الألماني ما يزال بحاجة إلى جهود كبيرة ليكون في جاهزية لمواجهة حرب أو سيناريو حرب، والمسألة لا تقتصر على التسلح، بل أيضا على التنظيم والعقلية، أي العقيدة العسكرية.
تعزيز القدرات الدفاعية للحفاظ على الأمن والسلام في أوروبا
كشف وزارة الدفاع عن أن هناك ما مجموعه حوالي 380 عقدا مع شركات دفاع أمريكية لشراء أسلحة ومعدات للجيش الألماني. وبذلك تكون ألمانيا قادرة على الوفاء بالالتزامات التي تعهدت بها لحلف شمال الأطلسي والمنصوص عليها في خطتها الدفاعية. وفي المجموع طلبت ألمانيا أسلحة ومعدات بقيمة 23 مليار يورو (24.7 مليار دولار) لقواتها المسلحة
برر المستشار الألماني أولاف شولتس شراء (6) أنظمة دفاع جوي جديدة للجيش الألماني بعمليات التسلح الكبيرة التي تقوم بها روسيا. وبمناسبة إدخال الجيش الألماني أول هذه الأنظمة من طراز “إيريس-تي إس إل إم” إلى الخدمة في مدينة تودندورف، قال شولتس، “هذا ليس مشروعا عاديا. الأمر هنا يتعلق – دون أي مبالغة – بالحفاظ على الأمن والسلام في أوروبا”. . وقال شولتس إن روسيا ” نقلت صواريخ إلى جيب كالينينغراد الذي يقع على مسافة خط جوي بطول 530 كيلومترا فقط عن برلين. إن عدم الرد على ذلك بشكل مناسب سيكون بمثابة إهمال”، محذرا من أن هذا الأمر من شأنه أن يعرض السلام في ألمانيا أيضا للخطر.
“إعادة تركيز” القدرات الدفاعية
أصبحت قدرات الجيش الألماني نفسه في مجال الدفاع الوطني ودفاع التحالفات محط اهتمام روسيا، أشار جهاز المخابرات العسكرية “MAD” إلى أن هناك حاجة متزايدة إلى “إعادة تركيز” قدرات الجيش الألماني على الدفاع الوطني والتحالف. ووضع أسس مفاهيمية وتخطيطية للتحالف ويتم الاتفاق عليها مع أجهزة استخبارات الشركاء. بالإضافة إلى ذلك، التمركز المخطط للواء جاهز للقتال في ليتوانيا، الدولة العضو في الناتو، بحلول عام 2027، بعد البدء في بناء قاعدة عسكرية ألمانية في ليتوانيا سيكون هذا أول انتشار عسكري دائم للقوات الألمانية في الخارج منذ الحرب العالمية الثانية.
يقول “جونترام وولف” الخبير في معهد كيل للاقتصاد العالمي “IfW” “أصبحت روسيا تشكل تهديدًا أمنيًا أكبر من أي وقت مضى لحلف شمال الأطلسي، لكننا في الوقت نفسه نحرز تقدما بطيئا للغاية فيما يتعلق بالتسليح اللازم للردع”. وما تحتاجه أوروبا الآن هو زيادة دائمة وكبيرة وفورية في الإنفاق الدفاعي الألماني المنتظم إلى ما لا يقل عن (2%) من الناتج المحلي الإجمالي. وأكد وولف: “علينا أن نقول ذلك بوضوح: الاستمرار كما كان من قبل سيكون إهمالا وغير مسؤول في ضوء التهديدات الروسية”. أمن دولي ـ ما أهمية الزيارة الرسمية لرئيس دولة الإمارات
انخفاض عدد المتقدمين للجيش الألماني
تمتلك ألمانيا (260) ألف عنصر في الجيش، لكن فقط (181) ألف عنصر يرتدون الزي العسكري، والبقية متوزعون على الوظائف المدنية، وفق أرقام رسمية، كما أن حوالي (64) ألفا ينتمون للقوات البرية، و(30) ألفا للقوات الجوية، و(17)ألفا للقوات البحرية، ومقارنة بعام 2022، هناك تراجع في عدد الجنود بـ(1500) فرد، بينما تريد ألمانيا الوصول إلى (200)ألف جندي في العام 2030. انخفض عدد المتقدمين للجيش الألماني بنسبة (11%). من بين الجنود المؤقتين الذين بدأوا خدمتهم في يناير إلى مايو 2022، كان (27%) قد استقالوا خلال الأشهر الستة الأولى من فترة الاختبار، وكانت النسبة في الجيش (33 %) تقريبا. وهنا طالبت “هوغل” مفوضة الجيش الألماني في البرلمان “يجب على الجيش الألماني مرة أخرى تكثيف جهوده بشكل مكثف لتجنيد الأفراد”
يُسمح بالخدمة التطوعية في الجيش الألماني اعتبارا من سن 17 عاما بموافقة الوالدين، وجند الجيش الألماني المزيد من القاصرين في عام 2023، مع احتجاجات اليسار ضد هذا الإجراء. وجند الجيش الألماني ما مجموعه (7681) قاصرا في السنوات الخمس الماضية. وتم تسجيل أعلى مستوى في العام 2023 حيث بلغ عدد المجندين تحت سن 18 عامًا (1996)، ووفقا للجيش الألماني، تم توظيف ما مجموعه (18800) جندي في عام 2023.
الانقسامات والخلافات تهدد التعهدات الأمنية الدفاعية
يعاني الجيش الألماني من ثغرات كبيرة في جاهزيته، وتشير التوقعات إلى أن الثغرات لن يتم سدها بالكامل قبل العام 2030. وقد زادت حرب أوكرانيا من ثغرات جاهزية الجيش الألماني بحكم أن عددا من الأسلحة المصدرة إلى أوكرانيا جاءت من مخازن الجيش، وكان قد أظهراستطلاع رأي في 20 فبراير 2024 إن فقط (35%) من الألمان المستجوبين لديهم إما ثقة عالية أو عالية جدا في الجيش، وإن (85%) لا ثقة لهم في تسليح الجيش.أمن دولي ـ ما أهمية الزيارة الرسمية لرئيس دولة الإمارات العربية المتحدة إلى الولايات المتحدة ؟
تشهد ألمانيا نقاشا حول إمكانية سد النقص في أعداد الجيش بالتعويض بالأجانب، حيث يتيح القانون حاليا للأجانب داخل وخارج ألمانيا الانضمام إلى الخدمة التطوعية، وأعلنت وزارة الدفاع عن برامج لتشجيعهم على القدوم، لكن النقاش الحالي يخصّ التجنيد في المهام القتالية بشكل دائم، وليس فقط الدعم المتعلق بالكوارث الطبيعية والطوارئ الصحية. تهدد الانقسامات والخلافات داخل الأحزاب الألمانية بشأن الميزانية بعرقلة التعهدات الألمانية بتحديث الجيش الألماني، وكانت قد دافعت وزيرة الخارجية “أنالينا بيربوك” عن زيادة الميزانية الدفاعية والردع، وتقول يجب أن نحمي أنفسنا وشركائنا في منطقة البلطيق من هذا، بما في ذلك من خلال زيادة الردع وأسلحة المواجهة الإضافية”.
**
2 ـ أمن ألمانيا القومي ـ ما تفاصيل صفقة الطائرات بدون طيار السرية مع إسرائيل؟
تأتي صفقة الطائرات بدون طيار أو الطائرات المسيرة، في سياق التعاون العسكري المتقدم بين ألمانيا وإسرائيل، لتشكل منعطفًا هامًا في علاقة البلدين الدفاعية، ولتفتح نقاشات واسعة تتعلق بالتطور التكنولوجي، ودور الطائرات المسيرة في تعزيز القدرات العسكرية، إضافةً إلى الجدل المتصاعد حول مدى انسجام هذه الصفقات مع القوانين الدولية. تاريخيًا، لطالما عُرفت ألمانيا بسياسات دفاعية تتسم بضوابط صارمة، تحكمها مواثيق دولية تدعو إلى السلام والابتعاد عن التدخلات العسكرية الهجومية. غير أن التطورات السياسية والأمنية العالمية دفعتها إلى إعادة التفكير في آليات تعزيز دفاعاتها عبر الاعتماد على تكنولوجيا حديثة، من ضمنها الطائرات المسيرة التي أصبحت أداة عسكرية استراتيجية لكثير من الدول في القرن الحادي والعشرين.
بالمقابل تتمتع إسرائيل بقدرات متقدمة في صناعة الطائرات المسيرة، خاصة طرازات Heron TP، التي تعتبر من الطائرات المتطورة ذات الإمكانيات الكبيرة، ما جعلها خيارًا استراتيجيًا لألمانيا التي تسعى لتحديث ترسانتها الدفاعية بأساليب غير تقليدية. ومع ذلك، فإن قرار ألمانيا بالحصول على طائرات مسيرة متطورة أثار العديد من التساؤلات والانتقادات، حيث يخشى قطاع كبير من المجتمع الألماني أن تتعارض هذه الخطوة مع قيم السلام الألمانية، أو أن تستغل الطائرات بشكل يتعارض مع القوانين الدولية التي تدعو لحماية المدنيين وتقليل آثار الحروب والنزاعات.
تطور صناعة الطائرات المسيرة في ألمانيا
تعد ألمانيا من بين الدول التي تتبع نهجًا دفاعيًا صارمًا منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، إلا أن التحولات الأمنية العالمية دفعتها إلى إعادة تقييم سياساتها الدفاعية والعمل على تطوير صناعات عسكرية جديدة، تتضمن الطائرات المسيرة (الدرونز) كجزء من إستراتيجيتها الدفاعية المتقدمة. وفي الوقت الذي تزدهر فيه صناعات الطائرات المسيرة في عدد من الدول مثل الولايات المتحدة وإسرائيل والصين، لا تزال ألمانيا تركز على استخدام تكنولوجيا الطائرات المسيرة لأغراض دفاعية واستطلاعية بحتة، دون التوسع في صناعات هجومية. يتركز تطوير الطائرات المسيرة الألمانية في الأساس على نماذج محلية تُستخدم غالبًا للاستطلاع والمراقبة في مناطق النزاع، والمساعدة في عمليات الإنقاذ والإغاثة، كما تستخدم كذلك لأغراض حماية المنشآت المهمة والحساسة داخل ألمانيا وخارجها، ضمن نطاق أنشطة الدفاع التي تتناسب مع السياسة الألمانية الملتزمة بالسلام.
ورغم الجهود التي تبذلها ألمانيا لتطوير صناعات طائرات مسيرة متقدمة، فإنها لا تزال تعتمد إلى حد كبير على التكنولوجيا المستوردة، وخاصة من إسرائيل، التي تتمتع بتقدم كبير في صناعة الطائرات المسيرة المتطورة، خاصة في إنتاج طائرات قادرة على التحليق لمسافات طويلة والقيام بعمليات قتالية في المناطق الخطرة.أمن ألمانيا القومي ـ صادرات الأسلحة لإسرائيل على أساس كل حالة على حدة
صفقة الطائرات المسيرة مع إسرائيل
تنص الصفقة بين ألمانيا وإسرائيل على اعتماد ألمانيا على طائرات Heron TP، والتي تعد واحدة من أكثر الطائرات المسيرة تقدمًا في العالم. تتميز طائرة Heron TP بقدرتها على التحليق على ارتفاعات شاهقة ولمسافات طويلة، وهي مزودة بتقنيات عالية تتيح لها القيام بمهام مراقبة واستطلاع فائقة، بالإضافة إلى القدرة على تنفيذ عمليات هجومية عند الحاجة. تتمتع هذه الطائرة أيضًا بنظام تشغيل عالي الأمان يمكنه تجنب التعرض للقرصنة أو السيطرة الإلكترونية من جهات خارجية، وهو ما يعد ميزة إضافية تحافظ على سلامة العمليات.تلقت ألمانيا عدة طائرات من هذا النوع كجزء من الاتفاقية مع إسرائيل، حيث تخضع هذه الطائرات لتعديلات وإجراءات تحسين لتتناسب مع احتياجات الدفاع الألمانية.
يتمركز جزء كبير من التعاون بين البلدين حول تدريب الأفراد الألمان على تشغيل وصيانة هذه الطائرات، إضافةً إلى إجراء اختبارات لتحديد مدى توافق الطائرات مع المعايير الأمنية والتقنية الألمانية، ما يسهم في تعزيز الاستفادة القصوى من هذه التكنولوجيا الحديثة داخل نطاقات الدفاع والأمن القومي. وعمومًا تحاط صفقة الطائرات المسيرة بين ألمانيا وإسرائيل بقدر من السرية، حيث تتحفظ الجهات الحكومية في كلا البلدين على الإفصاح عن تفاصيل الصفقة وأهدافها الاستراتيجية الكاملة. أثار هذا الغموض الشكوك بين نشطاء حقوق الإنسان والجهات الإعلامية، الذين يتساءلون عما إذا كانت هذه الطائرات ستُستخدم لأغراض تتعدى الاستطلاع والدفاع إلى عمليات هجومية في مناطق النزاع.
توجد طائرتان بدون طيار من طراز Heron TP، استأجرهما الجيش الألماني بتكلفة عالية منذ عام 2018، في إسرائيل ضمن أسطول الطائرات المسيرة القادرة على الاستطلاع وحمل الأسلحة. وقد استخدم الجيش الإسرائيلي الطائرتين بعد اندلاع الحرب في غزة في أكتوبر 2023، حيث سلمتهما ألمانيا “تضامنًا” مع إسرائيل كجزء من دعم عسكري. في حين يستمر الجدل حول العقد الذي بلغت قيمته حوالي مليار يورو، أظهرت وثائق حكومية أن ألمانيا لا تزال تدفع تكاليف الإيجار رغم عدم استخدامها للطائرات. هذا الأمر أثار قلق مراقبين يرون أن الطائرات قد تُستخدم في نزاعات الشرق الأوسط، مما يسلط الضوء على الجوانب القانونية والإنسانية المحيطة بهذه الصفقة.أمن ألمانيا القومي ـ السياسة الخارجية والأمن الألماني، التهديدات والتحديات
الجدل حول الصفقة وأبعادها السياسية
تواجه صفقة الطائرات المسيرة بين ألمانيا وإسرائيل انتقادات كبيرة في الأوساط الألمانية السياسية والمدنية، حيث يرى كثيرون أن الخطوة تتعارض مع السياسة الألمانية التقليدية التي تركز على عدم التدخل في النزاعات العسكرية المباشرة. تتركز معظم الانتقادات على مسألة استخدام الطائرات المسيرة لأغراض هجومية، حيث يخشى العديد من المراقبين الألمان أن يتم استغلال هذه التكنولوجيا في ضربات جوية قد تؤدي إلى خسائر بين المدنيين، مما قد يشكل انتهاكًا للقانون الدولي ويسيء إلى صورة ألمانيا كدولة تدعو للسلام وحقوق الإنسان.
يتمتع الموضوع بأهمية كبرى في الأوساط السياسية، حيث يؤيد التيار المحافظ والممثل من قبل “الاتحاد الديمقراطي المسيحي” و”الاتحاد الاجتماعي المسيحي” الصفقة، معتبرًا أن تعزيز القدرات الدفاعية هو ضرورة استراتيجية لحماية البلاد. كذلك، يدعم الحزب الديمقراطي الحر الصفقة من منظور تطوير التعاون الدفاعي مع إسرائيل، ويؤكد على أهمية مواكبة التقدم التكنولوجي. على النقيض، فإن الأحزاب اليسارية والخضر يعبرون عن قلقهم بشأن الصفقة، حيث يخشون أن يؤدي اعتماد الطائرات المسيرة إلى انتهاكات محتملة للقانون الدولي والحقوق الإنسانية. بالإضافة إلى ذلك، يطالب المعارضون بوضع ضوابط صارمة لاستخدام الطائرات المسيرة، مع تركيز خاص على تجنب الاستخدام الهجومي وحصرها في الأغراض الدفاعية والاستطلاعية.
ينادي بعض المعارضين بضرورة وضع ضوابط صارمة لاستخدام هذه الطائرات، ويطالبون بتحديد أهداف استخدامها ضمن أطر دفاعية بحتة لتجنب انجرار ألمانيا إلى نزاعات مسلحة أو تأثرها بقرارات عسكرية قد لا تصب في صالح السلام الدولي. وتزداد هذه المخاوف بصفة خاصة مع ازدياد استخدام الطائرات المسيرة في النزاعات الحديثة، حيث يعتبرها البعض أدوات عدوانية تستخدم في الهجمات الجوية المركزة، ما يجعلها عرضة لانتقادات قانونية وإنسانية.
التعاون العسكري بين ألمانيا وإسرائيل
التعاون العسكري بين ألمانيا وإسرائيل يتجاوز مجرد صفقات الطائرات المسيرة، إذ يشمل جوانب أخرى تشمل تطوير التكنولوجيا الدفاعية المشتركة، مثل أنظمة الصواريخ والرادارات المستخدمة في حماية المجال الجوي الألماني. يهدف هذا التعاون إلى تقوية القدرات الدفاعية لكلا البلدين وتحقيق توازن أمني إقليمي، خاصة في ظل التحديات المتزايدة في الشرق الأوسط وأوروبا. يمتاز التعاون العسكري الألماني الإسرائيلي بالتنسيق العالي والاستثمار المشترك في البحث والتطوير، حيث يستفيد البلدان من تبادل المعلومات والخبرات، لا سيما في ظل التحديات الأمنية التي تواجههما.
ورغم الانتقادات، فإن البعض يرى أن هذا التعاون يمكن أن يعود بالنفع على ألمانيا، إذ يسهم في تعزيز الأمن المحلي والدولي. ويشير خبراء دفاعيون إلى أن التعاون مع إسرائيل يمكن أن يعزز القدرة الألمانية على حماية مصالحها بفعالية، مع مراعاة القوانين الدولية وقيم حقوق الإنسان. بالمقابل، أصبحت مسألة استخدام الطائرات المسيرة في النزاعات المسلحة موضع جدل قانوني كبير على مستوى القانون الدولي، حيث تنص العديد من المعاهدات الدولية على ضرورة احترام قواعد الاشتباك والقوانين التي تحمي المدنيين في مناطق النزاع. يتضمن القانون الدولي الإنساني التزامات صارمة للدول التي تشارك في النزاعات المسلحة، ويدعو إلى ضرورة حماية المدنيين ومنع الهجمات العشوائية أو الاستخدام المفرط للقوة.أمن ألمانيا القومي ـ توسيع صادرات الأسلحة إلى إسرائيل بشكل كبير
**
3 ـ أمن ألمانيا القومي ـ ما قدرات الجيش الألماني لمواجهة التهديدات المحتملة؟
متغيرات جيوسياسية متسارعة طفت على الساحة الدولية خلال العشر سنوات الأخيرة، أجبرت ألمانيا على إحداث تغييرات جذرية في استراتيجيتها العسكرية، التي تأسست وفقاً لمفهوم الدفاع الجماعي وتماهت مع سياسات حلف شمال الأطلسي على مدار أكثر من ثلاثة عقود، ولكن مسألة العودة إلى تسليح الجيش بأحدث المعدات ودراسة عودة التجنيد العسكري الإجباري، وتخصيص أموال ضخمة من الميزانية للإنفاق العسكري، تعد مرحلة شديدة التعقيد ومحاطة بتحديات سياسية واختلاف مواقف الأحزاب من هذا التوجه، وربما التحديات الأمنية الراهنة من تصاعد المعارك بين روسيا وأوكرانيا والمخاوف بشأن مصير الناتو، وزيادة التوترات في منطقة الشرق الأوسط، تجعل ألمانيا أمام خياراً وحيداً بتجهيز قواتها المسلحة للتصدي لمعطيات المرحلة الجديدة.
قدرات الجيش الألماني
تمتلك ألمانيا جيشاً بقوة عسكرية تبلغ (260) ألف عنصر، ويرتدي الزي العسكري منهم (183) ألفاً و(695) جندي فقط، ويعمل الباقي في وظائف مدنية، ويعمل (64) ألفاً بالقوات البرية، و(30) ألفا بالقوات الجوية، و(17) ألفا بالقوات البحرية، بحسب تقديرات حتى ديسمبر 2023. يعد الجيش الألماني ضمن أكبر (30) قوة عسكرية دولياً، ويأتي في المرتبة (4) أوروبياً، ويحتل المرتبة (7) في تمويل الجيوش على مستوى العالم. لدى ألمانيا (674) مركبة قتالية للمشاة، و(284) دبابة قتالية من نوع “ليوبارد” و(121) قطعة مدفعية من عيار (155) ملم، و(226) طائرة مقاتلة من طراز “تورنادو” و”يوروفيتر” و(8) فرقاطات، وتعمل أقل من (30%) من السفن التابعة للبحرية الألمانية بشكل كامل.
تبنت ألمانيا سياسة “بناء الردع” في 2022، بإنشاء صندوق لدعم الجيش بقيمة (200) مليار يورو، وتعهدت للناتو بإنفاق (2%) من الناتج المحلي بداية من 2024، ما يعني إنفاق (85) مليار يورو سنوياً على الأغراض العسكرية. ووصلت ميزانية 2024 (51.8) مليار يورو، ولكن إضافة مخصصات الصندوق وأسهم دفاعية أخرى، يقرب ألمانيا من الوفاء بالتزاماتها للناتو. دشنت ألمانيا استراتيجية الأمن القومي في يونيو 2023، وتحدد الاستراتيجية الدفاع والمرونة والاستدامة لمواجهة تهديدات روسيا والصين في ظل النظام العالمي الجديد متعدد الأقطاب. ووافقت الحكومة الألمانية في نوفمبر 2023، على وثيقة للدفاع العسكري والمدني بديلة لمبادئ 1989، وتتضمن استراتيجية الأمن القومي وتحدد مهام الجيش الألماني، وتتناول التهديدات السيبرانية وتحديات تواجه الأمن الأورو-أطلسي.
قدم وزير الدفاع الألماني بوريس بيستوريوس في أبريل 2024، خطة لإعادة تأهيل الجيش، بدمج القيادة الإقليمية السابقة للدفاع الوطني والقيادة العملياتية للبعثات الأجنبية، تحت قيادة عسكرية عملياتية واحدة، وتوسيع قسم “المعلومات والسايبر” لحماية البنية التحتية وتحليل التهديدات السيبرانية، وتستهدف الخطة أن يصبح الجيش قادراً على الدفاع في 2029، بزيادة الميزانية (6.5) مليار يورو في 2025، وتطبيق زيادة طويلة الأمد بالإنفاق الدفاعي الألماني.تحولت العقيدة العسكرية الألمانية بإنشاء أول قاعدة خارج حدودها منذ الحرب العالمية الثانية، وفي أغسطس 2024 بدأت ألمانيا بتأسيس قاعدة عسكرية في ليتوانيا بقيمة (6-9) مليارات يورو، تستوعب (5) آلاف جندي وبتكلفة تشغيل سنوية (800) مليون يورو.أمن ألمانيا القومي ـ السياسة الخارجية والأمن الألماني، التهديدات والتحديات
تحديات أمام تسليح الجيش الألماني
تسليح قديم: رغم أن ألمانيا من أكبر مصدري السلاح بالعالم، وتحتل المركز (5) بنسبة (4.2%) من التصدير العالمي في الفترة (2018-2022)، إلا أن هذه الصناعة لم تنعكس على القوات المسلحة الألمانية، بل تعاني من نقص في المعدات والتجهيزات، ووعد وزير الدفاع الألماني بوريس بيستوريوس، بتغيير هذا الوضع بحلول 2030. وأبدت مفوضة البوندستاغ لشؤون الدفاع إيفا هوغل استيائها في مارس 2024، من بطء عملية تحديث الجيش الألماني، منوهة إلى حاجة ألمانيا لشراء ذخيرة بقيمة (20) مليار يورو.
التجنيد الإجباري: شجعت ألمانيا على الخدمة التطوعية في 2011، وتشير الأرقام إلى تراجع الجنود في 2023 بـ (1500) عنصر مقارنة بعام 2022، بينما تسعى ألمانيا للوصول إلى (200) ألف جندي بحلول 2030. وفتحت ألمانيا ملف إعادة التجنيد الإجباري مرة أخرى، وتدعم المعارضة بحزبي الاتحاد الاجتماعي المسيحي والاتحاد الديمقراطي المسيحي عودته، وتتردد أحزب الائتلاف الحاكم حول إمكانية تطبيقه، بينما ينتقد وزير الدفاع بوريس بيستوريوس إيقاف الخدمة العسكرية الإجبارية، وينتقد معارضون التجنيد الإلزامي لاعتبارات حرية الاختيار، وتأثير التجنيد على عدد العاملين في سوق العمل.
الإنفاق المالي: استجابة ألمانيا لتعزيز تسليح جيشها جاءت ضعيفة مقارنة بروسيا ودول أوروبية أخرى، رغم تقديم أسلحة من مخزونها لأوكرانيا، وبدأت في يوليو 2023 تزيد الطلبات الألمانية لاستبدال (18) دبابة و(22) مدفع هاوتزر، ومن المتوقع تسلم (105) دبابة ليوبارد بحلول 2030. إعادة تسليح ألمانيا لا يتناسب مع معدلات إنتاجها للقذائف والمعدات، ما يجعلها غير مستعدة لتوفير الردع المتوقع قبل (8) أعوام. وتحتاج ألمانيا إلى تخصيص موارد كافية لضمان استقرار الإنتاج العسكري، خاصة وأن الالتزامات غير المؤكدة تعيق الاستثمارات طويلة الأجل، والطلبات المحدودة ترفع أسعار المعدات العسكرية.
تكامل السوق الأوروبي: محاولة ألمانيا للاستفادة من استراتيجية أوروبا الدفاعية الجديدة، لتعويض النقص في الذخيرة والأسلحة ليس بالأمر السهل، فبعض الشركات الأوروبية لا يكفي إنتاجها احتياجات دول الاتحاد الأوروبي، بجانب أن عدد قليل من الدول الأوروبية لديها صناعة أسلحة ثقيلة، والوضع يتطلب اتفاقية لتخصيص تصنيع بعض التكنولوجيات الرئيسية لصالح دولة واحدة، ما قد يعيق مسألة التكامل ويدفع الدول إلى الاعتماد على الولايات المتحدة.أمن ألمانيا القومي ـ مصادر التهديدات الأمنية والتدابير
موقف الحكومة من انتقادات تسليح الجيش الألماني
رداً على انتقادات تأخر تسليح الجيش الألماني، اقترح وزير الدفاع بوريس بيستوريوس، في 12 يونيو 2024، نموذجاً للمشاركة التطوعية في الجيش، بجانب عناصر إلزامية إذا تطلب الأمر، فالمساهمة الألمانية بالناتو ستتطلب (460) ألف جندي على المدى الطويل. بهذه الخطوة تريد ألمانيا ضمان جاهزية الجيش لمواجهة التهديدات المحتملة، لذا تحدث المستشار الألماني أولاف شولتز عن ميزانية دفاع تقدر بـ (80) مليار يورو بداية من 2028. أكد معهد الاقتصاد العالمي (IFW) أنه لا يمكن مقارنة الجيش الألماني في الحرب الباردة -كانت تبلغ عناصره (500) ألف جندي- ومخزونه من الدبابات والطائرات، بعدد عناصره ومخزونه من الأسلحة بعد (3) عقود واندلاع الحرب الأوكرانية، لذا ستصبح ميزانية الجيش نقطة نقاش بين الحكومة والمعارضة حتى 2025.
موقف الأحزاب السياسية من تسليح الجيش الألماني
انقسمت الأحزاب الألمانية بشأن تسليح الجيش، ورغم مطالبة الحزب الاشتراكي الديمقراطي بتخصيص الأموال لقطاعات أخرى بعد حرب أوكرانيا، تغير الموقف بإعلان المستشار الألماني أولاف شولتز إنفاقاً خاصاً بقيمة (100) مليار يورو للدفاع لشراء المعدات العسكرية، ووافقت لجنة الدفاع بالبوندستاغ على (41) مليار يورو للقوات الجوية، وخصصت ميزانية 2024 بنحو (51.8) مليار يورو للدفاع، وهي نسبة أقل من محددات الناتو.
زيادة ميزانية الدفاع بنسبة (6.5) مليار يورو في 2025، تسببت في جدل بين الأحزاب بالبرلمان، واعتبر خبير الميزانية في الحزب الاشتراكي الديمقراطي أندرياس شوارتز، أن المحادثات بشأن الميزانية لا يتوافق مع متطلبات الدفاع، وطالب الخبير الأمني بالاتحاد الديمقراطي المسيحي روديريش كيسفيتر، بإعادة ترتيب أولويات الميزانية حتى تصبح ميزانية الجيش مستقرة ومتزايدة. وقال خبير شؤون الدفاع بالكتلة البرلمانية لحزب الاتحاد الديمقراطي المسيحي رودريش كيزيفتر، إن الجيش بحاجة لمزيد من الأموال لمواجهة أي تهديدات محتملة.
اعترض بعض الأعضاء بحزبي الخضر والاشتراكي الديمقراطي على زيادة ميزانية الجيش، لتضرر بنود المساعدات الاجتماعية ومعاشات التقاعد، وفي المقابل دافع نواب برلمان عن تصريحات شولتز بشأن الميزانية، مؤكدين أن الأمن الداخلي والخارجي لا يمكن وضعهما في مواجهة التماسك الاجتماعي. ترى رئيسة حزب الخضر ريكاردا لانغ، ضرورة ضمان ميزانية الدفاع خارج الميزانية الراهنة، وعدم وضع الأمن في مواجهة الأمن الاجتماعي بالبلاد، مطالبة بصندوق خاص جديد للجيش يضم ديوناً يتم اقتراضها من خارج الميزانية. وأبدى الحزب الليبرالي ترحيبه بزيادة نفقات الجيش لتمويل الأفراد والتسليح، مع تعديل أولويات الميزانية وخفض الإنفاق الاجتماعي.أمن دولي ـ استراتيجية أوروبا للردع والدفاع
**
تقييم وقراءة مستقبلية
ـ إن الحكومة الألمانية بالكاد تدير حالياً استبدال الأسلحة التي ترسلها إلى أوكرانيا ــ حتى أن مخزونات البوندسفير”الدفاع” من أنظمة الدفاع الجوي ومدافع الهاوتزر انخفضت بشكل حاد.
ـ تحتاج ألمانيا ما يقرب من مائة عام لاستعادة القدرة العسكرية للجيش الألماني إلى مستويات عام 2004 ــ نتيجة لتقليص حجم القوات بشكل جذري من قِبَل الحكومات السابقة المتعاقبة وإعادة التسلح البطيئة والمتواضعة من قِبَل الإدارة الحالية.
ـ لاتوفر تفاصيل كافية طويلة الأجل لصناعة الدفاع الألمانية لتوسيع قدرتها الإنتاجية حيث أنه ليس من الواضح مقدار الأموال التي ستكون الحكومة على استعداد وقادرة على إنفاقها بمجرد استنفاد صندوق الدفاع الخاص بها البالغ 100 مليار يورو.
– تدرك ألمانيا الحاجة لتحديث الجيش الألماني وتعزيز قوتها الدفاعية واستعدادها لمواجهة التهديدات المحتملة بعد تصاعد التوترات العالمية، مثل حرب أوكرانيا.
– تسعى ألمانيا إلى لعب دور أكبر في السياسة الأمنية الأوروبية، مما يتطلب تحديث الجيش لتعزيز القدرة على المشاركة في العمليات المشتركة.
– تلتزم ألمانيا كعضو في حلف الناتو، بتحقيق أهداف الإنفاق العسكري، وتحديث الجيش يعكس التزام ألمانيا بتعزيز أمنها وأمن حلفائها.
– تشكل الخلافات السياسية التي تواجه ألمانيا في سياق تحديث جيشها وتعزيز قدراتها الدفاعية، عائقا لتطوير الجيش الألماني فهناك تباين في وجهات النظر حول كيفية الوفاء بالتزامات الناتو، وحول مستقبل التجنيد، وكيفية جذب الشباب للخدمة العسكرية
– من المتوقع أن تزيد الحكومة الألمانية من ميزانيتها الدفاعية لتلبية الأهداف المحددة في الناتو، وتطوير القدرات العسكرية لضمان توافر دعم لوجستي فعال ومبتكر، ولتعزيز القدرة على الانتشار السريع والاستجابة للأزمات.
**
تشكل صفقة الطائرات المسيرة بين ألمانيا وإسرائيل منعطفًا جديدًا في العلاقات العسكرية بين البلدين، حيث ترتكز على تعزيز القدرات الدفاعية الألمانية باستخدام تكنولوجيا متقدمة. بالنظر إلى السياق الحالي، تعكس هذه الصفقة تحولاً تدريجيًا في السياسة الدفاعية الألمانية، التي كانت تاريخيًا تفضل اتباع نهج أقل تدخلًا وابتعادًا عن النزاعات. يدعم مؤيدو الصفقة دورها في حماية المصالح الأمنية الوطنية وتعزيز الدفاعات الجوية، بينما ينتقدها المعارضون مشيرين إلى مخاطر توريط ألمانيا في صراعات غير مرغوبة.
بالنظر إلى الاتفاقية، يظهر أن ألمانيا تركز على الاستفادة من خبرة إسرائيل في تطوير الطائرات المسيرة للاستطلاع والردع، مع توخي الحذر بشأن الجوانب الهجومية. رغم أن الجانب الألماني يرى الصفقة استراتيجية للحفاظ على الأمن الداخلي، إلا أن النقد ينبع من مخاوف من إمكانية استخدام الطائرات المسيرة في عمليات لا تتوافق مع القانون الدولي، ما قد يعرض ألمانيا للانتقادات الدولية ويؤثر سلبًا على سمعتها كدولة داعمة للسلام.
يزداد الجدل حول هذه السرية، خاصة مع تصاعد الاعتماد على الطائرات المسيرة كأدوات حرب تعتمد على تقنيات متقدمة وقدرات تحكم عن بعد، ما يطرح تساؤلات حول ما إذا كانت ألمانيا تسعى إلى تحقيق استفادة استراتيجية طويلة الأمد، أم أنها تستغل التعاون مع إسرائيل لتحقيق أهداف لا تتماشى مع سياسات السلام التي تدعيها.
قد تؤثر صفقة الطائرات المسيرة بين ألمانيا وإسرائيل على العلاقات الإقليمية، إذ يشير بعض الخبراء إلى أن هذه الخطوة قد تحفز دولًا أوروبية أخرى على تعزيز تعاونها العسكري بشكل أكبر. على المدى الطويل، قد تسعى ألمانيا إلى أن تصبح لاعبًا محوريًا في سوق الصناعات العسكرية الأوروبية، ما يعزز من تنافسيتها مع الدول الأخرى.
يتوقع الخبراء استمرار ألمانيا في الاستثمار في تطوير الطائرات المسيرة وتقنيات الدفاع الحديثة، وذلك لتحقيق استقلالية أكبر وتقليل الاعتماد على مصادر خارجية. قد تسعى ألمانيا إلى تصنيع طائرات مسيرة محلية تتمتع بقدرات دفاعية متقدمة، تتوافق مع المعايير الدولية. إن تطور التكنولوجيا العسكرية الألمانية من شأنه أن يزيد من تأثير ألمانيا السياسي والأمني على الساحة العالمية، ويمهد الطريق لمشاركة ألمانية أوسع في مبادرات الأمن الإقليمي والدولي.
**
ـ م تعد استراتيجية الدفاع التقليدي التي اعتمدتها ألمانيا طوال عقود عقب نهاية الحرب الباردة، تجاري التحولات السياسية والعسكرية بأوروبا وبمنطقتي الشرق الأوسط وآسيا، خاصة وأن ألمانيا تعد من أهم شركاء الناتو بأوروبا ولها ثقل اقتصادي، لذا أصبح تحديث الجيش من حيث العدد والعتاد مسألة مفروغ منها. استقلالية دور الجيش في الأمور الأمنية داخل وخارج ألمانيا بعيداً عن الولايات المتحدة، وتوجيه إنتاج الأسلحة للجيش واستبدال الأسلحة القديمة بأخرى مستحدثة تمهيداً لتبني سياسة الردع والدفاع، مع الاحتفاظ بالمهام المنوطة بالجيش الألماني بالناتو والتزام ألمانيا بالإنفاق الدفاعي المتفق عليه بنحو (2%) من إجمالي الناتج المحلي، مهمة رئيسية أمام الحكومة الألمانية في السنوات العشر المقبلة.
ـ التوجه الدفاعي الجديد لألمانيا يصطدم بانتقادات بالداخل، حيث يعترض سياسيون وأحزاب على زيادة ميزانية الدفاع في وقت تعاني فيه قطاعات أخرى من أزمات مالية، ما يؤثر سلباً على المستوى المعيشي بالمجتمع، الأمر الذي يتطلب من الحكومة وضع بدائل لتمويل ميزانية الجيش وتسليحه، خاصة وأن بند الدفاع يحتاج لضخ أموال ضخمة لشراء معدات وأسلحة، ولضم أفراد جديدة للجيش في حال تطبيق التجنيد الإلزامي أو الخدمة التطوعية.
ـ تصاعد التهديدات الأمنية في العالم نظراً لاستمرار المعارك بين روسيا وأوكرانيا، وتشابك الوضع في الشرق الأوسط بالحرب على غزة، ودخول جبهة لبنان ضمن الصراع مع تبادل إيران وإسرائيل الهجمات العسكرية، يجبر ألمانيا على إقرار سياسات دفاعية تتماشى مع هذه التطورات المتسارعة، ومواكبة تحديث الصناعات الدفاعية بعد تقديمها أسلحة لأوكرانيا وإسرائيل في الأعوام الأخيرة.
ـ تأسيس ألمانيا لقاعدة عسكرية خارج أراضيها يعد تحولاً كبيراً في سياساتها الأمنية، وتتوافق مع رؤى الناتو في تقويض التوسع الروسي بالمنطقة، لاسيما وأن القاعدة تقع بالقرب من بيلاروسيا المتحالفة مع روسيا وجيب “كالينيجراد” الروسي، وترحب الولايات المتحدة بهذه الخطوة لرغبتها في تحويل قواتها وقواعدها العسكرية لمنطقة المحيطين الهادئ والهندي، وترك مسؤولية تأمين الناتو أهدافه بأوروبا إلى بعض دول الحلف وفي مقدمتها ألمانيا، رغم إدراكها أن تغيير استراتيجية ألمانيا العسكرية تحتاج لسنوات لتمكنها من أداء الدور الدفاعي ضد أي هجمات محتملة.
ـ التوقيت الراهن يحمل مؤشرات واضحة حول تولي ألمانيا، دوراً محورياً على المستويات الاقتصادية والسياسية والأمنية بالتكتل الأوروبي وداخل الناتو، وتعد الاستراتيجية الأمنية الأخيرة بداية هذا التحول بتحديد التهديدات القادمة من روسيا والصين وأيضاً الصناعات العسكرية والتكنولوجية، لذا من المتوقع أن تتجه ألمانيا لزيادة إنتاجها في تصنيع الأسلحة والدمج بين الجانبين العسكري والتكنولوجي في الصناعات الدفاعية، تعويضاً لنقص عدد عناصر الجيش وضعف تسليح القوة البحرية.
ـ التعاون بين ألمانيا ودول الاتحاد الأوروبي من ناحية، والشراكات مع أعضاء الناتو من ناحية أخرى، تصب في صالح خطة برلين الأمنية الجديدة، لتوسيع منافذ الحصول على أسلحة وطائرات تسد ثغرات الجيش الألماني، بجانب دعم الصناعات الدفاعية والاطلاع على الخطط الحديثة للجيوش للتعامل مع أي تهديدات محتملة لألمانيا والاتحاد الأوروبي داخل أوروبا، أو لمصالحهما خارج القارة الأوروبية.
رابط مختصر.. https://www.europarabct.com/?p=98220
*حقوق النشر محفوظة إلى المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الارهاب والاستخبارات
هوامش
Germany’s defense minister overhauls the military command as he seeks ‘war-capable’ armed forces
https://tinyurl.com/3yn2sexz
Germany rejects Russian criticism of new naval headquarters
https://tinyurl.com/3ybxz5ws
At least 5,000 German soldiers to be based near Lithuania’s border with Belarus
https://tinyurl.com/zna2wapk
تعزيز قوة الردع.. تطور دور الجيش الألماني ضمن الناتو
https://tinyurl.com/mv53v7t9
**
Israel may be using German-leased Heron war drones
Germany to support Israel in its defence efforts with two drones, minister says
Germany Allows Israel To Use Two Of Its Combat Drones
أمن دولي ـ ألمانيا وحرب الطائرات بدون طيار في الشرق الأوسط
**
The challenge ahead for Germany’s armed forces
Fit for war in decades: sluggish German rearmament versus surging Russian defence production
ألمانيا – هل يتم تحديث الجيش على حساب المساعدات الاجتماعية؟
German brigade entering Lithuania is a welcome change for NATO
