خاص ـ المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والاستخبارات ـ ألمانيا وهولندا ECCI
أعلنت ألمانيا والنرويج في 21 يوليو 2025 أنهما تعملان على صياغة معاهدة دفاع ثنائية، وهي الأحدث في سلسلة من الاتفاقيات الأمنية الأخيرة بين الدول الأوروبية. ومن المفترض أن تعمل المعاهدة، التي من المقرر أن يُعدّها وزيرا الدفاع في كلا البلدين، على تعزيز التعاون الدفاعي بين البلدين، والذي تكثف منذ بداية الغزو الروسي الكامل لأوكرانيا. وتعد برلين وأوسلو من بين الداعمين الرئيسيين للمبادرة الأخيرة التي اتخذها أعضاء حلف شمال الأطلسي الأوروبيون لشراء معدات دفاعية أميركية الصنع لأوكرانيا.
حثّ وزراء دفاع الدولتين حلف شمال الأطلسي على تحسين حماية البنية التحتية الأوروبية تحت الماء، وسط مخاوف من أعمال تخريب مشتبه بها، منسوبة إلى روسيا والصين، في الأشهر الأخيرة. وفي إعلان مشترك صدر في 21 يوليو 2025، أكدت ألمانيا والنرويج أن شراكتهما الوثيقة ترتكز على “قيم مشتركة”، مؤكدتين التزامهما المشترك من أجل الأمن البحري، فضلاً عن التعاون الوثيق على الأرض وحتى في الفضاء.
تعزيز الهياكل الدفاعية الأوروبية
ومن شأن المعاهدة المخطط لها أن تُضاف إلى الجهود الأوسع نطاقًا لتعزيز الهياكل الدفاعية الأوروبية من خلال اتفاقيات ثنائية، في مواجهة التهديدات من روسيا والانسحاب المحتمل لأميركا من البنية الأمنية للقارة في عهد دونالد ترامب.
أكد المستشار فريدريش ميرز في مؤتمر صحفي مع نظيره النرويجي يوناس جار ستور في برلين: “إذا كان هناك أي شيء جيد في هذه الحرب المستمرة في أوكرانيا، فهو أنها تجمعنا نحن الأوروبيين معًا”. وأضاف: “أن هذه الجهود تركز على الدول غير الأعضاء في الاتحاد الأوروبي مثل النرويج وبريطانيا، لكنه أكد أن هذا لا يتناقض مع سياستنا الأوروبية”. ويجري التوصل إلى هذه الاتفاقيات بالتوازي مع الهياكل الدفاعية لحلف شمال الأطلسي، والتي تلزم بالفعل معظم الحلفاء الأوروبيين.
وقّعت ألمانيا معاهدة شاملة مع المملكة المتحدة خلال يوليو 2025، أُطلق عليها اسم “معاهدة كنسينغتون”، والتي تتضمن التزامًا بشراكة أمنية أوثق، استنادًا إلى اتفاق التعاون الوزاري الذي تم التوصل إليه العام 2024. وأعلنت بريطانيا وفرنسا أنهما ستبدآن تنسيق ردعهما النووي المستقل لأول مرة. كما تخطط باريس وبرلين لتكثيف علاقاتهما الدفاعية خلال العام 2025.
أصبحت البلدان الثلاثة الآن ملزمة باتفاقيات مستقلة للمساعدة المتبادلة، لتُكمّل اتفاقية المادة الخامسة لحلف شمال الأطلسي. وتُشكّل هذه المجموعة غير الرسمية، المعروفة باسم E3، والتي شهدت انتعاشًا خلال العام 2025 بما يتماشى مع صيغ متعددة الأطراف أخرى، وتُستخدم بشكل متزايد لرسم مسار مشترك بشأن السياسة الخارجية والأمنية، حيث لا يملك الاتحاد الأوروبي أي اختصاص.
تقييم وقراءة مستقبلية
تعكس المعاهدة الدفاعية المرتقبة بين ألمانيا والنرويج توجّهًا أوروبيًا متسارعًا نحو تعزيز الأمن القاري عبر اتفاقات ثنائية وجماعية، في ظلّ تصاعد التهديدات الجيوسياسية، خاصة من روسيا، وعدم اليقين بشأن استمرارية الدعم الأميركي لأوروبا.
هذه المعاهدة، التي تأتي ضمن موجة من التحركات الدفاعية الأوروبية خلال عام 2025، تشير إلى إعادة رسم هيكلية الأمن الأوروبي بعيدًا عن الاعتماد الكامل على حلف شمال الأطلسي، خاصة في ظل التغيرات السياسية في الولايات المتحدة.
التركيز المتزايد على حماية البنية التحتية الحيوية، وخاصة تحت الماء، يُظهر قلقًا أوروبيًا حقيقيًا من أعمال تخريب غير تقليدية يُشتبه في ارتباطها بروسيا والصين. ويبرز هنا دور ألمانيا والنرويج كقوتين محوريتين في أمن شمال أوروبا، بالنظر إلى موقع النرويج الاستراتيجي وأهمية الاقتصاد البحري لكلا البلدين.
المعاهدة المحتملة تُعد حلقة ضمن سلسلة من الاتفاقات الدفاعية، منها “معاهدة كنسينغتون” بين ألمانيا وبريطانيا، والتقارب الفرنسي البريطاني النووي، والتنسيق المتزايد بين دول E3. هذه الصيَغ لا تهدف إلى تهميش حلف الناتو بل إلى تقويته من الداخل، عبر تنويع أدوات الردع ورفع الجاهزية الأوروبية المستقلة.
بات متوقعًا أن تشهد أوروبا مزيدًا من الاتفاقات الثنائية والمتعددة بين الدول الأوروبية، لا سيما مع الدول غير الأعضاء في الاتحاد الأوروبي. ومع تصاعد دور تكتلات مثل E3، قد تتبلور منظومة أمنية أوروبية هجينة، تجمع بين الناتو والاتحاد الأوروبي وصيغ مستقلة، بهدف تعزيز المرونة الاستراتيجية في مواجهة التحديات الراهنة والمستقبلية، وفي مقدمتها الحرب في أوكرانيا والانكفاء الأميركي المحتمل.
رابط مختصر.. https://www.europarabct.com/?p=106442
